مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2942

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾[1].

    تتحدّث الآية عن كلام واحتجاج إبراهيم (عليه السلام) مع وليّ أمره آزر، الذي كان عابداً للصنم ومشركاً بالله تعالى، وبما أنّه قد جعل وجوب الاتّباع في هذه الآية منوطاً بعلم إبراهيم وعدم وجوده عند آزر، فيستفاد منها أنَّ على كلّ جاهل أن يتّبع العالِم، أي أن يجعل إرادة العالم واختياره مكان إرادة نفسه واختيارها، وأن يقدّمهما على إرادته واختياره، ويجعلهما مكان طلباته ورغباته.
    وعندها سوف ينال ذلك الجاهل مقصوده إثر اتّباعه للعالم، وسوف‌ يتمتّع بالمواهب الإلهيّة التي جُعلت للإنسان في الصراط المستقيم.
    وقد بُيّن في هذه الآية أيضاً تعليل الحكم، أي أنّه ليس في الآية إشعار بعلّة الحكم فحسب، كما يقال في المباحث الاصوليّة من أنَّ: تَعْليقُ الحُكْمِ عَلَى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّة كأن يقول المولى: أكْرِمْ زَيْدا العادِل، فهنا تعليق وجوب إكرام زيد على عنوان العدالة مشعر بعلّيّة وصف العدالة للإكرام، فهذا يسمّي إشعارا، وكلامنا في الدلالة، إذ دلالة هذه الآية في الحقيقة فيها تنصيص وبيان لملاك ومناط الحكم، مثل: لا تَشْرَبِ الخَمْرَ لأنَّهُ مُسْكِر، ذلك لأنّنا بعد أن نستفيد العلّيّة هنا، ندرك أنَّ سبب حرمة شرب الخمر هو إسكاره.
    والأمر هنا كذلك أيضاً، فإبراهيم يقول لآزر: اتّبعني لكي أهديك إلى الصراط المستقيم والطريق السويّ والثابت، وذلك لأنّي أملك العلم، بينما أنت لا تملك ذلك، فـ «الفاء» في‌ ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾، إذَن للتفريع على الحكم السابق والأمر الذي يوجّهه إلى أبيه (عمّه آزر)، وهذا التفريع يفيد العلّيّة.
    ومن هنا يتحصّل أنّه قد صرّح في هذا الكلام بالعلّة والسبب في الاتّباع، لأنَّ أمر إبراهيم كان مقروناً بالدليل والبرهان، وهو أنّي امتلك العلم وأنت لا تمتلكه، وعلى هذا، فيجب عليك اتّباعي لكي أهديك إلى طريق السعادة والكمال الإنسانيّ وإظهار الاستعدادات المنطوية في وجودك.
    وهذا الأمر يستند إلى الغريزة الفطريّة وحكم العقل بوجوب رجوع‌ الجاهل إلى العالم، وبالطبع فإنَّ الحكم الشرعيّ أمر إبراهيم لعمّه آزر يترتّب عليه.
    ويمكننا استفادة أمرين من عموم الآية: -
    لزوم رجوع العامّي إلى العالم، فلأنَّ العامّي لا يعلم والعالم يعلم، والنبيّ إبراهيم (عليه السلام) أيضاً قد ألزم عمّه آزر بوجوب اتّباعه بهذا المناط والملاك.
    ولزوم رجوع العامّي إلى الأعلم فهو بسبب وجود نفس المناط والملاك فيه [أي ملاك أنَّ الجاهل لا يعلم والعالم يعلم] وذلك بمعنى أن اطّلاع وتبحّر وسعة علم وقدرة استنباط الأعلم أكثر، بينما اطّلاع العالم بالنسبة إلى الأعلم وقدرته العلميّة أقلّ وأضعف.
    وعلي هذا، توجد في جميع المسائل امور قد توصّل إليها الأعلم وأدركها بينما لم يتوصّل إليها العالم ولم يتعرّف إلى دقائقها، وإذا رجع‌ العامّي إلى العالم ولم يرجع إلى الأعلم فإنَّه قد رجع في هذه الامور والدقائق إلى غير العالم، بينما لو رجع في خصوص هذه المزايا إلى الأعلم فإنَّه قد اتّبع في الواقع العالم الذي هو الأعلم، وبالنتيجة قد رجع في جميع الامور والخصوصيّات التي يجهلها إلى العالم، سواء تلك الخصوصيّات التي يطّلع عليها كلّ من العالم والأعلم، أو الخصوصيّات التي يعرفها الأعلم فحسب.
    فعدّ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) اتّباع آزر له واجباً بنحو مطلق في جميع الامور والخصوصيّات والمزايا التي لا يعرفها آزر، وذلك لأنّه عالم.
    فيكون مفاد الآية: أيّها العمّ آزر! مهما كان مستوى عالميّتك فعلمك ضعيف، وطريقك غير مستو، وهو ملتو ومعوجّ، وما دمت تسير في طريقك فلن تصل إلى المقصد أبدا، أمّا إذا تركت طريقتك وسرت في الصراط السويّ والصراط المستقيم، في شعاع نوريّ وعلميّ، فسوف تصل إلى المقصد بسرعة.
    لذا قال له (عليه السلام): ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾، أي: أوضح لك طريقا مستقيما، ولم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق، كأنّه قال: لا تستنكف وهب أنّي وإيّاك في مسير، وعندي مزيّة معرفة بالهداية دونك.


    [1] سورة مريم، الآية: 43.

    ​
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...