إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التحقيق في حديث النبيّ: « لا تشدّ الرحّال إلاّ إلى ثلاثة »

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التحقيق في حديث النبيّ: « لا تشدّ الرحّال إلاّ إلى ثلاثة »

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لفت نظري -بالنظر لما في حوزتي من مصادر- أنّ هذا الحديث لم يحقّق علميّاً كما ينبغي أن يكون التحقيق كاملاً جامعاً تامّاً ؛ فمن عرض له بالبحث إثباتاً أو نفياً ، تناسى أن يذكر أنّه مُعَلٌّ بالاضطراب الكامل القبيح ، والتهافت التامّ الصريح ، من دون إمكانيّة الترجيح ، ومعلوم عند عامّة علماء الفريقين أنّ المضطرب من هذا القبيل ساقط عن الحجيّة بالمرّة .
    والمصيبة أنّ هناك جعجعة نسمعها بين الحين والآخر يلغو بها من لم يحفظ حديث رسول الرحمة k ، ولا فَقِهَ كتاب الله ، ولا أحاط بكلمات جمهور أهل العلم ، ولا أصول العربيّة ، ولا قوانين علم المصطلح..؛ فلقد جعجع هذا الضرب من أهل التخليط ؛ ابتداءً من ابن تيمية ومروراً بأتباعه فقالوا : بحرمة شدّ الرحال إلى قبور الأولياء والصالحين وزيارتهم ؛ استناداً للنهي الوارد في حديث شدّ الرحال الذي رواه البخاري قائلاً :
    حدثنا علي ، قال : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تشد الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى» ([1]).
    ووالله لا يكاد ينقضي العجب من هذا الاستدلال ، مع أنّ القواعد قاضية بحرمة هذا النمط منه بالاتّفاق ، كما أنّ الأصول حاكمة ببدعيّته في الاستنباط من دون أدنى كلام ؛ فمسلّمات الشرع حرّمت من دون ترديد الاعتماد على ما كان متنه مُعَلاً بالاضطراب ؛ فهذا أوّل ما بان خلال مجموع طرقه التائهة وتعدّد ألفاظه المتضاربة ؛ فالمقصود هو أنّنا إلى الآن لا نعرف كيف صدر الحديث الآنف عن النبي k وبأيّ لفظ؟!. فهذا ما تناسته أقلام العلماء ، لذلك وجب تسليط الضوء على هذه النقطة أكثر..
    وبلا تطويل فحديث البخاري الآنف ، هو ما جعجع به ابن تيمية به ، فمنع من شدّ الرّحل إلى قبر النبيّ من خلاله ، لكنّه يؤاخذ بعدّة أمور :
    أمّا أوّلاً : فالحديث مضطرب المتن اضطراباً كاملاً لا ترجيح فيه ، ولقد أجمع أهل العلم سنّة وشيعة بسقوط الحديث المضطرب من هذا الضرب عن الاعتماد بالاتّفاق ، واتفقوا على حرمة التمسّك به بالاطباق ؛ آية ذلك أنّ الإمام مسلم رواه في صحيحه -وبسند صحيح حتماً- بلفظ آخر عن نفس أبي هريرة قال : قال النبيّ k : «تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد...»([2]) .
    وتقريب الاضطراب أنّ حديث البخاري ناف وحديث مسلم مثبت ، فيتباينان ويتناقضان . فحديث مسلم لا نهي فيه ولا استثناء ، وبالتالي فلا حصر في المساجد الثلاثة دون غيرها ، وعلى هذا فإثبات شدّ الرحال إلى المساجد الثلاثة كما يروي صحيح مسلم لا ينفي الشدّ إلى ما عداها ؛ اتّفاقاً بين أهل العربيّة والمنطق ؛ بداهة أنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه . ومع هذا يبطل الاعتماد على ما أخرجه البخاري ؛ لاحتمال صدور الحديث كما رواه أبو هريرة عند مسلم ، بل هو الأرجح بمعونة إجماع الأمّة –إلاّ من شذّ- بجواز شدّ الرحال لزيارة قبور الأولياء والصالحين علاوة على المساجد الأخرى .
    وأمّا ثانياً : فلو سلّمنا –وقد اتّضح أنّ هذا مجازفة- بأنّ ما أخرجه البخاري ، هو الصادر عن رسول الله k دون ما أخرجه مسلم ؛ فالمتعيّن بطلان استفادة الحصر من الاستثناء إذا كان مفرّغاً ؛ لاحتمال أنّ الحكم خاص بموضوع المساجد دون ما عداها ؛ بمعنى مبغوضيّة شدّ الرحّال إلى أيّ مسجد في الدنيا إلاّ المساجد الثلاثة ، أمّا شدّ الرحال إلى تحصيل العلم ، وإلى زيارة الأرحام ، وإلى التجارة ، وإلى زيارة القبور بعامّة وقبور الصالحين بخاصّة...، فموضوع آخر لا يتعلّق به النهي ، بل هو خارج تخصّصاً عن متعلّق النهي .
    يشهد لذلك قطعاً وجزماً ، ما أخرجه مسلم ثانياً من طريق آخر قال : حدثنا هارون بن سعيد الأيلي ، حدثنا ابن وهب ، حدثني عبد الحميد بن جعفر أنّ عمران بن أبي أنس حدثه أنّ سلمان الأغر حدثه أنّه سمع أبا هريرة يخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيلياء»([3]) .
    وهو ظاهر في دوران الموضوع على عنوان المسجد دون ماعداه من العناوين الأخرى السائغة ، التي منها قبور الصالحين ، ومرّة أخرى فالحديث بهذا اللفظ يشككنا كثيراً بصدور ما أخرجه البخاري . وكلّ هذا مع التنزّل ؛ إذ قد ثبت أنّ النبيّ (ص) وجماعة من الصحابة قد شدّوا الرّحل إلى غير المساجد الثلاثة ، على ما سيتّضح في الأمر الرابع .
    وفي هذا قال ابن عابدين في حاشيته : والمعنى أنّه لا تشدّ الرحال لمسجد من المساجد إلاّ لهذه الثلاثة ؛ لما فيها من المضاعفة ، بخلاف بقية المساجد فإنّها متساوية في ذلك ، فلا يرد أنّه قد تشد الرحال لغير ذلك ؛ كصلة رحم ، وتعلّم علم ، وزيارة المشاهد كقبر النبي (ص) وقبر الخليل عليه السلام وسائر الأئمة([4]) .
    وقال الغزالي في كتاب الإحياء : ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء ، وكلّ من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرّك بزيارته بعد وفاته ، ويجوز شدّ الرحال لهذا الغرض ولا يمنع من هذا قوله (ص) : «لا تشدّ الرحال...» لأنّ ذلك في المساجد ؛ فإنّها متماثلة ([5]).
    وثالثاً : التمسّك بدلالة الاقتضاء ؛ أي ضرورة التقدير في حديث البخاري لو سلّمناه ؛ ووجهه أنّ الالتزام بالحصر فيما أخرجه البخاري ، يفضي لحرمة شدّ الرحال لأجل طلب العلم ، وللتجارة وغير ذلك ، ولم يقل به أحد من أهل القبلة ، لا شيعة ولا سنّة ، ولا حتّى ابن تيمية نفسه ، بل لا يقول به عاقل ذو مسكة ، فتعيّن التقدير فيه ، بالضبط كما أنّ التقدير متعيّن في قول النبي (ص) : « لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد» بكلمة : كاملة أو تامّة ؛ أي لا صلاة كاملة ؛ للقطع بفساد المعنى من دون هذا التقدير ؛ إذ لولا هذا التقدير للزم القول ببطلان صلاة جار المسجد فيما لو صلاّها في بيته ، وهو ضروريّ الفساد ..
    وفي الحقيقة فهذا هو الذي ألجأ فقهاء أهل السنّة للقطع باحتياج حديث البخاري إلى تقدير تمام الفضيلة والكمال ؛ بمعنى أنّ المنفي هو الفضيلة التامّة في شدّ الرحال لغير المساجد الثلاثة ، الأمر الذي لا يعني بوجه نفي مراتب الفضيلة في بقيّة المساجد الأخرى ..
    قال الإمام النووي في كتاب المجموع : قال إمام الحرمين : كان شيخي يفتي بالمنع من شدّ الرّحال إلى غير هذه الثلاثة لهذا الحديث ، قال : وربما كان يقول محرم..؛ قال الإمام (=إمام الحرمين) والظاهر أنّه ليس فيه تحريم ولا كراهة ، وبه قال الشيخ أبو علي ؛ ومقصود الحديث بيان القربة بقصد المساجد الثلاثة([6]) . أقول : ومعنى القربة هنا هو الثواب ، من باب الملازمة ؛ أي تفسير الملزوم باللازم الذي لا ينفكّ عن ملزومه .
    كما قد قال في شرح صحيح مسلم : واختلف العلماء في شد الرحال وأعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة ؛ كالذهاب إلى قبور الصالحين ، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك ؛ فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا : هو حرام ، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره . والصحيح عند أصحابنا ، وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون ، أنّه لا يحرم ولا يكره..؛ قالوا : والمراد أنّ الفضيلة التامة إنّما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة([7]) . أقول : قوله : والصحيح عند أصحابنا . يشعر بل هو ظاهر في إجماع الشافعيّة على ذلك ، فاحفظ هذا.
    بل نقل الإمام الصنعاني ذلك عن الجمهور حيث قال : وذهب الجمهور إلى أنّ ذلك غير محرم([8]). أقول : يعني بالجمهور أهل السنة .
    وقال ابن قدامة في المغني : «لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» يحمل على نفي التفضيل لا على التحريم([9]) . والعجيب أنّ ابن تيمية الذي ألصق نفسه بالمذهب الحنبلي عارض حتّى مصادر مذهبه الأساس ؛ تلك التي عليها مدار فقه الحنابلة من مثل كتاب المغني لابن قدامة والشرح الكبير لابن قدامة الآخر وغيرها!!. ومن ذلك ما ذكره أبو اسحاق الحنبلي في كتابه المبدع (وهو أحد مصادر الحنابلة المهمّة) : والحديث محمول على نفي الفضيلة([10]).
    وقال ابن حجر في الفتح : والحاصل إنّهم الزموا بن تيمية بتحريم شدّ الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنكرنا صورة ذلك ، وفي شرح ذلك من الطرفين طول ، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيميه([11]) . أقول : فتأمّل في قوله : من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية.
    ورابعاً : بطلان الحصر بفعل النبي (ص) وبسلوك الصحابة الكبار ؛ فقد أخرج البخاري نفسه بسنده الصحيح عن الصحابي عبد الله بن عمر ، قال : كان النبي (ص) يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يفعله([12]) .
    أقول : وهو نصّ صريح في أنّ النبيّ (ص) نفسه قد شدّ الرحل لغير المساجد الثلاثة ، وبهذا يبطل التمسّك بحديث البخاري : « لا تشدّ الرحال » للقول بالحرمة ، لهذه المعارضة التامّة والتنافي المطلق ، وأنبّه إلى أنّه لا معارضة ولا تنافي إلاّ عند من يقول بحرمة شدّ الرحل ، أمّا عند المجوّزين فلا معارضة ولا تناف على ما عرفت ..
    ويشهد أيضاً لجواز شدّ الرحل لغير المساجد الثلاثة ما أخرجه ابن شبة بسنده الصحيح عن عائشة بنت الصحابي سعد بن أبي وقّاص ، قالت سمعت أبي يقول : لئِن أصلّي في مسجد قباء ركعتين ، أحب إليّ من أن آتي بيت المقدس مرتين..؛ لو يعلمون ما في قباء ، لضربوا إليه أكباد الإبل([13]). وقد اعترف ابن حجر في الفتح بصحّة سند خبر عائشة بنت سعد ([14]).



    ([1]) صحيح البخاري 2 : 56 .

    ([2]) صحيح مسلم 4 : 126 .

    ([3]) صحيح مسلم 4 : 126 .

    ([4]) حاشية ردّ المختار (ابن عابدين) 2 : 689 .

    ([5]) إحياء علوم الدّين (الغزالي) 2 : 247 .

    ([6]) المجموع (الإمام النووي) 8 : 475 .

    ([7]) شرح صحيح مسلم (الإمام النووي) 9 : 106 .

    ([8]) سبل السلام (الصنعاني) 2 : 177.

    ([9]) المغني (ابن قدامة) 2 : 104 .

    ([10]) المبدع في شرح المقنع (أبو اسحاق ابن مفلح الحنبلي) 2 : 107 .

    ([11]) فتح الباري (ابن حجر) 3 : 53 .

    ([12]) صحيح البخاري 2 : 57 .

    ([13]) تاريخ المدينة (ابن شبة) 1 : 42 .

    ([14]) فتح الباري (ابن حجر) 3 : 56 .



المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X