إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الحوراء زينب عليها السلام بعد كربلاء إلى الشهادة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الحوراء زينب عليها السلام بعد كربلاء إلى الشهادة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ممّا قالته العقيلة في توبيخ يزيد: ".. فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، ونَاصِبْ جَهْدَكَ، فَوَاللهِ لاَ تَمْحُو ذِكْرَنَا، ولاَ تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلاَ تُدْركُ أَمَدَنَا، وَلاَ تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا..."[1].
    من أعظم بطولات الحوراء زينب عليها السلام أنّ واقعة السبي والأسر لم تفرض عليها التكيّف مع الواقع كيفما كان, ولم يدفعها الخوف من إيثار السلامة والدّعة على المواجهة والتحدّي, ولم يمنعها انكسار السيف في كربلاء من مواجهة الانحراف بل بقي صوتها العالي شاهد صدق في محكمة التاريخ, على عظم الجريمة التي جرت في كربلاء, وعظيم المواجهة التي واجهت بها قوى الظلام قائلة: فوالله لا تمحو ذكرنا, ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا.
    تحرَّك موكب سبايا أهل البيت عليهم السلام من كربلاء المقدّسة نحو مدينة الكوفة وهو يقطع الصحاري، في الحادي عشر من المحرّم سنة 61 هـ، وقد حمل جيش عمر بن سعد السبايا على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غطاء، وساقوهم كما يساق سبي الترك والروم في أشدّ المصائب، وتتقدّمهم الرؤوس على الرماح، حتّى دخل الركب الكوفة في اليوم الثاني عشر من المحرَّم سنة 61 هـ، واقتسمت القبائل الرؤوس بينها...[2].
    عظمة الصبر وتحمّل المصيبة في عين الله: حينما حدثت الفاجعة الكبرى بمقتل أخيها الحسين عليه السلام خرجت السيّدة زينب تعدو نحو ساحة المعركة، تبحث عن جسد أخيها الحسين بين القتلى غير عابئة بالأعداء المدجّجين بالسلاح، فلمّا وقفت على جثمان أخيها الحسين وضعت يدها تحت جسده الطاهر
    المقطّع ورفعته نحو السماء وهي تدعو الله قائلة "اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان"[3].
    ويلكم يا أهل الكوفة: لمّا دخل موكب السبايا الكوفة، توجّه نحو قصر الإمارة، مُخترقاً جموع أهل الكوفة المحتشدين في الشوارع وهم يبكون لما حلَّ بالبيت النبويّ الكريم، قال بشير بن خزيم الأسدي: ونظرت إلى زينب بنت عليّ يومئذٍ، ولم أر خفرة والله أنطق منها، كأنّها تفرع من لسان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدّت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثمّ قالت: " الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلاَةُ عَلىَ جَدِّي مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَخْيَارِ,أمّا بَعْدُ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، يَا أَهْلَ الْخَتْلِ والْغَدْرِ، أَتَبْكُونَ؟! فَلَا رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ، ولَا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً، تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ...َأتَبْكُونَ وَتَنْتَحِبُونَ؟! إِيْ وَاللهِ فَابْكُوا كَثِيراً، واضْحَكُوا قَلِيلاً، فَلَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِعَارِهَا وَشَناَرِهَا...وَيْلَكُمْ يَا أَهلَ الْكُوفَةِ، أَتَدْرُونَ أَيَّ كَبِدٍ لِرَسُولِ اللهِ فَرَيْتُم؟! وَأيَّ كَرِيمَةٍ لَهُ أبْرَزتُمْ؟! وَأَيَّ دَم لَهُ سَفَكْتُمْ؟! وَأّيَّ حُرْمَةٍ لَهُ انتَهَكْتُمْ؟! لَقَدْ جِئْتُمْ بِهَا صَلعَاءَ عَنْقَاءَ سَوْدَاءَ فَقُمَاءَ...أَفَعَجِبْتُمْ أَنْ مَطَرَتِ السَّمَاءُ دَماً، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزىَ وَأَنْتُمْ لاَ تُنْصَرُونَ.."[4].
    وخلاصة ما أرادت إيصاله إليهم:
    إيضاح الصورة للرأي العامّ وإثارتهم على الأمويّين، وإظهار المصيبة الكبرى التي داهمت العالم الإسلاميّ بقتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه و آله وسلموتحميل الكوفيّين مسؤوليّة هذه الجريمة النكراء.
    شجاعة عليّ وثبات الحسين في مواجهة ابن زياد: لمّا سأل ابن مرجانة عنها، فقال: مَن هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟ أعرضت عنه احتقاراً واستهانة به، وكرّر السؤال فلم تجبه، فأجابته إحدى السيّدات: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم. فقال لها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأبطل أحدوثتكم.
    فأجابته عليها السلام بشجاعة أبيها محتقرة له قائلة: "الحمْدُ للهِ الَّذي أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ، وَطَهَّرَنَا مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِيراً، إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا يَا بْنَ مَرْجَانَة"[5].
    ما رأيت إلّا جميلاً: وكذلك عندما خاطبها مستهزئاً: كيف رأيت صنع الله بأخيك؟ فأجابته حفيدة الرسول بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة: "ما رَأَيْتُ إِلّا جَمِيلاً، هؤُلاَءَ قَوْم كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْقَتَلَ، فَبَرَزُوا إِلى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمعُ اللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلَجُ يَومَئِذٍ، ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ يا بْنَ مَرْجَانَةَ.."[6].
    الدفاع عن الإمام والإمامة: وأدار ابن مرجانة بصره في بقيّة الأسرى من أهل البيت فوقع بصره على الإمام زين العابدين، وقد أنهكته العلّة فسأله: مَن أنت؟ فقال عليه السلام: عليّ بن الحسين.. - بعد حوار مع الإمام - فالتفت إلى بعض جلّاديه فقال له: خذ هذا الغلام واضرب عنقه, فانبرت العقيلة بشجاعة لا يرهبها سلطان، فاحتضنت ابن أخيها، وقالت لابن مرجانة: " يَا بْنَ زِيَادٍ, إِنَّكَ لَمْ تُبْقِ مِنّا أَحَداً، فَإنْ كنت عَزَمْتَ عَلى قَتْلِهِ فَاقْتُلْني مَعَهُ.."[7]. وبهر الطاغية وانخذل، وقال متعجّباً: دعوه لها، عجباً للرحم ودَّت أن تقتل معه.
    أَمِنَ العدل يا ابن الطلقاء: (المواجهة مع رأس الظلم): لمّا وصلت قافلة السبايا إلى مجلس الطاغية يزيد بن معاوية في الشام...، أظهر الطاغية فرحته الكبرى بإبادته لعترة رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وأخذ يهزّ أعطافه جذلان وراح يترنّم بالأبيات التي مطلعها:
    لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدرٍ شهدوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِـنْ وَقْعِ الأَسَلْ
    ولمّا سمعت العقيلة هذه الأبيات ألقت خطبتها الشهيرة بفصاحة وشجاعة أبيها عليّ عليه السلام وقد ضمّنتها أعنّف المواقف لفرعون عصره يزيد وممّا قالته عليها السلام: "الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،وَصَلَّى اللهُ عَلىَ مُحَمّدَ وآلِهِ أَجْمَعِيَن، صَدَقَ اللهُ كَذَلكَ يَقُولُ: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون[8]..
    وَلَئِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ، وَأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيخَكَ، لَكِنِ الْعُيُونُ عَبْرىَ، وَالصُّدَورُ حَرّىَ.أَلاَ فَالعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِقَتْلِ حِزْبِ اللهِ النُّجبَاءِ بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطُّلَقَاء.

    أَمِنَ الْعَدْلِ يَا بْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإمَاءَكَ وَسوقَكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ سَبَايَا؟! قدْ هَتَكْتَ سُتورَهُنَّ، وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ، تَحْدُو بِهِنَّ الأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدِ إلى بلدٍ،.. وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالبَعِيدُ..

    أَللهُمَّ خُذْ بِحَقِّنَا، وَانتَقِمْ مِمَّنْ ظَلَمَنَا، وَاحْلُلْ غَضَبَكَ بِمَنْ سَفَكَ دِمَاءَنَا وَقَتَلَ حُمَاتَنَا. فَوَاللهِ مَا فَرَيْتَ إِلاَّ جِلْدَكَ، وَلا حَزَزْتَ إِلاَّ لَحْمَكَ، وَلَتَرِدَنَّ عَلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه و آله وسلم بِمَا تَحَمَّلْتَ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ ذُرّيَّتِهِ، وَانْتَهكْتَ مِنْ حُرْمَتِهِ فِي عِتْرَتِهِ وَلُحْمَتِهِ..[9].



    [1] بحار الأنوار, ج 45 ص 135.

    [2] اللهوف في قتلى الطفوف, ص 84.

    [3] حياة الإمام الحسين عليه السلام للقرشي, ج 2 ص 301.

    [4] لواعج الأشجان, ص 201.

    [5] بحار الأنوار, ج 45 ص 116.

    [6] المصدر السابق.

    [7] كتاب الفتوح, ج 5 ص 123.

    [8] سورة الروم: آية 10.

    [9] بحار الأنوار, ج 45 ص 134.



المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X