إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

العطاء الذاتي لحياة القائد المنتظر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • العطاء الذاتي لحياة القائد المنتظر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته

    إنّ ما أقصده بالعطاء الذاتي هو المردود النفسي الذي تعكسه قضية القائد المنتظر على ذواتنا.

    إنّ الحجم الذي تخلّفه من الأثر في نفوسنا ـ نحن المؤمنين بالقضية ـ من المكانة بنحو لا يمكن تغافله وتناسيه.


    وإنّني أحاول هنا أن استجلي صورة عن هذا العطاء.

    الأمل:

    لقد تحدّثت لكم شيئاً ما عن الأمل، ودور القضية في ترسيخه وتعميق جذوره في نفوسنا، وكيف نصبح هازئين بالظلم، رافضين لحكومة الظلم، غير مستسلمين، ولا واهنين.

    على ثقة كاملة بأنّ عمر الظلم قصير، وأن سيصبح الصبح، أليس الصبح بقريب.

    إنّ تجبّر الظلم، وكبرياء الطاغوت، وسيطرته على الأرض، وعلى شعوب الأرض، كل ذلك لا يثني عزمنا القاهر على المضي قدماً، فالنتيجة لنا، الطريق المزروع بالأشواك نحن قادرون على أن نقطعه بكل صبر وبسالة، والعزّة للمؤمنين.

    (وَأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ).(1)




    إنّ قضية القائد المنتظر هي مصدر قوّة.

    وليس كما يحسب بعض الناس أنّها بمثابة الكهف الذي نلجأ إليه عند الهزيمة.

    أبداً.. إنّها لن تقبل منّا الهزيمة، وتسخر من المهزومين.

    فحصون الباطل يجب أن تتحطّم.

    وأعواد عرش الطواغيت يجب أن تتكسّر.

    وسيموت كل الفراعنة، سيغرقون في نفس البحر الذي ملؤوه دماً، وستسيخ بهم الأرض.

    * * *

    التماسك:

    وسوى ذلك فإنّ قضية القائد المنتظر، ووجوده حيّاً بين صفوفنا، وفي داخل جبهتنا، يحفزنا على الشعور بالأصالة، والاستقلال، والحياة والقوّة.



    هناك فارق كبير في الوضع النفسي لأمّة لا تعرف قيادتها.

    أو لا تملك قيادة حية تتفاعل معها.

    ليس لها من تثق به.

    ليس لها من ترمي بطرفها إليه.

    إنّها أمّة ستذوب، وتتلاشى، وتتمزّق.

    ستأكلها الاتجاهات، وتميّلها الافتراقات.

    وتنصهر في الكل، وفي الأكثرية المحيطة بها.

    ستضيع ملامحها، وتفقد شخصيتها، وتنسى أصالتها واستقلاها.

    وتتوسّل للدخول ضمن الاتجاهات الأكثر قوّة، والأكثر منعة وتماسكاً.

    ما الذي يمنع الفئة القليلة من الذوبان، والاندكاك في الفئات الكبرى؟

    وما الذي يحصّن دائرتها من التلاشي في الدوائر الأخرى؟

    شيء واحد بالتأكيد...

    هو شعورها بأصالتها، واستقلالها، وثقتها بوجودها.

    مهما تملك هذه الفئة من فكر، ومن حق، فإنّ ذلك لا يدفع عنها خطر الانهيار، والتفلّل، والذوبان، ما لم تستشعر الثقة بنفسها، وقوّة كتلتها، وحيوية جبهتها، ووحدة صفّها.

    إنّ هذا الشعور هو الذي يقطع حبل الانهيار، والتحلّل والانصهار ضمن الأكثرية.

    والأمّة التي لا تعرف قيادتها، ولا تملك الثقة بأنّ قيادتها وراء الخط، تدبّر وتعمل، وتشهد، وتخطّط، وتنتهز الفرص للهجوم، إنّ مثل هذه الأمة تفقد الشعور بالمنعة، والحصانة.

    تفقد الشعور بالاستقلال، والوحدة.

    وعلى العكس من ذلك الأمة التي توطد حبل الاتصال مع قادتها، وتعرف جيداً أنّهم داخل الساحة، والأحداث لا تمرّ دون اطّلاعهم.

    هذه الأمّة مهما بلغت من الصغر، والقلّة.

    ومهما أحاطت بها الاتجاهات ذات الأكثرية الساحقة.

    إنّ هذه الأمّة وهذه الفئة تصبح ذات قناعة كافية لأن تقيها خطر الذوبان.

    وإذا كان الحديث عن جبهة التشيع فبوسعك أن تلاحظ معي:

    إنّ هذه الجبهة تحتضن الأقلية الضعيفة، والمطاردة.

    وكل التيارات التي شهدها تأريخ الإسلام وقفت ضد هذه الجبهة، وكانت ترى فيها الخطر الذي يقوّض كيانها لو قدّر لها أن تواصل نشاطها بقرار، وحرّية.

    ومع ذلك فإنّ قلعة التشيع لم تستسلم:

    وباتت غير مستسلمة حتى في حال غياب قائدها (الإمام الثاني عشر) من أهل البيت.

    وبالطبع فإنّها كانت معرّضة للتمزّق بغياب قائدها.

    وشيء من ذلك قد تحقق بالفعل.

    لقد كان الإمام يقول:

    (كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدىً ولا علم، يتبرّأ بعضكم من بعض).(2)

    لكن رغم كل ذلك فهاهي أحد عشر قرناً مضت على غيبة هذا القائد، والتشيع ما يزال راسخاً.

    والمؤمنون بهذا الخط لم يقتلهم الوهن، ولم يحدّ من نشاطهم الضعف، والقلّة، وحياة المطاردة.

    ترى ماذا كان وراء ذلك؟

    وكيف لم تذب هذه الفئة، كما ذابت معظم الفئات الأخرى؟

    لقد شهد التأريخ الإسلامي عشرات من الفرق الدينية، لكن يد المنون مسحت عليها، وانتهت.

    إنّها لم تصمد أمام أدنى الضغوط، أو أدنى الافتراقات.

    بينما ظلّ التشيع، رغم كل الأعاصير، والصدمات، والمكائد.

    رغم القلّة، والضعف، والتشتّت.

    ظلّ حيّاً راسخاً، معبّراً عن جوهر الإسلام.

    صارخاً بالحق، ساخراً بالظالمين، ومؤامرات الظالمين.

    ماذا كان وراء ذلك، والقائد محتجب؟!

    كيف لم يصب الانهيار عزائم الشيعة؟

    كيف لم يستسلموا للأكثرية الساحقة والقويّة.

    ما الذي شدّهم هذا الشدّ الوثيق بالمذهب.

    الشدّ الذي خابت معه كل محاولة للتمزيق والتفكيك.

    بلا شك كان وراء ذلك إيمان الشيعة بحياة قائدهم المغيّب، وأنّه معهم، وفي أوساطهم.

    يعيش همومهم، ويتمزّق قلبه ألماً لمآسيهم.

    يرقب حالهم، وجبهتهم.

    ينتظر.. ينتظر، كما هم في انتظار.

    هو مرتبط معهم، غير بعيد عنهم، ولا ناسٍ لقضيته وقضيتهم.

    فهناك وحدة في القضية، وهناك وحدة في المصير.

    إنّ هذا القائد الذي احتجب عن الرقابة التي تلاحقه، والذي ما يزال محتجباً ريثما تكون ساعة النصر قد أزفت، وريثما تكون شروط الثورة قد مثلت في الأفق.

    إنّ هذا القائد حي..

    ومن هذه الحياة تخفق قلوبنا بالحياة.

    ومن هذا النشاط نستمد النشاط، ونعرف كيف نعمل، وكيف يجب أن نتكتل.

    فنحن أمة لها أصالة، ولها استقلالها ما دامت قيادتها حية، صابرة مشرفة على الساحة.

    مادامت قيادتها غير ضائعة ولا واهنة.

    الفواصل الزمنية بيننا وبين هذا القائد معدومة.

    فلا داعي لاستشعار البعد، والدهشة، والافتراق عن القيادة.

    لأنّ هذه القيادة ما تزال حيّة، كما لو كانت وليدة عصرنا.

    دعنا نتصوّر ماذا يكون الوضع النفسي لو كنّا لا نملك هذا القائد، الذي نثق به ثقة مطلقة، والذي نثق بأنّه سيسحق كل الخصوم.

    هب أنّ الإمام المهدي عليه السلام قد مات في الستينات أو السبعينات من عمره الشريف.

    وفقدنا القيادة المعصومة والمظفرة.

    وأصبحنا ننتظر فقط مجيء مصلح قد تجود به يد الزمان في يوم من أيام المستقبل.

    ثمّ كنّا نواجه الصدمة تلو الصدمة.

    نواجه الذبح، والخنق، والسجن والتشريد.

    نواجه الدسائس الخبيثة التي تحرص على إبادتنا.

    ونحن قلّة، وضعاف، ومشرّدون.

    والناس ينظرون إلينا شزراً.

    والرجل الذي ننتظر صولته غير موجود.

    أليس كنا نقترب نفسياً إلى الهزيمة.

    نؤثر العافية، والسلم والأمان.

    فندخل ونموع في أحضان الأكثرية.

    نذوب كأننا الشمع.

    نفقد الشعور بأنّنا تكتّل رصين محقّ.

    في كل صدمة نفقد مجموعة من الأعوان الذين يُهزمون بفعل الصدمة والمحنة.

    انظروا كيف تمزّقت وبادت الفئات الأخرى، لدى أدنى صعوبة، وفي بداية الصراع؟

    كيف انتهى المعتزلة من الوجود، وانتهى مذهب الاعتزال، حينما انتفضت عليه السلطات؟

    إنّ تلك الفرق والمذاهب لم تواجه عشر العناء، والخطر الذي واجهه التشيع.

    حينما طوردت الفئات، وأصيبت بالشتات، وحين تمزّقت جغرافياً، ونفسياً، وفكرياً كانت قد حكمت على نفسها بالموت والفناء.

    أمّا جبهة التشيّع، فالداخلون فيها يعرفون أنّ قائدهم المظفر المعصوم.. معهم، يشهد، يسمع، يرقب الأحداث، يتحرك، يسدد، ينتظر.

    إذن فهم كتلة حية بحياة هذا القائد.

    وأينما ذهب الرجل الشيعي، وفي كل مكان قذفته الأمواج، هو يشعر بأنّ قائده يعيش مأساته، ويحمل همّه، وتربط بين الاثنين علاقة مودّة، وحبّ، وهمّ مشترك، وهدف مشترك.


    أنتم تعرفون مقدار التركيز والتشديد الذي أعطاه مذهبنا لربط الشيعة، وتوطيد علاقتهم، حتى نفسياً وعاطفياً، بالقائد المنتظر.

    هناك مناجاة خاصة يتّصل من خلالها الشيعي ويتعاطف مع إمامه، ذلك ما نقرؤه في (دعاء الندبة).

    هذه المناجاة كل شيعي مدعو لممارستها أسبوعياً لا أقل.

    وهناك زيارة خاصّة للقائد المنتظر، يعيش الرجل الشيعي في أثنائها مع إمامه، وقائده، يستشعر وجوده وحبّه، ومشاركته، وقيادته.

    وهناك دعاء خاص يتوسّل به الشيعي إلى الله تعالى في رعاية القائد في غيبته، وتسديده، ودفع الشرّ عنه، والإذن له بالظهور، وإزاحة ثقل الاحتجاب عن صدره.

    كل هذا وأكثر من هذا من أجل قضية واحدة.

    من أجل توثيق الربط بين الشيعي وقيادته المعصومة.

    حتى يشعر أنّ إمامه مثله يعيش همّ المأساة.

    ويتحرّق شوقاً للانفتاح على شيعته.

    إنّ العزلة تشق عليه.

    إنّه يضيق ذرعاً بالوحشة.

    إنّه يرجو منّا الدعاء له بالفرج، وإعلان الثورة الكبرى.

    إنّه يعمل ويدعونا للعمل.

    إنّه صابر ويدعونا للصبر.

    إنّ هذه المناجاة، والتوسلات، والأدعية، لم تكن عبثاً، أو مجرّد تسلية للضمائر الخائرة.

    إنّها تحمل أكبر عطاء....

    تصوّر نفسك وأنت تناجي بكل حب ولهفة قائدك المغيّب عنك.

    تبثّ إليه همّك، وتعرض له شوق قلبك، وتسرد له مآسي جبهة الحق، وتجدّد العهد معه بأنّك سائر على الدرب، ساحق كل الأشواك، صابر على العناء.

    تصوّر نفسك وأنت تتحدث للإمام القائد المفدّى، حديث مسؤولية، وحديث مودّة، وحديث أشجان، وحديث توسل، وحديث انتظار وتلهّف وحديث عهد لا تتراجع عنه.

    تتحدّث معه كما لو كان يشترك معك في الحديث، فاتحاً قلبه إليك، مبصراً بالأسى الذي لا يبارحك.

    كم يجعلك هذا اللقاء قوي العزيمة، رابط الجأش.

    واثقاً بالأصالة، شاعراً بالاعتزاز.

    كم يهبك هذا اللقاء قوّة، ومنعة عن الذوبان، والانهيار، والتلاشي؟!

    ستشعر بأنّك لست ريشة في مهب الريح.

    ولست قطعة خشب تطفو على مياه البحر يتقاذفها الموج.

    ولست وحدك يتخطّّفك العدو من كل مكان.

    إنّما أنت جندي في جبهة الحق.

    الجبهة الرصينة، المتكاتفة.

    الجبهة ذات القيادة الحيّة، المتحرّكة، التي تعرفك، وتعرفها جيداً.

    * * *

    إنّ هذا العطاء الذاتي هو أغلى شيء نستفيده من حياة القائد المنتظر.

    وأنت تستطيع أن تفسّر معنى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله:

    (من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني).(3)

    كيف ذلك، ولماذا؟

    لماذا كان من يموت وهو لا يعرف إمام زمانه، يموت ميتةً جاهلية، كما ورد في الحديث.(4)

    إنّ عدم معرفة الإمام، أو إنكار الإمام تساوي الشك، وعدم وضوح الرؤية، وعدم الثقة بالخط، وتلك هي الجاهلية.

    أمّا حين تعرف إمامك، فأنت إذن قد رسمت منهج حياتك، وقد وثقت من الخط الذي تسير عليه، وتحصّنت عن الشك، وعن الذوبان، وعن الانحراف.

    * * *

    في الكتاب الذي بعثه الإمام المهدي عليه السلام للشيخ المفيد ـ المتوفّى سنة413هـ ـ والذي كان زعيماً للطائفة الشيعية في يومه. سجّل حقيقة ضخمة في محتواها، وعطائها.

    اقرأ معي ما سطّره الإمام في كتابه:

    (ولو أنّ أشياعنا ـ وفّقهم الله لطاعته ـ على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا.

    فما يحبسنا عنهم إلاّ ما يتّصل مما نكرهه، ولا نؤثره منهم).(5)

    إنّ ما يصدر منّا لا يحتجب عن الإمام.

    وهو إذا كان غائباً عن أنظارنا فإنّه حاضر في ساحتنا.

    إنّ أخبار شيعته تنقل إليه.

    من الذي انهزم، ومن الذي نافق، ومن الذي أساء لجبهة الحق.

    وعلى العكس..

    من الذي يصمد، ومن الذي يخلص للحق، ومن الذي يحسن العمل والنشاط.

    كل ذلك في علم الإمام، ومطروح بين يديه.

    وحينما نفهم هذه الحقيقة كم نشعر بالمسؤولية؟

    إنّ قائدنا المفدّى يرقب أعمالنا، ويعرف كيف نتصرّف، ويحكم علينا من خلال مستوى إخلاصنا.

    نحن لسنا في غيبة عنه، وإن كان في غيبة عنّا.

    وبهذا يكون العطاء الذاتي لحياة الإمام أكبر.

    فنحن لا فقط نستلهم من حياته الحياة، ومن نشاطه النشاط.

    ولا فقط نستشعر الأصالة، والحصانة، والاستقلال.

    وإنّما يتعمّق فينا الشعور بالمسؤولية حينما نكون على يقين بأنّ أعمالنا تعرض على الإمام، وليست في خفاء عنه!!
    ______________
    (1) آل عمران (3) : 139.

    (2) إكمال الدين وإتمام النعمة : 348 الحديث 36.
    (3) إكمال الدين وإتمام النعمة: 412 الحديث 8. بحار الأنوار: 51/73 الحديث 20.
    (4) الكافي : 1/377 باب من مات وليس له إمام, ولاحظ أيضاً: التأريخ الكبير للبخاري 6/445 الحديث.
    (5) الاحتجاج للطبرسي : 2/325.


يعمل...
X