إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التربية الأخلاقية في القرآن الكريم-القسم الثاني

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التربية الأخلاقية في القرآن الكريم-القسم الثاني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    المسلك الثاني: الغايات الأخروية، و قد كثر ذكرها في كلامه تعالى كقوله سبحانه "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة": التوبة - 111، و قوله تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب": الزمر - 10، و قوله تعالى: "إن الظالمين لهم عذاب أليم": إبراهيم - 22، و قوله تعالى: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور و الذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات": البقرة - 257، و أمثالها كثيرة على اختلاف فنونها.

    و يلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات كقوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير" فإن الآية دعت إلى ترك الأسى و الفرح بأن الذي أصابكم ما كان ليخطئكم و ما أخطأكم ما كان ليصيبكم لاستناد الحوادث إلى قضاء مقضي و قدر مقدر، فالأسى و الفرح لغو لا ينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الذي بيده أزمة الأمور كما يشير إليه قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله و من يؤمن بالله يهد قلبه" فهذا القسم من الآيات أيضا نظير القسم السابق الذي يتسبب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالغايات الشريفة الأخروية، و هي كمالات حقيقية غير ظنية يتسبب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالمبادىء السابقة الحقيقية من القدر و القضاء و التخلق بأخلاق الله و التذكر بأسماء الله الحسنى و صفاته العليا و نحو ذلك.
    فإن قلت: التسبب بمثل القضاء و القدر يوجب بطلان أحكام هذه النشأة الاختيارية، و في ذلك بطلان الأخلاق الفاضلة، و اختلال نظام هذه النشأة الطبيعية، فإنه لو جاز الاستناد في إصلاح صفة الصبر و الثبات و ترك الفرح و الأسى كما استفيد من الآية السابقة إلى كون الحوادث مكتوبة في لوح محفوظ، و مقضية بقضاء محتوم أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق، و كسب كل كمال مطلوب، و الاتقاء عن كل رذيلة خلقية و غير ذلك، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب الرزق، و الدفاع عن الحق، و نحو ذلك بأن الذي سيقع منه مقضي مكتوب، و كذا يجوز أن نترك السعي في كسب كل كمال، و ترك كل نقص بالاستناد التي حتم القضاء و حقيقة الكتاب، و في ذلك بطلان كل كمال.
    قلت: قد ذكرنا في البحث عن القضاء، ما يتضح به الجواب عن هذا الإشكال، فقد ذكرنا ثم أن الأفعال الإنسانية من أجزاء علل الحوادث، و من المعلوم أن المعاليل و المسببات يتوقف وجودها على وجود أسبابها و أجزاء أسبابها، فقول القائل: إن الشبع إما مقضي الوجود، و إما مقضي العدم، و على كل حال فلا تأثير للأكل غلط فاحش، فإن الشبع فرض تحققه في الخارج لا يستقيم إلا بعد فرض تحقق الأكل الاختياري الذي هو أحد أجزاء علله، فمن الخطإ أن يفرض الإنسان معلولا من المعاليل، ثم يحكم بإلغاء علله أو شيء من أجزاء علله.
    فغير جائز أن يبطل الإنسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حياته الدنيوية، و إليه تنتسب سعادته و شقاؤه، و هو أحد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من أفعاله أو الأحوال و الملكات الحاصلة من أفعاله، غير أنه كما لا يجوز له إخراج إرادته و اختياره من زمرة العلل، و إبطال حكمه في التأثير، كذلك لا يجوز له أن يحكم بكون اختياره سببا وحيدا، و علة تامة إليه تستند الحوادث، من غير أن يشاركه شيء آخر من أجزاء العالم و العلل الموجودة فيه التي في رأسها الإرادة الإلهية فإنه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة كالعجب و الكبر و البخل، و الفرح و الأسى، و الغم و نحو ذلك.
    يقول الجاهل: أنا الذي فعلت كذا و تركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل بماله - و هو جاهل بأن بقية الأسباب الخارجة عن اختياره الناقص، و هي ألوف و ألوف لو لم يمهد له الأمر لم يسد اختياره شيئا، و لا أغنى عن شيء - يقول الجاهل: لو أني فعلت كذا لما تضررت بكذا، أو لما فات عني كذا، و هو جاهل بأن هذا الفوت أو الموت يستند عدمه - أعني الربح أو العافية، أو الحياة - إلى ألوف و ألوف من العلل يكفي في انعدامها - أعني في تحقق الفوات أو الموت - انعدام واحد منها، و إن كان اختياره موجودا، على أن نفس اختيار الإنسان مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الإنسان فالاختيار لا يكون بالاختيار.
    فإذا عرفت ما ذكرنا و هو حقيقة قرآنية يعطيها التعليم الإلهي كما مر، ثم تدبرت في الآيات الشريفة التي في المورد وجدت أن القرآن يستند إلى القضاء المحتوم و الكتاب المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض.
    فما كان من الأفعال أو الأحوال و الملكات يوجب استنادها إلى القضاء و القدر إبطال حكم الاختيار فإن القرآن لا يستند إليه، بل يدفعه كل الدفع كقوله تعالى: "و إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليه آباءنا و الله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أ تقولون على الله ما لا تعلمون": الأعراف - 28.
    و ما كان منها يوجب سلب استنادها إلى القضاء إثبات استقلال اختيار الإنسان في التأثير، و كونه سببا تاما غير محتاج في التأثير، و مستغنيا عن غيره، فإنه يثبت استناده إلى القضاء و يهدي الإنسان إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطىء بسالكه، حتى ينتفي عنه رذائل الصفات التي تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح الإنسان بما وجده جهلا، و لا يحزن بما فقده جهلا كما في قوله تعالى: "و آتوهم من مال الله الذي آتاكم": النور - 33، فإنه يدعو إلى الجود بإسناد المال إلى إيتاء الله تعالى، و كما في قوله تعالى: "و مما رزقناهم ينفقون": البقرة - 3، فإنه يندب إلى الإنفاق بالاستناد إلى أنه من رزق الله تعالى، و كما في قوله تعالى: "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا": الكهف - 7، نهى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحزن و الغم استنادا إلى أن كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه بل ما على الأرض من شيء أمور مجعولة عليها للابتلاء و الامتحان إلى غير ذلك.
    و هذا المسلك أعني الطريقة الثانية في إصلاح الأخلاق طريقة الأنبياء، و منه شيء كثير في القرآن، و فيما ينقل إلينا من الكتب السماوية.
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X