إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ثقافة الموت في المجتمع الاسلامي

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ثقافة الموت في المجتمع الاسلامي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين


    ينبّه القرآن الكريم إلى حقيقة أزلية، على الإنسان أن يوطّن نفسه عليها، وهي:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185].
    وعليه فلا بدَّ مما ليس منه بد ، والموت لا بدَّ أن يدرك الحي يوما ما ، كما أدرك مَنْ قبله ، وهو شيء لا عاصم منه .. قال تعالى : {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}[النساء:78].
    وقال : {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ}[الأحزاب:16].
    فالقرآن ـ إذن ـ يؤكد أنّ الموت لا بدَّ منه ، ثم أنّه أمرٌ منوط بإذن اللّه تعالى وليس بيد غيره، وهذه حقيقة لها انعكاسات إيحائية على نفس الإنسان ، بأنَّ أي قوة أرضية أو سماوية لا تستطيع ـ مهما أُوتيت من قوة ـ أن تسلب الحياة عن الإنسان قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا}[آل عمران: 145].
    ولقد بيّن القرآن الكريم زيفَ مزاعم اليهود الذين كانوا مع حرصهم الشديد على الحياة يتصورون أنهم أولياء اللّه دون غيرهم، فكشف عن زيف مزاعمهم بهذا التحدّي الذي يخاطب دفائن النفوس، ذلك أنَّ المؤمن باللّه حقا لا يخشى الموت إذا حلَّ بساحته، فالموت هو انتقال من دار فانية إلى دار باقية، واليهود بما يمتازون به من نزعة مادية طاغية، يخشون الموت ويتشبثون بالحياة، ومن هنا واجههم القرآن الكريم بهذا التحدي البليغ قال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة:6 - 8].
    ويقول الإمام علي (عليه السلام): (... فما ينجو من الموت من خافه، ولا يعطى البقاء من أحبّه)(1). والمثير في الأمر أنّ العقيدة في الوقت الذي تخفف من خوف الإنسان من الموت، تصوّر الموت للمؤمن كأنه تحفة! ينبغي الإقدام عليه، وفي ذلك يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ): (تحفة المؤمن الموت) وإنّما قال هذا لأنَّ الدنيا سجن المؤمن، إذ لا يزال فيها في عناء من رياضة نفسه ومقاساة شهواته ومدافعة الشيطان، فالموت إطلاق له من العذاب، والإطلاق تحفة في حقّه لما يصل إليه من النعيم الدائم وقال الإمام أبو عبد اللّه الحسين (عليه السلام) لأصحابه يوم عاشوراء: (صبرا يا كرام! فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضّراء إلى الجنان الواسعة والنّعيم الدائم، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟ ..)(2).
    من جانب آخر ، تدعو مدرسة آل البيت (عليهم السلام): إلى ضرورة معرفة الموت، فإنّ معرفة الشيء قد تبدّد المخاوف منه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إذا هبت أمرا فقع فيه، فإنَّ شدَّة توقّيه أعظم مما تخاف منه)(3)، وقد روي عن الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) أنّه قال لمريض من أصحابه، عندما دخل عليه فوجده يبكي جزعا من الموت: (يا عبد اللّه ، تخاف من الموت لأنّك لا تعرفه، أرأيتك إذا اتسخت وتقذّرت، وتأذيّت من كثرة القذر والوسخ عليك، وأصابك قروح وجرب، وعلمت أنّ الغسل في حمام يزيل ذلك كلّه، أما تريد أن تدخله، فتغسل ذلك عنك أو تكره أن تدخله فيبقى ذلك عليك؟ قال: بلى يا ابن رسول اللّه ، قال (عليه السلام) : فذاك الموت هو ذلك الحمام، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك، وتنقيتك من سيئاتك، فإذا أنت وردت عليه وجاوزته، فقد نجوت من كلِّ غمٍّ وهمٍّ وأذى ، ووصلت إلى كلِّ سرور وفرح) فسكن الرجل واستسلم ونشط، وغمض عين نفسه، ومضى لسبيله (4).
    ____________
    1ـ نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 81 / خطبة 38.

    2ـ تنبيه الخواطر ، الأمير ورّام 1 ـ 2 : 268 باب ذكر الموت.
    3ـ معاني الاخبار ، للصدوق : 288 ـ منشورات جماعة المدرسين ـ ط 13(ع)9 ه.
    4ـ معاني الاخبار ، للصدوق : 290.


عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X