إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

القضاء والقدر في القرآن - كيف ينسجم القول بكتابة الأقدار مع اختيار الإنسان؟

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • القضاء والقدر في القرآن - كيف ينسجم القول بكتابة الأقدار مع اختيار الإنسان؟

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لكن هنا يأتي السؤال الثاني وهو كيف نوفق بين ما تقدم من كتابته تعالى لأقدار البشر حتى قبل ان يخلقوا في هذه الحياة الدنيا والقول باختيار الإنسان؟


    والجواب باختصار ان ما يكتبه تعالى على قسمين:
    1. ما لا دخل للإنسان فيه كالظروف الاجتماعية والصحية والاقتصادية ونحوها فهي ليست مما يرجع لاختيار الانسان وارادته.
    2. أفعال العباد الاختيارية.
    أما الأولى فيقدرها تعالى بحسب استحقاق العبد من الهداية او الضلال، وبعبارة اوضح ان العبد اذا استحق درجة هداية معينة بسبب بعض اعماله الخيرة فحتى يوصله تعالى لما استحقه من الهداية لابد ان يسلك فيه طريقاً معيناً وظروفاً خاصة، من صحة ومرض او غنى وفقر او مجتمع متدين وغير ذلك. فهذه الأمور تقديرها تابع لاستحقاق العبد هداية او ضلالاً.
    وعلى ذلك شواهد من القرآن كثيرة، منها قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَO فقد وصفهم تعالى بأنهم على هدى من ربهم فدل ذلك على أن تلبسهم بهذه الصفات الكريمة بسبب تلبسهم بلباس الهداية من الله سبحانه، فهم إنما صاروا متقين أولي هذه الصفات بهداية منه تعالى، ثم وصف الكتاب بأنه هدى لهؤلاء المتقين بقوله تعالى: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" فعلمنا بذلك: أن الهداية غير الهداية، و أن هؤلاء و هم متقون محفوفون بهدايتين، هداية أولى بها صاروا متقين، و هداية ثانية أكرمهم الله سبحانه بها بعد التقوى و بذلك صحت المقابلة بين المتقين و بين الكفار و المنافقين، فإنه سبحانه يجعلهم في وصفهم بين ضلالين و عمائين، ضلال أول هو الموجب لأوصافهم الخبيثة من الكفر و النفاق، و ضلال ثان يتأكد به ضلالهم الأول، و يتصفون به بعد تحقق الكفر و النفاق كما يقوله تعالى في حق الكفار: "ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة": البقرة - 7، فنسب الختم إلى نفسه تعالى و الغشاوة إلى أنفسهم، و كما يقوله في حق المنافقين: "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا": البقرة - 10 فنسب المرض الأول إليهم و المرض الثاني إلى نفسه على حد ما يستفاد من قوله تعالى: "يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة - 26، و قوله تعالى: "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم": الصف - 5.
    و بالجملة المتقون واقعون بين هدايتين، كما أن الكفار و المنافقين واقعون بين ضلالين.
    ثم إن الهداية الثانية لما كانت بالقرآن فالهداية الأولى قبل القرآن و بسبب سلامة الفطرة، و من هنا يعلم: أن الذي أخذه سبحانه من أوصافهم هو الذي يقضي به الفطرة إذا سلمت و أنه سبحانه وعدهم أنه سيفيض عليهم أمرا سماه هداية، فهذه الأعمال الزاكية منهم متوسطة بين هدايتين كما عرفت، هداية سابقة و هداية لاحقة، و بين الهدايتين يقع صدق الاعتقاد و صلاح العمل، و من الدليل على أن هذه الهداية الثانية من الله سبحانه فرع الأولى، آيات كثيرة كقوله تعالى: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة": إبراهيم - 27.
    وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به": الحديد - 28.
    و قوله تعالى: "إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم": محمد (ص) - 7. و قوله تعالى: و الله لا يهدي القوم الظالمين": الصف - 7. و قوله تعالى: "و الله لا يهدي القوم الفاسقين": الصف - 5.إلى غير ذلك من الآيات.
    والخلاصة ان الاقدار تتبع الهداية والضلال، واوضح من كل ما سبق قوله تعالى: Pمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاًO[1]وقوله تعالى: Pوَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاًO [2]
    في المجمع، روى أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل عن الله جل ذكره: أن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم و لو صححته لأفسده، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة و لو أسقمته لأفسده، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى و لو أفقرته لأفسده، و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر و لو أغنيته لأفسده، و ذلك أني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم.
    في تفسير القمي،: قوله: "و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض": قال الصادق (عليه السلام): لو فعل لفعلوا و لكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض و استعبدهم بذلك و لو جعلهم أغنياء لبغوا "و لكن ينزل بقدر ما يشاء" مما يعلم أنه يصلحهم في دينهم و دنياهم "إنه بعباده خبير بصير".
    ، وقوله ايضاً:Pوَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ O [3]


    [1] الأسراء: 19-21.

    [2]الفجر: 16-20.

    [3]الشورى: 27.


عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X