إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سيكولوجية الشك والشكّاكين

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سيكولوجية الشك والشكّاكين








    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.
    قال الله العظيم في كتابه الكريم: (قَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)(1)
    وقال الله العظيم في كتابه الكريم: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)(2).
    وقال الإمام علي صلوات الله عليه: ((الشَّكُّ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى التَّمَارِي وَالْهَوْلِ وَالتَّرَدُّدِ وَالِاسْتِسْلَامِ:
    فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ
    وَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ
    وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ
    وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا))(3).

    من البصائر القرآنية:
    هنالك مفردات ثلاثة تشكل دراستها وسبر أغوارها والعلاقة بينها إحدى الأسس العلمية الهامة لاكتشاف الكثير من أبعاد ظاهرة التشكيك وأسبابها، وهذه المفردات هي: (الشك، الريب، والتردد).
    وفي الآيات الكريمة تكرر ذكر مفردتي الشك والريب مجتمعتين أحياناً ومنفصلتين أحياناً أخرى، كما وردت مفردة التردد في القرآن الكريم أيضاً.
    معنى (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)
    والتدبر في الآية الشريفة (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) يظهر جانباً من العلاقة بين الريب والتردد وذلك عند التأمل في معنى الآية الشريفة فان الآية تحتمل معنيين:
    تفسيران: التردد في الأمر، والتردد في الذهاب والإياب
    الأول: ان المراد من التردد هو التردد في الأمر والتحير فيه.

    الثاني: ان المراد من التردد هو التردد بالذهاب والإياب.
    والريب هو المبعث للأمرين جميعاً.

    شأن نزول الآية والمحتملات المتعددة في تفسيرها
    ويوضحه شأن نزول الآية فان النبي صلى الله عليه واله وسلم عندما كان يأمر الناس بالجهاد، كان المؤمنون ينقادون فوراً ويستجيبون للنداء الإلهي، اما المنافقون فكانوا يحاولون التهرب من الجهاد بشتى الطرق ولذلك كانوا يأتون إلى النبي يستأذنونه في القعود عن الجهاد حسب تفسيرٍ للآية الكريمة (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) متذرعين بأعذار شتى قد يكون منها التعلل بمرض العيال أو التعلل بفساد محاصيلهم الزراعية لو سافروا للجهاد أو غير ذلك، فكانوا – حسب البعض كمجمع البيان -: يترددون على النبي صلى الله عليه واله وسلم.
    والمراد من (يترددون)، في بُعد آخر، أحد أمرين: أ- انهم كانوا يمرون عليه ربما مراراً وتكراراً ويلحون في الطلب كي يأذن لهم بذلك ب- أو لعل المراد بـ(يترددون) بلحاظ مجموعهم وإن كان كل منهم لا يتردد على النبي إلا مرة واحدة، ولا نستبعد وجود كلتا الحالتين.
    ولقد كان مبعث ترددهم على النبي مستأذنين في القعود عن الجهاد هو ريبهم في أمر الرسالة وسوء ظنهم بأقوال الرسول إذ لم يكونوا مؤمنين بل كانوا منافقين يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فهم يترددون على النبي صلى الله عليه واله وسلم في حالة ريبهم فيه، والريب هو الظِنة بالشخص أو الشيء وسوء الظن فيه واتهامه، وهو قلق النفس واضطرابها، كما سبق تفصيله، وعلى هذا الأخير فمعنى الآية: انهم في حالة قلق انفسهم واضطرابها من الجهاد كانوا يترددون على النبي صلى الله عليه واله وسلم مستأذنينه في القعود عن الجهاد.
    كما يحتمل ان يكون المراد من (يترددون) التردد في الأمر والتحير فيه – وهو التفسير الأول الذي صرح به بعض آخر من المفسرين كتفسير الصافي – أي انهم كانوا في حالة ريبهم في الرسالة والرسول مترددين في أمر الجهاد وصحة القرار وسلامته إذ كانوا يسيئون الظن به ويتهمونه صلى الله عليه واله وسلم بانه لا ينطلق في أوامر الجهاد من وحي إلهي بل من حب الرياسة والجاه والأنا – ونستغفر الله من حتى نقل قولهم – فكان ريبهم في الرسول هو مبعث ترددهم وشكهم في الحكم بالجهاد أو غيره أو كان قلق أنفسهم واضطرابها في أمر الجهاد هو مبعث ترددهم وشكهم.
    ومن جهة أخرى: فانه يحتمل ان يكون المراد من (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ) أي إنما يستأذنك المنافقون في الذهاب للجهاد (وهو عكس المعنى السابق: الاستئذان في القعود عن الجهاد) وذلك لأن المؤمنين كانوا إذا صدر الأمر الإلهي ينبعثون عنه فوراً ولا يتباطؤون أو يتثاقلون ولم يكونوا يستأذنون الرسول صلى الله عليه واله وسلم للذهاب للجهاد إذ انه قد أمرهم بالذهاب للجهاد فأي معنى للاستئذان بعد ذلك؟ فهو نظير ان يستأذنونه في أن يصلّوا أو يصوموا بعد أن أمرهم به!.

    اما المنافقون فانهم رغم الأمر الإلهي بالجهاد، رغم ذلك كانا يترددون على النبي صلى الله عليه واله وسلم يستأذنونه في الجهاد علّه يأذن لهم فيتخلصون بذلك من مخاطره وأهواله، أو المراد المعنى الآخر وهو انهم في حالة ريبهم في أمر الرسول والرسالة كانوا يترددون في أمر الجهاد لذا كانوا يستأذنون في الذهاب لعلهم يحصلون على إذنٍ لا يمكنهم لولاه التخلف عن الجهاد لأنه أمر حكومي قانوني أيضاً إضافة إلى كونه أمراً شرعياً.

    توضيح لفارق التفسيرين
    ومما يوضح الفرق بين التفسيرين المثالان الاتيان:
    اما التفسير الأول: وهو التردد في الأمر والتحير فيه والذي مبعثه، كما سبق، كثيراً ما يكون الريب وسوء الظن بالطرف الآخر واتهامه، فمثاله الواضح ان المسافر لو عرف السائق واطمئن إليه ولم يرتَبْ فيه فانه لا يتردد في المسار المجهول الذي إتخذه للوصول إلى المقصد، كما لو خرج عن الشارع الرئيسي ودخل في طرق فرعية منوّهاً إلى انها أقرب في الإيصال أو الأقل ازدحاماً.

    على العكس مما لو ارتاب المسافر في أمر السائق وأساء الظن به وأتهمه في قرارة نفسه بانه قد يكون متعاوناً مع عصابة من اللصوص أو جماعة من الإرهابيين – كما كان يحدث في العراق كثيراً إذ كان العديد من سائقي التكسي أو الباصات عملاء للإرهابيين أو متعاقدين معهم – فان المسافر لو ارتاب في أمره فانه إذا وجده يسلك طريقاً غير مألوفة فانه يتردد في صحة هذا المسار الجديد أو خطورته ويتحير وربما قاده ريبه وتردده إلى إيقاف السائق فوراً والنزول من السيارة أو إجباره على الرجوع أو الاستسلام له على وَجَل إذا لم يكن له خيار آخر.
    واما التفسير الثاني: وهو التردد بالذهاب والإيهاب والذي مبعثه، كما سبق أيضاً، كثيراً ما يكون الريب، فمثاله الواضح: المعلم أو قائد الجيش أو الحاكم فان الشعب إذا ارتاب في أمر الحاكم أو ارتاب الضباط في أمر قائد الجيش فانهم لا ينفذون قراراته بسرعة بل يترددون عليه (وعلى غيره ممن يحتمل تأثيره في عملية اتخاذ القرار) لدراسة أسباب اتخاذ القرار بشن الهجوم من هذه النقطة بالذات أو في هذا التوقيت فيترددون عليه وعلى غيره لاستجلاء واقع الأمر أو ليتريث ولا يعجل لتكون لهم فسحة من الوقت أكثر ليكتشفوا أعماقه فاما ان تثبت عليه التهمة واما ان ترتفع.

    وكذلك التلميذ لو ارتاب في إجابة المعلم، وانه لعله كان حينها سارح الذهن أو مشتت الانتباه فانهم يترددون عليه مرة أو أكثر ليستجلوا واقع الحال (وهذا المعنى الثاني)، كما انهم يترددون ويتحيرون في إجابته السابقة وهل انها كانت صحيحة أو لا (وهذا المعنى الأول).
    المحتملات في ((وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ))

    ومن هذه البصيرة القرآنية ننطلق إلى كلام الأمير صلوات الله عليه فانه ينهل من القرآن الكريم وعنه يصدره، إذ يقول: ((وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ)) والمحتملات في كلام الأمير عليه السلام هي ثلاثة:
    الأول: مَن تردد في الريب أي تردد إلى مظانِّ الريب ومواطنه أي أكثر من التردد عليها فكأن حرف الجر أخذ بمعنى (إلى) كما هو أحد معاني (في) نظير (فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) فانها – حسب تفسير المغني(4) – تعني إلى أفواههم. فتأمل
    الثاني: انه يعني تردد بالذهاب والإياب وهو على حالة الريب وفي أجوائه.
    الثالث: انه يعني تردد في الأمر في حالة الريب.
    وتحقيق هذه المعاني إضافة إلى بعض المعاني الأخرى والأظهر منها، لعله يأتي في البحث القادم بإذن الله تعالى.

    اية الله السيد مرتضى الشيرازي




    التعديل الأخير تم بواسطة صدى المهدي; الساعة 12-01-2018, 09:44 AM.
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X