إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سر الإعجاز في القرآن: القسم الثالث

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سر الإعجاز في القرآن: القسم الثالث

    بسم الله الرحمن الرحيم
    ولعل من الذين ذهبوا الى النظرية الثانية أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطّابي البستي‏ (توفي سنة 388 ه) في رسالته الوجيزة التي وضعها في بيان إعجاز القرآن- قيل: هو أسبق من‏ توسّع في هذا البحث فأفاد و أجاد-: أنّ الإعجاز قائم بنظمه ذلك المتّسق البديع و رصفه ذلك المؤتلف العجيب، قد وضعت كلّ كلمة في موضعها اللائق بدقة فائقة، ممّا يستدعي إحاطة شاملة تعوزها البشريّة على الإطلاق، الأمر الذي أبهر و أعجب، حيث قال: فتفهّم الآن و أعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزا لأنّه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمّنا أصحّ المعاني، من توحيد له عزّت قدرته، و تنزيه له في صفاته، و دعاء الى طاعته، و بيان بمنهاج عبادته، من تحليل و تحريم و حظر و إباحة، و من وعظ و تقويم و أمر بمعروف و نهي عن منكر، و إرشاد الى محاسن الأخلاق، و زجر عن مساوئها، واضعا كلّ شي‏ء منها موضعه الذي لا يرى شي‏ء أولى منه، و لا يرى في صورة العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية و ما نزل من مثلات اللّه بمن عصى و عاند منهم، منبئا عن‏ الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجّة و المحتجّ له، و الدليل و المدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، و إنباء عن وجوب ما أمر به و نهى عنه.


    .. و معلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الامور، و الجمع بين شتاتها حتى تنتظم و تتّسق، أمر تعجز عنه قوى البشر، و لا تبلغه قدرهم، فانقطع الخلق دونه، و عجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله. ثم صار المعاندون له يقولون مرة: انّه شعر، لمّا رأوه كلاما منظوما، و مرّة سحر، إذ رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، و قد كانوا يجدون له وقعا في القلوب و قرعا في النفوس، يريبهم و يحيّرهم فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف.
    .. و كيفما كانت الحال و دارت القصّة، فقد حصل باعترافهم قولا، و انقطاعهم عن معارضته فعلا، أنّه معجز. و في ذلك قيام الحجّة و ثبوت المعجزة، و الحمد للّه‏.
    و أضاف- قائلا- اعلم أنّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات، هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به، الذي إذا ابدل مكانه غيره جاء منه إمّا تبدّل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، و إمّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة. ذلك أنّ في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني، يحسب أكثر الناس أنّها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، غير أنّ الأمر فيها و في ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك، لأنّ لكلّ لفظة منها خاصيّة تتميّز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، و إن كانا قد يشتركان في بعضها ... و من هنا تهيّب كثير من السلف تفسير القرآن، و تركوا القول فيه، حذرا أن يزلّوا فيذهبوا عن المراد، و إن كانوا علماء باللسان، فقهاء في الدين.
    .. فإذا قد عرفت هذه الأصول، تبيّنت أنّ القوم إنّما كاعوا و جبنوا عن معارضة القرآن لما قد كان يئودهم و يتصعّدهم منه، و قد كانوا بطباعهم يتبيّنون مواضع تلك الامور و يعرفون ما يلزمهم من شروطها و من العهدة فيها، و يعلمون أنّهم لا يبلغون شأوها فتركوا المعارضة لعجزهم، و أقبلوا على المحاربة لجهلهم، فكان حظّهم ممّا فرّوا إليه حظّهم ممّا فزعوا منه، فغلبوا هناك و انقلبوا صاغرين، و الحمد للّه ربّ العالمين‏([1]).


    ([1]) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، الرسالة الأولى للخطّابي: ص 21- 29.

عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X