إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ / تأملات

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ / تأملات


    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم


    وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ

    بين القرآن الكريم انه لمّا اراد نبي الله موسى ع التوجه الى لقاء الله وموعده جعل اخيه ووزيره النبي هارون خليفته على قومه : ( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) .
    وهذا يعني ان القائد الإلهي او حجة الله ضرور في وجوده للهداية بالاساس وضمان استقرار وبقاء النظام الحياتي ، فأذا غاب عن قومه او أمّته وجب استخلاف من ينوب عنه في وضيفته بكلا شقيّها الهداية والحكم لان صيانة الدين تقتضي وجود الهادي ، وصيانة النظام وحياة الناس تقتضي وجود الحاكم والرئيس المدبر لشؤنهم ، فتأمل .

    والخليفة هو من يَخلف غيره ويكون حاكيا عنه في خصائصه وشؤنه ، ولذلك كان هارون فيه اعلى مواصفات الخليفة فهو نبي مصطفى ووزيرا لرسول الله وشريكا له في أمره ،
    ولقد اخبر القرآن عن وضيفتين مهمتين امر بهما موسى ع اخيه وخليفته في قومه النبي هارون وهما : ( وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) ، وحيث ان هارون ع نبي معصوم فلا تصدر منه المعصية ولا يتبع المفسدين ويعلم ذلك منه اخيه موسى ع فيكون المقصد ان يتولى ويدير امور قومه بما يضمن استمرار صلاحهم ولا يستمع لدعوات وطلبات بعض اهل الاهواء والاغواء والجهل الموجودون في قوم موسى .

    إلا انه وفي غيبة موسى ع وقع المحذور : ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ )
    فتصدى النبي هارون خليفة موسى ع في قومه ووفق شرائط وضيفته كخليفة وما اوصاه به النبي موسى من الاصلاح ألا يتبع سبيل المفسدين فكان : ( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَن فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) .

    اقول : يظهر ان خليفة موسى في قومه ( هارون ع ) وعلى اثر ما ظهر من انحرافهم بعبادة العجل انْ أمرهم بأطاعته لانه الخليفة الشرعي لرسول الله وهو بذاته نبي اصطفاه الله فله الولاية الشرعية على القوم كحاكم ورئيس يجب طاعته وكهادي الى الصراط المستقيم الذي يستطيع تمييز الهدى من الضلال والحق من الشبهة فهو احق باتباعه وهذا مصداق قوله ( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي ) .

    هذا الواجب وهذا الارشاد الذي استعمله نبي الله هارون من خلال دوره كخليفة لموسى ع في قومه لم يكن ذا اثر مهم ولم يمنعهم بسبب وجود قوة ضلال واغواء قوية في القوم ووجود جهل وضعاف ايمان من الاتباع .
    كذلك لم يستعمل هارون ع صلاحياته كخليفة لرسول الله ورئيس على القوم وذلك لخوف هو : ( إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) وكذلك ايضا لم يستطع لضعف مقابل جبهة عبادة العجل : ( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي ) .

    هذين العلتين التي بينهما القران تحتاج الى وقفة تأمل فخليفة الله ورسوله في ارضه حتى يتسنى له أداء دوره يحتاج الى حيثية العلم والهداية " السلطة الدينية " ، ويحتاج الى حيثية القوة التنفيذية وهي ما توفرها " السلطة السياسية " .
    ولذلك فإنّ الخلل او الضعف فضلا عن عدم توفر احد هذين الشرطين يخل بنظام الهداية ونفوذه ، ويفسح المجال لطغيان وغلبة خط الشيطان وجنوده ، خاصة في مجتمع او امة تتوفر فيها خط وقوة انحراف وذات اتباع .


    لذلك ( انتبه ) لمّا رجع موسى ع لقومه فانه ارتفع ولم يعد يظهر عنوان وحالة سابقة قد ظهرت في خلافة اخيه هارون وهي : إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي !!! ولك ان تفسر هذا بما يناسب من تعليل ولكن الثابت اولا لم يأتي موسى بجيش معه ! ولكن يمكن ايكاله الى طريقة التعامل مع المشكلة من حيث الحزم الصارم والتصدي بالقوة لخط الانحراف الذي لم يستعمله خليفته هارون ع فاستضعفه وأستغله الطرف الاخر، واصبح عنصر قوة لخط الانحراف وعنصر ضعف لخط الهداية والاصلاح ، فتأمل .


    من هنا كان موسى ع محقا في غضبه وحكيما في عمله لما اوصى خليفته هارون ع وقال : ( وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )
    لان الاصلاح وإنْ يمكن تعدد وسائله ولكن لا يكون إلا بنجاح تحققه ،،، والامتناع عن اتباع سبيل المفسدين وإنْ كان بالامتناع عن قبوله او أمضائه ولكن غاية وسبيل المفسدين تتحقق اذا لم ينجح الاصلاح !
    وعليه لم ينجح ارشاد ونصح هارون وفي نفس الوقت طغى المفسدون ، وكان الحل وحسب حكمة موسى كي يمنع حصول المحذور ان يتصدى هارون بكل وسيلة وصلاحية وقوة ممكنة لتحقيق الاصلاح ومنع وقوع فتنة العجل ، او يستعجل بابلاغ اخيه موسى ع ليتصدى بنفسه لذلك : (
    قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري ) , نعــم ! انه امر مهم وخط احمر لا يمكن السكوت عنه لانه مرتبط بالهداية والضلال وعليه تقتضي الحكمة والصواب منع تحقق فتنة الدين ولو بالقوة اذا لم تنفع النصيحة والارشاد ( والفتنة اشد من القتل ، لان القتل فيه خسارة جزء من حياة محدودة وفتنة الدين خسارة كل الحياة الابدية ) , وهذا لعله مغزى قوله ( افعصيت أمري ) والله اعلم

    الى هنا لعله اصبح واضحا بدرجة كبيرة تفاصيل هذه القصة والتأمل العميق في مضامينها وما يمكن الاستفادة منها كعبرة لنا في تحقيق الهداية والاصلاح ولكنها رسالة خاصة ونموذجية موجهة لخلفاء الله وخلفاء الرسل

    وعليه خليفة الامام الحجة ع وهو النائب العام حتى يصدق كونه خليفة للامام ع ومرجع له في الدين يجب ان يكون حاكيا عنه في خصائصه ودوره كما كان هارون ع فهو المرجع الديني لقومه وهو الرئيس السياسي ايضا فالاولى مقتضى دور الهداية والثانية مقتضى دور القيادة وحفظ وادارة النظام واستقراره .

    وعلى الخليفة او نائب الامام ضمان تحقيق الهداية ، ومنع الانحراف وغلبة خط الشيطان ، سواء بالارشاد والنصح والوعظ او حتى بالقوة واستخدام السلطة اذا كان متمكنا قادرا عليها لانه عدى ذلك سيتيح لخط الانحراف والشيطان من الغلبة والظهور ومن ثم سحب مزيد من الاتباع بالاغواء وكذلك اضعاف خط الهداية وخط الرحمان وهذا بمجموعه يعطل خط هداية البشرية جمعاء ويعطل تحقيق الغاية من خلقهم ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )

    أما اذا خرجت السلطة والقيادة والرئاسة من مسؤلية خليفة الله او خليفة خليفته اصبح منصب كرسي رئاسة النظام غير مشغول وحيث سنة الله وسنة الحياة والمجتمعات مبنية على نوع نظام يقتضي وجود قائد على قمته يرأسه ويدبره ، مما يعني اصبح رأس النظام مؤهلا لملئ فراغه من قبل خط الشيطان الذي يستفاد منه لتعزيز وفرض دور الاغواء والانحراف الذي يدعوا له ، وهذه حقيقة اذا لم يوصلك اليها الدليل الشرعي فالدليل العقلي يؤيدها .

    والله اعلم

    الباحث الطائي
    التعديل الأخير تم بواسطة الباحث الطائي; الساعة 29-04-2018, 11:33 PM.
    لا إله إلا الله محمد رسول الله
    اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم
    الباحــ الطائي ـث

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم
    رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي

    يتبــــــع

    تأملات في سورة يوسف ع ، ناخذ منها الآيتين :

    وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىظ° خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) .

    الذي يقرأ سورة يوسف ع ويتأمل في احوال عصره خاصة المكان والزمان الذي فيه الاحداث وهي مصر زمن فرعونها الذي واكب احداث قصة يوسف يجد ان القرآن عرض مشكلة مهمة كبيرة كانت تواجه حكومة ودولة مصر وهي كما أشار اليها القرآن وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ

    هذه المشكلة كما يظهر من تفاصيل الاحداث وتفاصيل الآيات اللاحقة يمكن وضعها في قسم المشكلة الاقتصادية وكما نعلم ونفهم فان الزراعة والتجارة كانت عند اهل دولة مصر وغيرها من بلدان وحضارات العالم هي العصب الرئيسي للاقتصاد بل حتى التجارة معتمدة على الزراعة بالاساس لان الصناعة كانت وقتها بسيطة جدا بالقياس .

    وكذلك ايضا يظهر ان دولة وحكومة مصر وقتها كانت تعيش في رخاء واستقرار وذات قوة سياسية وعسكرية واقتصادية وإنّ مشكلتها الحقيقية هي في انحراف عقيدتها الدينية ولعل الحكمة الإلهية ابتلت دولة مصر بهذه المشكلة الاقتصادية التي بدأت مؤشراتها بالرؤية التي حصلت للملك ثم قادته للبحث عن تفسيرها فلم يجد من مقربيه ومن يعرف من يفسرها حتى اوصلوه الى يوسف النبيع وهو كان في السجن فقال لهم : قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

    اذن : لقد شخص النبي يوسف ع بما آتاه الله من علم المشكلة الخطيرة التي ستواجه البلاد والتي كان يمكن لها ان تقصم ظهر اقتصاد مملكة مصر وتضعف حالها وقوتها لانها أمام موجة جفاف تستمر سبع سنوات وبداية سنوات الجفاف سيكون من بعد رؤيا الملك بسبع سنوات ، لذلك طلب منهم ان يستفيدوا ويستثمروا هذه السنوات الجيدة السبعة في انتاج الحبوب باقصى ما يمكن وان لا يستعملون منه الا القليل ( الاقتصاد في المعيشة ) وان يدخرون الباقي ويحفضوه الى السنين العجاف القادمة .
    وحتى يمكن ان يحققوا النجاح في هذه العملية الاقتصادية والتدابير العملية كان يواجههم مشكلة علمية اخرى وهي ان الحبوب قابلة للتلف ولا يمكن حفظها طويلا لسنوات لذلك طلب منهم يوسف وعلى خلاف العادة عندهم ان يحفظوها ويخزنوها في ابراج وبسنابلها وهذه هي الطريقة الوحيدة وقتها كي يمكن بها حفظ الحبوب من التلف !

    الى هنا وهذه التفاصيل التي اخبر بها القرآن عن المشكلة وكيفية حلّها وتفاصيلها هي مقدمة للتأمل للهداية التي نريد استظهارها من عمق الاحداث

    لذلك نرجع الى الآيتين الأوليتين فلما بين واخبر يوسف ع الخطر القادم للبلاد وبين لهم الحل لانقاذهم من الهلاك المحتمل واراد الملك مكافئته وتقريبه ليستفاد منه ( إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ) .
    هنا لم يطلب يوسف ع ان يكون نائب للملك او قائد عسكريا للبلاد او واليا على احد المدن او غيرها من مراتب ووضائف السلطة بل اختار وضيفة ومنصب متصل بأقتصاد الدولة والناس ويتعلق بشكل مباسر في مواجهة الابتلاء القادم اليهم لذلك كان طلبه : ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ ) , اي إدارة أمر اقتصاد البلاد و أرزاق الناس فيجمعها و يدخرها للسنين السبع الشداد التي سوف تحل عليهم جدبها و مجاعتها و يقوم بنفسه لقسمة الأرزاق بين الناس و إعطاء كل منهم ما يستحقه من الحاجة من غير ضرر على الفرد او الاقتصاد العام للبلاد حتى يخرجوا من الأزمة .

    ولكن ! حتى يقوم بهذا الدور لا يكفي ان يكون ممتلكا للصلاحيات والمنصب ولا يكفي ان تكون هناك الرغبة بالعمل بل يحتاج الى سبب رئيسي آخر وهو العلم بكيفية حل المشكلة ( عليم ) والأمانة والاخلاص في العمل ( حفيظ ) , فقال يوسف ع إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )

    لذلك فهذا النبي العظيم يوسف ع والقائد الإلهي حتى يتسنى له حل المشكلة القادمة بعد اكتشافها وتشخيصها أن يكون عالما بطريقة حلّها ، وإن تشخيص المشكلة ومن ثم محاولة اعطاء الحل من غير علم بتفاصيل وخفايا المشكلة لا يوصل الى حل ، وكما بين القرآن ان واحد من اهم اسرار حل المشكلة هو طريقة حفظ الحبوب من خلال تركها في سنابلها التي تعطيعها حفظ اضافي لسنوات اكثر مما لو حفضت كحبوب من غير سنابل .

    لذلك القضية والمشكلة وتفاصيلها التي نقلها القرآن واخذت مساحة كبيرة من آياته نحن نعتقد وتحت قاعدة ( القرآن كتاب هداية ) لا بد من التأمل العميق فيها لاستخلاص العبرة والمثال العملي التطبيقي التفصيلي وإلا ستبقى فقط قصة جميلة واحداث مضت استخلصنا منها بعض الحكم والعبر والارشادات والنصائح وان كانت مهمة ولكن لا تستخرج تمام الغاية والفائدة .

    واحدة من اللطائف التي نجدها في قصة يوسف ع هو انه استعمل في طريق الهداية والاصلاح واداء رسالته طريقة حل مشاكل الناس الحياتية الواقعية وتنظيمها ومن ثم قطف معهم ثمارها وربطها بتوفيق السماء حتى يفهم وشعر ويحس المتلقي مايريد له ايصاله ، وتطلب ذلك ممارسة دور ثانوي واضافي عن دور الرسالة والهداية التقليدي ، فتأمل

    انتهـــــــــى ،،،

    من هنا وهذه القصة وبهذا التأمل اذا وافق الحق فاني استحضر المشكلة العراقية كمثال
    فالعراق الان يواجه ومنذ زمان طويل مشكلة اذا اردنا تشخيصها فهية مشكلة سياسية بأمتياز ، اي ان اصل كل المشاكل يعود الى فساد المنظومة السياسية كدستور وتشريعات وقوانين وفساد السياسيين المتصدين لقيادة وعمل هذه المنظومة . وبسبب فساد المنظومة السياسية وافرادها ترتب فشل وضعف كل وزارات ومؤسسات الدولة والحيثيات المختلفة كلها بل وتعدت مشكلة الجانب المادي الى مشكلة الجانب الاجتماعي والاخلاقي والعقائدي للبلاد .

    اطراف المشكلة السياسية هي ثلاثة وكما في قصة يوسف ع :

    1- المنظومة السياسية الفاشلة وافرادها الفاسدين
    2- الشعب
    3- القائد الإلهي ، او من ينوب عنه والمتمثل بالمرجعية الدينية العليا

    يمكن القول انّ القائد الإلهي المتمثل بالمرجعية الدينية العليا تصدى بدوره الارشادي ومسؤليته الدينية الى حل المشكلة وذلك من خلال تشخيص اساسها وهي المشكلة السياسية كما ثبتناها اولا .
    ولكن حتى يتسنى حل المشكلة يقتضي العلم الدقيق بتفاصيل المشكلة وتفاصيل حلّها فيوسف ع لم يكفي فيه انه شخص المشكلة : ( يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ) وهي السبع السنين العجاف ولا فكرة الحل الاجمالي بان : ( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ) ، بل اقتضى الحل العلم الدقيق بالمشكلة والعلم الدقيق بالحل وهو : ( فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ) !

    والمرجعية العراقية شخصت المشكلة وهي : (فساد وفشل المنظومة السياسية والسياسيين ) ، ووضعت الحل الاجمالي لنصف المشكلة ! على الاقل توصيفا وهي انها طلبت من الناس : ( انتخاب الصالحين وتصدي الاخيار الشرفاء للعمل السياسي ) ،،، الى هنا انتهت وسيلة الحل لنائب القائد الإلهي في العراق . وهي كما يظهر بالمقارنة القرآنية التي طرحها القرآن لنعتبر منها غير كافية ومجدية للحل !
    لانه اولا هو ليس بحل لاصل المشكلة بل طريقة حل لنصف المشكلة وهي متعلقة بالسياسيين الفاسدين ، وتبقى بلا حل المنظومة السياسية الفاشلة الفاسدة والداعمة لاستمرار بقاء السياسيين الفاسدين وفساد حتى نظام البلاد عموما .

    وحتى يتسنى للمرجعية العليا التصدي للحل وبحدود دورها ان تعمل على ايجاد حل لعنوان المشكلة الرئيسي بشقيه المنظومة السياسية والسياسيين ، ولا يمكن حل مشكلة المنظومة السياسية الا من خلال العلم بها والعلم بتفاصيل الحل كما ذكر وتوفر في قصة يوسف ع وعلمه بدقائق المشكلة ودقائق الحل .

    من هنا يتطلب على القائد الإلهي ان يكون عالما بالمشكلة او مستفيدا من عالم متخصص بالمشكلة التي يريد حلّها وهذا بالعموم معمول به في اوساط الفقهاء عندما تتعرض لمسألة دينية ذات صلة باختصاص علمي كالطب مثلا .

    وعليه حتى بافتراض طاعة الناس ارشاد المرجعية العليا بانتخاب الصالحين ووجد البعض منهم وكلا بحسبه ونصيبه من الاصوات فان المشكلة لا يمكن حلها لان المنظومة السياسية فاسدة من دستور وتشريعات وبالاخص المنظومة الانتخابية التي بها يصل الفاسدين الى تحصيل الغلبة السياسية من خلال التحالفات بينهم واقصاء المستقلين الضعفاء الجدد !

    هذه المسالة على كبير اهميتها وكبير مدخليتها في الحل فالكثير او الاغلب غير ملتفت اليها وغير فاهم تفاصيلها التخريبية التي تعمل على استمرار بقاء المشكلة حتى وان امكن ابجاد بداية طريق الحل !
    والتفاصيل في هذه الحيثية كثيرة ومتعلقاتها الاخرى كثيرة ولعل البعض اطلع من هنا وهناك على بعض تفاصيلها .

    اذن فما هو الحل وكيف :

    وفق النظرية القرآنية او وفق حدود قصة يوسف ع التي نريد الاعتبار منها والتطبيق فان اطراف كل مشكلة او اغلبها والتي واجهتها البشرية وتعرض لها القرآن بالذكر هي على الاقل ثلاثة :

    1- جهة المشكلة ( خط الشيطان / او اي بلاء عام )
    2- عوام الناس الذين تحت المشكلة والمبتلين بها
    3- القائد الإلهي او خليفته الشرعي او من ينوب عنهما وفق الضواب الشرعية

    ويبدأ الحل من القائد الإلهي مهما كان عنوانه ، ويتصدى بنفسه لحل المشكلة ، وهذا يعني ضرورة وجوده في الدور القيادي العملي المباشر وهذا ما طلبه يوسف ع ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ )
    لان القائد الإلهي حتى يستطيع القيام بدوره يحتاج التفويض والصلاحيات ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ غ? ) ومن ثم يستطيع العمل وبدون ذلك سوف يتعطل دوره وتتعطل عملية الاصلاح وتتعطل منظومة الهداية الإلهية ! فافهم .

    وللأسف نائب الامام من المرجعية الدينية ( ذات الصفة الارشادية فقط ) شبه معطلة او ضعيفة في هذه النقطة الاساسية وهذه حقيقة ثابته , ولكن ليس انا الان في محل بحث وتقرير اي دور وما هي حدود صلاحيات وعمل مرجعيات الدين زمن الغيبة ، بل بمحل تثبيت حقائق متعلقة بوقائع فارجوا الانتباه حتى لا يتشعب الحديث الى موضوع اخر لمن يطلع ولعله يعترض ويشتهي النقاش فيه .

    وعليه احتمال ضعيف كثيرا لامكان تصدي المرجعية الدينية بنفسها ( يوسف العراق ) حتى تقوم بدورها الكامل لتصلح وتغير المنظومة السياسية الفاسدة وسياسييها الفاسدين . ولا يمكن وصف عملها كشمس خلف السحاب ، ولكن هي بينهما والله اعلم . ونحن أشبه بمن يعيش ويعاني غيبتين تحت المرجعيات الارشادية الاتجاه مقارنتا بالمتصدية للدور السياسي وادارة البلاد ، فالغيبة الاولى المعروفة والثابته هي الغيبة الكبرى التامة ، والغيبة الثانية هي غيبة صغرى او جزئية متعلقها دور النائب العام للامام الحجة ع الذي يغطي فقط احتياج اجوبة الحوادث الواقعة زمن الغيبة التامة ( فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ) كونهم فقهاء وعلماء في مذهب ال البيت ع .

    ولذلك مقدمتا احتمال الاصلاح الصحيح وفق المبدأ القرآني المستنبط في التأمل اعلاه سيكون ضعيفاً في الحالة العراقية الان ، ولكن بدرجة احتمال افضل قليلا يمكن التغيير ولكن بدون ضمان شرط الاصلاح الحقيقي وكما يحصل كثيرا ونشاهد من ثورات ، ولعل ما يسمى بالربيع العربي في مصر وليبيا مثال للتغيير ولكن ليس مثال على الاصلاح ! لغياب التصدي المباشر للقائد الإلهي الشرعي في العملية التغييرية . ولذلك نجحت ثورة الاصلاح في ايران مثلا بتوفيق الله لان قائد التغيير الولي الفقيه تصدى بنفسه وهو باعتباره نائب عام للامام الحجة ع الغائب بغض النظر عن العوامل والضروف الاخرى .

    إلا انه يبقى أمل ومخرج آخر ممكن وله دليل وشاهد من تجربة وهو ان تستخدم المرجعية قوة كلمتها وأثرها في الساحة العراقية وتضعها في لب المشكلة التي شخصناها فهذا لعله يثمر بعمل ناجح يفتح مقدمات الامل للتغير ومن ثم للاصلاح ، كما نجحت كلمتها في فتوى الجهاد الكفائي .


    المسألة الثانية ان يكون القائد الإلهي ( المرجعية الدينية ) خبير عالم باصل المشكلة التي يتصدى لتشخيصها وحلها ، اي في اسقاطنا الواقعي يعلم العلم السياسي وتفاصيل القوانين والتشريعات السياسية ومنظومة وآلية الانتخابات السياسية حتى يمكن له فهمها وتشخيص مشكلتها وايجاد الحل الدقيق لها وكما اخبر القرآن عن يوسف ع في هذه الحيثية : (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) اي اني ممن يستأمن ويطمئن اليه ، ولي علم يمكنني من القيام بحل المشكلة التي شخصتها وعلى احسن وجه ممكن . فأذا لم تتوفر عنده أستعان بغيره من اهل الخبرة الثقة . وعليه وهذه الحيثية الثانية هناك على الاقل نقطتين مهمتين مغفولتين بدرجة ما في المشكلة العراقية كما اسلفنا تواجه مرجعيات الارشاد وهي نقطة اصلاح المنظومة السياسية الفاشلة الفاسدة من دستور وتشريعات وقوانين عامة في ادارة نظام الحكم وصلاح آلية الانتخاب الفاسدة والفاشلة وضمان استقلاليتها وعدم التلاعب بها ، حيث لا يكفي فقط طرح عنوان انتخاب الصالحين والحث على تصدي البعض منهم للدور والمسؤلية لانه لا فرصة له في الوصول واذا وصل فمحكوم عليه الفشل بدرجة كبيرة . بل اصلا يجب توفير اصلاح الدستور والتشريعات وآلية الانتخاب اولا ومن ثم تقديم البدلاء السياسيين الصالحين والحث على انتخابهم ، بالعموم هذا يعكس ضعف في تشخيص المشكلة وحجمها وضعف مترتب في طريقة الحل التي هي اصلا ليست مثالية وفق التأمل القرآني في قصة يوسف ع وهذه الحيثية المستخرجة منها .


    وعليه ترتب على الابتلاء والمشكلة القائمة حيثيات ثلاثة على الاقل مهمة بسبب استمرار عدم وجود حل التي ببسبب عدم وجود من يحل المشكلة في اصلها ،
    الاولى - استفحال المشكلة وتوسع آثارها الجانبية اكثر فاكثر وهذا يزيد صعوبة الحل .
    الثانية - استطالت زمان المشكلة وشدتها افقد الناس الامل بالحل عموما وبالقائد ألإلهي او من ينوب عنه لا من حيث ضعف الصبر للبعض فقط بل من حيث الاحساس بالخلل رغم توفر الامكان للقائد والاستعداد للاتباع ولسان حالها ومقالها : ( قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) بل لا ينطبق كل المقطع القرآني على الحال الواقع لان في قصة موسى ع لمّا جائهم كان رسولا ومتصديا بنفسه لطغيان فرعون ومشكلتهم السياسية والعقائدية ، ونحن أوذينا من قبل والان ولا يظهر انه اتى الينا قائدا إلهياً متصديا مباشرتا بنفسه لنتبعه ونحقق غاية السماء وهدفنا الذي آمنا به ، بل يشير من بعيد وقد يخطئ او يصيب في مصير مجهول اشبه بالتيه والدوران في حلقة مغلقة ننظر اليه وننتظر منه ليقودنا ولسان حالنا مع الله ( ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ليخلصنا ، وهو ينظر الينا وينتظر منّا التحرك للتغيير وكأنّ لسان حاله يقول : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) فأخرج نفسه من القوم المبتلين بالامتحان كونه يعتقد قد ادى واجبه من تكليف التوجيه وجعلها خارجا عنهم الى غير مقام .
    الثالثة - تعدي المشكلة الى الخلل بالجانب الروحي الايماني عند الكثير بسبب اليأس وشدة البأس .

    والله اعلم

    الباحث الطائي

    نتوقف قليلا ويتبع لاحقا

    التعديل الأخير تم بواسطة الباحث الطائي; الساعة 22-11-2018, 11:30 AM.
    لا إله إلا الله محمد رسول الله
    اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم
    الباحــ الطائي ـث

    تعليق


    • #3
      بسمه تعالى
      السلام عليكم

      يتبـــــع

      يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ غ? إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ / سورة ص (26)

      يقول السيد المرحوم الطباطبائي قدس سره ورفع الله مقامه في تفسيره هذه الاية ما يلي :

      ظاهر الخلافة أنها خلافة الله فتنطبق على ما في قوله تعالى: «و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة:» البقرة: - 30 و من شأن الخلافة أن يحاكي الخليفة من استخلفه في صفاته و أعماله فعلى خليفة الله في الأرض أن يتخلق بأخلاق الله و يريد و يفعل ما يريده الله و يحكم و يقضي بما يقضي به الله - و الله يقضي بالحق - و يسلك سبيل الله و لا يتعداها.

      و لذلك فرع على جعل خلافته قوله: «فاحكم بين الناس بالحق» و هذا يؤيد أن المراد بجعل خلافته إخراجها من القوة إلى الفعل في حقه لا مجرد الخلافة الشأنية لأن الله أكمله في صفاته و آتاه الملك يحكم بين الناس .

      انتهـــــــــــى ،،،

      اقول : اذن خلافة الله في الارض يمكن القول فيها انها تستلزم الجانبين التشريعي والتطبيقي ، والجانب التطبيقي يستلزم التصدي للحكم والقيادة في المجتمع الذي يخلف فيه الخليفة .
      من هنا اذا كان خليفة الله الشرعي وحجته ، المصطفى من الله تعالى في غيبة / غياب فنائبه الذي ينوب عنه ممن يتصف بالصفات الخاصة التي تؤهله لذلك محتاج الى تحقيق الجانبين التشريعي والتطبيقي حتى يمكن ان ينطبق عليه شمول عنوان خليفة خليفة الله وايضا يمكن ان يتحقق الغرض والواجب المراد من خلافته .

      فاما الجانب التشريعي فلعل التوقيع المشهور عن صاحب الزمان الذي خرج عن طريق سفيره يعطي الدليل المهم و الصلاحية لمراجع الدين في هذه الحيثية وكما يلي :
      ( وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم )
      ويظهر لي بحدود فهمي هذا متعلقه الجانب الفقهي من تطبيق الشريعة خاصة وان الزمان والاحوال بتقدم وتغير العصور تفتح عناوين مسائل فقهية جديدة تحتاج الى من يتصدى لها ويجتهد فيها وفق القران والسنة والقواعد المعمول بها في الاستنباط . ولذلك وجه الامام الحجة ع الامة بالرجوع الى رواة حديثهم وهم العلماء الفقهاء من شيعة ال محمد ، وكلّف هؤلاء الفضلاء بالتصدي لهذا الامر في غيابه .

      ولكن هذا كان فقط الجانب التشريعي في دور الخليفة ومسؤلية بيانه والاجتهاد في مستحدثات مسائله ، وبقي الجانب الاخر وهو التطبيقي ، اي الدور التطبيقي لمنظومة الدين والهداية
      من هنا يطرح سؤال مهم وهو الذي لعله افترق عليه علماء المذهب الشيعي الى اتجاهين اساسيين ، ومتعلقه دور وصلاحية نائب الامام العام في الغيبة الكبرى ، ويتفرع عنه او حتى يكون معه السؤال الخلافي التالي : وهو هل على نائب الامام العام ( اي مرجع الامة ) ان يتصدى لدور القيادة والحكم السياسي ام دوره فقط بما اشار اليه التوقيع الوارد من الامام الحجة ع وهو المسائل الفقهية عموما و المستحدثة خصوصا !

      نكمل لاحقا اذا وفقنا الله

      والسلام عليكم
      لا إله إلا الله محمد رسول الله
      اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم
      الباحــ الطائي ـث

      تعليق

      عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
      يعمل...
      X