إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

النبوة في القرآن: سر تعدد الشرائع

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • النبوة في القرآن: سر تعدد الشرائع

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ثم لنا ان نسأل عن سر تعدد الشرائع واختلافها، فالقرآن الكريم صريح بتعددها حيث قال: كُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) ([1])؟
    ونحن قبل بيان الجواب لابد من تقديم مقدمتين، الأولى يتبين فيها الفرق بين الدين والشريعة، فالقرآن الكريم صريح ان الدين عند الله الاسلام حيث قال: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ([2])، فالمراد من الدين هو العقيدة بينما المراد من الشريعة هي الفقه بشقيه العبادات والمعاملات، وعليه فيتضح المراد من الآية الكريمة من ان الدين عند الله الاسلام أي ان العقيدة واحدة بين الانبياء من آدم الى الخاتم فكلهم يؤمنون بنفس العقائد صغيرها وكبيرها، بينما في المجال الفقهي فلكونه يتأثر بأوضاع المجتمع ولأن حاجات المجتمع متغيرة صار متغيراً.
    ثم هنا مقدمة أخرى ينبغي التوقف عندها وهي عدد الشرائع؟
    والجواب انها بعدد اصحاب الشرائع اولي العزم من الانبياء وهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم اجمعين، وقد اشار اليه النص القرآني التالي: (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) ([3])، وهذا لا يمنع من نزول كتب على انبياء اخرين، كالنازل على ادم وزبور داود، فأنها كتبا خالية من الشرائع.
    اذا اتضحت هاتين المقدمتين نعود الى الاجابة عن التساؤل السابق، ونقول: تقدم ان الغاية من تشريع الدين وارسال الانبياء والمرسلين هو رفع الاختلاف الناشئ من التزاحم والتدافع بين افراد المجتمع على مزايا هذه الحياة.
    2. وان هذه المنافع التي يتنافس فيها تظهر كلما زاد تسخير الانسان لما حوله (النفط نموذجا)، فكلما ازدادت اكتشافاته زاد تنافسه في الحصول على هذه الأمور، الأمر الذي يستدعي وضع قوانين ترفع الخلاف في ذلك،
    3. ان الشريعة بطبيعتها تعالج الحاجات الضرورية للمجتمع والمجتمعات البدائية كانت لها مقدارا بسيطا من هذه الاحتياجات التي تستدعي وضع الاحكام الشرعية لها، وكلما تقدمت البشرية وازدادت حاجاتها استدعى ذلك وضع قوانين وشرائع تبين احكامها والحق فيها.
    فاتضح أن الدين لا يزال يستكمل حتى يستوعب قوانينه جهات الاحتياج في الحياة، فإذا استوعبها ختم ختما فلا دين بعده، قال تعالى: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين:" الأحزاب - 40، و قال تعالى: "و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء:" النحل - 89، و قال تعالى: "و إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه:" حم تنزيل - 42.
    واتضح ايضا أن كل شريعة لاحقة أكمل من سابقتها. وقد اشارت الآية السابقة لما تقدم اعني قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) ([4])، فتشير الى ان شريعة محمد صلى الله عليه واله تشتمل على كل ما في الشرائع السبقة وتزيد عليه وكذا قوله: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ....وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...) ([5]).
    ثم ان هناك فائدة اخرى تظهر لتعدد الشرائع وهي ازالة التحريف عن الشريعة السابقة، فنحن اذا عدنا الى الآية الأساسية في بحثنا اقصد قوله تعالى:(كانَ النّاس أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَث اللّهُ النّبِيِّينَ مُبَشرِينَ وَ مُنذِرِينَ وَ أَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَب بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَف فِيهِ إِلا الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَات بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللّهُ يَهْدِى مَن يَشاءُ إِلى صِرَطٍ مّستَقِيمٍ) ([6])، يتضح حصول اختلاف ثان وهو الاختلاف في فهم هذه القوانين الشرعية (الدين) وتفسيرها، مما تسبب باختلال أمر الوحدة الدينية، وظهرت الشعوب والأحزاب، وقد بيّن تعالى سبب الاختلاف الحاصل بانه البغي والظلم من بعض الذين اوتوا الكتاب بعد ما تبين لهم أصوله ومعارفه، وتمت عليهم الحجة، فالاختلاف اختلافان: اختلاف في أمر الدنيا وهو أمر تقتضيه الفطرة الحاثة على تحصيل مزايا هذه الحياة الدنيا وهو السبب لتشريع الدين، واختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون فطرتهم وغريزتهم.
    وتسبب من هذا الأمر تحريف الشرائع السابقة لذا من فوائد التعدد ازالة هذا التحريف.


    ([1]) المائدة: 48.
    ([2]) آل عمران: 19.
    ([3]) الشورى: 13.
    ([4]) الشورى: 13.
    ([5]) المائدة:
    ([6]) البقرة: 213.

عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X