إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

إدارة الازمات والتخطيط الدقيق في قصة يوسف ع

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إدارة الازمات والتخطيط الدقيق في قصة يوسف ع

    هناك.. في زاوية السجن يعيش رجل حيّ الضمير طاهر القلب يؤمن بالله القادر الوهاب..قلبه مرآة للحوادث المستقبلية، إنّه الذي يستطيع أن يكشف الحجاب عن هذه الرؤيا المغلقة ويعبّرها.

    لبث يوسف عليه السلام في السجن المظلم بضع سنين كأي إنسان مظلوم منسيّ، ولم يكن لديه من عمل إلاّ بناء شخصيته، وإرشاد السجناء وعيادة مرضاهم وتسلية الموجَعين منهم والدعوة إلى الله الواحد القهار كدأب آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، حتّى غيّرت (حظّه وطالعه) حادثة صغيرة بحسب الظاهر.. ولم تغيّر هذه «الظاهرة» حظّه فحسب، بل حظّ اُمّة مصر وما حولها.



    أرسل له الملك من يقول له: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إلى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ) يوسف 46- 47

    كم كان تعبير يوسف لهذه الرؤيا دقيقاً ومحسوباً، حيث كانت البقرة في الأساطير القديمة مظهر النعمة والغنى.. وكون البقرات سماناً دليل على كثرة النعمة، وكونها عجافاً دليل على الجفاف والقحط، وهجوم السبع العجاف على السبع السّمان كان دليلا على أن يُستفاد من ذخائر السنوات السابقة. وسبع سنبلات خضر وقد أحاطت بها سبع سنبلات يابسات تأكيد آخر على هاتين الفترتين فترة النعمة وفترة الشدّة، إضافة إلى انّه أكّد له على هذه المسألة الدقيقة، وهي خزن المحاصيل في سنابلها لئلاّ تفسد بسرعة وليكون حفظها إلى سبع سنوات ممكناً.

    كلمة «دأب» على وزن «أدب» تعني في الأصل إدامة الحركة، كما أنّها بمعنى العادة المستمرة، فيكون معنى الكلام: عليكم أن تزرعوا تبعاً لعادتكم المستمرة في مصر ولكن ينبغي أن تقتصدوا في مصرفه.. ويحتمل أن يكون المراد منه أن تزرعوا بجد وجهد أكثر فأكثر لأنّ دأباً ودؤوباً بمعنى الجدّ والتعب أيضاً، أي اعملوا حتّى تتعبوا.

    وكون عدد البقرات العجاف والسنابل اليابسات لم يتجاوز السبع لكلّ منهما دليل آخر على انتهاء الجفاف والشدّة مع انتهاء تلك السنوات السبع.. وبالطبع فإنّ سنةً ستأتي بعد هذه السنوات مليئة بالخيرات والأمطار، فلابدّ من التفكير للبذر في تلك السنة وأن يحتفظوا بشيء ممّا يخزن لها.

    التخطيط الدقيق

    وفي الحقيقة لم يكن يوسف مفسّراً بسيطاً للأحلام، بل كان قائداً يخطّط من زاوية السجن لمستقبل البلاد،

    وقد قدّم مقترحاً من عدّة مواد لخمسة عشر عاماً على الأقل، وكما سنرى فإنّ هذا التعبير المقرون بالمقترح للمستقبل حرّك الملك وحاشيته وكان سبباً لإنقاذ أهل مصر من القحط القاتل من جهة، وأن ينجو يوسف من سجنه وتخرج الحكومة من أيدي الطغاة من جهة أُخرى.


    إنّ يوسف دون أن يطلب شرطاً أو قيداً أو أجراً لتعبيره، عبّر الرؤيا فوراً تعبيراً دقيقاً لا غموض فيه ولا حجاب مقروناً بما ينبغي عمله في المستقبل و(قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلاّ قليلا ممّا تأكلون). ثمّ أنّه يحلّ بكم القحط لسبع سنين متوالية فلا أمطار ولا زراعة كافية، فعليكم بالاستفادة ممّا جمعتم في سنيّ الرخاء (ثمّ يأتي بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدّمتم لهنّ).

    ولكن عليكم أن تحذروا من استهلاك الطعام (إلاّ قليلا ممّا تحصنون) وإذا واظبتم على هذه الخطّة فحينئذ لا خطر يهدّدكم لأنّه (ثمّ يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس). و (يغاث الناس) أي يدركهم الغيث فتكثر خيراتهم، وليس هذا فحسب، بل (فيه يعصرون) المحاصيل لاستخراج الدهن والفاكهة لشراب عصيرها.

    تنظيم الزراعة

    كان يوسف يعلم أنّ جانباً كبيراً من الاضطراب الحاصل في ذلك المجتمع الكبير المليء بالظلم والجور يكمن في القضايا الاقتصادية، والآن وبعد أن عجزت أجهزة الحكم عن حلّ تلك المشاكل واضطروا لطلب المساعدة منه، فمن الأفضل له أن يسيطر على اقتصاد مصر حتّى يتمكّن من مساعدة المستضعفين وأن يخفّف عنهم ـ قدر ما يستطيع ـ الآلام والمصاعب ويستردّ حقوقهم من الظالمين. ويقوم بترتيب الأوضاع المترديّة في ذاك البلد الكبير، ويجعل الزراعة وتنظيمها هدفه الأوّل وخاصّةً بعد وقوفه على أنّ السنين القادمة هي سنوات الوفرة حيث تليها سنوات المجاعة والقحط، فيدعو الناس إلى الزراعة وزيادة الإنتاج وعدم الإسراف في استعمال المنتجات الزراعية وتقنين الحبوب وخزنها والاستفادة منها في أيام القحط والشدّة. وهكذا لم ير يوسف بُدّاً من توليّه منصب الإشراف على خزائن مصر.

    اختار يوسف منصب الأمانة على خزائن مصر، وقال للملك اجعلني مشرفاً على خزائن هذا البلد فإنّي حفيظ عليم وعلى معرفة تامّة بأسرار المهنة وخصائصها (قال اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم). مرّة أُخرى تعلِّمنا هذه القصّة هذا الدرس الكبير وهو أنّ قدرة الله أكبر ممّا نتصوّر، فهو القادر بسبب رؤيا بسيطة يراها جبابرة الزمان أنفسهم أن ينقذ اُمّة كبيرة من فاجعة عظيمة، ويخلّص عبده الخالص بعد سنين من الشدائد والمصائب أيضاً.

    فلابدّ أن يرى الملك هذه الرؤيا، ولابدّ أن يحضر الساقي عنده يتذكّر رؤياه في السجن، وترتبط أخيراً حوادث مهمّة بعضها ببعض، فالله تعالى هو الذي يخلق الحوادث العظيمة من توافه الأُمور..أجل، ينبغي لنا توكيد ارتباطنا القلبي مع هذا الربّ القادر.. الأحلام المتعدّدة في هذه السورة، من رؤيا يوسف نفسه إلى رؤيا السجينين إلى رؤيا فرعون مصر، والاهتمام الكبير الذي كان يوليه أهل ذلك العصر بالنسبة لتعبير الرؤيا أساساً، يدلّ على أنّ تعبير الرؤيا في ذلك العصر كان من العلوم المتقدّمة، وربّما وجب ـ لهذا السبب ـ أن يكون نبي ذلك العصر ـ أي (يوسف) ـ مطّلعاً على مثل هذا العلم إلى درجة عالية بحيث يعدّ إعجازاً منه.

    أليست معجزات الأنبياء يجب أن تكون من أبرز العلوم في زمانهم، ليحصل اليقين ـ عند العجز من قبل علماء العصر ـ بأن مصدر العلم الذي يحمله نبيّهم هو الله! ختاما يقول الله سبحانه وتعالى مُنهياً بذلك قصّة يوسف (عليه السلام): (وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء). نعم إنّ الله سبحانه وتعالى ينزل رحمته وبركاته ونعمه المادية والمعنوية على من يشاء من عباده الذين يراهم أهلا لذلك (نصيب برحمتنا من نشاء).وأنّه سبحانه وتعالى لا ينسى أن يجازي المحسنين، وإنّه مهما طالت المدّة فإنّه يجازيهم بجزائه الأوفى (ولا نضيع أجر المحسنين).





















عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X