إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

اخلاقنا من مكارم الأخلاق !

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • اخلاقنا من مكارم الأخلاق !



    قال للإمام علي بن الحسين (ع): قال (ع) في الوثيقة النفسية التي سنعرض لها في مكان آخر من هذه الدراسة، ونعني بها: الوثيقة التي ترسم مبادئ الصحة النفسية في خطوطها العامة وهي دعاء "مكارم الأخلاق":
    "اللهم صل على محمّد وآل محمد. وأبدلني من بغضة أهل الشنآن المحبة. ومن حسد أهل البغي المودة. ومن ظنة أهل الصلاح الثقة. ومن عداوة الأدنين الولاية. ومن حقوق ذوي الأرحام المبرة. ومن خذلان الأقربين النصرة. ومن حب المدارين تصحيح المقة. ومن ردّ الملابسين كرم العشرة. ومن مرارة خوف الظالمين حلاوة الأمنة".
    هذا النص يتضمن تسع حاجات أمنية هي: الأمن أو الحماية من الحاقدين، والحساد، والمتهمين، وعداوة الأدنين، وقطيعة ذوي الأرحام، وخذلان الأقارب، والحب الزائف، والقسوة، والظلم.
    إن هذه الحاجات التسع تبدو وكأنها حاجات فعلاً، تحس الشخصية المسلمة بأهمية توفرها: فهي تطالب بأن يحبها الآخرون بدلاً من الحقد عليها، وتطالب بأن يوادها الآخرون بدلاً من أن يحسدوها، وان يحسنوا بها الظن بدلاً من توجيه التهم إليها، وإن يواليها ويبرها وينصرها: الأدنون وذوو الأرحام والأقرباء: بدلاً من العداوة والقطيعة والخذلان، وأن تعيش بمنأى عن الأذى الذي يلحقها بها الظالمون: السلطة أو أية جماعة أو فرد يعرضها للأذى.
    أكثر من ذلك: فإن الشخصية الإسلامية لا تحس بالحاجة إلى الحماية أو الأمن من أذى الآخرين فحسب، بل تطالب بأن تنتصر على (الآخرين) أيضاً: وهذا ما يجسد قمة الحاجة إلى الأمن النفسي.
    ولنتابع دعاء مكارم الأخلاق، حيث يضيف إلى الحاجات الأمنية التسع المذكورة، تسع حاجات أخرى، تطالب بالانتصار على الآخرين. ولنقرأ:
    "اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد: واجعل لي يداً على من ظلمني. ولساناً على من خاصمني. وظفراً بمن عاندني. وهب لي مكراً على من كايدني. وقدرة على من اضطهدني. وتكذيباً لمن مقتني. وسلامة ممن توعدني. ووفقني لطاعة من سددني. ومتابعة من أرشدني.
    ونحن إذا استثنينا الحاجتين الأخيرتين (الطاعة والمتابعة للمسدد والمرشد)، حينئذ نواجه سبع حاجات تطالب جميعها بالانتصار على القوى المهددة لأمن الشخصية. فالشخصية الإسلامية (من خلال حاجتها إلى الأمن) لا تكتفي بالمطالبة بابدال ما يهدد أمنها، بل تطالب بالانتصار على القوى المهددة أيضاً. إنها لا تريد أن تأمن شرور الظالمين فحسب، بل تطالب بأن تكون لها يد على الظالمين أيضاً. وكل أولئك يعني ـ بما لا لبس فيه ـ إن حاجتها إلى الأمن أو الحماية لا أنها مشروعة فحسب بل إنها ملحة.
    والسؤال هو: كيف يمكن أن نوفق بين ذهابنا إلى أن الشخصية الإسلامية لا تحس بالحاجة إلى (الحماية) من الآخرين (كما قررنا عند الحديث عن الانتماء والتقدير الاجتماعيين)، وبين ذهابنا إلى مشروعية وإلحاحية (الحاجة إلى الحماية)؟.
    إن أدنى تأمل في هذا الصدد، يحسم الموقف بوضوح حينما نقرر بأن المطالبة بتوفير (الأمن) لم يكن ـ في حد ذاته ـ غاية أو هدفاً: كما هو شأن البحث الأرضي الذي يقرر أهمية مثل هذه الحاجة، مادامت متصلة بتوفير الحياة التي لا يملك البحث الأرضي سواها، وإنما تظل المطالبة بتوفير الأمن ـ في التصور الإسلامي ـ مرتبطة بهدف آخر: ليس هو الحياة من أجل الحياة، بل: الحياة من أجل (الهدف العبادي أو الخلافي في الأرض). فلكي يتوفر للشخصية الإسلامية مناخ ملائم لتحقيق ممارساتها العبادية، يتعين حينئذ (دافع الأمن) لديها مادامت القوى المهددة لاستقرارها، تحتجزها عن متابعة العمل العبادي في شروطه الملائمة، لأن ذلك نابع من مجرد الحاجة إلى توفير (الأمن)، ولو كان الأمر كذلك لما كان للمطالبة بتحمل الشدائد ومواجهة مختلف الاحباطات، والتضحية (حتى بالعمر من أجل الله) أية دلالة من التوصيات الإسلامية.
    إذن: (الدافع إلى الأمن) لدى الشخصية الإسلامية، يفترق تماماً عن (الدافع إلى الأمن) لدى الشخصية الأرضية.

    الشخصية الإسلامية تستثمر (الحاجات الأمنية) مجرد وسيلة لهدف آخر هو (الممارسة العبادية).
    أما الشخصية الأرضية، فإن حاجتها إلى الأمن تظل (هدفاً) بذاته.
    ويترتب على هذا الفارق أن أي تهديد لأمن الشخصية الأرضية، يفقدها توازنها الداخلي، ويفقدها دلالة الحياة أساساً: حتى تقع في نهاية المطاف في وهدة المرض النفسي أو تقدم (في الحالات المرضية الشديدة) على الانتحار.
    أما الشخصية الإسلامية فلا يعنيها أي تهديد لأمنها، مادام الأمر مجرد "وسيلة" إلى غاية: ففي حالة التهديد الفعلي، مثل: إيداعها في السجن، أو مطاردتها، أو تضييق الخناق عليها، أو محاربتها بشتى الوسائل النفسية، ... في مثل هذه الحالات تحتسب الشخصية ذلك من أجل الله، وتعده واحداً من مختلف الاحباطات التي تواجهها في الحياة العابرة، معوضة ذلك بثمن آخر هو: الثواب الأخروي، وانتزاع التقدير من الله، والتثمين للحقيقة الموضوعية التي تنطوي عليها قيمة (السماء) في حد ذاتها.
    وإذا كان الأمر فيما يتصل بـ(الحاجات الأمنية) محكوماً بهذا الطابع، فإن الحاجة الأخرى ونعني بها: الحاجة إلى الحياة أو دافع الحياة يظل محكوماً بالطابع ذاته أيضاً.
    الحياة) في التصور الإسلامي، ترتبط بحقيقة واحدة فحسب، لعلها تشكل أقوى الدوافع أو الحاجات حينما ترتبط بالمهمة الخلافية في الأرض، أي: حينما تدرك الشخصية الإسلامية دلالة وجودها في (الحياة).
    من هنا، فإن الإمام علياً (ع) ألفت انتباهنا إلى أهمية (الحاجة إلى الحياة) حينما قال عنها:
    "الدنيا دار صدق لمن صدقها. ودار عافية لمن فهم عنها. ودار غنى لمن تزود منها. ودار موعظة لمن اتعظ بها: مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، ..." الخ.
    فالعافية، والغنى، والتجارة وسواها تظل (حاجات) و(دوافع) لا يمكن تحقيق إشباعها إلا في نطاق الممارسة (الحياتية): مادامت تقتاد ـ في نهاية المطاف، ليس إلى الاشباع الموقت (في نطاق الوعي بحقيقة الحياة) فحسب، بل إلى الاشباع الدائم في نطاق الحياة الآخرة، وهو اشباع لا حدود له.

    حكمه لأمام علي عليه السلام
    احسبوا كلامكم من أعمالكم يقل كلامكم إلا في الخير

  • #2
    موضوع غايه في الروعه

    موضوع غايه في الروعه وجميل من رائعه في هذه المواضيع........... تقبلي مروري لموضوعك


    خادم الحسين وافتخر

    تعليق


    • #3
      المشاركة الأصلية بواسطة موسى العراقي مشاهدة المشاركة
      موضوع غايه في الروعه وجميل من رائعه في هذه المواضيع........... تقبلي مروري لموضوعك


      موسى العراقي


      احسنت للمرور الكريم

      ودمت بخير
      حكمه لأمام علي عليه السلام
      احسبوا كلامكم من أعمالكم يقل كلامكم إلا في الخير

      تعليق

      عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
      يعمل...
      X