إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لماذا لا يستجاب الدعاء؟ بحث قرآني

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لماذا لا يستجاب الدعاء؟ بحث قرآني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لا يخفى ان الدعاء هو المطلوب بالأصالة من وراء العبادات لما فيه من اعتراف بأهم حقيقة ارادها الخالق من عبده وهي فقره واحتياجه اليه تعالى، لذا ورد عن النبي (ص) )الدعاء مخ العبادة(، بل انه تعالى جعل دعاء عبده له سبب اهتمامه به حين قال: (قُلْ مَا يَعْبَؤُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُم فَقَد كَذَّبْتُم فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً)([1]).
    فهذا التعبير (ما يعبؤُ بِكُم...) والذي يعني عدم اهتمام الله بكم لو لم تدعوا، لم يستعمل في العبادات الاخرى مثل الحج والصوم والجهاد وغير ذلك، وقد استخدم في الدعاء فقط، وهو تعبير يعني بإطلاقه أنّ مايجعل الله يهتم بكم ويعتني رغم الذنوب والآثام هو الدعاء، فقدروا هذه العبادة وثمّنوها. ومما يؤيد هذه الأهمية وايضا ما رواه الصادق (ع) عن جده أمير المؤمنين (ع) حيث قال: أحب الأعمال إلى الله في الأرض الدعاء،...الحديث.
    ولكن قد يتبادر الى ذهن في هذا الصدد إشكال مفاده أن الله وقد جعل كل هذه الاهمية للدعاء بل إنه سبحانه يأمر الناس به ويعدهم بالاستجابة فيقول جل وعلا (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ([2])،وقوله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ([3]).
    ونرى في هذين الايتين بيان صريح باستجابة دعاء الداعين؛ لأن إطلاق الإجابة يستلزم إطلاق الدعاء؛ فكل دعاء دُعي به، فإنّه تعالى يجيبه. وفي الوقت نفسه نجد إنّ كثيراً من الدعوات لا تنال نصيبها من الاستجابة، فما هو السر وراء ذلك؟!.
    ان الإجابة تتضمنها نفس الآية الكريمة حين قالت: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ، فقد قيد استجابة الدعاء بأمرين:
    الأول: وجود دعوة من العبد، أي أنّ للعبد حاجة واقعية ممكنة يدعو بها حقيقة مع الالتفات إلى ما يكتنفها من ملابسات ومتعلقات؛ وهذا ما أشار اليه قوله تعالى: (دَعْوَةَ الدَّاعِي).
    الثاني: دعاء العبد ربه وحده وذلك بأن يعتقد إن الأمر كله لله وحده لا شريك له؛ وأشار اليها تعالى بقوله: (إذا دَعَانِ). كما عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) في قوله: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي)، يعلمون أني أقدر على أن أعطيهم ما يسألوني([4]).

    كما لابد في الدعاء ان تتوفر امور منها
    أولاً: الحاجة المرجوة في الدعاء ممكنة التحقيق ويحتاجها الانسان بالفعل مثل العافية الرزق الستر, وأن يكون راغبا فيها حقا لا كما في بعض الحالات التي يدعو بها الانسان تحت تأثير الغضب او اليأس كدعاء الأم على ولدها الصغير مثلا، قال تعالى: (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) ([5])، يقول الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: قيل في معناه أقوال ( أحدها ) أن الإنسان ربما يدعو في حال الزجر والغضب على نفسه وأهله وماله بما لا يجب أن يستجاب له فيه كما يدعو لنفسه بالخير فلو أجاب الله دعاءه لأهلكه لكنه لا يجيب بفضله ورحمته عن ابن عباس والحسن وقتادة ([6]).
    وعن الإمام أمير المؤمنين (ع) قال: يا صاحب الدعاء لا تسأل ما لا يكون ولا يحل ([7]).
    وفي أمالي الشيخ الطوسي والصدوق في خبر الشيخ الشامي أنه سأل أمير المؤمنين A)) أي دعوة أضل قال: Sالداعي بما لا يكون ([8]).
    وكذا في عدة الداعي، قال أمير المؤمنين(ع): من سأل فوق قدره استحق الحرمان ([9]).
    وثانياً: يجب اعتقاد العبد عند السؤال ان الله سبحانه هو القادر وحده هو من يجيب ومن يحقق للعبد مايريد واذا كانت هناك اسباب وعلل مادية فهذه كيفيات تعمل بمشيئة الله وحده, فالذي يسأل الله وقلبه متعلق بالعلل والاسباب الاخرى هو كمن يشرك بالله ويطلب الحاجة من تلك العلل والاسباب لا من الله, والله سبحانه قد اشترط في الاجابة بقوله ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ) بقوله في بداية الاية ( ادعوني)، كما قال جل شأنه ( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)([10]).
    ومن هنا نفهم سبب الاطلاق في إجابة دعوة المضطر في قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)([11])، و إنما أخذ وصف الاضطرار ليتحقق بذلك من الداعي حقيقة الدعاء والمسألة، فإن الإِنسان إذا لم يقع في مضيقة الاضطرار وكان في مندوحة من المطلوب لم يتمحض منه الطلب وهو ظاهر.
    وفي ذلك يقول العلامة الطباطبائي (ره): ثم قيده بقوله: (ِذَا دَعَاهُ) للدلالة على أن المدعو يجب أن يكون هو الله سبحانه وإنما يكون ذلك عند ما ينقطع الداعي عن عامة الأسباب الظاهرية ويتعلق قلبه بربه وحده([12])؛ وأما من تعلق قلبه بالأسباب الظاهرية فقط أو بالمجموع من ربه ومنها فليس يدعو ربه وإنما يدعو غيره كما ذكرنا سالفاً.
    فإذا صدق في الدعاء وكان مدعوه ربه وحده فإنه تعالى يجيبه ويكشف السوء الذي اضطره إلى المسألة كما قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ)([13])، فلم يشترط للاستجابة إلاّ أن يكون هناك دعاء حقيقة وأن يكون ذلك الدعاء متعلقاً به وحده.
    وهذا ما أكدته أحاديث أهل بيت العصمة والطهارة (ع)، فعن عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ جَمِيعاً عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَسْأَلَ رَبَّهُ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ فَلْيَيْأَسْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَلَا يَكُونُ لَهُ رَجَاءٌ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ ([14]).
    وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع) قَالَ: رَأَيْتُ الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي قَطْعِ الطَّمَعِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَمَنْ لَمْ يَرْجُ النَّاسَ فِي شَيْءٍ وَرَدَّ أَمْرَهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ اسْتَجَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فِي كُلِّ شَيْ ءٍ ([15]).
    وعن أَحْمَدُ بْنُ فَهْدٍ فِي عُدَّةِ الدَّاعِي قَالَ وَرُوِيَ: Sأَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلى عِيسَى (ع) ادْعُنِي دُعَاءَ الْحَزِينِ الْغَرِيقِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مُغِيثٌ يَا عِيسَى سَلْنِي وَلَا تَسْأَلْ غَيْرِي فَيَحْسُنَ مِنْكَ الدُّعَاءُ وَمِنِّي الْإِجَابَةُ ...الْحَدِيثَ.
    قَالَ: Sوَأَوْحَى اللَّهُ إلى مُوسَى (ع) يَا مُوسَى مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي فَإِنِّي سَأَغْفِرُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ ([16]).
    وايضاً في الأمالي للشيخ الطوسي عن حفص بن غياث القاضي, قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (ع) يقول: إذا أراد أحدكم أن لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه, فلييأس عن الناس كلهم, ولا يكون له رجاء إلاّ من الله (عز وجل), فإنه إذا علم الله (تعالى) ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه...الحديث ([17]).
    وفي رواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا قال العبد لا حول ولا قوة إلاّ بالله قال الله عز وجل للملائكة استسلم عبدي اقضوا حاجته ([18]).
    وفِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ عَنْ عَنْ سَوْرَةَ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ سَأَلَنِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي أَضُرُّ وَأَنْفَعُ اسْتَجَبْتُ لَهُ ([19]).
    والخلاصة: فما لا يستجاب من الدعاء ولا يصادف الإجابة فقد فَقَدَ أحدَ الأمرين السابقين.



    ([1]) الفرقان:

    ([2]) البقرة: 186.

    ([3]) المؤمن: 60.

    ([4]) بحار الأنوار: ج 90 ص 323.

    ([5]) الأسراء: 11.

    ([6]) مجمع البيان: ج6ص201.

    ([7]) وسائل الشيعة ج : 7 ص : 83، رقم الحديث: 8791.

    ([8]) الأمالي للشيخ الطوسي (ره): ص435، الأمالي للشيخ الصدوق: ص394.

    ([9]) عدّة الداعي: 152; البحار 93: 327.

    ([10]) غافر: 14.

    ([11]) النمل: 62.

    ([12]) الميزان في تفسير القرآن: ج15، ص196.

    ([13]) المؤمن: 60.

    ([14]) الكافي: ج2 ص148.

    ([15]) الكافي: ج2 ص148.

    ([16]) وسائل الشيعة: ج7 ص143.

    ([17]) الأمالي للشيخ الطوسي: ص110-111.

    ([18]) وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة للحر العاملي: ج7ص218.

    ([19]) وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة للحر العاملي: ج7ص218.



عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X