إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

هل ان معنى الشفاعة عدم استحقاق الشيعي للعذاب؟

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • هل ان معنى الشفاعة عدم استحقاق الشيعي للعذاب؟

    بسم الله الرحمن الرحيم
    كثيرة هي المفاهيم القرآنية التي ماتزال غامضة في أذهان الكثيرين، وقد يشكل البعض منها مفترق طرق في حياة الإنسان، فسلوكه خاضعاً لثقافته كما هو واضح، والمراد من الثقافة تلك المعرفة الأساسية والأصلية التي يبني الإنسان سلوكه عليها، فالفرد المؤمن بالمادية ـ مثلا ـ ترى سلوكه يبتني على المادية المحضة فلا يؤمن بالمعاني الأخلاقية التي ليس لها رصيد من المادة، ومن هذه المفاهيم المؤثرة في السلوك (الشفاعة) فالبعض منّا يتصور أن مجرد ايمانه بالإمامة وكونه شيعياً يكفي في نجاته من العذاب، وإن فعل ما فعل، لذا صار لهذا المفهوم تأثير واضح على فعل الكثيرين تسبب بالاستهانة بالذنوب والاتكال على الشفاعة، كما أن تياراً آخر من غير الشيعة أنكر هذه الحقيقة القرآنية وشدد على الناس حتى أن بعض اتباعهم يصيبه اليأس من ذنوبه فيزداد إصرارا على الذنب ظناً منه أن لا منجى ولا مفر من العذاب.
    وكلا الطائفتين لم يصيبا الحق في هذه المسألة وهم على طرفي الأفراط والتفريط، من هنا نحاول التوقف عند هذه الحقيقة القرآنية لنتعرف على أهم مسائلها من خلال آيات الذكر الحكيم والتي منها قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنْ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)[1]، فبين سبحانه أن كل نفس مرهونة يوم القيامة بما كسبت من الذنوب، مأخوذة بما أسلفت من الخطايا إلا أصحاب اليمين فقد فكوا من الرهن وأطلقوا واستقروا في الجنان، وأنهم غير محجوبين عن أصحاب الشمال الذين أُدخلوا جهنم، وقد يستغرب القارئ من سؤال اصحاب اليمين عن سبب إدخال أصحاب الشمال النار، مع إننا نعلم ان سبب ذلك الذنوب؟ لكن في الحقيقة لم يكن سؤالهم عن ذلك وإنما كان عن سبب عدم شمولهم بشفاعة الشافعين بقرينة نهاية الآية، ولسان حالهم يقول اننا جميعاً ـ أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ـ كلنا مرهونون بأعمالنا، مأخوذ علينا في سقر، لكن الله تعالى نجانا بشفاعة الشافعين فلم لم تشملكم؟
    فأجابهم أصحاب الشمال ان هناك ذنوباً اربعة منعتنا من نيل الشفاعة والتي أشار اليها القرآن بقوله: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)، وهي ترك الصلاة لله وترك الإنفاق في سبيل الله والخوض مع الخائضين وتكذيب يوم الدين فبالتلبس بها ينهدم أركان الدين، ولا يقوم الدين على ساق، فإن حقيقة الدين هو الاقتداء بالهداة الطاهرين والإعراض عن الإخلاد إلى الأرض وهذا هو ترك الخوض مع الخائضين، والإقبال إلى يوم لقاء الله، وهو التصديق بيوم الدين ولازم هذين هو التوجه إلى الله بالعبودية، والسعي في رفع حوائج الناس وهذان مايعنيه بالصلاة والإنفاق في سبيل الله، فالدين يتقوم بحسب جهتي العلم و العمل بهذه الخصال الأربع، و تستلزم بقية الأركان كالتوحيد و النبوة استلزاما هذا، وبعبارة أخرى تمثل هذه الذنوب الأربعة جوهر الدين فأثنان منها يخصان العقيدة, الأول هو الخوض مع الخائضين وتركه يستلزم التوحيد والثاني التكذيب بيوم الدين وهو أنكار المعاد وهما ذنبان يرجعان الى الاعتقاد كما هو واضح، وأما الذنبان الراجعان الى العمل فهما ترك الصلاة ومساعدة المحتاجين.
    وبهذا فقد تحصّل إن الشفاعة للمذنبين من أصحاب اليمين، وقد قال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم": النساء - 31، فمن كان له ذنب باق إلى يوم القيامة فهو لا محالة من أهل الكبائر، إذ لو كان الذنب من الصغائر فقط لكان مكفراً عنه، فقد بيّن أن الشفاعة لأهل الكبائر من أصحاب اليمين، و قد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأما المحسنون فما عليهم من سبيل، الحديث.
    يبقى سؤال آخر حول أصحاب اليمين فقد يتساءل البعض عن ماهية وحقيقة أهل اليمين وسبب تسميتهم بذلك؟
    فأما سبب التسمية فقد يكون ذلك راجعاً لإعطائهم كتابهم بيمينهم، قال تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)[2]، وقد يكون من جهة كونهم أصحاب الخير والسعادة، لإطلاق اليمين في عدة آيات على هذا المعنى كما في قوله تعالى: (وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)[3]، يقول صاحب الميزان: والميمنة من اليمن مقابل الشؤم، فأصحاب الميمنة أصحاب السعادة واليمن مقابل أصحاب المشأمة أصحاب الشقاء والشؤم، وما قيل: إن المراد بالميمنة اليمين، أي ناحية اليمين لأنهم يؤتون كتابهم بيمينهم وغيرهم يؤتونه بشمالهم يرده مقابلة أصحاب الميمنة بأصحاب المشأمة، ولو كان كما قيل لقيل أصحاب الشمال وهو ظاهر[4].
    والأمر سهل، لكن ما ينبغي التوقف عنده السؤال عن سبب إعطائهم كتابهم بيمنهم أو كونهم من أهل السعادة؟
    يظهر من الآية المتقدمة وهي: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)[5]، أنه بسبب اتباعهم لإمام الحق، فقد فرع تعالى إعطاء الكتاب باليمين على دعوة كل أناس بإمامهم، أي أنه بسبب أتباعهم لهذا الإمام، وهنا ينبغي التوقف قليلاً:
    الإمام بمعنى المقتدى به في القرآن على قسمين: إمام هدى كما في قوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)[6]، وإمام كفر وضلال، كما في قوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)[7]، فمن تبع إمام الهدى فهو من أصحاب اليمين، ومن تبع إمام الضلال فهو من أصحاب الشمال، ويدل على هذا التفسير وإن كان ظاهراً من القرآن قول الإمام الحسين (عليه السلام) - في قوله تعالى: * (يوم ندعو كل اناس بإمامهم) * -: إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، وهو قوله عزوجل: * (فريق في الجنة وفريق في السعير).
    فتحصل الى هنا إن الشفاعة لأهل الكبائر من أصحاب اليمين، وأصحاب اليمين هم أتباع أئمة الهدى عليهم السلام.
    لكن هل يعني ما تقدم أن مجرد اتباع الأئمة والقول بإمامتهم كاف في رفع العذاب؟، بعبارة أخرى هل يكفي أن يكون الإنسان شيعياً لعدم عذابه فله أن يفعل ما يفعل فإن الشفاعة مضمونة؟
    مقتضى أدلة الشفاعة أنها تدل على إيجاب الجنة لأصحاب اليمين اي اتباع الأئمة عليهم السلام ولا تثبت عدم عذابهم، فلعل بعضهم ينال ما يستحق من العذاب حتى انه قد يدخل الى جهنم الى أن يطهر فتناله الشفاعة فيخرج منها، فكما هو معلوم أن القيامة لها مواقف عدة تسبق هذا الموقف ليس فيها شفاعة، كالموت والقبر وأغلب مواقف يوم القيامة، فينال المذنب ما يستحقه فيها حتى يكون في مستوى تناله الشفاعة، بل قد تكون ذنوبه مدخلة له الى جهنم يتعذب بنارها الى أن يطهر من بعض ذنوبه المانعة له من استحقاق الشفاعة ثم تناله فيخرج منها.
    يقول السيد العلامة الطباطبائي (ره) في الميزان: فالآيات كما مر دالة على توصيف من تناله الشفاعة ومن يحرم منها غير أنها تدل على أن الشفاعة إنما تنفع في الفك عن هذه الرهانة والإقامة والخلود في سجن النار، وأما ما يتقدم عليه من أهوال يوم القيامة وعظائمها فلا دليل على وقوع شفاعة فيها لو لم تدل الآية على انحصار الشفاعة في الخلاص من رهانة النار[8].
    فإن قلت: قد ثبت بالروايات المعتبرة حضور النبي الأكرم (ص) وأهل بيته (ع) عند الموت وفي القبر، وهذا يدل على شفاعتهم؟
    قلت: إن حضورهم من باب الحكومة اي إن الله تبارك وتعالى اعطاهم صلاحية رفع العذاب او التدخل في هذه المواقف وهذه ليس من الشفاعة بل عليها في العقيدة بالحكومة ولها اسبابها وموانعها المذكورة في الروايات، وبعبارة أخرى ان باب الحكومة التي اعطيت لهم غير باب الشفاعة الذي نتكلم عنه فله قوانينه واسبابه الخاصة التي قد لا تتوفر عند كل أحد.



    [1] المدثر: 38 ـ 48.

    [2] الاسراء: 71.

    [3] الواقعة: 7 ـ 10.

    [4] الميزان: ج19، ص62.

    [5] الاسراء: 71.

    [6] الانبياء: 73.

    [7] القصص: 41.

    [8] الميزان: ج1، ص98.



المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X