إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ثقافة الثورة عند الإمام الحسين عليه السلام ج2

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ثقافة الثورة عند الإمام الحسين عليه السلام ج2



    المبحث الثاني: الاستدماج الديني

    لم تكن الثورة الحسينية بعيدة عن الدين الإسلامي، أو غير متوافقة معه، بل من أعظم أهدافها حفظ الدين والتمسك به وبتعاليمه، خلافاً لما عرضه الجانب المناهض للثورة؛ لذا لو أمعنا النظر في المفاهيم الإسلامية التي عكستها الثورة، نجدها على ثرائها وعمقها نادرة جداً مع الظرف الحربي والسياسي الذي عاشه الإمام عليه السلام، كما لا ننسى أنّ الجانب المناهض للثورة كانت غايته تسقيط الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه دينياً وسياسياً واجتماعياً؛ لذا كانت أساليبه مغالطية، يمكننا عرضها في خضم الحديث عن الظروف التي مرّت بها الثورة، والكشف عن عمق الاستدماج الديني الذي شكّلته الثورة بقائدها وأتباعه.
    مرّت الثورة بمرحلة لا يمكن إغفالها للرأي العام، وهي مرحلة العلن التي خاض غمارها الإمام عليه السلام مع أتباعه؛ لوصول الأمر إلى أشدّه في الفساد الذي أخذ يبعث حالة التدهور الفكري والاجتماعي في المجتمع العربي بعد عصر النبي صلى الله عليه وآله، فكان الحكم تحت أشدّ الناس فساداً وعنجهية، واستهتاراً بقيم الإسلام، حينها كانت كلمة الإمام عليه السلام الفصل التي قضّت مضاجع المفسدين، وهزّت عروشهم، وأخذت بتخبطهم، وهي قوله عليه السلام: «إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله»[19].
    إذن؛ الفساد الذي أشار إليه الإمام عليه السلام كان سارياً في الأُمّة نفسها لا الحكم فقط؛ لذا جاءت التعبئة الدينية مخرجاً ناجعاً للإمام في تحشيد الناس وترغيبهم في الثورة على الظلم والفساد، وبيان آثاره اجتماعياً وفكرياً، وسياسياً وعقائدياً، ومن هذا الاستدماج ما نلاحظه في خطابه لأعدائه وأتباعه.
    فمن خطابه لأعدائه هادفاً إلى تغيير مسار الانحراف الذي أصابهم، ووضع حدٍّ للفساد الذي أخذ ينخر مفاصل المجتمع؛ بسبب جهلهم وتعنّتهم، قوله عليه السلام حينما أخذت الثورة بمرحلتها الأخيرة، وأخذ أعداء الإمام بالهجوم على معسكر الإمام وحرق الخيام التي أخذت بالانحسار بسبب النار، وهو موقف حرج: «فأقبل القوم يجولون حول بيت الحسين عليه السلام، فيرون الخندق في ظهورهم، والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان أُلقي فيه، فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته: يا حسين، أتعجّلت بالنار قبل يوم القيامة؟ فقال الحسين عليه السلام: مَن هذا، كأنّه شمر بن ذي الجوش؟ فقالوا: نعم. فقال له: يا بن راعية المعزى، أنت أوْلى بها صليا. ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم، فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك. فقال: دعني حتى أرميه، فإن الفاسد من أعداء الله، وعظماء الجبارين، وقد أمكن الله منه. فقال له الحسين عليه السلام: لا ترمه، فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال»[20].
    في النص معجمان يتصارعان من أجل تقديم رؤية إنسانية خيّمت على الواقع التاريخي الذي احتضن الحدث:

    الأوّل: يتمثّل في الجهة السالبة التي تتمثّل في السلطة الأُموية وبشاعة أساليبها في الحفاظ على السلطة.

    أمّا الجانب الآخر: فيتمثّل في الجهة الموجبة متمثّلة بشخص الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه، ممّن كان لهم الحظ في المشاركة، ونيل شرف المقاتلة بجانب الإمام عليه السلام في واقعة الطفّ. الحدث في هذا النص يدور في الواقع بين الشرّ والخير.

    يُقدّم الجانب الأوّل الحدث بنتيجة مغالطية، وهي دخول الإمام الحسين عليه السلام النارـ كما أفرزه النص على لسان الجانب السالب ـ وهو حكم فيه مكر واستفزاز للمخاطبين في واقعة الطفّ، كما أنّه حوار لم يلتزم بشروط المحاورة مع تناقض أطرافه، فما الجريمة التي أدت إلى الحكم على الإمام بالنار يوم القيامة كما جاء على لسان شمر بن ذي الجوشن في النص؟ محاربة الفئة الضالة وإصلاح الأُمّة التي أخذت تنصاع مطيعة خانعة للسلطة الأُموية، وبالنظر إلى الشخصية التي يدور حولها الحدث ــ شخصية الإمام الحسين عليه السلام ـ شخصية واقعية يمكن للعامّة الحكم عليها بالنقيض، لما جاء على لسان شمر بن ذي الجوشن، لكن الوظيفة النفسية التي كانت هدف المخاطب لم تكن ناجعة على مستوى المحادثة؛ لأنّها لم تجرْ المحادثة إلى مستوى مغالطي كما كان متوقعاً من المخاطب، فكان الافتتاح فاشلاً، لم يؤدِ التفاعل المرجو الذي يأخذ بالمحادثة مأخذاً جاداً، كما في دور شمر بن ذي الجوشن في النص، فالفعل الكلامي الذي قصد انجازه شمر بن ذي الجوشن بدء القتال وقتل الإمام عليه السلام، لكن لم يُنجز هذا الفعل بفضل الاستدماج الديني الذي جعل عملية التواصل فاشلة للطرف السالب في الحوار، وناجعة للطرف الموجب ـ أي: الإمام عليه السلام ـ ولأنّ هناك علاقة بين الفعل الكلامي والفعل الاجتماعي، لم يكن التفاعل على مستوى إنجاح عملية، «فكل فعل اتصالي يتطابق إلى حدّ كبير مع الهدف منه»[21]، للرد الذي جاء على لسان الإمام الحسين عليه السلام عندما رام مسلم بن عوسجة رمي شمر بن ذي الجوشن: «إنّي أكره أن أبدأهم بقتال»، مع اعتداء شمر بن ذي الجوش على الإمام عليه السلام، والتجاوز اللفظي والعقدي الذي ذكره شمر بن ذي الجوش، لكن ردّ الإمام كان حدّاً فاصلاً يشهد بزيف الآراء التي تبنّاها معاوية ومَن كانوا معه للحفاظ على السلطة، إذا لم يحمل خطابه عليه السلام، هوية فردية تفرز غاية شخصية أو توجه خاص، بل كلّ ما دار عليه الخطاب هو تفنيد رأي شمر بن ذي الجوش، والرجوع في أمره إلى الشريعة الإسلامية مع اعتدائه وتجاوزه.
    ونلاحظ هذا المبدأ في جميع خطاباته عليه السلام للفئة الضالة، التي حاربت من أجل تشويه الدين، وجرف الناس إلى التردي الذي كان يقود الناس قبل فجر الإسلام؛ لأنّه عليه السلام يمثّل في تلك المرحلة أخلاق الإسلام في عقائده وتشريعاته، التي تبغي إلى تهذيب النفس وإصلاح المجتمع، والرقي بالأخلاق إلى أرفع المستويات والمنازل وأكرمها، وهذا ما ظهر في ممارساته عليه السلام[22]، ومن ذلك قوله، وهو يخاطب الناس من أجل نصرة الإسلام: «أيّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظكم بما هو حق لكم عليّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غُمّة، ثمّ اقضوا إليّ ولا تُنظرون، إنّ ولييّ اللهُ الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين»[23].
    المعركة التي كانت بانتظار الإمام عليه السلام لم تكن معركة متكافئة، بل مَن كان معه من أهل بيته وصحابته لا يتجاوز المائة كما ذكرت بعض المصادر، بينما ما كان في جبهة معاوية كان بآلاف، ومع ذلك نلمح الاستدماج الديني الذي كان عليه الإمام عليه السلام، ولم تكن لغة القوة هي المهيمنة على الموقف على حرجه وحدّته، فقد أوكل الإمام عليه السلام أمره إلى الله يحكم بينه وبين القوم الظالمين، ولم يتخذ سُبلاً أُخرى في خطابه؛ لتحرير الناس من ضلالتهم التي كانت مسيطرة على عقولهم في الوقوف بجانب معاوية ونصرة البيت السفياني، بل كان موقف الإمام من بيعة يزيد موقفاً واضحاً غير قابل للمناقشة أو المهادنة، وقولته المشهورة كافية للدليل على ذلك؛ إذ قال عليه السلام: «ومثلي لا يُبايع مثله»[24]، مع ما فعله يزيد بسائر معارضيه من التنكيل والقتل، مضافاً إلى ذلك ما قام به من فضائع، لم يستطع التاريخ إنكارها أو التغاضي عنها، من قتل الحسين عليه السلام، وسبي النساء أمام الناس، إلى رمي الكعبة بالمنجنيق، ووصولاً إلى واقعة الحرّة التي أوكل قيادتها لمسلم بن عقبة، الذي احتلّ المدينة ثلاثة أيام، يستبيح فيها العرض والمال، وانتهاك حرمة هذا البلد، الذي احتضن أشرف الخلق، النبي محمد صلى الله عليه وآله، بشكل لم يسبق له مثيل[25].
    وفي خبر تعهّر يزيد وخروجه عن الإسلام ينقل لنا صاحب (تذكرة الخواص) عندما خرج أهل المدينة على يزيد: «وبايعوا ـ أي: أهل المدينة ـ عبد الله بن حنظلة الغسيل، وكان حنظلة يقول: يا قوم والله، ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، رجل ينكح الأُمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، ويقتل أولاد النبيين»[26].
    ولعدم أهلية يزيد بالحكم؛ رفضه أهل المدينة، كما قامت مكة بهذا بعد أن جرّ جيش معاوية على المدينة الخراب والقتل في أهلها، لكن فحش يزيد ومعاوية لم يردعهم من أن يفعلوا بمكة ما فعلوه بالمدينة، فخرج جيش بأمر من يزيد بن معاوية، بقيادة مجرمه السفاح مسلم بن عقبة، ومات مسلم بن عقبة، بعد أن استخلف الحصين بن نمير على قيادة الجيش الذي ناوش عبد الله الزبير وهو في الحرم، ورمى الكعبة بالنيران حتى احترقت الكعبة[27]، هذا ما كان عليه دين معاوية ويزيد، وما نشروه بين الناس من خوف وتردّي فكري وعقائدي، جعل أغلب الناس مسيّرين لما يريده حتى لو كان مخالفاً للإسلام.
    عُكس التيار المناهض للسلطة الأُموية بحركة الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه ممّن آثروا الموت على الذلة والخنوع، مع يقينهم بالموت الذي كان ينتظرهم، بل شكّل التمسّك بالدين مظهراً من مظاهر هذه الثورة التي التزمت بكلّ ما كان يحفظ للدين هيبته وللإسلام روحه، وهذا واضح في الكثير من الأحداث التي رافقت الثورة، منها: عندما رام الإمام الحسين عليه السلام الخروج من مكة إلى العراق، بعث له أهل الكوفة برسائلهم يطلبون منه القدوم؛ حينها قرر الإمام عليه السلام الخروج من مكة إلى العراق، وهنا تظاهر البعض بأنّه من الناصحين للإمام، فدعاه للإقامة في مكة، ومنهم: عبد الله بن الزبير، إذ يُروى أنّ رجلاً كان يطوف بالكعبة سمع عبد الله بن الزبير يُنادي الإمام ويسرّه بشيء، فالتفت الإمام عليه السلام إلى الناس، وقال: «أتدرون ما يقول ابن الزبير؟ فقالنا: لا ندري، جعلنا الله فداك! فقال: قال: أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس. ثمّ قال الحسين: والله، لأن أُقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليّ من أن أُقتل داخلاً منها بشبر، وأيمُ الله، لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم، والله ليعتدُنَّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت»[28].
    الإمام في هذا الخبر يُظهر مدى الفساد الذي صار إليه الحكم، كما يُظهر فضاعة الحال التي وصلت الدولة بحكم البيت الأُموي؛ لأنّ الكعبة من حرم الله يأمن بها كلّ مَن على هذه الأرض، ولا يجوز لأحد استباحة هذه الحرمة، لكن التردي الأخلاقي جعل من اليقين خرق هذه الحرمة من قِبل معاوية ويزيد؛ وممّا يدلل على ذلك حرق الكعبة في واقعة الحرّة، كما أمر يزيد عمرو بن سعيد في معسكر عظيم في موسم الحج قبل ثورة الإمام أن يُناجز الحسين عليه السلام ويقتله إن تمكّن وإلّا قتله غيلة، بل تجاوز الأمر أن دسّ في ذلك الموسم ثلاثين رجلاً من أتباعه، أمرهم بقتل الإمام بكلّ وسيلة متاحة حتى لو كان متعلقاً بأستار الكعبة[29]، والإمام وسط كلّ هذه الدسائس والمؤامرات لم يجعل الإسلام أو الدين ثاني أولوياته، بل عرّض نفسه وأهله للموت من أجل الإسلام، ورفض البقاء في مكة حفاظاً على حرمة هذا المقدّس، وهنا يكمن الاستدماج الديني الذي كان عليه الإمام الحسين عليه السلام، فأصبح ثقافة إسلامية تنال التقدير والاحترام على مرّ العصور، فكانت نهضة عاشوراء نهضة لإحياء سُنّة النبي صلى الله عليه وآله والدفاع عنها، ونقلها إلى حيّز التطبيق في حياة المسلمين؛ لأنّ تعاليم النبي صلى الله عليه وآله قد أُهملت آنذاك، كما أنّ البدعة قد أُحييت وظهرت[30].
    ------------------------------------------

    [19] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص329.
    [20] المصدر السابق: ج45، ص6.
    [21] الميساوي، خليفة، الوصائل في تحليل المحادثة (دراسة في استراتيجيات الخطاب): ص268.
    [22] اُنظر: علي، وسام، القيم الأخلاقية في الفكر التربوي الإسلامي المعاصر: ص65.
    [23] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص424.
    [24] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص9.
    [25] ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة: ج1، ص179. فضلاً عن ذلك لم تكتفِ السلطة الأُموية بقتل الناس، وكلّ مَن كان له هوى علوي، بل أخذت تؤسس لمدرسة فكرية تسيطر من خلالها على عقول الناس، وتقدّم لهم مشروعية عملها السياسي والديني، اللذين كانا في تلك الفترة وجهان لعملة واحدة، وقد قطعت أشواطاً في بنائها لتلك المدرسة من خلال وضع بعض الأحاديث في مدح معاوية، وذم أمير المؤمنين، من لعنه على المنابر لسنين طويلة دون ورع أو رهبة من هذه الشخصية العظيمة، وأهل بيته بشكل عام، ومن تلك الأساليب نشر بعض المذاهب الفكرية، والترويج لها، من قبيل مذهب الإرجاء والجبر، اللذين يساعدان تلك السلطة على الوقوف على مبررات لكافة أعمالها، حتى لو كانت مخالفة للإسلام والدين. اُنظر: العاملي، محمد شقير، الإصلاح الديني: ص41.
    [26] سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي، تذكرة الخواص: ص361.
    [27] اُنظر: اليعقوبي، أحمد بن يعقوب، تاريخ اليعقوبي:ج2، ص251. ابن عبد ربّه، أحمد بن محمد، العقد الفريد: ج4، ص357.
    [28] البلاذري، أحمد بن يحيى، جمل من أنساب الأشراف: ج3، ص375.
    [29] اُنظر: الجلالي، محمد رضا، حول نهضة الإمام الحسين عليه السلام: ص21.
    [30] اُنظر: الإصفهاني، محمد علي، المباني القرآنية لنهضة عاشوراء، مجلة الإصلاح الحسيني: العدد الخامس، ص47.


  • #2
    الأخت الفاضلة صدى المهدي . أحسنتِ وأجدتِ سلمت أناملكِ على نشر هذه المقالة عن ثقافة الثورة الحسينية المباركة . جعل الله عملكِ هذا في ميزان حسناتكِ . ودمتِ في رعاية الله تعالى وحفظه .


    تعليق

    المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
    حفظ-تلقائي
    Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
    x
    إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
    x
    يعمل...
    X