إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

نهج البلاغة: مثال الأدب الاسلامي الرفيع ج1

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • نهج البلاغة: مثال الأدب الاسلامي الرفيع ج1


    بسم الله الرحمن الرحيم
    يتربع نهج البلاغة للامام علي بن أبي طالب(ع) على قمة الأدب الاسلامي مثالاً رائعاً ومتفردا لما أنتجه الأدباء الاسلاميون على مرّ العصور من ذلك الأدب الرفيع. ومن هنا يحاول هذا البحث أن يستظهر خصائص الأدب الاسلامي ومقوماته من خلال نهج البلاغة، متخذاً في هذا الاستظهار منهجاً نقدياً اسلاميا حديثا يتمايز في أسسه وأصوله عن مناهج النقد الأدبي الأخرى(1).

    * طابع الاسلامية:

    إن أول ما يلحظه البحث من خصائص الأدب الرفيع في نهج البلاغة هو طابع الاسلامية وأعني بها ارتباط هذا الأدب بعقيدة الاسلام وصدوره عنها، ومن المعلوم أن تجربة العقيدة هي من أشد التجارب تأثيراً في حياة الانسان أياً كان منشأ ذلك المعتقد وطبيعته سواء كان" منبثقاً عن تصور إلهي او عن تصور فلسفي من نتاج الفكر البشري، إلاّ انه لا يخرج في عمومه عن كونه تفسيراً يبيّن موقف الانسان من هذا الوجود وعلاقته بخالقه والكون والحياة " (2) وحين يكون هذا الانسان أديباً فلا بد أن يظهر أثر عقيدته فيما ينتجه من ادب وذلك لأن معتقد الاديب جزء اساس من الاطار العام لتجربته الشعورية ثم أن الادب بطبيعته يحتاج الى خلفية عقائدية يرتبط بها ومن الملاحظ أن علاقة الأدب بالعقيدة الدينية قضية اصيلة من قضايا نشأة الادب قديماً وحديثاً.
    فقد ظل الادب في العالم اجمع مرتبطاً بالدين حتى العصر الحديث عندما لم يعد للسلطة الدينية وجهها الجماعي القديم فراح الانسان يبحث عن عقيدة اخرى. ومن ثم لم تخلُ أعماله الفنية في أي وقت من أن تكون تعبيراً عن عقيدة (3). ولم تعد العلاقة بين الادب والدين او بين الادب والايديولوجيا مثار نزاع او جدل بين الناس، ولا يماري في ذلك إلاّ من لا يعرف حقيقة الادب وحقيقة الدين، ولا يعرف تاريخ الآداب الانسانية وعلاقتها بالدين.
    "وحسبك أن تلتمس اثر الدين في كبار ادباء العالم لترى ذلك جلياً بيّناً وارجع إن شئت الى محمد إقبال وطاغور وكوته وبرخيس واحمد شوقي وميخائيل نعيمة وتولستوي وبوشكين ومحمد عاكف ومرال معروف وت.س. اليوت، وبول كلوديل وسواهم، تر العجب العجاب من أمر الدين وأثره في آداب العظماء"(4). وغني عن البيان أن الامام علياً(ع) كان قد بلغ حدّ الذوبان في دينه وعقيدته الاسلامية الراسخة فلابد أن يظهر أثر ذلك فيما ينتجه من أدب.
    وبدءاً من أول نص في نهج البلاغة نلتقي بطابع الاسلامية واضحاً جلياً في قوله(ع): "الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادّون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود. فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميَدان أرضه"(5) فهنا الوعي التام بأول أصل من أصول العقيدة الاسلامية أعني التوحيد الخالص من أي شائبة من شوائب الشرك في وجوده تعالى وصفاته ووحدانيته وهيمنته على العالم. ويتبع هذا الأصل المكين ما يرتبط به ويتفرع عنه من أصول أخرى كالنبوة والامامة والمعاد، هذه الأصول التي تصدر عنها الشواهد العديدة في أدب نهج البلاغة، ولو أردنا استقصاءها لطال بنا الكلام ولذلك نكتفي بالاشارة الى بعضها كقوله (ع) عن النبوة: "ولم يُخل الله سبحانه خلقه من نبيّ مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة. رسلٌ لا تقصّر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم، من سابق سمّي له ما بعده، أو غابر عرّفه من قبله. على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء"(6).
    ويخصّ نبوة محمد(ص) بقوله: "الى أن بعث الله سبحانه محمداً رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم لإنجاز عِدته، وإتمام نبوته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريماً ميلاده"(7) ويشير الى أصل الامامة بقوله(ع): "أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم. بنا يُستعطى الهدى، ويُستجلى العمى. إن الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم"(8) ويذكر المعاد في يوم القيامة فيقول(ع): "وذلك يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين لنقاش الحساب وجزاء الأعمال، خضوعاً قياماً، قد الجمهم العرق، ورجفت بهم الأرض، فأحسنهم حالاً مَن وجد لقدميه موضعاً، ولنفسه متسعاً"(9)
    وهكذا يرتبط أدب نهج البلاغة بالاسلام ارتباطاً مباشراً فيتصف بصفة الاسلامية بما تعنيه من وجهة النظر الدينية للانسان والطبيعة في ما يتعلق بالمفاهيم الادبية. "ويقيناً فإن الاسلامية هي غير الكلاسيكية او الرومانسية او الكلاسيكية الجديدة او الواقعية او الطبيعية او الواقعية النقدية او الواقعية الاشتراكية او الرمزية او السريالية او الطليعية او المستقبلية..الى آخره، انه مذهب متميز قد يلتقي مع هذا المذهب او ذاك لقاءً جزئياً. ولكنه يبقى مذهباً ادبياً اسلامياً مستقلاً لأنه في الأصول والكليات لا يمكن بحال أن يلتقي مع أي من المذاهب الادبية الاخرى. إنه إذا حدث أن تم لقاء ما في الشكل فإنه يندر على مستوى المضمون والمذهب عموماً لأن نقاط الخلاف أكبر بكثير وأعمق بكثير من نقاط اللقاء.

    فها هنا ينبثق المذهب الاسلامي في الادب عن رؤية تصدر عن الله سبحانه الذي انعم على البشرية بالدين القيمّ: الاسلام. وهناك تنبثق المذاهب الادبية عن رؤى بشرية وضعية قاصرة تتضمن الكثيرمن المناقص والاخطاء والثغرات والاحكام النسبية والاختلال والتطرف والشذوذ" (10) وإن كان بعض النقاد الاسلاميين – مثل الدكتور نجيب الكيلاني – لا يقرّ بمذهبية الادب الاسلامي حيث يقول: "ونحن لا نعتبر الاسلامية مذهباً كالواقعية والرومانسية والوجودية والبرناسية...الخ، فالادب اوسع من أن يحيط به ادب محدود وارحب من ان نحصره في قيود من القواعد المحلية او الطارئة. والاسلام دين انساني شامل لا يعرف حدود الزمان والمكان وإن تلاءم معهما وتمشى مع منطقهما المتطور المتجدد الاشكال الثابت الجوهر وتبعاً لذلك تكون الاسلامية من الوجهة الادبية والفنية ارحب من المذاهب واسمى من القيود"(11). ويبدو لي أن لا ضير من اعتبار الاسلامية مذهباً خاصاً ومتميزاً في الادب، اذا فهمنا من معنى المذهب أنه معتقد ديني يسلّم به الاديب ويوفّق بين انتاجه الادبي ومضمون ما يعلّم به هذا المعتقد(12).
    وقد تجلى أثر هذا المعتقد الديني بأوضح صوره في أدب نهج البلاغة ويشهد لهذا الأثر جميع النصوص المروية في هذا الكتاب النفيس، وقد ذكرنا أمثلة يسيرة منها وتركنا أضعافها توخياً للاختصار، ونصل من تلك النصوص الى معنى الالتزام الذي يتفق النقاد على ضرورة تحققه في الادب الاسلامي وانطلاقاً من هذا الالتزام فإن الامام علياً (ع) يعتمد الاسلام وحده في تصوراته ومواقفه التي أنتجت لنا أدباً اسلامياً رائعاً في نهج البلاغة، وهذا المنهج الاسلامي الذي اتخذه الامام علي(ع) في أدبه يرفض جميع المصادر التي تعتمدها الآداب الاخرى. مثل الكلاسيكية التي ترجع دوماً الى العقل والرومانسية التي تؤثر العاطفة على العقل والواقعية التي تفضل الواقع الموضوعي على ماسواه، وهلم جرا، اذ في المذهب الأدبي الاسلامي "يصبح المنهاج الربّاني– قرآناً وسنة– هو النبع الغني للأدب لفظة وتعبيراً وموضوعاً وفكراً واسلوباً. هكذا يصبح للادب الاسلامي معين غنيّ يستقي منه ويرتوي. وبهذا النبع الغنيّ يصبح الادب الاسلامي هوالادب الانساني المتناسق مع الفطرة"(13).
    * الاتساع والتنوع في الموضوعات:

    وهذا الأدب غير محدود في موضوعاته ولا مقيد في مجالاته لأن "الدين الاسلامي لم يكن قاصراً محدوداً في العبادات وحدها حتى يقال عنه انه اذا سايره ادب كان ادباً منحصراً في العبادات وحدها، بل انما الاسلام هو الدين الفريد الذي اتسع كاتساع الانسان وامتد كامتداد حياته ولم يتعارض إلاّ مع ما يتعارض مع مصلحة الحياة الانسانية ذاتها ومع ذوقها الجميل، وإنه إذا تعارض فيتعارض مع عمليات الهدم والاخلال بصالح الانسان وانسانيته. فلم يكن للعمل الادبي أن يجد صعوبة في منادمة الاسلام ومسايرته ولم يكن له عائق عن أن يجد تحقيقاً لأهدافه في تصوير جوانب الحياة المتلائمة مع الاسلام"(14) كما إن الدستور الإسلامي – كمصدر ادبي وفني – لا يقيد حرية الاديب ولا يحصر نتاجه في موضوعات محددة.
    بل انه ليدفعه دفعاً قوياً نحو تضمين نتاجه هذا كل الوجود والكون بمجالاته وابعاده التي لا تحصى ولا تعد (15) ومصداق هذا الاتساع والتنوع في موضوعات الأدب الاسلامي ما نجده في نهج البلاغة من هذا الأدب الذي يسيح في عوالم الانسان والكون والحياة والمجتمع والدين سياحة منسجمة مع فطرة الوجود وناموسه الأكبر. فنجده يتطرق الى بيان أصول الدين من التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد كما يتطرق الى فروعه من الصلاة والصوم والحج والزكاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتولي اهل بيت النبي والبراءة من اعدائهم والجهاد في سبيل الله ويذكر خلق العالم وخلق الانسان ويصف بعض مظاهر الطبيعة كوصفه للطاووس والخفاش والنملة والجرادة وغيرها، وينبه على عجائب صنع الله في السماوات والأرض ويتحدث عن الحروب التي خاضها مع خصومه كالجمل وصفين والنهروان وغيرها، ويذم الشيطان واتباعه، ويعظ الناس ويهديهم من ضلالتهم، ويصف ما ينبغي من احوال العلماء والحكّام، ويصف حال الدنيا في تقلبها ويحث الناس على الزهد فيها ويحذرهم من فتنتها، ويصف العرب قبل البعثة وبعدها، ويستنفر الناس الى قتال الناكثين والمارقين والقاسطين ويحذر من الفتن في زمانه وما يقع منها ومن الملاحم في آخر الزمان، ويدعو الى صالح الاعمال ومعالي الاخلاق والتزام التقوى، ويذكر جانباً من الحياة الاقتصادية في عصره فيصف حال الفقراء والمعوزين ويسعى الى تأديب الاغنياء بالشفقة عليهم ويذم البخلاء منهم، ويدافع عن المظلومين والمقهورين، ويتحدث عن بيعة الخلفاء قبله وعن ضياع حقه في الخلافة ويبين ما وقع فيه الناس من الخبط والتلون والتباس الحق بالباطل، وينبه على فضل الرسول الاعظم (ص) وفضل القرآن الكريم، ويبسط الحديث في صفات النبي (ص) واهل بيته واتباع دينه، ويتناول اهم الاحداث السياسية التي وقعت في عصره، هذا فضلاً عن رسائله وعهوده ووصاياه وحكمه التي تضمنت موضوعات شتى ومعاني لا تحصى، وكل ما تقدم من الموضوعات كان يصوغها الامام علي (ع) بأسلوبه الادبي الجميل حافلاً بفصاحة الالفاظ وبلاغة التراكيب والصور الفنية المدهشة.
    لنستمع اليه كيف يصف الطاووس بقوله (ع): "تخال قصبه مداري من فضة، وما أُنبت عليها من عجيب داراته، وشموسه خالصَ العقيان، وفلَذ الزبرجد. فإن شبهته بما انبتت الارض قلت: جنىً جُني من زهرة كل ربيع. وان ضاهيته بالملابس فهو كموشيّ الحلل، او كمونقٍ عصب اليمن، وان شاكلته بالحُليّ فهو كفصوص ذات الوان، قد نطّقت باللجين المكلّل، يمشي مشي المرٍح المختال، ويتصفح ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكاً لجمال سرباله واصابيغ وشاحه، فإذا رمى ببصره الى قوائمه زقا معولاً بصوت يكاد يبين عن استغاثته، ويشهد بصادق توجعه، لأن قوائمه حُمش كقوائم الديكة الخلاسية، وقد نجمت من ظنبوب ساقه صيصية خفيه، وله في موضع العُرف قُنزعة خضراء موشاة. ومخرج عنقه كالابريق، ومغرزها الى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية، او كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال، وكأنه متلفع بمعجر اسحم إلا أنه يُخيّل لكثرة مائه وشدة بريقه، أن الخضرة الناضرة ممتزجة به. ومع فتق سمعه خطُّ كمستدق القلم في لون الأقحوان، ابيض يقق، فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق. وقلّ صبغ إلا وقد أخذ منه بقسط، وعلاه بكثرة صقاله وبريقه، وبصيص ديباجه ورونقه، فهو كالازاهير المبثوثة، لم تربّها امطار ربيع، ولا شموس قيظ. وقد ينحسر من ريشه، ويعرى من لباسه، فيسقط تترى، وينبت تباعاً، فينحتُّ من قصبه انحتات اوراق الاغصان ثم يتلاحق نامياً حتى يعود كهيئته قبل سقوطه، لا يخالف سالف الوانه ولا يقع لون في غير مكانه ! وإذا تصفحتَ شعرةً من شعرات قصبه ارتك حمرة وردية، وتارة خضرة زبرجدية، واحياناً صفرة عسجدية، فكيف تصل الى صفة هذا عمائق الفطن او تبلغه قرائح العقول او تستنظم وصفه اقوال الواصفين ! وأقل اجزائه قد أعجز الاوهام أن تدركه، والألسنة أن تصفه ! فسبحان الذي بهر العقول عن وصف خلق جلاّه للعيون، فأدركته محدوداً مكوناً ومؤلّفاً ملوّناً وأعجز الألسن عن تلخيص صفته، وقعد بها عن تأدية نعته "(16).
    فهنا تتساوق الألفاظ في جمال جرسها ورائق ظلالها وفخامة بنائها واختيال صورها لتكون معادلاً للطاووس في عجيب تكوينه وتناسق ألوانه وحركات خيلائه ومعاني أصواته، ودلالة كل ذلك على قدرة الله الخلاّق العظيم، وعجز عقول البشر عن ادراك أسرار الخلق، وكلالة ألسنتهم عن الوصف الدقيق لعجائب الكون ولطائف الوجود، رغم أنهم يرون كل ذلك بأم أعينهم ويدركونه بسائر حواسهم. وهكذا يسعى الامام علي(ع) من تصويره الفني للطاووس ليصل الى ربطه بالحقيقة الكبرى وراء هذا العالم المحسوس، ونجد أمثلة هذه الهدفية أيضاً في وصفه عليه السلام للخفاش والنملة والجرادة وغيرها من المخلوقات.

    * الواقعية:

    يكتسب الادب الاسلامي في نهج البلاغة صفة الواقعية باعتبار أن "الواقع في التصور الإسلامي أوسع من هذا الواقع المحدود الصغير، يرقى الى ما فوق الواقع ويرى أنه جزء من الحقيقة مثلما أن الواقع المادي الملموس جزء من الحقيقة كذلك. وبهذا يتسع الواقع ليشمل الغيب والشهادة، العقل والوجدان الروح والمادة، واقع الارض وواقع السماء، كل هذا يتعاضد في مفهوم الواقعية الاسلامية. وهذا ما يميز الثقافة الاسلامية عن الثقافة الغربية التي لا تتعدى الواقع المادي الى ما سواه، فهي واقعية حتمية طينية لا ترى ابعد مما ترى او تحسّ. ولا تنظر الى الانسان إلاّ في حدود (حيوانيته) وغرائزه مثلما الهمتها به النظريات المادية في علوم الحياة والاقتصاد والاجتماع بما يشبه الجبرية او الحتمية التي تكون في حياة الحيوان"(17)، فما اطلق عليه بـ(الواقعية) في اوربا لا يُعد واقعياً بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح لأنه في الفكر الأوربي والغربي عامة يقتصر على الواقع المحدود الذي تدركه الحواس ولا تتجاوزه الى ما وراءه." إن هذا الواقع – في التصور الإسلامي – جزء من الحقيقة الكلية العليا او هو صادر من تلك الحقيقة. ولا يمكن تجاوز الكل والمنبع والمصدر الى الجزء، اللهم إلاّ اذا فقد الانسان وعيه وعقله، وروحه ومشاعره، وبقي رهين حواسه كالحيوان الذي لا يقوى إلاّ على التحرك من أجل إشباع غرائزه.

    إننا نرى انطلاقاً من التصور الاسلامي للوجود أن الواقعية منتهى الواقعية هي التعلق بالمطلق الازلي ووصف أشواق الروح الصاعدة والمنتهية اليه مثلما هي التعلق بالواقع الجزئي، رصده والتفاعل معه والاحساس به "(18) واتخاذه وسيلة في الوصول الى الواقع الحقيقي المطلق واستكناه ما ينطوي عليه من الحق والخير والجمال ويعدّ هذا الوصول اسمى غاية يحاول الاديب الاسلامي بلوغها وليست هذه الغاية ضرباً من الخيال او الوهم او المثال الذي لا يتحقق، بل هي واقع اسمى وارفع واشمل من الواقع الأرضي الثقيل المحدود ولقد كان الواقع الارضي دائماً جزءاً صغيراً جداً من واقع متسع الآفاق ممتد الحدود امتداداً لا يعرف التوقف، والاديب الموهوب هو أكثر المخلوقات مقدرة على الاحساس بذلك الواقع المتسع غير المنظور، لأن الانسان يحتاج الى قوى خفية وغير عادية لبلوغ تلك الحقيقة العليا.

    إننا مع أديب فذ كعلي بن أبي طالب(ع) نصل الى أبعد آفاق هذا الواقع الكلي الفسيح فنشهد التوحّد والتوازن والانسجام مع السنن الالهية في الكون والانسان والحياة والمجتمع بعد الوعي التام بهذه السنن والقوانين الخفية المحركة للوجود، ولا يتحقق هذا الوعي والانسجام الموصل الى الحقائق العليا إلاّ في نفس أديب مؤمن موهوب كعلي بن أبي طالب الذي ينطلق ابداعه في بعد انساني كبير وامتداد كوني واسع تسقط فيه الحجب المادية الكثيفة وصولاً الى العالم الروحاني العتيد كما في قوله(ع): "فإنكم لو قد عاينتم ما قد عاين مَن مات منكم لجزعتم ووهلتم، وسمعتم وأطعتم، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريب ما يُطرح الحجاب! ولقد بُصّرتم إن أبصرتم، وأُسمعتم إن سمعتم، وهُديتم إن اهتديتم، وبحق أقول لكم: لقد جاهرتكم العبر، وزُجرتم بما فيه مزدجر. وما يبلّغ عن الله بعد رسل السماء إلا البشر"(19) وهذه هي الواقعية الاسلامية الداعمة للوعي والشعور الانساني باعتبار الانسان محوراً مهماً واساسياً في هذا الكون.

    فبينما "يركّز الواقعيون الاشتراكيون على (تخليص) الواقعية من اوهام ما وراء الواقع أو الطبيعة – كما يدعون – او ما يسمونه (الخبث الميتافيزيكي) تصرّ الواقعية الاسلامية على أن الانسان – من خلال واقعه الحقيقي – ليس عقلاً فحسب او قل ليس مادة خالصة، إنه روح ومادة، وعقل وما وراء العقل" (20). وواقع ارضي محدود هو جزء من واقع سماوي اوسع واشمل، ومنهما معاً تقوم الواقعية الاسلامية في الادب، وتختلف بهذا المنظور عن الواقعية الاشتراكية الممسوخة في حقيقتها لأنها تأخذ في حسابها الوجه المحسوس للإنسان وترفض الاعتراف بالوجه الآخر غير المحسوس، الوجه الروحي الميتافيزيقي، وتختلف الواقعية الاسلامية من جانب آخر عن كل من الواقعيتين: الاوربية (الانتقادية والطبيعية)، والاشتراكية (الماركسية) وإن كانت هنالك اسس فنية قد تجمع بينها جميعاً. "فالواقعية الاوربية واقعية نقدية تعنى بوصف التجربة كما هي حتى لو كانت تدعو الى تشاؤم عميق لا أمل فيه. في حين تحتم الواقعية الاشتراكية أن يثبت الكاتب في تصويره للشرّ دواعي الامل في التخلص منه فتحاً لمنافذ التفاؤل حتى في احلك المواقف ولو ادى الى تزييف الموقف بعض الشيء. اما الواقعية الاسلامية فإنها – مع انتقادها للواقع – تنطلق في انتقادها من التصور الاسلامي الذي يكون دائماً منصفاً فلا يبالغ ولا يهوّل، أيضاً لا يتحامل بسبب المغايرة في الانتماء ولا يحبذ الصراع بين الطبقات كما يبتغي الواقعيون الاشتراكيون فضلاً عن أن الامل في الواقعية الاسلامية هو أمل إيماني يقوم على اساس نظرة الله في كل الاحوال، حياة وموتاً. إنها باختصار ترفض التشاؤم كما ترفض التفاؤل الذي يقوم على الخداع او التزييف "(21).
    يتبع ف الجزءالثاني



  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على محمد وآله الطاهرين
    احسنت اختنا الفاضلة وأجدت على اختيارك الجميل ومشاركتك القيمة والنقل الهادف
    جزاك الله كل خير
    مَوالِىَّ لا اُحْصى ثَنائَكُمْ وَلا اَبْلُغُ مِنَ الْمَدْحِ كُنْهَكُمْ وَمِنَ الْوَصْفِ قَدْرَكُمْ

    تعليق


    • #3
      بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على محمد وآله الطاهرين
      احسنت اختنا الفاضلة وأجدت على اختيارك الجميل ومشاركتك القيمة والنقل الهادف
      جزاك الله كل خير
      مَوالِىَّ لا اُحْصى ثَنائَكُمْ وَلا اَبْلُغُ مِنَ الْمَدْحِ كُنْهَكُمْ وَمِنَ الْوَصْفِ قَدْرَكُمْ

      تعليق


      • #4

        السلام عليكم..اخوتي الأعزاء- ناقل هذا البحث بأجزائه الأربعة والمشرف على نشره في هذا الموقع _ من حق الباحث عليكم أن تذكروا اسمه بجانب بحثه الذي بذل في كتابته الوقت والجهد أداء للأمانة الى أصحابها . علماً بأن كاتب هذا البحث هو الدكتور عبد الكريم أحمد عاصي المحمود وهو أستاذ الأدب الحديث في جامعة الكوفة / كلية الفقه / قسم اللغة العربية . وقد نشر بحثه هذا تحت عنوان ( نهج البلاغة أنموذج الأدب الاسلامي الرفيع ) في (مجلة دراسات اسلامية معاصرة) وهي مجلة محكمة تصدر عن كلية العلوم الاسلامية / جامعة كربلاء، العدد(4) السنة الثانية / أيلول 2011،ص147-166. ونشر هذا البحث أيضاً في بعض المواقع العلمية والاعلامية كموقع أكاديميا وموقع شبكة النبأ وعيرهما. دعائي لكم بالتوفيق الدائم وتقبلوا خالص مودتي .

        تعليق

        المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
        حفظ-تلقائي
        Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
        x
        إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
        x
        يعمل...
        X