إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الربط الموضوعي في القرآن الكريم

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الربط الموضوعي في القرآن الكريم



    المتأمل لسور القرآن الكريم، يجد أن كل سورة ترتبط بالسورة التي قبلها، وتـُمهد للسورة التي بعدها، فسورة الفاتحة باعتبار أنها أم الكتاب، ومصدر الأنوار، جـُمع فيها الدعاء والذكر، وجـُمع فيها التذكير باليوم الآخر، جاءت في استهلال المصحف الشريف، لأن جميع معاني القرآن الكريم جـُمعت في الفاتحة، لذا فـَتح الله تعالى بها القرآن الكريم.

    فكل ما يأتي بعدها فإنه استكمال وتفسير وتوضيح لما أتت به الفاتحة؛ من معاني السبع المثانى بالقرآن العظيم، وهى أم القرآن العظيم، فالأم تنبعث منها الأشياء أي كل شيء يخرج منه المعاني.
    ثم جاءت بعدها سورة البقرة الطويلة وعظيمة، نتعايش فيها بأحكامها، ونعيش معها حالة الإيمان، والعقيدة الإسلامية، والعبادات، والفرائض، فنقرأهُ حتى نصل لآخرهُ فننتهي بالسور القصيرة، فهذا التدرج في البناء الإيماني لكل مسلم حتى يصل إلى أقصر السور التي يستطيع أن يحفظها، فعندما يصل إلى سورة الناس فعليه أن يعود لسورة البقرة، فهو كالحال المرتحل يُسافر ويعود وهكذا.
    إذن للسور القرآنية ارتباط لما قبلها وبما بعدها، فهو التحام شديد به تهيئة إيمانية قرآنية شديدة، فتُختم سورة بشيء تبدأ التي تليها بشيء يؤكد المعنى، أو بالرد عليها، وهذا هو الربط بين السور كسلسلة نورانية قرآنية متكاملة.
    ونأخذ بعض الأمثلة على ما ذكرنا:
    أولاً: قد ختم الله سبحانه وتعالى سورة الحجر بقوله عز وجل {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ{97}فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ{98}وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ{99}}(1) ، فمعنى اليقين هنا وهو الموت، وسُمّي باليقين لحتميته، فربما يشك الإنسان في كل شيء، إلاَّ الموت فلا يشك فيه أحد قط(2) .
    ثم تأتى السورة التي تليها وهي سورة النحل وتبدأ بذكر الموت، حيث يقول سبحانه وتعالى{أتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(3) ، بناءاً على أن المراد من أمر الله سبحانه وتعالى هو يوم القيامة .
    ثانياً: ختَم سبحانه وتعالى سورة النحل بقوله تعالى{وَاصْبِِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ{127}إنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ{128}}(5) ، وبملاحظة ودراسة آيات سورة النحل، تظهر لنا في حدود الأربعين نعمة من النعم الكبيرة والصغيرة، متوزعة بين طياتها، وقد ذكرها صاحب الأمثل بشكل مفصل، ومن النعم التي كافأ الله سبحانه وتعالى بها نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله)نتيجة لصبره؛ رحلة الإسراء والمعراج، فتبدأ سورة الإسراء التي تلي سورة النحل بهذه النعمة والهبة الإلهية، رداً على الصبر الذي عاشه الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، وليُسرىِ على قلبهُ بقوله تعالى{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(7) ، فهذا هو الربط بين نهاية سورة النحل ببداية سورة الإسراء، وقوله سبحانه وتعالى{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} فيه إشارة إلى أنّ الله تبارك وتعالى لم يختر رسوله(صلى الله عليه وآله)، ولم يصطفه لشرف الإسراء والمعراج إلاّ بعد أن اختبر استعداده(صلى الله عليه وآله)لهذا الشرف، ولياقته لهذا المقام، فالله تبارك وتعالى سمع قول رسوله(صلى الله عليه وآله)، ورأى عمله وسلوكه، فاصطفاه للمقام السامي الذي اختاره له في الإسراء والمعراج، حتى وصل إلى مقام {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى{8}فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَى{9}}(8) ، فلو تعايشنا حالة الإسراء لجعلتنا نعلم كيفية الإسراع والإنابة والرجوع إلى الله عز وجل، فعلمنا معنى ففروا إلى الله، فعشنا فيها فضل القرآن، حتى وصلنا لنهاية السورة عند قوله سبحانه وتعالى{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}(9) ، فالحمد لله على النعم كلها، ومنها نعمة القرآن الكريم، وهذا ما بدأت به سورة الكهف التى تلي سورة الإسراء، حيث قال سبحانه وتعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}(10) .

    ثالثاً: في سورة الطور يختم الله سبحانه تعالى السورة بقوله{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ{48}وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ{49}}(11) ، فالملاحظ هنا ختم السورة بذكر النجوم، وقد فسر كثير من المفسرين قوله سبحانه وتعالى{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}بصلاة الليل ونافلة الصبح التي تؤدى عند طلوع الفجر واختفاء النجوم بنور الصبح، والعبادة والتسبيح وحمد الله في جوف الليل وعند طلوع الفجر لها صفاؤها ولطفها الخاص، وهي في منأى عن الرياء، وفي الحقيقة هذه الفترة تقترن بالوقت الذي عُرج بالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، فبلغ قاب قوسين أو أدنى يناجي ربه ويدعوه في الخلوة، لذا بدأت سورة النجم التي تلي سورة الطور بذكر النجم، حيث قال سبحانه وتعالى{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}(12) ، والمكافئة هنا لأنه(صلى الله عليه وآله)كان يُسبح أطراف النهار وأناء الليل، جعله يطلع على الملكوت العظيم.

    رابعاً: نجد في آخر سورة النجم قوله سبحانه وتعالى{أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ{59}وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ{60}وَأَنتُمْ سَامِدُونَ{61}فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا{62}}(13) ، فعند السجود نستحضر الإيمان، وهي الحالة التي يكون فيها العبد أقرب لربه سبحانه وتعالى، فنستشعر بأن الساعة قريبة، فتأتي سورة القمر التي تلي سورة النجم لتؤكد قرب الساعة، لذا يقول سبحانه وتعالى{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ}(14) ، فقرب وقوع يوم القيامة، والذي يقترن بأعظم تغيير في عالم الخلق وبداية لحياة جديدة في عالم آخر، ذلك العالم الذي يقصر فكرنا عن إدراكه نتيجة محدودية علمنا واستيعابنا للمعرفة الكونية، لذا تُختم سورة القمر بوصفٍ لتلك الحياة الأبدية، حيث يقول سبحانه وتعالى{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ{54}فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ{55}}(15) ، وبما أن المقتدر هو الرحمن جل في عُلاه، فقد بدأت سورة الرحمن التي تلي سورة القمر بقوله سبحانه وتعالى{الرَّحْمَنُ{1}عَلَّمَ الْقُرْآنَ{2}}(16) .
    خامساً: بدأت سورة الواقعة التي تلي سورة الرحمن – بعد ختمت سورة الرحمن بذكر صفات الجنة وما تحتويه – بتأكيد على وقوع يوم القيامة وما يصاحبه من أهوال، حيث يقول سبحانه وتعالى{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ{1}لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ{2}خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ{3}}(17) ، ثم تختم سورة الواقعة بقوله تعالى{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ{95}فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ{96}}(18) ، أن حق اليقين الساعة، أو الموت، فلابد أن نسبح باسم ربنا العظيم لعظمته وقدرته، وبناء على هذا اعتبر (ربك) منزهاً من كل ظلم، وهذا ما بدأت به سورة الحديد التي تلي سورة الواقعة، حيث تأمرنا بالتسبيح أيضاً، حيث يقول سبحانه وتعالى{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(19) .
    هذا العرض السريع لهذا النور الممتد في كل سور المصحف الشريف، يكشف لنا عن مدى الدقة العظيمة في الربط الموضوعي بين السور القرآنية، وبأن ترتيب السور في القرآن الكريم هو من العنايات التي وهبها الباري سبحانه وتعالى لهذا الكتاب المقدس، لكي يربطنا بالأسرار والأنوار الإلهية، والفيوضات الربانية، والعطاء الكريم للعباد {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلآءِ مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً}(20) .
    ــــــــــــ
    1 : سورة الحجر.
    2 : الشيرازي، ناصر مكارم، كتاب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 8 : 108 – 109، مؤسسة البعثة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1413هـ - 1992م.
    3 : سورة النحل: 1.
    4 : الشيرازي، ناصر مكارم، كتاب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 8 : 119، مؤسسة البعثة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1413هـ - 1992م.
    5 : سورة النحل.
    6 : الشيرازي، ناصر مكارم، كتاب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 8 : 333- 335، مؤسسة البعثة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1413هـ - 1992م.
    7 : سورة الإسراء: 1.
    8 : سورة النجم.
    9 : سورة الإسراء: 111.
    10 : سورة الكهف: 1.
    11 : سورة الطور.
    12 : سورة النجم: 1.
    13 : سورة النجم.

    14 : سورة القمر: 1.

    15 : سورة القمر.
    16 : سورة الرحمن.
    17 : سورة الواقعة.
    18 : سورة الواقعة.
    19 : سورة الحديد: 1.

    20 : سورة الإسراء: 20.


    منقول من مجلة رضوان العدد الثاني

عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X