إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

محطات نفس

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • محطات نفس

    محطات نفس
    قد يسلك الإنسان طريقاً طويلاً ، يتشوق لمتابعة السير فيه مهما طالت مسافته ، ولكنه مع ذلك يحتاج إلى التوقف في بعض المحطات ؛ لكي يتقوى ويتزود بما يساعده على متابعة المسير ، دون معاناة تحد من حماسه ، فتشل حركته قبل الوصول إلى الهدف المنشود ؛ لذا فقد كان تعالى رءوفا بعبده ، فجعل له عدة محطات تساعده على تكملة المسيرة ، لذا يجب علينا من خلالها أن نتسلح بما يساند أرواحنا على المضي قدماً في طريق الحياة المعاصرة ، علنا نصل إلى الهدف بأقل ما يمكن من الخسائر ، وبدون تفريط فيما أعد له من تكريم ، في نهاية هذا الطريق ، واضعين نصب أعيننا الحكمة القائلة : ((أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل )) ، ومن هذه المحطات :
    المحطة الأولى : النفس و شهر رمضان : قد تنغمس النفس في ملذاتها ، وتنساق لأوامر شيطانها ، وتنحصر في كونها أمارةً بالسوء ؛ مما يحتم على صاحبها أن يجعل لها حداً تقف عنده ؛ ليكبح جماحها ، ولكنه يعجز ، فيقف حائراً أمام تمردها وعصيانها ، وفجأة يلوح في الأفق مبشرٌ جاء معلناً عن فرصة أخيرة لا تعوض ، خاصة لمن فاته قطار التحكم في النفس طيلة الفترة المنصرمة ؛ عندها تجد النفس بأنها مجبرة على الاستكانة والتراجع عن طيشها ، خاصة وأن من يعينها على شقوتها ، مغلولة أياديهم ، طيلة ثلاثين يوماً ، إنه شهر رمضان المبارك ، الذي يعد فرصة لمحاسبة النفس ، والوقوف ضد رغباتها المدمرة ، فعلينا أن لا نضيع الفرصة ، بل يتوجب على ذوي اللب والعقول الاستفادة والتزود من مكنونات هذه المحطة العامرة بالخير العميم .
    عندها تبدأ النفس في التقاط أنفاسها شيئاً فشيئاً إلى أن تتحول من نفس أمارة إلى نفس لوامة ، وما إن نقترب من أمحاق هلال الشهر الفضيل ، حتى تكون النفس قد بلغت مرتبة النفس المطمئنة .
    المحطة الثانية : النفس و ذكر الله : إن ما نشاهده من أحداث و وقائع تجعل القلوب وجلة خائفة قلقة ؛ مما يؤثر على النفس البشرية ، فتجعل صاحبها غير قادر على أداء أدواره في هذه الحياة ، بحيث يلتفت يمنة فيجد أعراضاً تُهتك ، ويلتفت يسرة ، فيجد أموالاً تُسلب ، وإذا نظر وراءه وجد أنفساً تزهق ، وأمامه بحور سائلة من دماء أرواح بريئة ، وهو عند ذلك خائف من نفس المصير ؛ لذلك تجد قلبه دائم الخفقان ، لا يجد له مطمئناً ، إلى أن يضع يده على دواء نفسه وعلاجها ، مستبشراً بقوله تعالى : ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) ، عندها ، فقط ، يطمئن قلبه ويهدأ ، فيقر قراره ، وتنتعش نفسه ؛ مما يجعله قادراً على متابعة طريقه في هذه الحياة التي استقرت مطمئنة بذكر الله وتلاوة كتابه العزيز .
    المحطة الثالثة : النفس والولاية : مما لاشك فيه بأن الإنسان يكون عرضة للشكوك والظنون ؛ فيتعرض بذلك إلى الفتن ، التي بدورها تكدر صفوه ، وتنغص عليه عيشه ، كما جاء عن سيد الساجدين (ع) : ((إن الشكوك والظنون لواقح الفتن ومكدرة لصفو المنائح والمنن )) ، وهنا يبقى الإنسان حائراً نتيجة ما يسمعه من هنا وهناك ، فطوراً يثبت لديه أمر ، وطوراً آخر يظهر له ما ينفي ذات الأمر ، فيحتار عندها إلى أية وجهة يتجه ، فيبقى ريشة تتلاعب بها الريح ، وسنبلة تشتت مضمونها العواصف ، فإما أن يثبت عندها ، ويسلم من الانقلاب والتحول ، وإما أن يستسلم فيجرفه التيار إلى ما لانهاية ، ويكون بذلك قد خسر الدنيا والآخرة ، وأما إذا ما أراد أن يبتعد عن كل هذه المتاهات و المفارقات ، فما عليه سوى ركوب سفينة النجاة ، قبل فوات الأوان ؛ لأن الطوفان لا يبقي ولا يذر ، ولن ينجو من خطورته إلا من رحم ربك ، فهداه إلى التمسك بالعترة الطاهرة ، التي أوصى بها سيد البرية وهاديها ، عندما أعلنها صراحة : ((يا عمار لو سلك الناس وادياً ، وسلك عليٌّ وادياً ، فاسلك وادي عليّ)) ، ناهيك عن وصايا الغدير الأغر ، وما نزل من الآيات الكريمة ، في حق الأمير ، فمن تبع علياً وولده الطاهرين ، حق إتباع ، فقد نجى ، ونجت نفسه من الهلكة ؛ لأنه قدم على ربه بقلب سليم ونفس زاكية مطمئنة بولاية محمد (ص) وآله الأبرار الأخيار .
    المحطة الرابعة : النفس والدعاء : النفس الإنسانية معرضة للامتحان والاختبار ، فمن الصعب أن نجد شخصاً لم يتعرض إلى محنة أو نازلة حلت به ، وإلا فإن ذلك يعد دليلاً على ابتعاده عن الله تعالى ، مصداقاً للمأثور : ((إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه)) ؛ لذلك تجد بأن الفرد منا يكون يوماً مريضاً ، وأخرى فقيراً ، وتارةً محتاجاً ، وهكذا هي حياتنا ؛ مما يجعلنا نتأمل فيما يترتب عند ذلك علينا ، حتى نستطيع التخلص مما نحن فيه من المصائب والضائقات ، عندها فقط نستشعر بأن ما ألم بنا لا يمكننا أن نتخلص منه إلا بوسيلة واحدة وحيدة ، إنها الدعاء والتضرع إلى من ابتلانا بما ابتلينا به ، إقراراً بـ ((لا يرد القضاء إلا الدعاء)) ، عند ذلك تجد النفس تنشدّ إلى خالقها ، وتجتهد في الدعاء والتوسل ؛ بغية أن يمن الله عليها بنظرة ، يكون فيها خلاصها ، ولا تعلم بأنها بهذا التضرع و التوجه ، قد تخلصت من علتها فعلاً ، فلا تنزل أكفنا بعد قنوتها إلا وقد استقرت أنفسنا واطمأنت بأن خالقها قد استمع إليها ، وهو القادر على كشف ما منيت به ؛ فتهدأ وتطمئن ، إيماناً بقوله تعالى : ((وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان)) ، شريطة ((فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي)) .
    المحطة الخامسة : النفس وليلة القدر : بما أن النفس البشرية قد وضعت قدمها على أولى خطوات الانطلاقة ، منذ ولادة صاحبها ، وأخذت تتابع خطواتها في غمرات بحر هذه الدنيا الواسعة ، فمما لا شك فيه بأنها بحاجة إلى التوقف هنا في محطة فريدة من نوعها ، محطة قد تشمل جميع المحطات ؛ لكونها خيراً من ألف شهر يمر عليها ، إنها محطة (ليلة القدر) ، فمن يدرك بأن الله تعالى يقدر للنفس في هذه الليلة ما يمكن أن يرافقها طيلة سنتها ، فإنه يكون على دراية بأنه على أعتاب ولادة حياة جديدة تكتب له ، يستطيع من خلالها أن يزود نفسه المثقلة بالذنوب والخطايا ، بوقود يساعدها على الانطلاق من جديد ، بكل ثقة وقوة وفاعلية ؛ مما يجعلها أكثر قدرة على الرقي إلى مراتب الكمال الإنساني في خضم هذه الحياة ، وبالتالي تكون النفس منتعشة بالفيض الإلهي في ليلة القدر المباركة ، مما يجعلها مطمئنة ، هادئة ، مستقرة ، تواقة إلى التقرب إليه ، تعالى ، أكثر فأكثر .
    المحطة السادسة : النفس والتواصل : قد يشعر الفرد منا ، أحياناً ، بأنه يرغب في أن يكون وحيداً مع ذاته ، ولو لوهلة ، ولكنه سرعان ما يتخلص من هذه العزلة و الوحدة ، ويسعى لكسب الأصدقاء والأصحاب ، مما يجعله ينخرط في المصفوفة ؛ لكي يصبح عنصراً فاعلاً فيها ، وهذا ، في الحقيقة ، هو ما جبلت عليه النفس البشرية ، فهي (مدنية بطبعها) ؛ من هنا فإننا نتوجه بكل مصاديق الشكر والعرفان ، لديننا الحنيف ، ولذي القلب الرحيم والخلق العظيم ، الذي جاءنا بدستور يجعل من التواصل وصلة الأرحام ، على وجه الخصوص ، ركيزة يقوم عليها هذا الدين ، جاعلاً من ذلك مصدراً لنيل الأجر والثواب ، بل ومساهماً في إطالة الأعمار ، في الوقت الذي جعل من قطع الرحم سبباً في قصر العمر وبتره ؛ مما يشعرنا بأن صلة الرحم يعد بمثابة ولادة حياة جديدة للمتواصلين ، يكتب لهم من خلالها شهادة ميلاد ، قد تساوي ضعف العمر المنصرم من حياتهم ، مما يجعل النفس الإنسانية تستعيد عافيتها ، وتتقوى على مواصلة عطائها غير المحدود ، في سبيل خلق شخصية متكاملة ، بشرياً ، تكاملاً يساعدها على السير على بخطى ثابتة نحو تحقيق هدفها الأسمى في أجندتها ؛ لأنه ثمرة عطاءٍ كان تحت نظر الباري (جلت قدرته) ؛ مما جعله موفقاً ، في الوصول بالنفس إلى مستقرها الذي كانت تتوق إليه .
    المحطة السابعة : النفس والقناعة : قالها من كان قبلنا ، فسارت حكمة : ((القناعة كنز لا يفنى)) ، ومع ذلك تجدنا أحياناً نتخيل بأننا نريد أن نملك الدنيا بأسرها ، بل وقد تتوق النفس لامتلاك ما هو خارج نطاق الدنيا ؛ مما يجعلنا نتكالب على هذه الدنيا ، وامتلاك كنوزها ، حلالاً كان ذلك أم حراماً ، ومشروعاً كان ذلك أم مشبوهاً ، و هذا ما لم تخلق له هذه النفس البريئة التي أصبحت ضحية جشع وطمع صاحبها ، لأن ((النفس راغبة إذا رغبتها)) ، و ما ينبغي علينا هو أن ندرب النفس على الامتناع من تناول وامتلاك بعض الحلال ، لعلها يوماً تنظر إلى الحرام ، فتكون قادرةً على الامتناع عنه من ذاتها ؛ فنكون بذلك قد عودناها على القناعة ، امتثالاً لقوله تعالى : ((ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زينة الحياة الدنيا ...)) وعملاً به ؛ فنحيا حياة سعيدة مطمئنة ، حياة قناعة تساعدنا على التوازن والاعتدال في طريق عبور فتنة الحياة الدنيا وزبرجها .
    أسأله تعالى أن يوفقنا إلى التوقف مع هذه المحطات ، خلال شهرنا الفضيل هذا ، علنا نستطيع التزود بما يساعدنا على مواصلة طريق التوجه إليه تعالى ، غارسين بذلك بذور بساتين حدائق برزخنا ، وآخرتنا ؛ لأننا في قمة الحاجة إلى تمهيد طريقنا السالك بنا إلى حيث الوحدة المفتقرة إلى الأنيس والرفيق ، ولا نعرف رفيقاً نافعاً لتلك اللحظة سوى العمل الصالح ، الذي نتمنى أن يكون عوناً لنا عندما يتخلى عنا الخليل والصديق والحبيب والقريب .
    اللهم اجعله خير شهر رمضان يمر علينا ، ووفقنا لتأدية حقوقك وحقوقه علينا فيه ، من صيام وذكر وتلاوة وحسن معاشرة وعبادة ، إنك سميع مجيب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    * أسألكم الدعاء *

  • #2
    احسنت اخي على اهذا البحث الذي جعلنا نجول
    كثيرا في اعماق الحياة
    نسأل الباري لكم الموفقية والسداد

    تعليق


    • #3
      شكراً لك أخي (العجرشي) على مداخلتك الطيبة هذه ، وأسأله تعالى لك ولي وللمؤمنين الموفقية ، واغتنام الفيوضات الإلهية في هذا الشهر العظيم .

      تعليق


      • #4
        الاخ عباس
        احسنتم على هذا البحث الرائع
        sigpic

        تعليق

        عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
        يعمل...
        X