بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد وعجل فرجهم يا كريم

يُحكى أنَّ أحد الخطباء قال للناس : إنَّنا مللنا من الوعظ والإرشاد , وفي هذه الليلة عندي قصة جميلة أحب أن أن أنقلها لكم , ثم قال : ركب أحد التجار في سفينة في البحر , فانكسرت , وغرق من فيها , وكان التاجر من جملتهم , فألقى ثيابه , وتعلق بشيء حتى تقاذفته الأمواج إلى جزيرة , وهوعارٍِ جائع خائف , فجلس على الشاطىء مفكرا"

فبينما هو كذلك ,وإذا بخيل قد أقبلت , وهم أربعون فارسا" ومعهم جواد مجنب خالي السرج ,فلما وصلوا إليه وسلموا عليه , وقدموا له اللباس , وأمروه بالركوب ,فركب , وساروا به حتى بلغ قصرا" أدخلوه إليه , وألبسوه التاج وسلَّموا له الملك , وقالوا له : لك كل ما تشتهيه , فتنعَّم أياما" ثلاثة , ثم اصطفى واحدا" من حاشيته وسأله من شأنهم , فقال : نحن أمراء لبلاد , ولا نتفق على تمليك واحد منَّا ؛ لأنَّنا متساوون في الشَّرف , فاتفقنا على تدبير المملكة , وفي كل سنة نحضر إلى هذه الجزيرة , ونتجوَّل فيها , فأول إنسان نراه نجعله ملكا" علينا .

قال الرجل : وما يصنع الملك عندكم ؟ ...قال له : ما يشتهي من الأمر والنهي , والعزل والنصب ,والتدبير والأكل والشرب والنكاح وسائر الشَّهوات , إذا كان لا يضر بحال المملكة , وعلينا الإطاعة , كل ذلك إلى سنة , فإذا انتهت تلك السنة , أخذناه ورميناه في جزيرة كذا. ...قال : وما في تلك الجزيرة ؟ ...قال الوحوش والسباع والهوام.

فجعل الرجل يفكر بمصيره , فاقترح عليهم أن يهيئوا له البنائين والعمال , وأن ينقلوا مواد البناء إلى تلك الجزيرة , ويحولوها إلى مدينة كأحسن ما يكون من المدن ففعلوا . وفي سنة واحدة قبل انتهاء المدة , أقبلوا به ووضعوه فيها , فوجد نفسه قد انتقل من مدينة لأحسن منها , ومن حياة لأفضل منها .

ثم رجعوا إلى أنفسهم , وفكروا في شأنه , ووجدوا منه عدلا" وعقلا" , فطلبوا منه العودة إليهم واستمراره في الملك إلى أن يوافيه الأجل .

ثم وعظهم فقال : اعلموا أيُّها الإخوان : أنَّ كلَّ من يولد في هذه الحياة , يولد عاريا" , ولا يملك شيئا" , ثم يهيأ له الَّسرير والفراش والوثير , وتقدَّم له الخدمات؛ ولكنَّه بعد أن ينتهي أجله ,ينقل إلى المقابر الموحشة ,فمن قدم العمل الصَّالح , وجد وتنعَّم فيه .

وأنتم إذا فعلتم لأنفسكم كما فعلت أنا لنفسي , كانت عاقبتكم بعد الموت إلى خير , وإن قضيتم حياتكم هذه في الشَّهوات , كان مصيركم مصير من ملك عليكم قبلي.