إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قصة جهاد امرأة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قصة جهاد امرأة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لا اطيل عليكم كتيب لخالي وهو من اهل سجون الخاصة والهور ورفحاء ومن ثم الحوزة
    هذا الكتيب يتحدث عن المرأة اسمه(دور المرأة في بناء المجتمع الاسلامي قصة جهاد امراة)
    فيذكر في الفصل الثاني حياة زوجته معه ولكن لم يصرح في الكتيب انه يتحدث عن نفسه وزوجته ولكن يكني عنها بام علي وعنه بابي علي
    وانا شخصيا اعرفها -وقد قمت اكثر من مرة بنقلها من مكان الى مكان في الهور - وكنت معها في وقت الشهادة .
    اترككم مع ما ذكره عنها من مواقف تجسد المراة الصالحة التي عز وجودها
    ولعلي اضيف على الموضوع اذا طلب مني ومن اراد الكتيب باكمله ارسله له على الخاص او ربما انزله بحلقات فهو صغير
    وكنت اتمنى ان اتكلم قليلا عن حياة هذا المجاهد المخلص الفذ الذي بذل ما يملكه من اجل العراق وترك اوساخه ولم يلطخ يده ما بعد السقوط ولكن اخشى من الاطالة
    مع الفصل الثاني في قصة جهاد امرأة:

    في الفصل الثاني:قصة جهاد امرأةسأكتب هذه القصة لامن أجل التفكه أو الرغبة في الحد يث , بل لنأخذ العبر من تلك المحطات التي عاشها الصالحون وكيف كانت حياتهم مباركة وسعيدة بالرغم مافيها من الصعاب , وذلك لانهم كانوا محتسبين ذلك عند الله تعالى وكانوا لايعيرون لما يحدث معهم في هذه الدنيا اي اهتمام بل كان كل همهم هو مرضاة الله تعالى ولذلك , فهم لم يفرحوا بما اتاهم الله تعالى في هذه الدنيا ولم يأسوا على ما فاتهم وزوي عنهم منها , ولذلك كانوا مثلا للمشروع الالهي الذي يتحقق من خلال الزوجين الذين تحدثنا عنهما في بداية هذا البحث المتواضع .
    وفي الحقيقة انما كتبته في المقدمة ماهو الا مقدمة لاذكر فية قصة هذين الزوجين اللذين كانا مثالا رائعا في علاقتهما وما نتج عنها وكيف كانت خاتمة تلك الزوجة المباركة يرحمها الله تعالى.
    وقبل ان أبدا بالحديث عنها اود الاشارة الى موضوع مهم في حياتها مع زوجها يرويه عنها هو بنفسه , قوله : ((انني ومنذ تزوجتها الى ان استشهدت لم تبدأني بحديث ليس له علاقة بعلاقتي الخاصة بها وحتى في علاقتها الخاصة جدا فيما يخص الزوج وزوجته , يقول كانت معي في غاية الادب , ولم تقترح اي اقتراح بل كانت مفوضة كل امرها لي حتى لون الثوب الذي اشتريه لها من السوق , وعندما كنت امتنع عن ذلك , كانت تقول : ان اللون لك اما انا فالذي يهمني منه هو ستر العورة وهذا ما يتحقق بأي لون من الالوان وبالمناسبة فهي قد استشهدت بملابس سوداء لم تغيرها منذ ان سجن زوجها وبعد خروجه من السجن وحتى استشهادها , وهذه الفترة امتدت اكثر من خمسة اعوام , لانهما كانا يعيشان بقلبهما لابمظهرهما الخارجي وهذا هو سر سعادتهما , وانما ذكرت ذلك لانها حقا اسطورة في عالمنا اليوم وما نراه من ازدحام النساء المعاصرات على دوائر البوليس للشكوى على أزواجهن ,حتى اني لاعرف البعض منهم الان دون ماوى فأين هذه من تلك , والذي ساكتبه عنها , بدون مبالغة لهو شذرات مما يصدق سماعه,
    أما لو استعرضنا حياتها الجهادية وما قامت به ضد النظام البائد لاستدعى ذلك منا كتاب من الحجم الكبير ولعجز عنه بعض الشجعان من الرجال, ولاتستغربي اختي المؤمنة من ذلك فانه حقيقة وليست اسطورة وهذه المرأة يعرفها الكثير من المجاهدين في أهوار العراق ويعرفون كيفية استشهادها فان استشهادها كان بعد الانتفاضة الشعبانية بعد خروجهم من العراق امام الالاف من الناس ممن كانوا هناك , وقد وفقت لذلك الشرف الرفيع فهنيئا لها وهي علوية زينبية حشرها الله تعالى مع أجدادها الطاهرين مستقر رحمته انه بعباده لطيف خبير.
    يتبع ان شاء الله
    التعديل الأخير تم بواسطة سيد معد; الساعة 03-10-2011, 05:20 PM.

  • #2
    الحلقة الأولى:
    سوف اذكر للاخوات المومنات هنا في هذا الفصل مثالاً حياً و معاصراً لامرأة عاشت حياة القهر و العوز مع زوج حكمت عليه ظروف القهر و الاضطهاد أن يعيش هكذا و كم كانوا سعداء راضين مطمئنين بما قدره الله لهم و هي أيضاً لم تستولي على قلب زوجها و يعتبرها كل شيء في حياته إن صدق للحياة عنوان لا بجمالها و لا بمالها فإذا كانت جميلة فهناك فيما خلق الله من النساء من هي أجمل منها
    و إذا كانت امرأة عاديه فإذاً لماذا هذا الاهتمام و سترين إنشاء الله في معرض الحديث عنها لماذا و بماذا استحقت هذا الاحترام و الثناء من زوج ملئ فمه بذكرها و ملأ قلبه بحبها و تخليدها و وصلها حيه و ميته و هؤلاء أنا أعرفهم معرفة قريبه جداً و ليس أُسطورة , أرجو أن تكون حياتهما عظه في الواعظين لنا و مثالا حياً لنتأسى بهما لا سيما و نحن قد خرجنا من أجل غاية و هدف نبيلين ساميين ألا و هما الجهاد في سبيل الله تعالى والهجرة اليه لا الى المادة و مظاهر الحياة
    و سأعطي هذين الزوجين أسماء غير الأسماء المشهور كل منهما به حفظاً منا على من بقي حيا منهم فالمرأة تكون أم على و الرجل أيضاً أبا علي....
    كانت أم على يرحمها الله في الثالثة عشر من عمرها حينما أقدم أبو علي على خطبتها و بالفعل تم الزواج بينهما و هي في تلك السن المبكرة و قد جاء اختياره لها عن رغبة منه في أن يصنع منها امرأة تناسب ميوله و اتجاهاته الدينية لاسيما و هو شاب في العشرين من العمر و يعيش ظروفا صعبة من حيث ملاحقة النظام البعثي الحاكم في العراق له لأنه رفض أن ينتمي لحزبهم الملحد و كذلك كان يعتز باتتمائه لدينه الحنيف فكان يتوجس الخوف من سطوه النظام و يتوقع الشر منه في كل لحظة و كذلك كانت رغبته بالزواج رغبة مشروعة طبيعية كأي شاب يطمح بان يقترن بامرأة تكون له عوناً في زحمة هذه الحياة و لابد من ذلك لأنه أمر طبيعي
    وبالفعل تم الزواج في سنة 1976 م و من أول يوم التقى به أّبو علي بأم علي استعرض عليها خطته لمستقبل علاقتهما و ما سيتعرضان له في مثل هذه الظروف التي تحيط به و لم يمنيها بالدعة والعيش الرغيد و كثرة الهدايا و التحف التي سوف يقدمها لها.
    ولكنه قال لها بالحرف الواحد انه يريد منها امرأة تكون قدوة لغيرها من النساء المؤمنات و ان تتحمل مسئوليتها كامرأة مؤمنة لها دوراً تؤديه في تحريك مسيرة الحياة في المجتمع الانساني و الاسلامي عملا بوظيفتها الشرعية
    و عليها أن تدفع ثمن ذلك الأمر و تلك المشاركه و هو أن يكون لربما ذلك الثمن نفسها لتستحق أن تسجل في سجل الخالدات عند الله تعالى.
    و أخذ الأخ أبو علي يروي لها كل ما من شانه أن يؤهلها لذلك و أوضح لها سر السعادة التي سوف تحصل عليها معه و من أول ليلة قال لها إنني لا أكلفك الاهتمام بمساحيق الزينة لتبدين أمامي دمية مصبغة مبختلف الألوان ولكن أ«اريد منك امرأة ذات صبغة واحدة و هي صبغة الله التي فطر الله عليها عباده بقلب ينبض بالمشاعر و مملوء بحب الله تعالى و حب نبيه و آله الأطهار و مستعد لمشاركتهم مأساتهم وما القي علينا من مسؤلية تجاه ديننا الحنيف و بذلك تكوني في عيني أجمل امرأة على وجه الأرض و أعظم أنسانة تدخل الى قلبي بإيمانها و احتسابها و صبرها في الله وبذلك تكونين أنت الأم و الأب و الأهل و الأقارب و كل شيء لي في الدنيا و أسأل الله عندها أن يرزقنا الالتقاء عنده يوم نلقاه قريري العين برحمته مطمئنين بكرامته من الفزع الأكبر.
    هذا الحديث كله قاله لها في أول لحظة التقاها بها في الليلة الأولي من زواجهما بعد أن صلى ركعتين دعا الله فيها لهما بالبركة و التوفيق في حياتهما الجديدة، أما الصبية أم علي فلم تنبس بكلمة واحدة أمامه و لم ترفع رأسها خجلاً لأنها لم تره من قبل وكانت طوال هذا الوقت الذي كان يتحدث فيه أبو علي مطرقة برأسها و هو لايدري أهذا السكوت رفضاً أم قبولاً ولكن الأيام التي عاشوها معاً ترجمة له ذلك السكوت.
    يتبع ان شاء الله
    التعديل الأخير تم بواسطة سيد معد; الساعة 04-10-2011, 11:19 AM.

    تعليق


    • #3
      و هكذا بدأت حياتهما
      و كما اتفقا من أول ليلة
      فكانا و فيين لبعضههما بكل ما اشترطاه على أنفسهما فكان الأخ أبو علي ينظر لام علي بعين ملؤها المحبة و الاحترام والتعظيم و كذلك أم علي كانت تري بابي علي كل شيء و لقد استعرضت حياتهما الكثير من الهزات العنيفة من أهليهما بحكم علاقتهما المتشنجة و كما هو الحال مع معظم العوائل في المجتمع العراقي
      إلا إنها لم تؤثر و لاقدر أنملة على صعيد علاقتهما بل كانا عالما وحدهما مستقلاً في وجوده عن كل المؤثرات و ذلك بفضل الانسجام التام الذي أسسا حياتهما عليه و كانت أم علي ترى و تسمع و يقع عليها ما لو وقع على امرأة في الأربعين لا تتحمله و كانت لا تظهر منه أي شيء في سلوكها مع أبو علي حتى يشم منه رائحة لذلك الأثر.
      كان هذا حرصاً منها عليه حتى لاينغص عيشه و كانت تتجرع كل هذه المرارات لتوفر لأبي علي أجواء الراحة ولكن أبو علي كان يدرك كل ذلك و يسمعه في بعض الأحيان و في البعض الآخر يوصله له بعض المقربين اليه ولكنه كان أيضاً يتغافل عما يسمع بل و يعرض وكأنه لايدري ولكن كان ينظر لهذه الشابة اليافعة نظرة احترام و تقدير و صارت تملي كل جوانب حياته و صار بها أسعد ما يكون إنسان بحياة على الأرض رغم الصعوبات المادية التي كانت تعتري حياتهما.
      وطوت السنين صفحة من حياتهما و هما على ذلك الحال و قد بلغت أم على السابعة عشر من عمرها و أنجبت له الطفلة البكر في حياتهما و زادتهما هذه الطفلة سعادة و غبطة و تمني لها أن تكون كأمها و كانت والحمد لله وطوال تلك السنين لم تقترح أم على بأي اقتراح على زوجها و لم تبدأه بحديث أبداً إلا أن يبتدرها هو بالكلام.كل ذلك كان احتراماَ منها له و تأدباً و هذا ما أقسم به هو بلسانه فكانت رغبتها فيما تأكل الذي يأكله هو و يجلبه هو و ما تلبس أيضاً ما يجلبه لها هو و كذلك اللون لاتختار و لا تقترح عليه لون الثوب الذي تلبسه بل كان يختار لها من الالوان ما يعجبه هو وكانت تأخذه بغاية الرغبة و هذا كله بفضل معرفتها و وعيها لما خططا له من أول يوم وثقتها المطلقة بزوجها و تفهمها الواعي لقيمة الزوجية و ما ينبغي لها مع الزوج.
      لاكنساء العصر التي لا تكتفي بما تلبس بل تختار هي لزوجها ما يلبس ولقد رأيت بعيني يوماً ما و أنا في السوق رجلاً مصطحباً لزوجته و هي تمشي أمامه و هو خلفها وكانت تنتفي له الملابس و تعرضها عليه.و لنعود الآن الى الحديث عن أم و أبو علي لنواصل رحلتهما في حياتهما، فكما وعدها أبو علي فلقد حان الوقت الذي يلقي فيه النظام البعثي في العراق القبض عليه ليزجه في الزنزانات الرهيبة المظلمة حيث ينتظرْ المصير المجهول بعد أن ترك عندها طفلان أصغر هما ذكراً له شهرين من العمر فقط وكان عمرها آن ذاك تسعة عشر سنة تقريباً.
      لقد كان مصير أبو علي مجهولاً بالنسبة لعائلته و كم كان حزن أم علي على زوجها و كم هو مقداره بعد أن رأت نفسها محاطة بكثير من الأعداء بولائها له لاسيما من أهلها اللذين حاولوا جاهدين إبعادها عنه و لقد كانت بكل صبر واطمئنان و ثبات تصد تلك المحاولات.لقد عاشت في عالم الحزن و لكنها لم تستسلم و لم تيئس، فكانت ذات بأس شديد لايتناسب و صغر سنها فكانت تواجه الاتهامات التي كانت توجه الى زوجها بإيمان فطري و لسان عفوي ملئه الأيمان بالله والتسليم المطلق.أما أبو علي فلقد كان بالمقابل و هو في تلك الظروف لا يبالى بما يواجه من تعذيب في سبيل الله، و ان كان يفكر في شيء في هذه الدنيا فهو مصير تلك المسكينة التي علقت كل آمالها عليه وصارت معه كعضو من أعضاء بدنه كيف يمكن لها أن تعيش بهذه الزحمة من ردود الفعل و لاسيما أن النظام الوحشي غالباً ما يعتقل الزوجات و يعرضهن للتعذيب أمام أزواجهن ليرغمهم على الاعتراف بما يريد ولكن يد اللطف الالهي أنست هؤلاء الجلاوزة من أن يقتادوا الأخت أم علي للتحقيق، و ما هي إلا ستة أشهر حتى وصلت رسالة من أبي علي الى أهله ليخبرهم بها أنه بخير و هو الآن في مكان بإمكانهم أن يواجهوه فيه.

      لقد كانت فرحة الاهل كبيرة خصوصاً و هم يحسبون إن ولدهم قد أُعدم ولكن فرحت أم علي كانت أكبر بعد أن وصل بها الشوق و اللهفة للقاء أبي علي الى أشد حالاته كي تعرض له حالها بعد هذا الفراق الطويل و كما كانت كان أبو علي يترقب تلك الساعة بنفس الشوق و اللهفة.و جاءت الساعة التي كانت موعداً لذلك اللقاء و جائت عائلة أبو علي من الأخوه والاخوات والأقارب و كان يتصفح الوجوه من بعيد لعله يظفر بأم علي، و ما أن رآها من بعيد حتى اضطربت جوارحه ولكنها كانت و كعادتها لم تحملق في وجهه و لم تبتسم من بعيد لتعبر له عن فرحتها بلقائه بل كانت مطرقة الرأس منحنية القامة بين اثنين من شقيقاته وكانت تحبس في نفسها الكبيرة الهموم الكثيرة وكانت تخنق عبرتها ولكن دموعها تفضحها.

      تلك الدموع التي كانت تسيل كما تسيل دموع النوق التي تحنو بها على صغارها فهذه الدموع كانت هي الرسالة لأبي علي عما تحمله زوجته من الآم كثيرة ناتجة عن تلك الفترة الطويلة، و بعد العناق لأهله و أخواته، كانت أم علي واقفة على بعد خطوات منه تحبس أنفاسها و تلفظ بصعوبة، كلمة السلام عليكم الحمد لله على السلامة يا أبو علي فرد عليها التحية وفمه محشو بكلمات ازدحمت على لسانه لا يستطيع اطلاقها و البوح بها لاعتبارات كثيرة و جلس الجميع ساعات لا توصف من الوجد و اللوعة و الشوق و كان من الأهل من يبكي و منهم من يضحك فرحاً بذلك اللقاء الغير متوقع و هو يحاول طمأنتهم على مصيرة المرتقب و يلطف لهم الأجواء و يخفف من محنتهم بصبره و لم يذكر لهم ما تعرض له من أنواع التعذيب حتى لايزيدهم ألماً الى الامهم و صار يزيدهم فرحة في أمله بالخروج من السجن لأنه لم يعترف بشيء مما أرادوه منه

      و كذلك كانت الكاميرات السرية و رجال الأمن تتعقب حركات و سكنات الجميع و ما هي إلا ساعات حتى نادى السجانون بانصراف المواجهين فقام الجميع بصعوبة ولكن نظرات أبو علي كانت تلاحق أم علي التي بقيت تجر أذيالها خلف الجميع.
      أنني لست بصدد سرد قصة قصيرة ولكني أريد أن أظهر للأخت المؤمنة كيف يمكنها أن تصنع من زوجها كل شيء في هذا الوجود و تقدمه زاداً و متاعاً للآخرة امامها بعد مفارقتها لهذه الحياة.
      يتبع ان شاء الله
      التعديل الأخير تم بواسطة سيد معد; الساعة 04-10-2011, 06:12 PM.

      تعليق


      • #4
        و لنتجاوز فترة طولها خمسة سنوات والتي قضاها الأخ أبو علي في السجن وبعد أن حكمم عليه بخمس سنوات خرج بعدها ليلتقي بأم علي وليرى و يسمع منها لما تعرضت له من الالم خلال ذلك الغياب المر ولكنها و كالعادة لم تظهر له شيء بل تبالغ في الثناء حتى بالذي لم يذكر هم بشيئ يذكر وكانت تواسيه بكل ذلك و لاتريد إزعاجه به ولكنه عرف كل الذي عانته من خلال شقيقاته اللاتي كن خير عون لها في تلك المحنه و من الأشياء التي ذكرتها له إحدى أخواته إنها قالت:

        إننا عندما جئناك في المواجهة الاولى كانت ابنتك حافية لا تمتلك حذاء تلبسه بعد ان سقط حذائها في الازدحام عند بوابة السجن و بعد أن دخلنا بوابة السجن عثرنا على حذاء هناك فألبسناها إياه على أمل أن نعيده حيث وجدناه عندما نخرج من عندك و ذلك.
        حتى لا يؤلمك منظرها و هي حافية .و بعد فترة وجيزة دامت ثلاثة أشهر أمضاها أبو علي عند أهله عاود عليه النظام مرة أخرى عندما كان الرجال من مواليده تؤدي خدمة الاحتياط في الجيش و قد كان مشمولاً بقرار الالتحاق للخدمة العسكرية و كان عليه الذهاب فور خروجه من السجن الى الجيش إلا أنه ظل يماطل لعله يحصل على وسيلة للخلاص من الالتحاق في الجيش الذي كان آنذاك يحارب جمهورية ايران الاسلامية و قد كان هذا الجيسش يقتل اخوانه هناك بغير حق الا ارضاء لنزوات الطاغية في العراق و خدمة لمصالح أسياده المستعمرين

        و ذات يوم وهو يمر في أحد الشوارع إذ اعترضته احدى مفارز النظام الامنية الطارئة و ألقت عليه القبض لأنه لم يحمل من الوثائق ما يؤهله للحركة خارج البيت و هكذا أودع السجن من جديد لمدة عشرة أيام خرج بعدها ليساق الى الجيش قسراً و مرت حياة الزوجين بمحنه ثانيه و لم تدم فرحتهما طويلاً ولكن أم علي بقيت تمارس دورها بصبر و ثبات و لم تهتز لما حدث و طمأنت أبا علي بأنها سوف لن تركع لاي ضغط قد يمارسه النظام عليها.
        و ما عليه إلا أن يؤدي واجبه أمام الله تعالى بما يراه مناسباً و بما تمليه عليه أحكام الشريعة الاسلامية المقدسة ففرح كثيراً و أزاداد غبطة بهذه الروح المفعمة بالايمان وشكر الله على هذه النعمة العظيمة التي أنعم بها عليه بهذه المرأة الصالحة و زادته كلماتها عزماً و تصميماً و إقداماً على تحمل المشاق و النهوض بالمسئوليات.وهكذا تكون المرأة المؤمنة عوناً للزوج في تحصيل الطاعة و الفوز برضوان الله تعالى.لقد أمضى أبو علي أشهراً في الخدمة العسكرية و في مكان بعيد من الجبهة و هو يفكر طوال تلك التفرة بوسيلة للهروب من الجيش والالتحاق بالمجاهدين في داخل العراق، و في يوم من الأيام طلب منه الالتحاق الى مكان قريب من أماكن المجابهة بين القوات العراقية والقوات الايرانية المدافعة عن بلاد ها ,هنالك اهتزت الأرض تحت أقدام أبو علي و قرر الهروب فورا و بدون تردد أو التفكير بما يترتب على ذلك من نتائج،

        و بالفعل توكل على الله وانطلق عائداً الى أهله بعد أن تخلص من مفارز التفتيش بأعجوبة و أظهر للناس أن مجيئه كان بإجازة الى أن رتب الوضع لأم علي و أرسلها الى أهلها خوفاً من اعتقال السلطات الحاكمة لها و إبعادها لفترة من الوقت الى أن تستقر أموره وكانت هي الأخرى تلبي كل ما يمليه عليها برغبة و طاعة منقطعتي النظير.
        في هذه الفترة واجهت من المحن ما يطول ذكره و ما لايكفيه حتى كتاباً مستقلاً لو انفرد بتلك الأحداث ولكن نحن هنا نوجز منه و مظات لتكون عبرة للأخوات المؤمنات للتأسي بتلك المرأة المؤمنة الصابرة الشامخة البطلة و هذا هو ظننا بكل المؤمنات اللواتي جاء ذكر لأمثالهن في القرآن الكريم ليدخلن التاريخ الاسلامي و الانساني من أوسع أبوابه و ليدخلن الجنة إن شاء الله، و كما وعد الله عز وجل من أوسع أبوابها.فبعد أن أودعها عند أهلها عاد أبو علي الى منطقة بعيدة عن أعين النظام

        و هناك أصلح شأنه للاستعداد لمواجهة الاحتمالات مع النظام العراقي حيث كان مع مجموعة من المجاهدين العراقيين و هو لايفكر بل إنه مطمئن من أم علي من أنها سوف لاتجعله مشغول البال بشأنها و هو يعلم إن المهم عندها هو سلامته لاما ستواجهه هي الأخرى من احتمالات الاعتقال و مضايقة الأهل الذين سوف يضيقون بها ذرعاً و لاسيما وهي زوجة انسان مناؤى للنظام , تبحث عنه في كل مكان وكذلك أِيضاً إن أهلها يعتبرون إلقاء القبض عليها و سوقها مع أجهزة الأمن فضيحة لأن العقلية العراقية،تربت على هذا اللون من التفكير و كأنه لم تكن زينب عليها السلام والتي تعرضت للسبي, ساقتها ظروفها الجهادية الى أن يتصفح وجهها القريب والبعيد و ينقلونها من بلد الى بلد و تعرضت هي والعلويات لهتك الخدور و إبداء الوجوه التي لم ترها أشعة الشمس عندما كانت بعزة الأهل والحماة.
        يتبع ان شاء الله

        تعليق


        • #5

          ولكن المرأة المجاهدة تضع أمام عينيها تلك المواقف البطولية لفخر المخدرات و عندها ترخص كل شيء في سبيل العقيدة والدفاع عن الإسلام و هكذا كانت أم علي لقد استوعبت كربلاء الحسين عليه السلام و زينب عليها السلام بكل فصولها و عاشتها روحاً و قالبا فكانت تستأنس عندما تسمع أزيز الطائرات و أصوات المدافع و أصوات الرصاص المنطلق من على مقربة عنها عندما كانت هي و أبو علي في مكان على مدى مرمى أسلحة العدو وكان يمشط المنطقة و يمطرها بوابل من الرصاص بين الحين و الاخر.

          و بعد مضي ثلاثة أشهر ذهب أبو علي ليتفقد أم علي في بيت أهلها فوجدها بوضع يرثى له من الحاجة والفاقة والمضايقة من أهلها و لقد واجهوه بوجوه مكفهره ملؤها الغيض و عدم الرضا ولكن أبو علي تجاهل كل ذلك و كأنه لم يره بل اظهر لهم البشاشة وللين لأنه يقدر ظروفهم و كذلك أين يضع زوجته في ضل هذه الظروف فعليه أن يصبر الى أن يقدر الله تعالى لهم برحمته أمراً و يجعل لهم فرجاً و مخرجاً ولكن المهم عنده هو أم علي إنها لم تتبرم و لم تلح عليه و لم تظهر له علامات عدم الرضا و الاحتجاج على ما تقوله معظم النساء (كل الذي حدث بسببك و أني لا أتحمل ذلك و عليك أن تطلقني أو تذهب و تسلم نفسك الى السلطة)

          وهذه المقولة مشهورة عند الكثير من النساء ممن عشن ظروف أزواجهن القاهرة والضاغطة و مضت أشهر حتى تضع أم علي مولوداً في مثل هذه الظروف فتزداد ألماً الى آلامها و محنة الى محنتها حيث أن الوليد يراد له رعاية و تسجيل في دفاتر النفوس ولكن من أين لها ذلك و هي تعيش هذه الظروف ثم من أين تحصل على مثل تلك الخدمات للطفل و الأب مطلوباً من قبل النظام؟.
          المهم هذا لايهم عندها فهي تتحس أخبار أبو علي لعله لم يصب بأذى من خلال هجمات القوات الطاغية للنظام العراقي و طائراته و بعد فترة عاد أبو علي فوجدها ذابلة، و كأنها شجرة أيام الخريف ولكن ما إن رأته حتى دبت في عروقها الحياة و استبشرت خيراَ و استبشر هو خيراَ وحمدت الله على سلامته و رفاقه و كأنها لم تلد و لم تعش كل هذه الظروف القاسية
          فتركها بعد أن بارك لها سلامتها من حالة الولادة.
          وذهب الى إحدي المدن ليرتب وضعه هناك و في نفس البيت الذي كان يؤويه طُرقت الباب ففتح أهل البيت باب الدار و إذا بهم يفاجئون بقدوم أم علي و أخت أبو علي التي كانت هي الأخرى تعيش المضايقات من زوجها و عائلته لأنها أخت أبو علي و هكذا تم طردهن معا من البيت و لقد كان هذا البيت هو بيت إحدى أخوات أبو علي الذي كان يرتاده أبو علي فكان ضنهن أن يجدنه هناك أو يحتمين عند أخته لفترة من الزمن و هكذا كان التقدير الإلهي أن يجدن أبو علي أمامهن فلا أدري كيف فرحتهما بلقاء بعضهما الآخر و قلقهما بالمصير.

          اما أخت أبو علي أيضاً هي الأخرى وضعها لايحتمل مثل هذا التجحفل من المطرودين و المطلوبين للنظام وما ينطوي ذلك من مخاطر عليها وعلى أطفالها ,وكان أبو علي يقدر ذلك كله , ولكن ليس هناك من بديل . و في هذا الأثناء و بالوقت الذي يغط به أبو علي بدوامة من التفكير و كله مُنصباً علي موضوع إيواء أم علي أين يضعها بعد الآن من يتحمل وجودها؟
          ومن يأويها له هي و أطفالها ؟
          لكن أم علي لم تحمله قلقاً الى قلقه و لم تقترح عليه و لم تشكو له من أي شيء , لو لا أن أخت أبو علي هي التي سردت له عملية الطرد و الضرب من قبل أهل أم علي و إلقاء ملابسهم في الشارع العام و إخراجهن بالضرب من البيت فكانت أم علي تنظر دائماً لوجه أبو علي و تتطلع اليه ما عساه أن يفعل و بماذا يخطط فهي تنتظر النتيجة و القرار لكي تكون منفذة له و على الفور و دون ما سؤال أو تردد منها وهنا تكمن سعادة أبو علي بهذه المرأة الصالحة التي قل نظيرها بين نساء العصر ممن يعشن مثل ظروفها القاهرة والضاغطة , و هذه هي المرأة التي يحق أن تكون من مصاديق قول النبي صلى الله عليه و آله ( فتلك عامل من عمال الله في الأرض).

          و بينما هم في حيرة و وجوم لايدرون ماذا يصنعون و أبو علي حائراً لايدري أين يودع أم علي هذه المرة و من يا تري يتحمل ثقلهم الاجتماعي و تبعاتهم السياسية بعد أن خذلهم أقرب الناس و هم أهلها لاسيما وان لديها طفلا صغيرا لم يتجاوز عمره الخمسة عشر يوما , أما أهله فهم الاخرون يفزعون من ذكره و ذكرها لأن النظام لم يزل يتلصص عليهم و يعد أنفاسهم لاسيما و إن أخاه الاكبر هو الآخر جديد عهد بالخروج من السجن و بين فترة و أخرى ترسل عليه دائرة الامن للتحقيق معه عن وضعه و الاستفسار عن أخيه و أم علي، فأين تكون يا تري هذه المحطة الثانية و بينما هو في تلك الأفكار و إذا بالباب تطرق و ساد الجميع جو من الهدوء والصمت المطبق مع الخوف و الوجوم لأن الجميع كانوا يتوقعون أزلام النظام هي التي داهمتهم, لأنهم كانوا يتابعون تحرك أبو علي و كذلك كان يخشي من أن يكون أهل أم علي ولاسيما أحدهم كان شديداً على أبو علي و يتهدده بإخبار السلطة إن هو لم يسلم نفسه و ينهي مأساة ابنتهم على حد تعبيره هو الذي أوشى بهم .

          ولكن كانت المفاجأة أن لا هذا و لا ذاك بل كان منظراً من الألطاف الالهية التي ما برحت تلاحق أبو علي و زوجته المؤمنة الصابرة، فمن ياترى هؤلاء؟!.هؤلاء كانوا من أصدقاء ابو علي و من اخوته في الدين، من الذين عاشوا الدين الاسلامي روحاً و قالباً، كانا معه في السجن و هذه الفترة يتحسسون أخباره و ذهبا الى أهله في منطقة من إحدى المحافظات بعد أن حصلوا على معلومات بشق الأنفس عن مكان أهل أبو علي وكان قد دلهم على مكان وجوده اخ أبو علي بعد ان اطمئن له و اخبره بخبره و قال له مما قال : ولكن أذهب الى أخته على العنوان الفلاني لعلك تظفر به لأنه كان كثير التردد عليها إذا خرج من الأهوار.لذلك هم جاءوا على ما وصف لهم و تفاجئوا هم أيضاً بوجوده و ام علي عند أخته.ولكن كم تتقوقع أيها القاريء الكريم فرحة أبو علي بهما و هو في هذه الحال ؟، لاشك أن فرحته كانت لاتوصف ذلك لأنه أولا رأى عزيزين عليه كان يتمني معرفة اخبارهما بعد خروجه من السجن
          والثانية لأنه كان يأمل أيجاد حلاً لمشكلة أم علي و إيوائها و لو لفترة من الزمن ريثما يرمم وضعه و يجد لها المكان المناسب.
          و كان في رفقتهما امرأة شابة محتشمة فسأل عنها أبو علي فقال له أحدهم و هو الدكتور أبو زينب إنها زوجته و قد أخرجها هو و رفاقه من أمن (....) بعملية بطولية هي و رفيقاتها و كانت هذه المرأة الشابة هي احدى تلميذات الشهيدة بنت الهدى و من ربيباتها فكانت امرأة غاية في التقوي والصمود والوعي الرسالى و كانت مجاهدة لاتبالى بالموت أوقع عليها أم هي وقعت عليه.و قبل أن يتحدث أبو علي بحديثه الذي كان يود أخبارهم به بادره الاخ الدكتور أبو زينب أنهم قد جاوا هنا لعلهم يظفرون به وبأم علي ليأخذوها معهم بعد أن عرفوا قصتها من أهله و قال الأخ أبو زينب لانذهب حتى تذهب برفقتنا أم علي وانك متي ما شئت القدوم تأتي بمفردك على العنوان الذي سأعطيه لك.

          لقد فرح أبو علي كثيراً لذلك العرض الذي كان بمثابة الفرج المؤقت لمحنته فحمد الله كثيراً و أثني عليه و اغرورقت عيناه بالدموع شكراً لله تعالى على هذه النعم المترادفة. و بعد تناول وجبة الغداء خرج الجميع كل الى شأنه فذهب ابو زينب و رفيقه و زوجته أخذوا معهم أم على، و ذهب أبو علي لقضاء شأن من شؤونه الخاصة.
          يتبع ان شاء الله
          التعديل الأخير تم بواسطة سيد معد; الساعة 06-10-2011, 09:27 AM.

          تعليق


          • #6
            بعد أيام التحق أبو علي بأم علي على العنوان الذي تركه له الأخ أبو زنيب فوجدها في مكان أمين مع أناس كان يعرفهم من قبل و هم أهل الأخ الذي كان برفقة أبو زينب و كان هذا الأخ يدعى أبو حسين هو الأخر ممن يعتز بهم الأخ أبو علي كثيراً و كذلك كان أهله بمثابة الأهل له، بل أكثر من ذلك.

            لقد كانت المنطقة بعيدة جداً عن المدينة و كان بتقديره أيضاً أن المكان ليس بالأمين بالرغم من بعده و ذلك لتكرار الذهاب منه و اليه من قبل الأخوة المجاهدين و كان بتقديره أنه كان مكاناً مكشوفا، و خوفا على أهل الاخ أبو حسين اذا ما وجد أزلام النظام ام علي عندهم و كذلك خوفاً منه على أم علي قرر أن يذهب بها الى مكان اخر كان قد اخبره به أحد الاخوة يرحمهم الله تعالى ( هذا الأخ قد استشهد أيضاً فيما بعد).

            و بعد مماطلة شديدة مع أهل أبو حسين الذين أبو ان يعطوه ام علي التي فرحوا بها و ابدوا استعدادهم للموت من أجل أن تستقر هذه المرأة المؤمنة و لو لفترة بعد هذه الاتعاب ولكنه استطاع في الأخير اقناعهم بضرروه تحركهم من هذا المكان، و كان كما أراد فذهب بأم علي في يوم قائض شديد الحر و هم يصحبون ولدهم الذي كان عمره في ذلك اليوم عشرون يوماً و كانت راحلتهم في ذلك السفر هي الة حرث (كاروبة) تسير بأرض متعرجة شديدة التموج ولم يكد يصل الى الشارع العام إلا وأنفاس مولودهما تكاد أن تزهق.

            المهم انهم وصلوا الى المدينة و استقلوا سيارة من هناك الى مدينة أخرى وكانت هذه المرة بغداد، فما أن وصلا هناك حتى جددا العهد بالامام موسي بن جعفر الكاظم سلام الله عليه ، وبعد أداء مراسيم الزيارة والدعاء في الحضرة المقدسة للامامين الجوادين خرجا من الحضرة الشريفة الى مطعم كان في زواية من المدينة بعيداً عن أعين النظام التي كانا يتوقعان إنها تلاحقهما.و تناولا قليلاً من الطعام و بعدها قرر أبو على أن يستريح قليلاً في احدي الفنادق في العاصمة و بعد أن دخلا إحدى الغرف و ألقت المسكينة أم علي ثقلها الذي كانت تحمله و هو حقيقة الملابس و المستمسكات و الأسلحة التي كانت معها وقبل أن تسترخي و تستسلم للراحة جاءها أبو علي و بصوت سريع في نبرته بسرعة جهزي نفسك و أخرجي من الغرفة لننزل و بسرعة, فخرجا وبسرعة مذهلة و كما تعودت أم علي على هذه الاستعدادات الطارئة ,فأنها لم تفاجا بذلك , ولكن هناك امر خطر ببال أبو علي وهو انهم في احدى الحركات تركو ابناءهم الكبار وهم بنت لها من العمر ثمان سنين واخر له من العمر ست سنين عند أخوالهم ,وغادروهما الى جهة مجهولة, وجلبوا معهم الطفل الصغير واخر معهم في هذه السفرة المضنية ,فكان يقول :
            عنما غادرنا
            إني كنت أراقب وجهها عند تركها أبنتها الى المصير المجهول و هل بان عليها علامات الالم و لوعة الفراق ولكن يقول أن الملفت للنظر إنها عندما تودعها كأنما تودع إنساناً مرت عليه في الطريق تودعها بابتسامة تنم عن عفويتها و تعلقها بعالم غير هذا العالم المادي بالرغم من إنها كانت في الظروف الاعتيادية و قبل هذه الأحداث كانت شديدة التعلق بابنائها و بشكل ليس له نظير و يقول عندما أحاول أثارتها لأرى مدى تعلقها بابنتها و كذلك ابنها الذي يبلغ من العمر ست سنوات وكأنها لم تحس بألم لفراقهم ولمصيرنا و مصيرهم بهذا الشكل.تقول: و ماذا عليهم انهم آمنون و الحمد لله ماز الو عند أخوالهم لاتقلق نفسك بالتفكير بمصيرهم و هل سنبقى دائماً معهم الى الأبد فلابد من تركهم يوماً ما , يتعجب الاخ ابو علي من هذه الاجابات و نحن أيضاً نعجب لأننا نعيش في بيئة، ا كانت المرأة فيها لاتبرح البكاء إذا فارقت أولادها و لاسيما في مواقف كهذا، و من هدوءها و سكينتها و وقارها في المواقف الصعبة التي واجهتهم، يقول الاخ ابو علي لقد تحركنا ذات ليلة الى مناطق الاهوار و كان أزلام النظام يتابعون حركتنا، فوصلنا الى نهاية النهر المؤدي الى الأهوار و لم نجد وسيلة أمامنا فإما أن يلقى علينا القبض أو نركب بسفينة صغيرة كانت واقفة على الشاطئ فيقول انه لم يتردد في ركوبها و دفعها عن حافة النهر و لم نكن نملك ما نقودها به الا (قصبة ضعيفة) فانكسرت لأول وهلة وصرت أُحرك السفينة بيدي

            و أخذت السفينة تسير مضطربة لمسافة قليلة بعد أن اجتزنا النهر الى مخاضة مائية اقل منه عمقاً و كانت هذه السفينة فيها خروقاً كثيرة و أخذ الماء يتصبب علينا من كل مكان و كانت أم علي كعادتها جالسة، و تنظر بوجه أبو علي بماذا عساه أن يأمرها و لقد وصل الماء الى منتصفها و هي جالسة بعد في السفينة إلا أنها رفعت ابنها فوق كتفيها و كان صغيرها البالغ من العمر ثلاث سنوات تقريباً و هو الاخر لم يبك لما أصابهم و هم في منطقة كثيرة العيون و الجواسيس، فقال لها أبو علي

            (حذار أن تقومي أو تهمسي بصوت لئلا يسمعنا أهل هذه المنطقة و كان الوقت شتاء والجو شديد البرودة والريح عاصفة و لك أن تقدر مقدار الرد في تلك الظروف لاسيما إذا كان الوقت ليلاً إلا انها لم تقم من مكانها و لم تنبس بكلمة واحدة و إن شئت فقل هذه أسطورة أو حكاية من حكايات ألف ليلة و ليلة التي اعتدنا سماعها في العراق ولكن ما حدث في العراق و يحدث أعجب لو كشف عنه الغطاء وأميط عنه اللثام و انطلقت الحناجر لتعبر عن المكنون و صارت الأقلام حرة لتسطر قصصها لالفيت ان هناك ملايين ألف ليلة و ليلة في المجتمع العراقي الذي عانا من تلك الظروف،
            و نترك بقية هذه الرحلة و كيف والى أين مصيرهم في تلك الليلة ألان والحديث يطول و هي وحدها قصه تملئ كتاباً ولكن الذي يهمنا هو صبر هذه المرأة و ثباتها.
            يتبع ان شاء الله
            التعديل الأخير تم بواسطة سيد معد; الساعة 06-10-2011, 07:02 PM.

            تعليق


            • #7
              أما في مجال ايثارها و برها و عطائها فيقول الاخ أبو علي في تلك الفترة و عندما كان في بيت الاخ أبو سعد كانت قد أهدت لها زوجته عباءة جديدة و كان من آدابها أنها لاتخفي على أبي علي أى شيء يأتيها بل كانت لا تأخذه إلا من بعد إذنه و إذا رفض رفضت هي الاخرى و على الفور و إذا قبل فأنها لا تمانع أبداً لأنها تعتبر ارادته إرادتها وكانت لا تملك مما وهبها الله إلا عباءة مخرقة بالية وثوبان سوداوان فلما أعطتها الأخت أم سعد العباءة لبستها و حفظت الاخرى في كيسها المتواضع الذي تحمله ولكن و بعد مرورهم في بيت الاخ أبو خديجة وهو أحد المجاهدين وكان يعيش ظروفا صعبة أيضا عندما خرجنا من بيتهم رآها أبو علي ترتدي العباءة القديمة الممزمقة قال لها:
              أين عبائتك التي أهدتها لك أم سعد؟
              فقالت خجلة معتذرة، أنا آسفة يا أبو علي لاني لم اخبرك بذلك و أني اعلم علم اليقين انك لا تمانع في مثل هذه المواقف و ان الموقف الذي رأيت به أم خديجة لم يدع لي مجالاً لأن أراجعك و نحن في مثل تلك الظروف و لاسيما و نحن ضيوفاً و كلاً منا في غرفة مستقلة بأن اطلب منك الأذن فإني قد أعطيتها لأم خد يجة لما رأيتها بحال أسوأ من حالى و إني والحمد لله أمتلك هذه العباءة و هي تواري ملابسي و لاشيء فيها إ لاّ ثقوب قليلة.بالله عليك أي ايثار هذا من امراة تعيش مثل تلك الظروف و أي قلب كبير تملك.

              فيقول الأخ أبو علي أني حمدت الله و شكرته على تلك النعمة العظيمة التي أنستني الامي و أتعابي بل جعلت مني إنسانا بهمه فوج من الرجال لما وفرت علي من فرص للتفكير. انها تعيش في عالم يترفع عن الماديات الرخيصة.
              اما عن ايمانها المطلق بالله سبحانه وتعالى وتسليمها لامره تعالى فيقول عنها ابوعلي : كنت ذات يوم وفي غمرة الحملات العسكرية التي كان النظام البعثي يشنها على المجاهدين في الاهواروكانت الهجمات تتوالى وكانت هي واطفالها الاربعة معه كان ابوعلي يفكر في طريقة لاخراجهم من الاهوار ولو لفترة مؤقتة , لانه وبعد أن ذهب الى بغداد كما ذكرنا افتضح أمر المجموعة التي كان يعمل معها أبو علي , والقي القبض على أغلب أفراد المجموعة واستسهد البعض الاخر منهم ومن اولئك الاخ الدكتور ابو زينب الذي مر ذكره

              فنجى أبو علي وام علي باعجوبة , رجع بعدها الى الاهوار مصطحبا زوجته واطفاله , وكان انذاك قد نضبت كميات ا لماء بشكل كبير , حتى انهم كانو في بعض الاحيان لايميزون بين عيدان القصب المتهشمة والحيات التي كانت تشاطرهم تلك الظروف . حتى ان الاخ ابو علي يروي عن تلك الايام انه رأى ابنه الشهيد محمد يلعب بعود من القصب مع احدى هذه الحيات مما دفعه أن يفكر بجدية لاخراجهم من الاهوار ولو لفترة مؤقته . فلاحظت منه ذلك فسالته عن استغراقه بالتفكير والتأمل , فاجابها انه يفكر في عمل ما يخرجهم به من الاهوار ولو لفترة مؤقتة ثم ياتي بهم بعد ذلك لان قصف الطائرات المروحية المستمر والهجمات المتتاليية من قبل مرتزقة النظام ووجد هذا الطفل الذي لايميز بين الحيات وغيرها لعل كل تلك الامور تؤدي بحياتهم ويتحملون امرا ليس مفروظا عليهم , فاجابته على الفور ودون تامل :

              لاتقلق بالك بهذا الامر فنحن في غاية السعادة هنا معك فان كان اللة تعالى قد كتب لنا حياة فانا سنحياها رغما عنهم حتى ولو كنا في مرمى فوهات بنادقهم وان كان الله قد كتب لنا اجلا فسوف يدركنا الموت حتى لو وضعتنا على قمة جبل, هذا اولا وثانيا اين تضعنا ومن يتحمل وضعنا وان تحمله من احد فاننا سوف نكون ثقيلين عليه وهو يشعر بالقلق من وجودنا ويحملنا منة ذلك ونحن نتأذى من ذلك المن أما لوكنا معك فاننا نموت معك ونحيا معك بدون كل تلك الاثار وفي ذلك سعادتنا فلايصيبنا الا ماكتب الله لنا, عندها تنفس ابو علي الصعداء وشكر الله تعالى على هذه النعمة ودمعت عينه شفقة لها وفرحا بها وهذا الكلام لامبالغة فيه بل هو هكذا بكل أمانة , وبقيت معه هي واطفالها من مكان الى مكان في الاهوار مع تلك الظروف القاسية التى سأ مها الكثير من الاخوة المجاهدين .
              فاي صبر وتسليم ورضى بامر الله تعالى واحتسابا لامره هذا ؟ .

              أما عن حبه وولائها الفطري لال البيت عليهم السلام , يقول الاخ أبو علي : عندما كنا نذهب لزيارة المراقد المقدسة للائمة عليهم السلام كانت في غاية الادب فلا أسمع لها صوتاً و لا تسأل بشطر كلمة و لم أرها حتي مع ابتسامة مادامت عند الأضرحة المقدسة لأنها كانت ترى وجود الائمة عليهم السلام حاضراً مجسماً ماثلاً أمام عينيها فهي لاترى بناء فقط بل ترى وجودهم المقدس في هذا المكان لا كما اعتادت عليه الكثير من النساء مع الأسف الشديد عند الأضرحة المقدسة من كلام و هرج و اهتماماً با لطعام و الشراب،و كانت لا تزاحم أحد عند الاضرحه بل دائماً تكون مبتعدة عن الزحام لأنها تعرف جيداً أن الأئمة عليهم السلام يريدون لنساء المسلمين الحشمة و عدم مزاحمة الرجال وإنما تؤدي طاعة في هذا المكان المقدس و لو فرضنا أن الامام المعصوم هو نفسه موجود هنا أيليق بالمرأة أن تكون على مثل هذا الحال من الفوضى؟
              و كانت عند ذكر مصائب آل البيت عليهم السلام ترخي عينيها بالدموع و إنها لتعرف جيداً مالهم عليهم السلام من مكانة عظيمة عند الله فهي دائماً تتمني أن يوفقها الله لرؤيتهم في الجنة و ترى الزهراء وزينب عليهما السلام.
              و أما ما كانت عليه من عزة نفس و إباء فيقول أبو علي إنها عند ما كانت عند أهلها اختصت بأكلها و أطفالها بالذي يجلبه لهم أبو علي فقط و لم تسأل أهلها أي شيئ و لما قال لها أّبو علي أنهم أهلك و كذلك أهلي لأنهم أعمامه فقالت هذا صحيح ولكن حتي لاترى بنا ذله و كأننا بحاجه لأحد و يقولون لقد صارت هي و أطفالها عبئاً علينا بل على العكس فبتدبيرها وادارتها توفر من الشيئ الذي يعطيه لها أبو علي الشيء القليل لها ولأطفالها العيش الكريم الذي كان يضن معه أهلها إنها تمتلك الآلاف من الدنانير وعن ذلك تقول:كنت جالسه ذات يوم في البيت سألني أبي:

              هل لك في أن تقرضيني ألف دينار لأنهم كانوا يضنون إنها تمتلك الآلاف ومن أن هناك جهات سياسية تمولهم و لا يعلمون أن أم علي و أبو علي في فترة من فترات حياتهم قد كسر ظهورهم الركوع بصلاة الاجرة لمائة دينار كانت قوتهم لثلاثة ءأشهر تقريباً, ولكنها لم تبدي لأهلها هذه الحاجة و واجهت والدها بأدب و عزة نفس قائلة له : يا والدي معذرة فأن الذي يوفره لي أبو علي هو فقط ما يكفيني أنا و أطفالى و ليتني امتلكت هذا المبلغ لأعطيك ما طلبت. أنظري أختي المؤمنة لقناعة هذه المرأة و صبرها الجميل على شضف العيش و إباها علماً إن لها في البيت غرفة صغيرة و مطبخاً صغيراً جداً تعدُ به الطعام طيلة تلك الفترة عند أهلها بالوقت الذي كان لأهلها دخل كبير و كانوا يمتلكون السيارات و الاراضي الزراعية و بساتين النخيل و لهم وظائف في الدولة أما أم علي و أبو علي فيملكون الزهد و غني النفس و القناعة بما قدر لهم تعالى من ظروف العيش هذه
              وثقتهم بالله تعالى و توكلهم عليه و عدم جزعهم لما حل بهم فهم يرون أنفسهم أغنى الناس و هكذا كان يراهم الناس و يصرحون لهم بذلك و من يتوكل على الله فهو حسبه و هو أرحم الراحمين.
              أما في مجال مواقفها البطوليه فكانت قلعه من البطولة والجلد في ذات الله و كأنها لم تكن بطبيعتها امرأة يفزعها ما يفزع النساء من الامور المخيفة فيقول أبو علي عنها: كنت في بعض المواقف التي نواجه بها خطراً محدقاً أنظر لوجهها أتطلع فيه لعل هناك أثاراً من الخوف تبدو عليه فينفضح أمرنا إلا إنه يقول أنظر لها وكأنها ليست في هذا العالم و كأن روحها قد غادرت جسدها بل يقول إنها في بعض المواقف كانت تطمئنني و تذكرني بقضاء الله تعالى وقدره و ما خطه لهذا الانسان في حياته و أنه ميت لامحالة و سيلاقي رباً كريماً رحيماً إذاً لماذا هذا الجزع والخوف و القلق, أيقلق الإنسان من أمر قد قضاه الله له و أمره بالصبر عليه ووعده عليه الجنة،

              و هذه الكلمات كلماتها لا كلماتي و هذا لربما من الكلام الذي تشم منه رائحة المبالغة للأخوات اللاتي لم يوطنَّ أنفسهن على ذلك ولكنها هي الحقيقة والله يشهد على ما أقول و لذلك أكتب عن هذه المرأة لما في حياتها من جوانب خير و قدوة وعطاء ولتكن انسا للأخوات المؤمنات السالكات لهذا الطريق و إذا أطلقنا العنان للقلم ليسطر كل ما في حياة هذه المرأة من معاني جهادية و تقوائية لتطلب الأمر منا كتاباً من الحجم الكبير إلا إننا اخترنا شذرات من حياتها لتكون سلوة و عبرة لمن عِشْنَ من الأخوات ظروفا كهذه.
              ولكي لا ييأسن على ما فاتهن من حطام هذه الدنيا الفانية و ليوطن أنفسهن على مواجهة المستقبل المجهول خيراً كان أو شراً إن كان خيراً فبلا بطر و إن كان شراً فبلا ضجر و في الفصل الأخير سنذكر إنشاء الله شيئاً آخر من حياتها مع ختام هذه الحياة القصيرة في أيامها الطويلة في جهادها واحداثها.
              يتبع ان شاء الله
              التعديل الأخير تم بواسطة سيد معد; الساعة 07-10-2011, 07:45 AM.

              تعليق


              • #8
                الحلقة الثالثة:
                في هذه الحلقة نذكر عن تحرك أم علي الى المدينة مرة ثانيه بعد أن ضاقت بهما الامور في الاهوار حيث جفت اغلب المناطق الآمنة هناك و صار من الصعب تحركهما بسهولة فصار يبحث عن مكان أمين يودعها فيه الى أن تنفرج الأمور و يعيدها مرة ثانية الى الاهوار و فعلاً حصل على بيت متواضع فأرسلها الى هناك و كان هذا البيت في مكان قريب من بيت الاخ أبو خديجه لعلها تحتاج الى مساعدتهم هناك

                و كان هذا البيت يتألف من غرفة واحدة مع المشتملات و هو أشبه بالقاطرة و كان وجوده ايضاً قصة نتجاوزها فتركها هناك ولم يكن عندها مايكفي لسد نفقتها واطفالها الاربعة, و بعد أشهر ذهب الاخ أبو علي لتفقدها و اطفالها.
                فطرق الباب و بعد مضي وقت على الطرق المتكرر خرجت أم علي إلا إنها بهتت حين رأته و أرخت عينيها بالدموع هذه المرة فلما أمعن النظر بوجهها وجدها مصفرة ذابلة تماماً و حتى صوتها يكاد لايسمع فتسمرت قدماه و قال لها بأستغراب ما الذي حل بكم أخبريني بسرعة أين اطفالي وهما يدوران باتجاه ساحة الدار و كان الجو صيفاً قالت هؤلاء هم الاطفال ولكنني كنت و مازلت مريضه طريحه الفراش و كذلك ولدنا علي فنحن منذ أيام لم نأكل و لم نشرب لضعفنا و قد كادت العلة تهلكنا كذلك أني لا أستطيع أخبار أحد بحالنا و قد نفذ ما عندنا من النقود التي تركتها عندنا

                فاسترجع الاخ أبو على و حمد الله تعالى و شكره على سلامتهم و في الصباح الباكر تحرك بأهله جميعاً لأنهم كانوا هذه المرة مجتمعين هم و كل الطفال.
                ذهب الى المدينة القريبة ليعرضهم على الطبيب و عاد بهم و بالدواء وبقي عندهم أياماً ثم إنه ودعهم و دعا لهم الله تعالى بأن يحفظهم جميعاً و خرج و كالعادة لم تقل له أم علي الى أين و الى متى ستضل هنا بهذا الحال بل بقيت تلاحقه بنظراتها الى أن تواري عن النظر و هي تدعو له الله تعالى بأن يحفظه و المجاهدين معه ولكنه هذه المرة أيضاً لم يلبث طويلاً في هذا المكان لان هناك من يلاحقهم و أحس أن هناك رجل أوشى بهم الى السلطات

                فتحرك ذات يوم و أستأجر سيارة صغيره مكشوفة و حمل أهله و لم يخبر الجيران إلاّ بعد ركوبهم في السيارة جميعاً حيث تفاجيء الجيران من جاء بهولاء بهذه السرعة؟و كيف غادروا المكان بسرعة ما الذي حدث لهؤلاء؟.
                والمكان الجديد كان ايضاً أحد الاحياء الفقيرة و كان قد أستأجر بيتاً ولكن الشيء الذي يلفت الانتباه انهم لم يمتلكوا في هذا البيت لامن وسائل الحياة القديمة و لا الحديثة و كل ما يملكون هو أدوات طبخ بسيطة جداً , إبريق وطشت و غطاء عبارة عن (بطانيتان) و وسائد من النوع الصغير جداً.و لما زارتهم إحدى نساء جيرانهم ذات مره تقول أم علي خجلت لأسئلتها و لم أمتلك الجواب ولكني استخدمت التورية في ذلك حيث إنها سألتني ما الذي حدث لكم و من أين جئتم و ما هي قصتكم؟.لماذا لا أرى في بيتكم شيء أين الثلاجة أين الغسالة أين أين ... و أخذت تعدد الأشياء المتعارف اقتنائها في كل بيت فقالت لها أم علي:

                أيتها الأخت أن خلافاً وقع بين زوجي و أهله هو الذي دفعنا للمجيء الى هذا البيت و بعد أن وقع خلاف بين زوجي و أهله خرجنا بهذه الكيفية و أنشاء الله سيأتيكل الذي ذكرتيه.
                و هذا الكلام هو كلامها ليس فيه كذباً بل فيه صدقاً مع التوريه و انصرفت تلك الاخت عن الالحاح بالأسئلة، و لم تدم ايضاً بهم الأيام في هذا المكان طويلاً إلا و اشتعال حرب الخليج الثانية حيث الغزو العراقي لدولة الكويت المسكينه عندها قرر أبو علي العودة الى الأهوار بأهله لأنه علم أن المستقبل سوف لن يكون خيراً و أن وضع العراق سوف يتأزم بشكل لربما لايستطيع الوصول الى أهله و هكذا قرر أخذهم معه الى الاهوار بعد أن زاروا مرقد الامام الحسين عليه السلام وجددوا معه العهد وكانت من الزيارات المخصوصة و هي زيارة الأربعين فغادروا المكان الى الاهوار ثالثه

                و بقيا هناك الى أن ندلعت الانتفاضة الشعبانية المباركة حيث تركها بالقرب من عوائل بعض المجاهدين هناك و لم يترك عندها شيئا إلا ما يكفيها الا لأيام قليلة من الزاد والمؤونة و بقي هو أكثر من خسمة عشر يوما وكانت هي في أيام حملها الاخيرة و في اخر تلك الايام لم تجد لأطفالها ما يأكلون بل انها اخبرت أبا علي بانها كانت تعطي الاطفال ما يسد رمقهم , أما هي فكانت تأكل نبات البردي ليومين, عندها أرسلت الى أبي علي تخبره بخبرها , فأرسل لها إحدى أخواته لتحملها و عند لقائه بها قصت له الخبر فحمداً لله و شكره للقائهما مرة ثانيه و كانت طيلة هذه الفترة لم ترَ أهلها و لا اخوتها و لم تسأل أبا علي بحملها لهم وكانت في غاية الفرح لما حققه تعالى و فتح لعباده من الفرج و الانقضاض على قوات النظام البعثي المتغطرسة المنهزمة

                ولكن لم تدم تلك الفرحة طويلاً حيث تفرق الناس من حيث اجتمعوا و بقي المجاهدون الأوفياء يواجهون الاحتمالات والضغوط العسكرية بمفردهم فاستشهد من أستشهد وعاد الباقون الى الاهوار ثانيه و هنا و بعد أن هييء الحلفاء مكاناً أنشأوه الى من فر من بطش النظام و ملاحقته قرر الاخ أبو علي اللجوء الى قوات الحلفاء لعله يجد طريقاً من هناك الى ايران ليودع أهله هناك ثم يعود هو وحده الى العراق ثانية ليواصل مسيرته الجهادية و لأن ام علي على و شك الولادة ولكن أم علي كعادتها لم تسأله الى أين نحن ذاهبون و كم يكون سفرنا هذا, بل كانت مسلمة لكل ما يقوله أبو علي

                و أنطلق الجميع في سفينة مع أحد الاخوة و من هناك ركبا بسيارة مع مجموعة من الناس الى الحدود العراقية الكويتية حيث أقام الحلفاء معسكرهم لأيواء الهاربين من بطش النظام و ملاحقته و هناك كان انتظار الأجل المحتوم لهذه الامرأة المؤمنة الصابرة و تلك كانت آخر محطاتها في هذه الحياة الدنيا كانت على موعد مع صورة الدم حيث و سام المجاهدين و حيث يحصل العامل على أجر أتعابه و هكذا ختمت هذه المرأة المجاهدة المؤمنة حياتها بدم الشهادة القاني حيث استراحت من هم الدنيا وغمها الى الابد, لتعطي كل وجودها بسخاء لهذا الدين قرباناً لله تعالى وهي خميصة البطن فارغة اليد من الذهب والفضة قريرة العين في لقاء ربها منتظرة شفاعة نبي الرحمة صلى الله عليه و آله الطاهرين.

                لتكون شهيدتاً مع الشهداء و خصماً مع الخصوم لمن أراق دمائها و دماء كل الأبرياء من هذا الشعب المظلوم لقد أمتليء جسدها النحيف الطاهر بشظايا الغدر و الخيانة و الجريمة حيث استقرت إحدي الشظايا لقنبلة الغدر والاغتيال في قلبها الكبير و أخرى في حنجرتها التي تردد ذكر الله عزوجل لتنتهي بذلك حياة ملؤها البطولة والفداء

                و كانت هذه القنبلة قد ألقاها عليهم مرتزقة النظام فاستشهد ت هي و طفلها البالغ من العمر ست سنوات و وهذا الطفل هو الذي كان يلعب مع الحياة عندما كانوا في الاهوار, حيث صار جسمه مقطعاً إرباً إربا بل وان لحمه انتثر على الارض كحبات القمح المنتثرة على الارض, و كان عمرها وقت استشهادها ثمان و عشرون عاماً و لما انحنى عليها أبو علي ليكلمها و الدماء تشخب منها كما تشخب من الذبيحة لم تتكلم بكلمة واحدة و كانت قد ودعت الحياة بنفس مطمئنة راضية و كأنها في إغفائه لنوم عميق و هي تسبح بروحها في ذلك العالم عالم الخلود والقدس والطهارة الذي أعده الله تعالى لمن رضي الاسلام ديناً و بالله رباً و بمحمد صلى الله عليه و اله نبياً و باله الطاهرين أئمة و قادة و سادة

                لقد ذهبت من هذا العالم مبسوطة الكف فارغة الجيب من أوساخ هذه الحياة المادية مملوئة القلب و النفس بالعزة و الكرامة لتلتحق بقافلة الشهداء السعداء لتلتقي بالحسين عليه السلام والزهراء و حمزة عليهم السلام ,و كل الشهداء و الصالحين رضوان الله تعالى عليهم, ليكونوا شاهدين على جرائم الظالمين ( و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) أرجو أن أكون قد وفقت لنقل صورة من صور الفداء و التضحية صورة من تلك اللواتي نذرن أنفسهن قرابيناً لله من أجل أن يستمر هذا النور الالهي على الأرض الى أن يرث الله تعالى الأرض و من عليها و يإذن الله تعالى بخروج مولانا صاحب العصر والزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ليمليء الأرض عدلاً و قسطا بعد ما ملئت ظلماً و جوراً.

                نسأله تعالى أن يجعل أسمائنا في الشهداء و أرواحنا مع أرواح السعداء و احساننا في عليين و أعمالنا مقبولة و ذنوبنا مغفورة إنه بعباده لطيف خبير و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين.
                1998/2/12 م الموافق لــ 13/ شوال / 1418 هـ فائق علي الموسوي
                التعديل الأخير تم بواسطة سيد معد; الساعة 07-10-2011, 05:51 PM.

                تعليق

                عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
                يعمل...
                X