إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

دور المرأة في عاشوراء

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • دور المرأة في عاشوراء

    بسم الله الرحمن الرحيم
    دور المرأة في عاشوراء

    دوّن تاريخ عاشوراء على يد قائد همام و ثلاثة وسبعين نفراً. لكن يجب أن لا نغفل عن الدور المهم - في هذه الواقعة الحية و الثمينة التي جرت أحداثها في سنة 61 هـ - لنساء فدين الإسلام بأنفسهن و أزواجهن و أفلاذ أكبادهن فنال بعضهن الهدف المنشود ألا و هو الشهادة في سبيل الله. دونت أسماؤهن بافتخار و عزة و عظمت و إيمان في تاريخ نهضة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

    نريد في هذه المقالة أن نأتي على ذكر أسمائهن اللامعة حسب الترتيب التاريخي و نبين دورهن البارز مستذكرين ما قمن به في نهضة عاشوراء المباركة.

    أول هذه الأسماء الكريمة و العظيمة هي زوجة زهير بن القين "دلهم" التي سجلت اسمها الصالح و للأبد بعملها الثابت على صفحات التاريخ الإسلامي بعد أن كان مجهولاً. يقول رجل من بني فزارة أنني أرجعت مع زهير بن القين "دلهم" من مكة متخذين طريق العراق، لكن كنا نتحاشا ملاقاة الحسين بن علي (عليه السلام) في أي مكان نزلناه، و قد عزمنا على أنه كلما تحرك الإمام الحسين (عليه السلام) نزلنا، و كلما نزل تحركنا، لكنه اتفق أن نزلنا متجاورين معه و خيمتنا كانت بجانب خيمته. عندما كنا نتناول الطعام وصل فجأة رسولُ الإمام (عليه السلام فسلم) علينا و قال: "يا زهير بن القين إن أبا عبد الله يريدك"، استولت علي الحيرة عند سماعي لهذا الخبر، ولم أنتبه إلى اللقمة التي كانت بيدي كيف سقطت، أمَّا "دلهم" أخت عمرو قالت لزهير:"ابن رسول الله يرسل في طلبك وأنت تتأسف في إجابته! سبحان الله ما المانع في أن تتشرف بلقائه وتسمع خطابه ثم تعود".

    لقد أثر كلام هذه المرأة في زوجها وجعل اسمه يسجل في سجل عظماء التاريخ الإسلامي، فقرر زهير الذهاب إلى الإمام (عليه السلام) و التشرّف بملاقاته دون تردد وحيرة و بوجه مشرق و عزيمة فذة. فرجع إلى خيمته و أمر ببيعها مشترياً بذلك ولاية المآب مع الإمام الحسين (عليه السلام) "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور". و أمّا زوجته فرجعت إلى أهلها بعد أن آثر هو الشهادة إلى جانب إمامه.

    الأمر الآخر الذي رفع من قيمة هذه المرأة و شهد التاريخ لها به، ما جاء في كتاب تذكرة السبط أنه حينما استشهد زهير قالت لغلامه اذهب وكفن سيدك، و عندما وصل الغلام رأى الإمام (عليه السلام) بدون كفن، فقال: أأكفن سيدي و أترك الإمام الحسين (عليه السلام) ملقاً هكذا! و الله لن أفعل هذا فكفن جسد الإمام المقدس ثم كفن زهيراً بكفن آخر.

    المرأة الأخرى التي يجدر بنا الوقوف عند شخصيتها و إيثارها زوجة عبد الله بن عمير الكلبي، و هو من طائفة بني عليم كان يسكن الكوفة. عندما رأى عبد الله بن عمير الجيش العظيم الذي اجتمع و رابط في نخلية الكوفة، سأل عن سبب تجمعهم و وجهتم؟ فقالوا نذهب لنقاتل الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ). عندها قال: إن الله يعلم كم تمنيت أن أقاتل المشركين في سبيله و أنا الآن أرجو الثواب على محاربة هؤلاء الذين خرجوا لقتال ابن بنت رسوله، فصمم عندها على اللحاق بالثلة الطاهرة في معسكر الحسين (عليه السلام) بعد أن حدّث زوجته أم وهب ابنة عبد الله بذلك، فقالت له: يا له من قرار صائب وحكيم، أسأل الله أن يهديك في كل الأحوال، خذني معك بالله عليك. خرج الرجل و زوجته ليلاً من الكوفة إلى كربلاء واصلين إليها في اليوم الثامن من محرم الحرام.

    عندما بدأت الحرب في صبح عاشوراء خرج من طرف العدو غلام لزياد و آخر لعبيد الله و خرج من طرف معسكر أبي عبد الله الحسين عليه السلام حبيب بن المظاهر و برير بن خضير الهمداني لكن الإمام (عليه السلام) قال لهما ابقيا مكانكما، و في الأثناء طلب عبيد الله بن عمير الإذن بالبروز لهما لوحده فقاتلهما حتى أرداهما صرعاً، و نقلا عن الشيخ المفيد و الطبري كان يردد هذا الشعر قائلاً:
    إن تنكروني فأنا بن كلب حسبي بيتي في عليم حسـبي
    إني امرؤ ذو مرة وعصب ولست بالخوار عند النكـب
    إني زعيم لك أم وهـب بالطعن فيهما مقدما والضرب
    ضرب غلام مؤمن بالرب

    عندما رأته زوجته بهذه الحال مسكت بعمود لخيمة و مضت إلى ساحة القتال قائلة: فداك أبي وأمي، افدي روحك بين يدي أبناء رسول الله، فقال الإمام (عليه السلام):"جزاكم الله عنا كل خير ورحمكما" ثم رجعت إلى الخيمة، لأن الجهادَ سقط عن النساء. عبد الله هذا كان الشهيد الثاني في يوم عاشوراء و أمّا أوّل الشهداء فقد كان مسلم ابن عوسجة (ره).

    المرأة التالية التي ذكرها التاريخ و سجّل اسمها مفتخراً بثباتها و صلابتها هي زوجة الإمام الحسين عليه السلام "رباب" أخت امرؤ القيس، كانت الوحيدة من نسائه التي رافقته إلى كربلاء، لأن أم رابع الأئمة عليهم السلام "شهربانو" أخت يزدجر آخر ملوك الساسان في إيران توفيت قبل فاجعة عاشوراء بأربعة و عشرين سنة. علاوة على اسم ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي أم علي الأكبر الذي لم يذكر في فاجعة كربلاء و لا يعرف أحد هل كانت حية في ذلك التاريخ أم لا؟ كما لم يذكر اسم نساء أخريات كأم جعفر بن الحسين و هي من قبيلة قضاعة ، و أم فاطمة بنت الحسين يعني أم إسحاق ابنة طلحة بن عبيد الله التيمي التي حضرت ابنتها فاطمة واقعة كربلاء و سبيت مع النساء و نقلت إلى الكوفة ثم بعد ذلك إلى الشام. و المرأة الوحيدة التي تشرفت بصحبة زوجها الإمام الحسين في سفره إلى كربلاء هي الرباب أخت امرؤ القيس الكلبي.

    امرؤ القيس هذا، كان مسيحي الديانة و قد أسلم في عهد عمر و عيّنه هذا الأخير أميراً للمسلمين في قبيلة قضاعة، و بعد تشرفه بإمارة المسلمين نال افتخاراً آخر بتزويج بناته الثلاثة إلى أوصياء آل محمد عليهم السلام. أولهن تزوجت مولى الموحدين عليّ عليه السلام، والأخرى الحسن المجتبى عليه السلام وصغراهن "الرباب" الإمام الحسين عليه السلام.

    أنجبت الرباب بنتا سميت "سكينة" وولداً سمي "عبد الله"، توفي ولدها في يوم عاشوراء و سبيت أسيرة مع ابنتها سكينة، لكن لم يذكر اسمها عند جريان أحداث يوم عاشوراء. جاء في رواية تذكرة السبط أنها أتيحت لها فرصة الكلام في مجلس اللعين ابن زياد فأزاحت الستار عن مجريات عاشوراء بخلاصة عجيبة نظمتها في مرثية سجلت على صفحات التاريخ. عندما أخذ أهل البيت إلى مجلس ابن زياد اللعين و قدم له رأس الإمام المقدس هدية، قامت الرباب من بين الناس و أخذت الرأس المقدس فقبلته ووضعته في حجرها مرددة:
    واحسينا فلا نسيت حسينا أقصدته أسنـة الأدعيـاء
    غادروه بكربلاء صريعـا لا سقى الله جانبي كربلاء

    ظاهر الأمر أن هذه المرأة عندما أثيرت عاطفتها الجريحة تداعت مرثيتها الحزينة و آهاتها القلبية، لكن الأمر أكبر من ذلك بكثير فهو لا يقتصر على هذا التوجيه البسيط فحسب، بل يتعداه ليجيب العديد من المستشرقين الذين أرادوا التعتيم على هذه الواقعة التاريخية و تحريفها لصالح الأعداء. فمنهم من قال أن الإمام (عليه السلام) كان مريضاً بالسل فسبب له الإدماء عبر فمه فتوفي على إثر ذلك.

    و في صفحة كاذبة أخرى يقول أحدُهم أن الإمام (عليه السلام) كان مريضاً بالسرطان وقد وافته المنية قبل بدء المعركة، فكانت الوحيدة التي تستطيع أن تجيب أمثال هؤلاء الذين أسدوا لمعاوية و يزيد منفعة عظيمة بكلامهم، هي الرباب زوجة الإمام الحسين (عليه السلام) ببيتين صغيرين أزاحت بهما الستار عن الحقيقة، و ردت بهما أكذوبة مرض الإمام بالسل أو السرطان، فصرحت بقولها أن الإمام الحسين (عليه السلام) قطع إرباً إرباً و استشهد في سبيل الله بيد قائد الأعداء الذي لم يعرف له أب. كي لا يقول أحد غدا أنه دفن الحسين (عليه السلام) بتجليل و احترام، لأنه رمي به تحت التراب دون أدنى احترام، حتى أنهم لم يصلوا عليه. إن ذكر هذه المطالب مهم و ضروري، و قطعاً كان لأهل البيت (عليهم السلام) علم بأن أعدائهم سوف يعمدون إلى تزييف حقائق عاشوراء بأي ثمن كان، و يسعون إلى تضليل أفكار الناس. و من هنا و رداً على كل محرف في أي مكان من الدنيا و جواباً على كل قول فاحش وغير مناسب سردن فصولاً مهمة من واقعة كربلاء، فأنرن زاوية كانت مظلمة في تاريخ شهادة سيد الشهداء (عليه السلام).

    لهذا خطب ثلاث نساء في اليوم الأول من وصولهم إلى الكوفة، ولا يُستشكل على عدم كلام الإمام الرابع (عليه السلام) لأنه سوف يخطب في الكوفة و في محضر ابن زياد. فلا مجال لكلامنا نحن، لأنَّ كلََّ فرصة أتيحت لإحداهن آنذاك كي يفضحن يزيد و جلاديه و لو كن في وسط أقفاص لبادرن فيها إلى رفع صوتهن ساعين بذلك إلى إزالة غفلة الناس. لكن لم تكن النتيجة في نظر متكلم أهل البيت (عليهم السلام) هكذا و لا المصلحة عندهم في إرجاعهم إلى المدينة، بل كانت في لزوم وصولهم إلى مركز الخلافة الإسلامية "دمشق".

    إن طي المسافة من بغداد إلى دمشق كأسير مقيد بالأغلال من قِبَلِ الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان قابلاً للتحمل، لكن ما لا يقبل التحمل هو عدم ترتب الأثر على شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) و تحريف تاريخ عاشوراء. إنّا نعتقد أنّ الإمام الرابع و نساء أهل البيت (عليهم السلام) كان فكرهم مطمئناً غير مضطربي الخاطر لبقائهم عدة أيام في مركز الخلافة، فقد خطبوا في الناس وأزاحوا عن أذهانهم الاشتباه، و قاموا بأعمال لو أراد المؤرخ أن يؤرخ واقعة كربلاء كما بيّنوها (عليهم السلام) لما استطاع إلى ذلك سبيلاً باستثناء ما كتبه الطبري و المفيد و أبو الفرج الأصفهاني.

    و قد استطاع أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك اليوم فقط أن يرجعوا إلى المدينة بخواطر صافية، فقد دخلوها باكين، نادبين و متألمين، فأثر ذلك في أهل المدينة تأثيراً بالغاً، لكن من جهة تحقيقهم لهدفهم المنشود كانوا مطمئنين و غير مضطربين بشأن الصورة التي سوف يكتب بها التاريخ الأحداث التي جرت في عاشوراء و بشأن الصورة التي سوف يوجه بها قيام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، و لم يخافوا من التحريف الذي قد يطال هذه النهضة العظيمة، و من الطريقة التي قد يسْتُحْوِذ بها على أذهان الناس البسطاء بالأكاذيب و الأباطيل، مستبشرين بولوج ما قالوه و ما نقلوه من جزئيات واقعة كربلاء في صدور الناس، و غداً لناظره قريب فستكتب و تثبت ذلك صفحات التاريخ الإسلامي بشكل تقف سداً منيعاً أمام كل تحريف و تغيير أو زيادة و نقصان.

    المرأة الرابعة التي أرعبت العدو بخطبتها الصغيرة ضمن جريان أحداث عصر عاشوراء، و سجل اسمها كأحد أعلام هذه الواقعة التاريخية، فأصبح لها مقام شامخ ساهم في فضح تاريخ أعداء الله ودينه، هي امرأة من قبيلة بكر بن وائل رافقت زوجها الذي كان أحد أفراد جيش بن سعد، لكنها بمجرد رؤية إغارة الأعداء على الخيام و عدم مراعاتهم لحرمة النساء، حملت سيفاً قاصدة خيمة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) و هي تصرخ و تنادي :آي آل أبي بكر بن وائل أنتم أحياء وتنتهك خيام بنات رسول الله؟ "لا حكم إلاّ لله" انتفضوا و ابذلوا دمائكم فداء لرسول الله؟ فبهذا الخطاب الصغير فضحت أعمال العدو، و ما زال صوتها حتى الآن يعلو خيمة أبي عبد الله الحسين.

    إنّنا عند البحث و التحقيق في تاريخ عاشوراء، نجد أن هؤلاء النساء العظيمات قد قمن لأجل إعلاء كلمة الحق و أهله بإخلاص تام. ولم تكن هذه المواقف و الوقفات منحصرة في الأسماء المذكورة فحسب، فكما أن تضحية شهداء بني هاشم و غير بني هاشم مع جلال قدرهم وعظمتهم و تضحيتهم الجسيمة لا يصلون إلى مقام مولانا الإمام الحسين (عليه السلام) الرفيع الذي كان قائداً بكل ما تتضمنه هذه الكلمة من معنى.

    كذلك، فإنه لا أحد من هؤلاء النساء المجاهدات أو الأسيرات يصلن إلى مقام زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) التي استطاعت بحق أن تنوب عن أخاها في أحداث الأسر والسبي، فواصلت هدف الإمام الحسين "هيهات منا الذلة" مكملة المسيرة الكربلائية منذ عصر عاشوراء حتى دخولها المدينة، و جسدت التربية الحقّة لأمها الزهراء سلام الله عليها، ولم نكن لننتظر من بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلاّ هذا. فيجب أن تكون صابرة في دين الله كما كانت أمها الزهراء وجدتها خديجة الكبرى سلام الله عليهما. ألم تكن خديجة الكبرى(ع) هي أسبق النّاس إيماناً برسول الله ( صلى الله عليه و آله )، و أولهم دعوة وتضحية في سبيل الله منذ أول البعثة حتى تاريخ وفاتها، و كانت لمدة عشر سنوات رفيقة النبي و شريكة أحزانه فأزاحت بذلك كل المحنات والعقبات أمامه؟ ألم تكن زينب هذه حفيدة خديجة؟ ألم يقم الحسين عليه السلام دفاعاً و إحياءً لدعوة رسول الله؟

    لو فرضنا أن هناك امرأة أسيرة في دين الله و بهذه الحجة كانت تخطب في الأسواق و المعابر أجلَت وعَرَّفت بخطاباتها الحقيقة الحسينية في أذهان الناس، فاضحة بذلك أعداء الله تعالى. فمن ستكون يا ترى أنسب و أقدر من بنت أمير المؤمنين التي ورثت التضحية عن أكبر النساء المضحيات في الإسلام خديجة الكبرى(ع) و أكبر حام لرسول الله ( صلى الله عليه و آله ) أبي طالب عليه السلام. لهذا خطبت سلام الله عليها في سوق الكوفة، و لأن أمير المؤمنين (عليها السلام) كان أخطب النّاس بعد رسول الله فقد تكلمت للناس بلسان أبيها، مشيرة إلى الناس طالبة منهم الهدوء حابسة مهمهمة أنفاسها بصدرها. وردت في كتاب بلاغة النساء لأحمد بن أبي طاهر البغدادي المتوفى سنة 280 هـ، ثلاث روايات عن هذه الخطبة، واحدة منها مروية عن الإمام الصادق (عليه السلام).

    أختها أم كلثوم أيضاً خطبت في سوق الكوفة، فألقينا اللوم على أفرادها مذكّرين الناس برسائلهم التي بعثوا بها إلى الحسين (عليه السلام)، عندها انقلب المكان إلى نواح و بكاء و عويل يعلو الحناجر، ودموعهم تجري كالسيل. كما أن فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السلام) خطبت في المكان نفسه ملقية اللوم على النّاس بسبب مخالفتهم لوعودهم، وما ألمّ من أذية و فاجعة ببيت النبوة، و بهذا انتهى الدور الذي لعبته بنات رسول الله في سوق الكوفة.

    ثم انتقلت الفرصة بعد ذلك إلى مجلس اللعين بن زياد، أين دخلت بنت أمير المؤمنين مجلس بن زياد و الجواري حوله بثياب بالية و بسيطة فاتخذت ركن من أركان القصر مجلساً لها. عندها سأل ابن زياد من تكون هذه المرأة؟ فلم يجبه أحد، فأعاد السؤال مرة أخر ى فأجابته إحدى جواري زينب سلام الله عليها قائلة: إنها زينب بنت فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه و آله )، و هنا تكمن الوظيفة الصعبة و المهمة العويصة التي تنتظر زينب سلام الله عليها، فيجب عليها أن تتمالك أعصابها و أن لا تفقد صبرها كي لا تسمح لابن زياد اللعين أن يزيف الحقيقة أمام النّاس. قال ابن زياد: أشكر الله على قتلكم وكشف خدعكم وكذبكم أمام الملأ. لقد تجرأ ابن زياد بخطاب الكفر هذا النابع من قمة غروره بانتصاره الزائف على بيت النبوة، و إلاّ فأي كذب كان ينطق به بنو هاشم؟ هل كذبوا بأن كانوا يقولون "محمد رسول الله"؟ أم كان غير ذلك؟ و على كل حال فقد أجابته زينب(ع) دون أدنى تردد قائلة:
    "الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا من الرجس تطهيراً، يفتضح الفاسق و يكذب الفاجر و هو غيرنا و الحمد لله".

    فقال ابن زياد مرة أخرى أرأيت ماذا فعل الله بأهلك؟ وكأنه أراد بذلك تذكير زينب(ع) بقتلى يوم عاشوراء و إثارتها، ساعياً إلى جعلها سلام الله عليها تجيبه حسب ميله أو تترجاه، غافلاً أنها أذكى منه بكثير فلن تقول كلمة واحدة في غير محلها، وكل ما ستقوله مسطر ومحسوب مُؤَمِّنـة بذلك الهدف المنشود لنهضة عاشوراء المباركة.

    قالت زينب في جوابها على ابن زياد اللعين: "كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، و سيجمع الله بينك و بينهم فتحاجون إليه وتخاصمون عنده". عندها ارتسم الغضب الشديد على وجهه و لولا وجود عمرو بن حريث و لومه له لأصدر أمره بقتل زينب سلام الله عليها. لكن ما هي الفائدة يا ترى من هذا الكلام الفاخر الصادر من طاهرة من بيت طاهر بيت النبوّة من زينب عليها السلام الذي فضحت به هذا الفاسق الفاجر، و نزّهت وعرَّفَت به أهل بيت العصمة والطهارة.

    بعد شهر أو أكثر مضى على هذا المجلس، تجتمع زينب(ع) في مجلس أهم و أصعب موقفاً من الأول موضحة معالم نهضة عاشوراء، مزيحة بذلك الستار أمام أهل الشام الذين كانوا يجهلون مواقف أهل الكوفة و مغَرَّبين عن معرفة أهل بيت العصمة و الطهارة.

    كان هذا المجلس في مركز الخلافة الإسلامية دمشق الذي وقفت فيه زينب(ع) بثبات وثقة و إصرار عجيب. لقد خطبت سلام الله عليها في هذا المجلس، و قد نقلت خطبتها الشريفة في كتاب بلاغة النساء لأحمد بن أبي طاهر البغدادي الذي قال: عندما وقعت عين يزيد اللعين على أسرى وسبايا أهل البيت (عليهم السلام)، أصدر أمره بإحضار رأس الإمام الشريف في طشت ثم بدأ يضرب أسنانه الشريفة بعصاه مردداً هذا الشعر:

    لعبـت هاشـم بالملـــك فلا خبر جاء ولا وحي نؤل
    ليت أشياخي ببـدر شهـدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
    لأهلـوا واستهلــوا فرحـا وقالوا يا يزيد لا تشـــل
    فجزيناهـم ببـدر مثلهــا وأقمنا مثل بدر فاعتــدل
    لست من خندق إن لم أنتقـم من بني أحمد من كان فعـل

    فلو كان يزيد لحد الآن يحارب الحسين (عليه السلام) هل يتجرأ على المساس بشخص النبي! و يقف في وجهه متجاهراً بعدائه لرسول الله ( صلى الله عليه و آله ). ثم كيف يكون موقف زينب(ع) يا ترى؟ هل تقف ساكتة تاركة العنان ليزيد كي يتجرأ بكلامه المخزي و غير المتصور على خليفة رسول الله، و يبدي أحقاده الدفينة للنبي الأكرم و يساوي بينه و بين مشركين قريش الذين قتلوا في معركة بدر، جاعلة كلامه مورد قبول و اعتقاد أهل الشام؟ لا نظن أنّ زينب(ع) تؤثر السكوت في هذا الموقف وكل شيء ستقوله ينبع من تكليفها و وظيفتها الشخصية التي سيحفظها الله لها يوم القيامة- هذه المواقف لم تمح كما محيت العديد من المستندات المذهبية الأُخَر- لأنها لم تكن لتستطيع أي قدرة أن تخمد صوت زينب سلام الله عليها و تحبسه عن أن يسجل آهاته على صفحات التاريخ حاملاً رسالته المحمدية الأصيلة لكل مسلمي العالم.

    أم يجب على زينب(ع) أن تحرّف الحقيقة و تبدّل كلماتها بكلمات التجليل و التكريم ليزيد، و إظهار العجز و طلب الاعتذار أمامه. لا نهج بلاغة علي (عليه السلام) يرضى بهذا التبديل و لا الصحيفة السجادية للإمام الرابع، و لا خطب الإمام الحسين (عليه السلام) في طريقه إلى كربلاء أو يوم عاشوراء، ولا خطب الإمام زين العابدين (عليه السلام) و زينب الكبرى، و أم كلثوم و فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) في الكوفة و الشام و المدينة. و ما دامت المكتبات متواجدة في هذه الدنيا ستبقى هذه الكلمات حية خالدة، ممنوعة من التحريف غير قابلة للزيادة أو النقصان.

    إن الله سبحانه و تعالى ليس حافظاً للقرآن من التحريف فحسب ، بل حافظاً لكل مستند مذهبي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتعاليم القرآن، لذا وجب شكره الجزيل على نعمته التي تفضل بها علينا.

    واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين




    منقول عن سماحة الشيخ جواد املي ( دام ظله )

    من كتابه دور المرأة في عاشوراء


  • #2
    معلومات جميلة حملتها صفحنك \ان شاء الله تكوني من المستفيدين من دروس معركة الطف

    تعليق


    • #3

      المتالقه المستشاره
      أسعدني كثيرا مرورك وتعطيرك هده
      الصفحه

      وردك المفعم بالحب والعطاء
      دمت بخير وعافية
      لقد اشتقت اليك جدا
      لك خالص احترامي

      تعليق

      عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
      يعمل...
      X