إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الأماني تحجب البصيرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الأماني تحجب البصيرة

    بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
    اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ وعَجِّلْ فَرَجَهُمْ وسَهِّلْ مَخْرَجَهُمْ والعَنْ أعْدَاءَهُم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    من الناس من يعيش الوهم، ومنهم من يعيش الحقيقة، وبين الوهم والحقيقة مسافة شاسعة هي كالمسافة بين الباطل والحق، وهذا الوهم الذي يعيشه الكثير من الناس - إلاّ من أدخله الله في رحاب الحقيقة - يسمّى في بعض الحالات بـ (التمنّي).

    إن تصريح القرآن الكريم الذين لايعلمون الكتاب إلاّ أماني فـي قولــه: «وَمِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِيَّ» (البقرة/78) وقولـه: «أَم لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى» (النجم/24) وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمنّي ولكن الإيمان ما خلص في القلوب وصدقته الأعمال".([82]) والأحاديث الشريفة التي تؤكد على أن التمنّي قد يحجب البصيرة ويؤدي الى الحق... كلّ ذلك وغيره يدعونا الى أن نتدبّر في معنى "التمنّي" ونتساءل قائلين: هل يجب أن نعيش الأمنيات أم الحقائق؟

    وللاجابة على هذا السؤال نقول: إنّ الإنسان مسؤول عن نفسه قبل كلّ شيء؛ فقبل أن يكون مسؤولاً عن عمله فانّه مسؤول عن فكره، وقبل أن يكلّف بالعمل الصالح فانّه قد كلّف بالإيمان الصادق، وهذا الإيمان يتبع البصيرة النافذة، وهذه البصيرة لا تكون إذا كانت بينها وبين الإنسان حجب.
    ومن هذه الحجب (الأماني)، فهي لا تحجب الإنسان عن الحقيقة فحسب، بل إنّها - في بعض الأحيان - تقلب وتعكس أسباب الهداية والتوجيه، وكلّ أسباب وعوامل التبصّر. فالأمنية هي أشبه بالمرآة التي تنعكس عليها الحقائق بصورة مقلوبة، أو هي نظارة سوداء داكنة لا تجعل الإنسان يرى الحقائق كما هي، بل كما تضفي عليها نفسه وأخلاقـه، فلا يرى الحقائق إلاّ ممزوجة بتلك الأوهام.
    كيف نتجنب الأماني؟
    وهنا من حقّنا أن نتساءل: هل نحن نعيش الأماني، وكيف نستطيع أن نتحدّى ونقاوم شبح الأمنية في حياتنا، وإذا كان الرسل - وهم الذين حملوا رسالة ربّ العالمين - معرّضين للتمنّي فكيف بنا نحن؟
    إننا - للأسف - نعيش الأمنية الى درجة أنّنا لا نستطيع أن نغمض أعيننا من دونها. فلو لم تكن الأماني هي التي تخدعنا، ولو لم تكن الأحلام هي التي تبرّر أعمالنا لسهرت عيوننا من خوف الله عز وجل، ولو جلت قلوبنا لذكره، ولكانت الحقائق واضحة أمامنا، ولما غفلنا عن المــوت وما وراءه، ولو كانت الأماني بعيدة عنّا لعشنا حبّ الله، ولما استقرّت جنوبنا على مضاجعنا... ولكن حيث لا ترى المسبّب فانّ هذا يعني أن لا وجود للسبب، وحيث لا نرى المعلول فلابدّ من أن نهتدي الى أنّ العلّة مفقـودة.
    إن الله تبارك وتعالى خلقنا على فطرة الإيمان والتوحيد كما يقول عز من قائل: «فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» (الروم/30) ولقد أعطانا الله هذه الفطرة النقيّة الطاهـرة، ولكن لابدّ من أن نعرف ونكتشف العامل الذي جعل هذه الفطرة مدنّسة كما يشير ربنا عز وجل الى ذلك في قولـه: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَـا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَـا * وَقَدْ خَابَ مَـن دَسَّاهَا» (الشمس/ 7-10) فالنفس هي بمثابة مصباح مضيئ تنطلق منه أشعّة التوحيد، أمّا إذا دسّت هذه النفس في تراب الأمنيات والأحلام فانّ شعلة الإيمان والتوحيد فيها سوف تخبو.
    الأمنية؛ إفراز النفس
    فلنطرح على أنفسنا هنا التساؤلات التالية: هل نحن نعيش الأماني أم الحقائق، وهل نحن مصداق قوله تعالى: «وَمِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِـيَّ »(البقرة/78) أو قـولـه عـز وجـل: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (الانفال/2)؟
    إن علينا أولاً - ومن أجل أن نهتدي إلى الاجابات الشافية على تلك الأسئلة- أن نعرف أنّ الأمنية تأتي من إفراز النفس، لأن في داخل الإنسان قوّتين هما: قوة العقل، وقوّة الجهل. ففي نفس الإنسان قوىً متعارضة، فقوةّ العقـل - كما تصرّح بذلك الأحاديث الشريفـة - مـزوّدة بسبعين جندياً، كما أن قوة الجهل مزوّدة هي الأخرى بنفس هذا العدد. فالجهـل هـو قـوّة تفـرز، وتلد، وتنتج، والأمنيـة تعتبـر واحـدة مـن إفرازاتهـا.
    والإنسان قد يحقّق هدفه في الواقع الخارجي، وقد لا يستطيع ذلك، فيحاول تحقيقه عبر الأماني، لأن الأمنية هي إفراز النفس من أجل تعويض العجز والضعف، وللتنفيس عن الفقر والحاجة؛ وعلى سبيل المثال فهناك من يحلم في ليله ونهاره بالمستقبل المشرق، والحياة المرفّهة، ذلك لأنه يعيش النقص، وهو يريد أن يعوّض عن هذا النقص بالتمنّي لا بالعمل والتخطيط. وهذا الإنسان يختلف اختلافاً كلّياً عن ذلك الذي يخطّط ويقرّر ويعمل، لأن العمل لا ينتج عن الأمنية في حين أن الأمنية تأتي من إفراز الهوى.
    صور الأماني في النفس البشريّة
    ولابد من الإشارة إلى أنّ أمنية الإنسان قد تأتي في صورة التعويض عن نواقصه، وقد تتجسّد في صورة التعويض عن أهدافه، كما وقد تتمثّل في صورة تضخيمه من خلال الغرور أو سر التبديل الذهني للحقائق الصعبة الى حقائق وأفكار سهلة وميسورة. وفيما يلي سنستعرض تلك الصور:
    1- التعويض عن النقائص.
    من المسلّم به أنّ الانسان يبدأ حياته ناقصاً، فهو عندما تلده أمّه لا يعلم شيئا كما يشير إلى ذلك ربنا سبحانه: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ اُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً» (النحل/78) فبداية الانطلاق يكتنفها النقص والعجز، ولكنّ البعض لا يريد الاعتراف بهذا النقص، فيحلم - مثلاً - بأنّه عظيم، وأنّ التأريخ سوف يذكره. وكثيراً ما تذكّر هذه الأحلام في سنّ المراهقة، والمشكلة ليست في وجود هذه الحالة في هذه السنّ، بل المشكلة في استمرارها؛ فهناك البعض يبقى في سنّ المراهقة لفترة طويلة حتى يصطدم بواقع الحياة، فهو لا يقبل من أحد أن يوجّهه الى أخطائه، بل كلّ ما يريده أن يُمدَح ويثنى عليه بما ليس فيه.
    إنّ خطر هذه الأحلام أنها لا تدع الإنسان يسيطر على نواقصه، فتتراكم عليه هذه النواقص. فالأحلام هي التي تحجبنا عن حقيقة أعمالنا، وفي الغد سنصطدم بالحقيقة، وقد قال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"([83]) فعلى الإنسان أن يحذر من أن يعيش أجواء الخيال، وعالم الأماني.
    2- التمني لتحقيق الأهداف.
    إننا عندما نهدف الى بناء حكومة إسلامية عالميّة، وإقامة العدل والحريّة والرفاه لكلّ البشر فعلينا أن لا نعيش في خيال الانتصار، وأمنية الظفر، بل يجب علينا أن نعمل للهدف؛ وأضعف هذا العمل هو الدعاء بالنصر والغلبة، ومع ذلك فان الدعاء الجامد غير المقترن بالعمل لا يمكن أن يتمخّض عن نتيجة. فالهدف المتمثّل في بناء مؤسسة حضاريّة بحاجة الى جهد ومثابرة، وإلاّ تحول ذلك إلى سراب.
    ومن المعلوم إنّ الله تعالى لا يعطي النصر بالأماني، لأنّ النصر مقرون بالحركة كما يشير ربنا عز وجل الى ذلك في قوله: «وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌ عَزِيزٌ» (الحج/40).
    3- الغرور والعجب.
    إنّنا بحاجة الى نعم الله وأفضاله، وكلّما ازدادت نعم الله تعالى على الإنسان ازدادت مسؤوليته في اداء حقوق الله. فعندما يزداد الإنسان نعمة، تزداد حاجـة الناس إليه، وبالتالـي تزداد واجباتـه، وتكبر مسؤولياتـه. فعليـه - إذن - أن لا يصاب بالعجب والكبر حتى لا يقصّر في أداء مسؤولياته الملقاة على عاتقه؛ فكلّما ازداد الإنسان غروراً وتكبّراً قلّت نسبة إتقان العمل لديه. وعلى هذا؛ فانّ الإخلاص هو طريق الإنسان لنيل نعم الله تبارك وتعالى ورضوانه، أمّا الكبر فهو الطريق المؤدّي الى عذاب الله وهوانه. فنحن لا يمكننا أن ننال الثواب يوم القيامة من دون أدائنا لمسؤولياتنا.
    4- تحويل أسباب الهداية الى أسباب للانتكاسة.
    هناك من يفسّر القرآن حسب أهوائه، ويحمّله ما لا يحتمله؛ فعند قراءته لآيات القرآن فإنه يصنّف نفسه مع الذين آمنوا، ويبعد عن نفسه الآيات التي تذكر الكفّار والمنافقيـن، كقولـه تعالـى: «وَمِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِيَّ» (البقرة/78) وهذه الأماني تتحول من أحلام داخلية إلى خارجية من خلال التشبّث ببعض التبريرات من أجل ستر الحقائق.
    الأمنية لا تنبت في قلب مؤمن
    والأمنية قد تخطر على قلب المؤمن، ولكن لا تلبث أن تتبخّر وتتلاشى. أما القلب المريض فانّه يستقبل الأماني بسرعة، حاله كحال البيئة الفاسدة التي تستقبل المكروبات. فالقلب المريض الحسود والأناني هو مرتع خصب لنمـو وترعرع الأماني والأحـلام، كما يشيـر ربنـا سبحانه الى ذلك فـي قولـه: «لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ» (الحج/53) فالمريض قد يأتي ويذهب، ولكنّه إذا تراكم فانّ القلب سيصبح قاسياً، لأنّ قساوة القلب هي من أشدّ الأمراض التي قلّما نجد الدواء لها. وهناك قسم آخر هم على العكس من مرضى القلوب، وهم الذين تتحدث عنهم الآية القرآنية التاليـة: «الَّذِينَ اُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ» (الحج/54).
    فإذا أراد الإنسان أن يتحدّى الأمنيات فليسلم نفسه لله، وليرض بما يرتضيه لـه، وأن يكون على استعداد لتقبّل كل ما يريده الله منه. وهذه هي مرحلة إخبات القلب، والتسليم لله ربّ العالمين.
    وبكلمة؛ إن الذين تمنّوا على الله فهم يقفون على طرف نقيض من الذين آمنوا، فهم سيضلّون الطريق، وهذه هي المسافة الفاصلة بين الأمنية والحقيقة.


  • #2

    بسم الله الرحمن الرحيم
    ولله الحمد والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


    الأخت القديرة عطر الولاية..
    بارك الله بك على ما طرحتيه علينا فدمت ناشرة لفكر أهل البيت عليهم السلام...

    تعليق


    • #3
      خيتي القديرة عطر الولاية
      جعل الله ايامك بولاية محمد واله سعادة وسرورا
      ماعذب مقالك واحواجنا للتذكير به جعلك الله من الذاكرين له ابدا
      وصلى الله على محمد واله وعجل فرجهم
      "اللهم لاتجعلني من المُعارين ولاتخرجني من التقصير"
      اللهم لين قلبي لولي امرك واجعلني طوع امره...
      وصلي اللهم على محمد واله وعجل فرجهم

      تعليق


      • #4
        شكر لمروركم الكريم وفقكم الله لكل خير ببركة و سداد اهل البيت عليهم السلام

        تعليق

        يعمل...
        X