إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

فلسفة المجتمع في القرآن

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • فلسفة المجتمع في القرآن


    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    والجانب الفلسفي من نظرة الاسلام الى المجتمع نابع كذلك من الإيمان بان الانسان كائن محدود المعطيات وانه يملك خط السلبيات وخط الايجابيات، وعلينا حين نلاحظ المجتمع، التفتيش عن تفرعات حقائق الخطـين. والقواعد الاساسية لفلسفة المجتمع في القرآن تتأطر ضمـننقــاط:
    1- دراسة علم النفس اساسية في معرفة المجتمع، فكل شيء نجد مصغره في الفرد، نجده في المجتمع بصورة متجسدة؛ تشابك الخير والشر في نفس كل انسان يعكس ظاهرة تشابك الاخيار والاشرار في المجتمع. وذات القوانين التي تحكم طبيعة التشابك على صعيد النفس ذاتها تحكم التشابك على صعيد الجماعة.
    2- وبناءً على ذلك؛ فاننا لا نستطيع ارجاع كل الظواهر الاجتماعية الى الجانب السلبي من الانسان حتى نجد انفسنا في حلقة مفرغة لا نعرف من اين تبدأ المؤثرات، بل يجب ان نبحث عن خطي السلبية والايجابية معاً؛ فمثلاً في موضوع اساس المجتمع، لا نستطيع ان نجعله الحاجة وضرورة العيش فقط، (وهو - طبعاً- اساس تقتضيه الغريزة الانسانية) بل لابد ان ندخل في حسابنا الحب البرئ الذي يتمتع به كل فرد إزاء ولده ووالديـه وأقاربـه فمجتمعـه.
    وليس من الصائب ان نجعل اكتشاف الحديد واستسلام الانسان له، سبباً لطور جديد من المجتمعات، خاضعة للزراعة والصبر والعمل، بل لابد ان نلاحظ ايضاً، حالة الصبر والعمل الذي سبق اكتشاف الحديد، وكان جانباً ايجابياً من الانسان وغير متأثر بالظروف المادية.
    كذلك لا نجعل العصبية اساس الملك، ونربط العصبية بالقبلية فالعنصرية فالاقليمية، ثم التيار القومي والحضاري (كما جعله ابن خلدون وتابعوه) بل نلاحظ الى جانب هذا الخط السلبي في تسيير المجتمعات خطوطاً ايجابية ابتدأت من الفكرة الحضارية وطليعة المبشرين بها،والامة وتموجاتها في العالم و..و.. مما هو جانب ايجابي بنّاء في حياة الانسان.
    3- وبالتالي في تقييم دور الفرد في تسيير المجتمع ، او تسييره بالمجتمع لابد ان نقدر ليس فقط حاجات الفرد المادية، والتي ترتبط بصورة اخرى بالمجتمع وضغوطه، بل وايضاً تطلعاته الاصلاحية المبدعة، ومدى "ارادته" في فرض هذه التطلعات علىالتيار الاجتماعي، وهكذا يجب رسم خط بياني كالتالي في معرفة التأثير المتقابل في المجتمع.
    في تأثّر الفرد بالمجتمع نقول:
    الفرد = نسبة ضغطه + نسبة ضعف مقاومة المجتمع له= نسبة التأثير.
    وبالعكس نقول:
    المجتمع= نسبة ضغطه + نسبة ضعف ارادة الفرد = نسبة التأثير.
    4- وقد يكون تيار الاجتماع خاطئاً كما قد يكون الفرد خاطئاً، ولكن لن تكون القوانين التي لابد من تسليم التيارات الاجتماعية لها، لن تكون خاطئة ابداً.
    بمعنى ان أي فعـل اجتماعي سليم، ينطوي على مردود سليم، وأي فعل اجتماعي خاطيء ينطوي على مردود خاطئ مثله. وافضل مثل له: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ *تُؤْتِي اُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَالَهَا مِن قَرَارٍ } (ابراهيم/24-26)5- وليست النظم الصحيحة هي التي تتبع تيارات اجتماعية معينة، بل التي تتعرف على سنن الاجتماع وتحدد اهدافه، ووفق تلك السنن تخطط للاهداف "فالعارف بزمانه لا تهجم عليه النوائب". ([23])ولكن يجب على النظام الاجتماعي، لكي يكون واقعياً ان يحدّد بدقة مرحلة الاجتماع التي يريد ان يضع لها الشرائع ثم يضع تلك السنة.
    6- والمجتمـع كيان قائم فعلاً، وتستطيع تحديد سمات أي مجتمع من ناحية القوة والضعف، والصحة والمرض، والكياسة والتبلد ، والشجاعـــةوالجبن، وسائر الصفات البشرية.
    ولا يعني هذا سوى ان المجتمع سيضغط على الفرد باتجاه الطابع العام، وهذا الضغط هو بدوره مجموع ضغوط الافراد الذين يشملهم اطار المجتمع.
    والضغط قد يرتفع الى مستوى العقاب المادي، فيكون بمستوى الحكومة، وقد يكتفي بالعقاب الادبي فنسميه بالقيم.
    إلا ان الضغط سواء كان عقاباً او عتاباً، لا يحول الفرد الى آلة صماء، يستجيب لنداء الجماعة ، بل انه:
    اولاً: يمتص بعض ضغط الجماعة بمستوى مقاومته لهذا الضغط ، فإذا كان الضغط مثلاً بدرجة يحمل كل فرد من المجتمع ( وهم فرضاً مائة شخص) الى التحدث نصف ساعة حول القيمة التي يقدرها الجميع، وكانت مقاومة الفرد بقدر تحتاج الى نصف ساعة من التشجيع، كان يعني ان هذاالمجتمع لا يستطيع سوى دفع مائة فرد آخر نحو تطبيق منهجه، ذلك لان كل فرد يقوم بامتصاص قدر من القوة الجماعية.
    ثانياً: يستطيع بعضٌ الصمود امام ضغط الجماعة بمستوى امتلاكه للارادة الحرة التي لا تستسلم لاي نوع من الضغط، حتى يصل الى مستوى سحرة فرعون الذين آمنوا بموسى، وضحوا بكل شيء في سبيل ايمانهم، مقاومين جميع الضغوط حسبما يقص القرآن ذلك:
    { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلاَُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلاَفٍ وَلاُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَن نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَآ * إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللـه خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طه/70-73)إن المجتمع الذي قاومه هؤلاء السحرة التائبون كان يتمتع بقوة رادعة عقابية، بيد ان المؤمنين ، وهم افراد من المجتمع ذاته، كانوا يتمتعون بالعقل الذي يهديهم الى الحق، ثم بإرادة تحررهم من ضغوط المجتمع ، والتي عبرت عن نفسها في اقسى العقوبات، ولكنها عجزت عنتحويل الإنسان الى آلة لا تعقل ولا تشاء.
    ان هذه النقطة عظيمة، ليست لانها تشكل فقط حجر الزاوية في بناء الإنسان الكامل، بل لأنها تعتبر عدسة ضرورية في مجهر علم الاجتماع، فحين نتجاهل هذه الحقيقة نتخبط في تقديراتنا للاحداث وللاشخاص ولمسيرة الحياة.
    7- والمجتمع بثنائية الخيوط التي تحركه والتي ترتبط بنفسيات المجموعة البشرية التي يتحرك كل فرد منهم ضمن محور الايجاب والسلب، لابد وان يتكون من خيرين واشرار، ولابد ان تكون المقاومة باتجاه الاصلاح او باتجاه الفساد ، هي التي تحدد تحركات هذا المجتمع، فأمام كل فريق ينشد الخير بفعل تفوق الجانب الايجابـي في نفسه على الجانب السلبي، لابـد ان يقف فريق آخر يقاوم هذا الخير، واذ لايمكن ان يكون الاخيار خالصين من كل عيب، لايمكنيكون الاشرار مفلسين من كل خير أيضاً.
    فان الفريق المقاوم يجد في بعض ما في الاخيار من شر، وبعض ما لديه من خير مبرراً للقضاء على الخير باسم الخير ذاته.
    وهذا الخير والشر موزع في البدء بين الناس توزيعاً يكاد يكون عادلاً، فكل منهم يأمر بالخير وينهى عن الشر، ولكنه يعمل بهما فعلاً، وهذه مرحلة الضلالة العامة، وفيها لانجد شراً مستطيراً كما لا نجد ايضاً خيراً خالصاً.
    8- ولابد ان الانسان يبقى على هذه الضلالة التي هي ذاتية بالنسبة الى طبيعته حسبما عرفناها سابقاً، حتى يأتيه من اللـه نور وهدى مبين، فيصبح البشر فريقين؛ إذ ان فريقاً منهم يشاء بارادته الحرة ان يهتدي ويطهر نفسه من رواسب الشر، بينما يبقى الفريق الآخر على ضلالته، التي سرعان ما يضطر، للدفاع عنها، ان يتحول الى شر محض!!!
    كذلك قال اللـه سبحانه حين قص علينا قصة البشرية الاولى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللـه النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ اُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللـه الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بإِذْنِهِ وَاللـه يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (البقرة/213)
    فهناك ضلالة شاملة، ثم يهدي اللـه الناس، ثم يختلف الناس في الهداية.


عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X