إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

القصة وكربلاء... / برير صالح

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • القصة وكربلاء... / برير صالح





    القصة بأنواعها ( الأقصوصة - القصة - الرواية ) فن أدبي بدأ يأخذ مكانة تضاهي الشعر، ويبعد العامة عنه، ويسيطر على أذهان العامة بملاحظ نتاجها الهائل في المطابع قبالة دواوين الشعر، لأنها تناسب طبيعة المدنية أكثر من غيرها من الأجناس الأدبية، فـ ( الرواية تأصيل للوعي المديني المحدث )[1].
    ومع التطور المتسارع عبر عصر النهضة منذ الحملة الفرنسية على مصر ( 1798م ) بقيادة نابليون بونابرت مرورا بالاستعمار للبلاد العربية ( مرحلة الكولونيالية )، انتقالا لما بعدها، وصولا لوجود الغدة السرطانية ( إسرائيل ) في المنطقة التي غيرت مجرى التاريخ والمنطقة والهوية على جميع الصعد، وأخيرا هزيمة ( 1967م ) .. ( وانهيار الآمال التي كانت معلقة على تشييد قومية عربية ديموقراطية تحررية )[2]، وموت النظام العالمي الجديد، وولادة العولمة التي لم نعيها ولم نستفد منها؛ من كل ذلك تستفيد الرواية آفاقا واسعة في بناء فن انساني سهل التناول للعامة.
    هذا الفن الواسع باحتمالاته العديدة[3] وصعوبة حصرها استفاد منه كتابه في بروز أنواع منه بحسب الموضوع فكانت متعددة بتعدد الاحتمالات الرياضية في الرواية ( السياسية - الاجتماعية - الاقتصادية - الفكرية - العقائدية - الحزبية - السيرة - العلاقات الخاصة - البوليسية - الاستخباراتية - الخيالية المستقبلية - الفنتازية - التاريخية ) ونحن يهمنا هنا النوع الأخير نظرا لإهماله في هذه الأيام بعد أن كان له كتابه.
    بدأت تلقى الرواية رواجا من الرواية المترجمة على يد الشيخ رفاعة الطهطاوي حيث أخرج ( مغامرات تليماك ) التي كتبها فينلون بـ ( مواقع الأفلاك في وقائع تليماك ) ، ونظرائه كـ ( محمد عثمان جلال، وبطرس البستاني، وغيرهم )[4]، ثم ظهور أول رواية عربية ( زينب - 1914م ) لمحمد حسين هيكل - حسب رأي الأديب يحيى حقي - أو رواية ( غابة الحق - 1865م )[5] لفرنسيس المراش - حسب رأي جابر عصفور[6] - وأصبحت قراءة الرواية من علامات الأفندية الطليعية المثقفة،فرأينا الكم الهائل منها في القرن الماضي الذي تجاوز دواوين الشعر في حينها مع تنوع وتطور مستمر بدءامن الرواية التعليمية[7] انتقالا إلى رواية التسلية والترفيه[8] إلى الواقعية[9] ثم الذاتية[10]والتي تمثل سيرا خاصة أقرب من كونها رواية متكاملة الأجزاء والبناء .
    إلا أن تناول الأحداث التاريخية بشكل روائي أخذ نصيبه من جرجي زيدان عبر سبعة عشر عملا روائيا منها ( العباسة، فتح الأندلس، الأمين والمأمون، شجرة الدر )، وعبد الحميد جودة السحار ( سلسلة محمد رسول الله والذين معه )، وطه حسين ( الوعد الحق )، ونجيب محفوظ ( مصر القديمة، وعبث الأقدار، رادوبيس، وكفاح طبيبة )، وعبد الرحمن منيف ( خماسية مدن الملح، ثلاثية أرض السواد )، وإبراهيم الكوني ( رباعية الخسوف )؛ على اختلاف المقاطع التاريخية والأماكن انطلاقا من التاريخ الفرعوني، والإسلامي، وصولا إلى العصر الحديث.
    ونصل هنا إلى موضوعة مدار البحث وهي ( القصة .. وكربلاء ) ويمكن صياغة الإشكالية على النحو التالي: لماذا أبعدت كربلاء عن القصة ( الرواية ) ولم يكن لها علاقة وثيقة كما علاقتها مع الشعر؟ على الرغم من أن واقعة كربلاء، ونهضة الحسين - عليه السلام - بقيت عبر التاريخ كمثل للمناضلين والثوار ضد يزيد ورموزه، ولا يقف الأمر عند الثورة فيوم كربلاء يحوي المثل الإنسانية بنماذجه المتعددة؛ كما لا يمكن قصرها على زمان ومكان محددين، وإلا لما امتد صوتها مدويا.
    وطبيعة فن الرواية يبحث عن آفاق واحتمالات يمكن قراءتها عبر القارات والسنوات، متجاوزة اللغات والأجناس؛ فلماذا قصرت كربلاء بامتداداتها الثورية على فن أدبي معين، وهو الشعر سوء الغنائي أو المسرحي؟

    ربما يمكن تعليل ارتباط كربلاء بالشعر بأمور؛ منها:
    •1- روي عن الإمام الصادق - عليه السلام - ( من قال فينا بيت شعر، بنى الله تعالى له بيتا في الجنة )[11]ودلالة النص هي الحث على قول الشعر في أهل البيت - صلوات الله وسلامه عليهم - لأن لسان الشاعر يعدل وسيلة إعلامية قوية في أيامنا، فنجد ( تائية دعبل بن علي الخزاعي ) رحمة الله تعالى عليه :
    تجاوبن بالأرنان والزفرات نوايح عجم عجم اللفظ والنطقات[12]
    والتي ساهم الإمام الرضا - عليه السلام - ببيتين؛ونرى ( هاشميات الكميت ) حينما يقول :
    طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب[13]
    وحقا أطرب الفرزدق بهذه القصيدة، وهو القائل :
    هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم[14]
    ويكفيك أن تلقي نظرة سريعة على كتاب ( سوانح الأفكار ) المعرف بـ ( أدب الطف ) لترى العدد الهائل من الشعراء الذين قالوا الشعر في واقعة الطف .
    لقد عالج الشعر حوادث تاريخية كثيرة كما فعل أحمد شوقي ( كبار الحوادث في وادي النيل )، وأحمد محرم ( الإلياذة الإسلامية )، و عمر أبو ريشة ( ملاحم البطولة في التاريخ الإسلامي )، وجورج جرداق ( ملحمة الغدير )، الشيخ حسن الدمستاني ( ملحمة كربلاء ). وأبعدت كربلاء عن الفن القصصي .
    •2- ارتباط واقعة كربلاء بوسيلة إعلامية وحيدة متصلة بالجماهير وهي المنبر الحسيني، ومن أهدافه إبكاء المستمع نزولا عند الرواية الشريفة ( روي عن الإمام زين العابدين - عليه السلام - أنه كان يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين - عليه السلام - حتى تسيل على خده ، بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا )[15]ولعل أسهل طريقة هي النعي بطريقة معينة بالشعر، لما يملكه من وزن وموسيقى تُدخِل الحزن والبكاء في نفس المستمع الأمر.
    وأما قراءة القصة الكاملة لواقعة الطف بصوت حزين لا يعد من فن الرواية التي تعتمد على نقل الأحداث مختلطة بين الواقعي والخيالي، بينما ما قام به الشهيد الشيخ عبد الزهراء الكعبي - رحمة الله تعالى عليه - هو قراءة نص واقعي لواقعة الطف حسب النقل التاريخي.
    •3- أن فن الرواية يعتمد على أبسط تعاريفه ( أحداث خيالية في حياة أناس خياليين )، بينما ( واقعة الطف ) فيها شخصيات معصومة لا يمكن استنطاقها بكلام لم تنطقه وإلا دخلنا تحت مظلة الكذب على الإمام - عليه السلام - مما يدخلنا دائرة الكبائر، فنحتاج - حينها - لطريقة دقيقة لقوم المعصوم الموقف الموصوف في الرواية المراد كتابتها.
    •4- لو أخذنا رواية ( غادةكربلاء [16]) لجرجي زيدان التي جمعت بين الخيالي والواقعي، وتقاسم البطولة في الرواية أحد عشر شخصية منها الإمام الحسين - عليه السلام - ، ورواية جرجي زيدان يشخصها إلى جانب سلمى والزاهد ابن عم غادة كربلاء وهو عبد الرحمن، وهو الذي كان يريد أن يقتل يزيد انتقاما لعمه، ولكنه وقع في الأسر، وما لبث أن تحرر، وهو الفتى الذي يحب ابنة عمه سلمى. ولقد تعاهدا ألا يتم زواجهما إلا إذا حققا غايتهما وهي الثأر من يزيد بن معاوية"[17].
    ولا يخفى ما في الرواية من علاقة حب لا تتوافق مع واقعة الطف بمثلها العليا التي تبتعد عن الذاتية مما يشوه ربما الحدث التاريخي من حيث لا يعلم الروائي.
    •5- إن فن الرواية الذي يعتمد على أحداث تاريخية تحتاج إلى جهد كبير في مراجعة كتب التاريخ والتحقيق في الأحداث ومراجعتها، وهذا العمل مضن ومتعب لا يتأتى لكل شخص، بل يحتاج لشخصية لديها الصبر في مطالعة المصادر التاريخية، بل والتحقيق والترجيح في الأقوال. يقول الدكتور عبد الحميد يونس في مقدمته لرواية ( غادة كربلاء ): " ونحن نجد المصادر والمراجع مذكورة بدقة في مواضعها من صفحات الرواية "[18].
    كما يحتاج هذا الفن اختيار الشخصيات التي يراد إدخالها في كنف الرواية مما يخدم الأحداث المستوحاة من مصادرها، ويساعد في إيجاد حبكة وتصاعد طبيعي في الأحداث ليصل لنهاية مناسبة. وربما صعب لدى البعض تحديد مسار عمله بين التوثيق التاريخي أو الأسلوب القصصي " هذا الكتاب ليس تاريخا بحتا، وإن أخذ مادته كلها من مراجع تاريخية أصيلة، كما إنه ليس قصة خالصة، وإن اصطنع الأسلوب القصصي -غالبا - في العرض والأداء "[19].
    •6- تقول بنت الشاطئ: " وكل عملي في الكتاب، أني ألفت بين الألوان التاريخية والظلال شبه الأسطورية، لأجلو منها صورة لتلك التي شاركت في صنع تاريخنا الإسلامي، وذهبت في تاريخ الإنسانية، قصة وعبرة ومثلا ... "[20] وهذه المشاركة التي يقوم بها الروائي تحتاج لوضع حدود حتى لا يكون هناك تجاوز غير محمود فجلاء الصورة من خلال مراجعة المصادر التاريخية، والكتب المناقبية ( كتب مناقب الشخصيات الإسلامية ) والفصل بين الواقعي والأسطوري يعد - ولا شك - عملا دقيقا يضع الروائي بين الموضوعية، أو التهكم على الشخصيات الإسلامية كما حدث مع سلمان رشدي في ( آيات شيطانية ) معتمدا على رواية الغرانيق.
    •7- حداثة فن الرواية على الشعر الذي يفوق عمر سابقه بمئات السنين، وخرج من إطار التجريب إلى التقعيد، فلا يمكن أن يتجاوز الشعر ما وصل إليه من الشعر ( العمودي - التفعيلة - وأخيرا الحر )، بينما تعد الرواية حديثة عهد مقارنة بالشعر .
    ففن القص مجال خصب يعتمد على التجريب نظرا لاعتماده على النثر الذي ليس له قواعد جامدة يلتزم بها الروائي و " التاريخ الأدبي يشهد أن الرواية العربية قد غيرت جلدها عدة مرات "[21]، إن على مستوى اللغة أو مستوى سير الأحداث؛ ولعل " هناك تجارب لافتة في توظيف المستويات اللغوية تستحق التأمل بإيجاز تمثيلي، من أبرزها ما قدمه المبدع التونسي الكبير محمود المسعدي في سعيه لاستحضار الأطر التراثية الرفيعة في رواية ( حدث أبو هريرة قال ) حيث ... احتمت برداء الفصاحة الكلاسيكية "[22]. وموضوعة ( واقعة الطف ) لها من الحساسية العقدية مما تجعلها صعبة في اختيار أسلوب التجريب المناسب لها، وهذا الأمر يحتاج لروائي متمرس قطع شوطا في هذا الفن، فلا نجد روائيا مبتدئا ينطلق من الرواية التاريخية، وإنما يبدأ بالرواية الذاتية التي تعتمد على النرجسية المستوحاة من التجارب الخاصة ليكون صادقا في عاطفته وتعبيره.
    لذا نجد من كل ما ذكر ابتعاد موضوعة ( واقعة كربلاء ) عن التناول الروائي، بينما نحتاج لتفعيلها والكتابة عنها قصصيا بمستوياتها الثلاثة ( الرواية - القصة - الأقصوصة ) فكربلاء تحوي الثورة، والحرية، والمثل بجميع صعدها الإنسانية فضلا عن المسلمين. ووجود عاشوراء الحسين - عليه السلام - إلى اليوم دليل على نبضها الحي؛ فأين نحن من الاستفادة من زمان ومكان عاشوراء.
    هناك من نبهنا لزمان ومكان محددين كـ ( تولستوي ) في روايته ( الحرب والسلم )، غير أن عاشوراء بمثلها العليا لا يمكن حصرها بتقاطع ( زمكاني )، لأن أفق المثل أكثر سعة حسب تعبير هيجل. فهل يتنبه روائيونا ( ذكورا وإناثا ) لـ ( كربلاء الحسين ) - عليه السلام -؛ لأنني أرى أن روائياتنا أقدر على تصوير أحسيس شخصيات وجدت في كربلاء أكثر من الرجل ؛ فهل يستطيع الرجل التعبير عن النساء التي تواجدت في كربلاء كالمرأة؟ وهل يستطيع الرجل التعبير عن الطفلة كالمرأة؟ أو هل يستطيع الرجل التعبير عن الأطفال كالمرأة؟ وأخيرا هل يستطيع الرجل التعبير عن مشاعر المرأة عندما تشجع زوجها للموت دون الطالبيين؟ .. وغيرها ، حينها ماذا يبقى للرجل؟
    يبقى له أن يشجعها .. ويفخر بها ..
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X