إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ساعي البر يد /الحسد) في الملصقات الشعبية ..د. عيسى الصباغ

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ساعي البر يد /الحسد) في الملصقات الشعبية ..د. عيسى الصباغ

    ثمة ملفوظات لسانية تشكل جانبا من ثقافة المجتمع الشعبية . ويكاد ينحصر تداولها بين سواق النقل الخاص . وتتمثل في كلمات أوعبارات أو جمل كاملة المعنى ،وتكوّن نصا باعتبار ارتباطاتها الاجتماعية والنفسية وقرائنها الثقافية . وعادة ما نجدها ملصوقة على الواجهات الخلفية للسيارات نحوالوكحة وأحلاهن والتلميذة النجيبة ومن طبعي الوفا لكن منو يستاهل ) وغيرها الكثير مما يفيض به الحس الشعبي العام.
    إن لهذه الملصقات الخطية وظيفة تزيينية ظاهرة تفصح عن ذلك خطوطها المعتنى بها ، وأطرها البديعة المبالغ في هندستها ، وحجوم أحرفها ، وألوانها أيضا في كثير من الاحيان . على أن لها من جانب آخروظيفة مزدوجة ، اجتماعية ونفسية ، تتشكل وتعمل في الوعي الجمعي لهذه الشريحة ، أو من يجانسها ،فهي تكشف عما يهجس به مُلاك هذا النوع من وسائل النقل . وتشير الى طريقة معينة في تعاملهم مع الآخر ، أو في النظر اليه ،أو في الاقل فيما يشعرون به إزاءه . بمعنى آخر أن لهذه الملفوظات مدلولات نفسية تسهم في صياغة الروابط الاجتماعية فيما بين أفراد هذه الشريحة من السواق ، أو بينها وبين المجتمع ، وتسم علاقاتهم بميسمها .
    ويبدو أن لها سلطة أو هيمنات تتحكم في تصرفاتهم ، وتصوغ أنماط تفكيرهم ،بطريقة أقرب ما تكون الى طريقة المأثورات المتوارثة . والا ما ألصقت في تلك الاماكن الظاهرة للعيان . ففي لصقها على هذا النحو، قصدية وتعمّد ، إذ يدل بعضها على ادّراء الحسد وإبعاد خطر النظرة . نحو:
    عضة أسد ولا نظرة حسد
    ففي موازنة بين العضة(عضة اسد) والنظرة(نظرة حسد) نجد أن النظرة لديهم أشدّ وقعا وتأثيرا وإيلاما من العضة ، ولاسيما أنها صادرة من حيوان شديد الافتراس والإيقاع بضحيته ، مع أن النظرة غير مرئية وقوتها معنوية ،في حين أن ضديدها (العضة) قوته مادية . ويكشف هذا عن شدة مخاوفهم من الخفي المستور ، وغير الظاهر . جاء في لسان العرب لابن منظور العض : الشدّ بالاسنان على الشيء) أي أنه فعل فيه قسوة وشدّة وعنف، لذلك قالوا(مُلك عضوض: شديد فيه عسف وعنف) . ومع ذلك فنظرة الحسد أكثر قسوة وأشدّ عنفا وتعسّفا وأوقع ضررا بالآخر.
    وقد ارتبطت النظرة في الوعي الجمعي بالكائنات الخفية ، وتحديدا بالجن ، ذلك أنها (عين الجن ،والنظرة الغشية أو الطائف من الجن ... والمنظور(هو) الذي أصابته نظرة .وصبي منظور : أصابته العين ). ودوافع النظرة هي الحسد ،وقد عرّفوه بقولهم (إرادة زوال نعمة الغير) والفعل (حسَدَه) بمعنى(تمنى أن تتحول اليه نعمته أو أن يسلبها ). من هنا يأتي خطر النظرة وقوتها التدميرية ، السالبة لأشياء الاخر . فهي تجرد الشخص المنظور اليه من نعمته المادية والمعنوية بما فيها صحته الجسدية وعافيته . وبناء على هذا هي أقوى وأكثر تاثيرا ووقعا من عضة الاسد ، التي تقتصر على إتلاف عضو او جزء من الشخص المعضوض . ويلاحظ أن الحس الشعبي صاغ من العض ، مصدر مرّة ـــ عضّة ـــ لعدم تكرارها وشدّتها في الوقت نفسه، ذلك بأنْ أضافها الى الاسد ، منشئا تركيبا لسانيا يستحضر دلالة الاقتراب من الموت وما في مواجهته من إثارة للمخاوف . على ان التركيب الاضافي ، بما يبثّ من دلالات الرعب ومداناة المصير المحتوم ، يبقى أقلّ أذى من التركيب المقابل له (نظرة حسد) . فربما تؤدي النظرة الى الموت وزوال النعمة معا . علما أن الصحة الجسدية أو العافية من مفردات النعمة .
    ولما كانت العين هي آلة النظر، ومصدر النظرة الحاسدة ، ادّرؤوا خطرها باللين والاقناع وتعمية الواقع على نحو ما ألصق على إحدى تلك الواجهات :
    كافي يا عينْ
    تره كلها ديــنْ
    والضمير في (كلها) يعود على السيارة .وفي الملفوظ اللساني هذا دلالة الالتماس برفق ، من العين الحاسدة ،والطلب منها أن تكفّ عن حسدها ، لانّ ما تراه ، إنما هو قرض ليس غير . أي أنه مال غيره وليس ماله لكي يتمنوا زواله (غالبا ما يطلق على صاحب السيارة: صاحب المال أو أبو المال) . فالملفوظ هنا يرمي الى طرد العين أو خداعها و مراوغة أثرها الضار .
    وقد يلجؤون الى صياغات لغوية تعتمد المواجهة وعنف الرد ، في محاولة لاجهاض فاعلية الحسد وردّها الى مصدرها، على نحو ما باحت به إحدى الملصقات :
    اللهمّ اجعل حسدهم في جسدهم .
    إن الصيغة الدُعائية التي ورد فيها اتقاء الحسد وتلافي أثره، تستعين بالغيب (اللهمّ) وتعوّل على قواه ، ذلك ان الحسد قواه خفية أيضا ، ولا يفلّ المخفي الا المخفي مثله، بل أنه أكثر بأسا ذلك أن صيغة الدعاء به تستدعي قوى الخالق المهيمن على كلّ شيء.
    وأحيانا يستخدم التمثيل الايقوني للتعوّذ من شرّ النظرة الحاسدة ، حينما يعلّق داخل البيوت رأس غزال بقرنين متشعّبين ،. وقد تسمّر فوق الابواب حدوة حصان أو فردة حذاء قديمة . وفي السيارات التي هي موضع حديثنا ، يلصقون صورة كف مبسوطة ، وفي راحتها عين مفقوءة بسهم رائش . فاليد هنا رمز التمكّن والبطش والقتل . ورد في القرآن الكريم (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيدٍ يبطشون بها ) كما ورد فيه أيضا لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا باسط يدي إليك لأقتلك ). فالعين الحاسدة في هذا التمثيل الايقوني في حيازة اليد الباطشة ، المهيمنة على استطاعاتها الخفية في حين أن السهم الفاقئ يوقف قواها الشريرة الحاصدة للارزاق والاموال والحيوات..
    في المستوى البلاغي يتعمد الحس الشعبي وضع مداليله في صياغات فنية مؤثرة . فهو يلجأ في الغالب الى التقفية وهي أن تتوافق الكلمتان الاخيرتان على حرف واحد ويسمّى هذا الاسلوب بالسجع . نحو: (أسد وحسد) و(عين ودين)و(حسدهم وجسدهم). كما يعتمد التوازن الجملي والتقابل الدلالي والتضاد في المعاني . وهو إذ يتوسل بهذه الوسائل الفنية ليرتفع بملفوظاته الى مستوى التأثير المباشر والسريع. ذلك أن القصد الاساس من لصقها إنما هو ذرائعي نفعي ، وهي القيمة التي أنشئت من أجلها تلك الملفوظات ، وألصقت بسببها على تلك الواجهات الخلفية للسيارات.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X