إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الامام السجاد عليه السلام وما بعد واقعة الطف

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الامام السجاد عليه السلام وما بعد واقعة الطف





    وعندما وصل موكب الأسرى الكوفة و تجمّع أهلها حولهم كان زين العابدين عليه السلام مقيّدا بالسلاسل والدماء تجري من رقبته فأشار على الناس بالسكوت ثمّ خطب قائلا:
    "أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنا ابن من انتهكت حرمته وسلبت نعمته وانتهب ماله وسبي عياله أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات أنا ابن من قتل صبرا وكفى بذلك فخراً.
    أيها الناس ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه فتبّاً لكم لما قدّمتم لأنفسكم. بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله؟ إذ يقول لكم: قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي".
    امر عبيد الله بن زياد بإحضار الأسرى وكان يتوقّع أن يرى آثار الذلة على وجوههم.
    وفوجئ بنظرات كلها استصغار واحتقار رغم منظر الجلاّدين حولهم التفت ابن زياد إلى الإمام زين العابدين عليه السلام وقال: ما اسمك؟اجاب الإمام: "أنا عليّ بن الحسين".
    فقال ابن زياد بخبث: أولم يقتل الله عليّا؟
    قال الإمام بثبات:
    "كان لي أخ أكبر منّي يسمّى عليّا قتله الناس"
    قال ابن زياد بغضب: بل الله قتله.
    قال الإمام بدون اكتراث: "الله يتوفّى الأنفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلا بأذن الله".
    فاسشتاط ابن زياد غضبا وأمر بقتل الإمام.
    وهنا تدخّلت عمّته زينب وقالت: "حسبك يابن زياد من دمائنا ما سفكت وهل أبقيت أحدا؟ فان أردت قتله فاقتلني معه".
    وقال السجّاد بشجاعة: "أما علمت بأن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة ".
    فتراجع ابن زياد وأصدر أمره بترحيل الأسرى إلى الشام.
    إلى الشـام:
    وصل الأسرى إلى الشام في حال يرثى لها وكان زين العابدين عليه السلام مازال مقيّدا بالسلاسل.
    كان يزيد بن معاوية قد أمر بتزيين مدينة دمشق وإظهار الفرح احتفالا بقتل الحسين عليه السلام وكان أهل الشام قد خدعهم معاوية ورسم لهم صورة مشوّهة عن أولاد علي عليه السلام .
    وعندما وصل الأسرى دمشق تقدّم شيخ إلى الإمام زين العابدين وقال له : الحمد لله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم.
    أدرك الإمام أن هذا الرجل يجهل الحقيقة فقال له بهدوء:
    "يا شيخ أقرأت القرآن؟"
    قال الشيخ: بلى.
    قال الإمام: "أقرأت قوله تعالى:
    "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى"
    وقوله تعالى:
    "وآت ذا القربى حقّه"
    وقوله تعالى:
    "واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن
    لله خمسه وللرسول ولذي القربى".
    فقال الشيخ: نعم قرأت ذلك.
    فقال الإمام: "نحن والله القربى في هذه الآيات".
    ثم قال الإمام: "أقرأت قوله تعالى:
    "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس
    أهل البيت ويطهّركم تطهيرا".
    قال الشيخ: نعم.
    فقال الإمام: "نحن أهل البيت يا شيخ".
    قال الشيخ مدهوشاً : بالله عليك أنتم أهل البيت.
    فقال الإمام: "نعم وحق جدّنا رسول الله نحن هم من غير شك".
    هنا ألقى الشيخ بنفسه على الإمام يقبّله وهو يقول: أبرأ إلى الله ممّن قتلكم.
    وعندما وصل الخبر إلى يزيد أمر بإعدام الشيخ.
    الإمام و يزيد:
    أمر يزيد بإدخال الأسرى مربوطين بالحبال وكان منظرهم مؤلما.
    قال زين العابدين عليه السلام:لإمام و يزيد:
    أمر يزيد بإدخال الأسرى مربوطين بالحبال وكان منظرهم مؤلما.
    قال زين العابدين عليه السلام:
    "ما ظنّك يا يزيد برسول الله وأنا على مثل هذه الحالة".
    فبكى الحاضرون.
    وصعد أحد الجلاوزة على المنبر بأمر يزيد وراح يسبّ عليا والحسن والحسين عليهم السلام ويثني على معاوية ويزيد.
    فالتفت الإمام وخاطبه غاضبا:
    "ويلك أيها المتكلّم لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوّأ مقعدك من النار".
    ثم التفت إلى يزيد وقال:
    "أتسمح لي أن أصعد هذه الأعواد وأتكلّم بكلمات فيها لله رضا و لهؤلاء الجلوس أجرا وثواب؟".
    رفض يزيد وقال: إذا صعد المنبر لا ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان.
    وبعد إلحاح الناس وافق يزيد.
    فصعد الإمام المنبر وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال:
    "أيها الناس أعطينا ستا و فضّلنا بسبع : أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين وفضّلنا بأن منّا النبيّ المختار ومنّا الصدّيق ومنّا الطيّار ومنّا أسد الله وأسد رسوله ومنّا سيّدة النساء ومنّا سبطا هذه الأمة .
    أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي أنا ابن مكة ومنى أنا ابن زمزم والصفا أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى أنا ابن من دنى فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى أنا ابن محمد المصطفى أنا ابن علي المرتضى".
    وراح الإمام يستعرض نسبه الطاهر حتى وصل إلى وصف تفاصيل مذبحة كربلاء.
    وفوجئ الناس بحقيقة ما يجري و ضجّ الناس بالبكاء.خاف يزيد أن تنقلب الأمور عليه فأشار إلى المؤذّن ليرفع الأذان ويقطع خطاب الإمام.
    هتف المؤذّن: "أشهد أن لا اله إلا الله".
    فقال الإمام بخشوع: "شهد بها لحمي ودمي".
    وعندما قال المؤذّن: "أشهد أن محمد رسول الله".
    التفت الإمام إلى يزيد وخاطبه قائلا:
    "محمد هذا جدّي أم جدّك؟ فان زعمت أنه جدّك فقد كذبت وإن قلت أنه جدّي فلم قتلت ذرّيته؟".
    وقد أثار الخطاب ثم الحوار الذي دار بين الإمام ويزيد رد فعل في أوساط الناس وغادر بعضهم المسجد احتجاجا على سياسة يزيد.
    خاف يزيد انقلاب الأوضاع في الشام فأمر بإعادة الأسرى إلى المدينة المنوّرة.
    تمهيد
    العالم الاسلامي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله مرَّ بمراحل كثيرة وخطيرة فكان الأئمة عليهم السلام يواجهون كل مرحلة بما يناسبها من المواقف والافعال حتى يصححوا كل ما قد انحرف عن جادة الاسلام الصحيح .
    وربما كانت أخطر مرحلة تلك التي أعقبت كربلاء وما جرى فيها , حيث استبيح الدم الطاهر و انتهكت بها حرم الاسلام و ضاعت قيم الدين الحنيف من انفس الناس وتولاهم كل منحرف شاذ يحملهم على ترك مخافة الله وارتكاب الموبقات .
    وهذه المرحلة عاش فيها الامام السجاد عليه السلام أربع وثلاثون عاماً من سني حياته الشريفة وهو يصحح ما قد انحرف أو زال , ذلك الاسلام الذي أراده الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله من نفوس الناس .
    فقد عمل بنو امية ومن والاهم على صنع نموذج من الاسلام يستطيعون به ان ينعموا بنعم الدنيا ويستعبدوا المسلمين , وقد دأبوا على ذلك حتى قبل ان يستاثروا بها.
    فهذا معاوية بعد أن ركب السلطة وقف ليعلن فصل الدين عن الدولة صراحة ويقول (يا أهل الكوفة أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج ، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون ، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وأَلي رقابكم ، وقد آتاني الله ذلك وأنتم له كارهون . ألا إن كل دم أصيب في هذه مطلول ، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين ) الكامل لابن الأثير : 6|220 ، مصر ، 1356هـ .
    إسلام بني أمية:
    فكانت أبرز سمات وملامح اسلام بني امية هي :-
    1- تشويه أهل الحق بوضع الأحاديث وتلفق التفاسير .
    2- تصفية المعارضين جسدياً .
    3- إنشاء الفرق الفكرية المعارضة .
    4- نشر ثقافة السكوت على الظلم والظالمين بين المسلمين بل وتأييدهم ، وأن الأسلم لهم عند احتدام المعركة بين الحق والباطل الفرار الى رؤوس الجبال خشية الفتنة .
    5- إرهاب الآمنين من الناس ، ومصادرت أموال المعارضين ظلماً وعدواناً .
    6- إغداق أموال الدولة على حزب بنو امية ومؤيديهم .
    7- تعطيل الحدود وإيقاف الشرع ونشر البدع في الدين .
    هذه السمات وغيرها هي التي جائت بيزيد إلى الحكم وعلى أساسها حكم وسار كل خلفاء بنو أمية وأصبح هذا الفاجر المتجاهر بشرب الخمر وضرب الدفوف أميراً على المسلمين والمتحكم برقاب الناس , وقد أبى وريث الدوحة المحمدية المتمثلة بالامام الحسين عليه السلام أن يدين لهم بالتمكين واصبحت واقعة الطف الجذوة التي لاتنطفئ ولا تبرد في قلوب المؤمنين.
    الإمام السجاد قائداً للحركة التصحيحية:
    فكان على الامام السجاد عليه السلام أن يتولى المواجهة والتصحيح وقد كانت البداية في الشام حيث الدور الاِعلامي أكثر تأثيراً من قعقعة السيوف وطعن الرماح مع ما يستبطن من فضح وكشف واحتمال تصفية وقتل ، فيقف الإمام السجاد عليه السلام في مجلس يزيد مسفّهاً الدعاوى الاَموية التي حاولت تشويه نهضة الحسين عليه السلام، وتزييف أهداف ثورته , فيروح مندّداً بالعصابة التي حرّفت دين النبي صلى الله عليه وآله ويضع أُولى العناوين العريضة في المسيرة التبليغية الاِعلامية التي قادت وتقود مسيرة الاِحياء العظيمة هذه ، برائدها الوحيد الحيّ الباقي ، مؤكداً على الفرعونية الجديدة التي تتحكّم باسم الدين ,
    و تجلّى دور الإمام السجاد عليه السلام في قيادة مشروع الاِحياء وثورة التصحيح بالارتقاء بمهمته الرسالية إلى استكمال هذا المشروع وريادة هذه الثورة من خلال مدرسة علمية كبيرة بوجوده في المدينة المنورة التي هي البداية الثانية .
    مدرسة المدينة بقيادة الإمام زين العابدين:
    كانت مدرسته تعجّ بكبار أهل العلم من حاضرة العلم الاُولى في بلاد الاِسلام ، يحملون عنه العلم والاَدب ، وينقلون عنه الحديث وعلوم الشريعة من تفسير القرآن الكريم والعلم بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وأحكامه وآدابه ، والسُنّة النبوية الشريفة روايةً وتدويناً في عصر ما زال كتابة الحديث فيه متأثراً بما سلف من سياسة المنع من التدوين ، كما تأدبوا على يديه في مجالسه بآداب الاِسلام التي شحنها في أدعيته التي اشتهرت وانتشرت في عهده حتى أصبحت تشكّل لوحدها ظاهرة جديدة في تبني اسلوب روحي متين, كما أن الامام عليه السلام سجل سابقةً علمية وتاريخية برسالة خالدةٍ استوعبت جلّ الحقوق التي لا يستغني الاِنسان عن معرفتها والعمل بها وسميت (رسالة الحقوق).
    وواجه الامام السجاد عليه السلام أيضاً مقولات عقائدية تبنتها فرق إسلامية وتمحورت حولها واتخذت منها مناهج خاصة في فهم عقائد الاِسلام وتوجيه أحكامه , فما كان منه إلاّ أن وقف موقفه الواضح والمنسجم مع منهجه في التعليم والدفاع عن مبادىء الشريعة ، فضمّن أقواله الحكيمة وأدعيته المشتهرة نصوصاً تجتث تلك المقولات من جذورها ، ومن هذه المقولات عقيدتي الجبر والارجاء اللتين روّج لهما الامويون تبريراً لوجودهم في السلطة ولمشروعهم السياسي ، وعقيدتي التشبيه والتعطيل في الصفات اللتين اتخذتهما فرق متناقضة بذرائع مختلفة.
    أهداف الإمام زين العابدين عليه السلام:
    كان على الامام عليه السلام أن يُلفت الاَنظار إلى امور كثيرة اختلط حابلها بنابلها ، وكان عليه أن يجذّر أمور اُخرى في عقول وضمائر الجماعة المؤمنة التي يُراد لها أن تحفظ الاِسلام عقيدةً ونظاماً ، شريعةً ومنهاجاً ، وليس شعاراً وسوقاً ، أو تجارة واستهلاكاً , فكانت مدرسة الامام عليه السلام تقوم على عدة أسس أبرزها:-
    1- تركيز ثورة الاِمام الحسين عليه السلام في ضمائر الناس لأنه خرج لطلب الاِصلاح في أُمّة جدّه ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، داعياً لتحكيم دين الله وبهذا يكون الامام قد فضح الشرعية المزيفة التي تقنّع بها الحكم الاَموي ، وكشف زيف شعاراته الاِسلامية العريضة ومزاعم انتمائه للنبي والوحي والرسالة الاِسلامية ، وبالتالي يوضح معالم الاِسلام المحمدي الاَصيل والفرق بينه وبين الاِسلام المدّعى الملفّع بتلكم الشعارات.
    2- بناء القاعدة الجماهيرية الشعبية ، المؤهّلة لحفظ الرسالة وحدودها بعيداً عن الزيف والتزييف وسياسة تسطيح الوعي التي غطّت مساحات عريضة من الجمهور المسلم.
    3- تعميق مفهوم الاِمامة والولاية في الجماعة الخاصة بعد أن اهتزّت لدى العامّة تحت ضغط الاِعلام المزيف وأبواقه المأجورة.
    4- العمل بمنهاج دقيق وتكتيك خاص يراعى فيها جبروت السلطة الحاكمة التي كانت تحسب على الاِمام عليه السلام حركاته وسكناته ، وتعدّ عليه أنفاسه وكلماته من خلال أزلامها وجواسيسها المنتشرين في كل زاوية وزقاق .
    محاور الرسالة السجادية:
    وهذا العمل الدؤوب والمنهج الحكيم ، والموازنة الدقيقة تمثلت بعدة محاور , المحور الاول هو عدم المغامرة بتركةٍ ثقيلة عليه أداؤها في تبليغ الرسالة وحمل الاَمانة وبلورة أحكام الدين التي سفّهها حكام بني أمية .
    المحور الثاني تحريك أجواء الصراع ضد الظالمين واستثمار بعض فضاءاته الحرّة لتطويق مساعي الحكام الاَمويين في الالتفاف على جريمتهم في تحريف الدين وخبثهم في احتواء غضب الاُمّة المقدس ضد قتلة الاِمام الحسين عليه السلام وأصحابه .
    المحور الثالث إن الامام عليه السلام لا يريد أن يُتّهم أنه اعتزل التصدي تشبثاً بالحياة وحرصاً على حطامها ، بل انه كان يسعى إلى تسفيه تلك التهمة باعتباره أزهد الناس في حياة نتنة (اغتالت حسين السبط واختارت يزيداً).
    المحور الرابع أنّه عليه السلام لم يرد أن يعطي للمتقاعسين والمتخاذلين عذراً آخر لتبرير قعودهم وغدرهم واحتمائهم بعزلته وانطوائه ، أي اتخاذ ذلك ذريعةً وغطاءً لنكوصهم وجبنهم وتهافتهم على الدنيا وملذّاتها ، وبالتالي مواصلة طريق الانحراف الذي كان الامام عليه السلام أصدق الناس في محاربته ، وأمضاهم في مناجزته ومناوءته.
    ولكل هذا فإن الامام وعدد قليل من المخلصين الذين تظافرت جهودهم على نصرته استطاع أن يحقق نتائج قياسية ويترك آثاراً عظيمة لا يقدر على تحقيقها أي زعيم أو قائد يمرُّ بظروفه , فدوره العلمي كان رائداً وعظيماً في إحياء الرسالة المحمدية وتعميقها في نفوس المسلمين .

    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	000.jpg 
مشاهدات:	4 
الحجم:	15.7 كيلوبايت 
الهوية:	850616











عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X