إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

العموم في آية: ﴿ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الانعام الآية 38

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • العموم في آية: ﴿ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الانعام الآية 38

    شبهة لمسيحي:

    يقول القرآن: ﴿ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾(1) ويقول كذلك في موردٍ آخر: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(2) علماً بإنَّ القرآن لم يشتمل على أكثر العلوم الأصوليَّة والطبيعية والرياضية والطبية، ولا على الحوادث اليومية!



    الجواب:

    ليس في الآيتين ولا فيما هو قريبٌ من مفادهما من الآيات ما يظهر منها انَّ القرآن الكريم قد تصدَّى لتبيان العلوم الأصولية والطبيعية والرياضية وغيرها من العلوم أو انَّه كان بصدد الضبط والتدوين للحوادث اليومية، فلا مساغ لإيراد مثل هذه الشبهة لو كان مُورِدُها يحترم عقله أو يخشى الفضيحةَ على نفسه.



    فإنَّ القرآن كان في عصر الرسالة ومازال في متناول الجميع يتلوه الرسول (ص) والمسلمون بعده ليلَ نهار في صلواتهم ومحافلهم، فلو كان مفاد الآيتين هو ما فهمه هذا المُثير للشبهة لكان على الرسول (ص) أنْ يُبيِّن للناس أين هي الآيات التي إشتملت على التعريف بكلِّ العلوم الطبيعية والرياضية وغيرها، وأين هي الآيات التي أرَّخت للحودث اليومية، فهو لم يُبيِّن ذلك رغم أنَّه أكَّد انَّ القرآن هو هذا الذي بين أيديهم ولا شيئ غيره، ثم إنَّ المسلمين اللذين وقفوا على آيات القرآن لم يتساءلوا عن مواضع تلك الآيات التي إشتملت على العلوم البشرية ولا التي أرَّخت للحوادث اليومية، ولم يقع في وهمهم انَّ القرآن كان قد تصدَّى لذلك رغم قراءتهم للآيتين اللتين أوردهما هذا المُثير للشبهة إنتصاراً لدعواه.



    ثم إنَّ النبيَّ محمد (ص) لو لم يكن -جدلاً- نبيَّاً فإنَّ مما لا ريب فيه أنَّه كان من أكمل الناس عقلاً، وكان له مناوئون كثُر، وكان في أتباعه العقلاء المتميِّزين، أَلم يكن يخشى على نفسه ودعوته أن يدَّعي أمراً يسهل على أضعف العقلاء التفطُّن لمنافاته للواقع الخارجي ؟! وهل يُجازف عاقلٌ بغرضٍ هو بحجم الغرض النبوي وخطورته فيدَّعي أمراً يسهل التفطُّن لخطئه فينسف بذلك كل جهوده وما أسَّس له وشيَّده من أجل دعوى لا تُضيف المزيد إلى غرضه، فليس من شأن الرسل على إمتداد تاريخ الرسالات التعريف بالعلوم الطبيعيَّة أو الرياضيَّة أو غيرها حتى يحتاج النبي (ص) أنَّ يدَّعي ذلك لنفسه.



    أَلا يكفي ذلك كله لإحراز انَّ مفاد الآيتين وما هو قريبٌ من مضمونهما ليس هو المعنى الذي توهَّمه أو أراد إيهامه هذا المُثير للشبهة؟!



    وكيف كان فمعنى قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ هو انَّه ما أهملنا و لا أغفلنا شيئاً مما فيه هداية للإنسان إلى دين الله تعالى إلا وبيَّناه في القرآن إما بنحوٍ خاص أو في إطار العمومات.



    والقرينة الواضحة والقطعيَّة على عدم إرادة أكثر من هذا المعنى من الآية الشريفة هي أنَّ القرآن عرَّف نفسه في آياتٍ كثيرة بأنَّه كتاب هداية، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾(3).



    وقال تعالى: ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ / هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(4).



    وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾(5).



    وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ / وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(6).



    فإذا كان القرآن كتابَ هدايةٍ كما عرَّف نفسه فإنَّه حين يُخبر عن أنَّه لم يترك شيئاً إلا وبيَّنه فيه فإنَّ المتلقِّي لهذا الخطاب يفهم بنحوِ الجزم أنَّ مقصود القرآن من ذلك هو انَّه لم يترك شيئاً فيه هداية إلى دين الله تعالى إلا وقد بيَّنه، عيناً كما لو جاء رئيس بلدٍ مثلاً حاملاً كتاباً، وقال هذا هو قانون البلد ثم قال في هذا المورد أو في موردٍ آخر: إنِّي لم أترك شيئاً إلا وذكرتُه في هذا الكتاب أو قال: إنَّ في هذا الكتاب تبيانٌ لكلِّ شيئ فإنَّ أحداً لا يفهم من خطابه أنَّه يدَّعي انَّ في كتابه هذا كلَّ علوم الأرض بل الواضح من خطابه انَّ مراده من دعواه هو انَّه لم يترك شأناً من شئون الحياة إلا ووضع له قانواناً في هذا الكتاب ، ولذلك لو نقض عليه أحدٌ بأنَّ كتابه لا يشتمل -مثلاً- على نظريته في علاج الأورام أو نظريته في الذرة أو في نشأة الأرض فإنَّ مثل هذا النقض لا يكون ناقضاً بل يكون هذا النقض أشبه شيئٍ بالظُرفة المُستهجنة، نعم يصحُّ لمتلقِّي خطاب هذا الرئيس انْ ينقض عليه بأنَّه لم يُبيِّن في كتابه قانون بعض الجنايات أو قانون الأحوال الشخصيَّة مثلاً، ويكون نقضه عندئذٍ ناقضاً لو كان الكتاب غير مشتملٍ فعلاً على ذلك.



    وهكذا لو انَّ عالماً من علماء الفيزياء كتب كتاباً ثم إدَّعى في مقدمته أنَّه لم يترك شيئاً إلا وذكره فيه فإنَّ أحداً لا يسعه النقض على هذا العالم بأنَّه لم يُؤرخ لحقبةٍ من الحقب أو لم يُترجم لهذه الشخصية أو تلك أو انَّه لم يصف لنا في كتابه كيفيَّة الخلاص من القوارض أو بعض الأوبئة، فإنَّ مثل هذه النقوض لو صدرت من أحدٍ فإنَّها لا تكون مستحقة للجواب من هذا العالم بعد إتَّضاح انَّ مقصوده من دعواه هو انَّه لم يترك شيئاً في علم الفيزياء دون غيره من العلوم إلا وذكره في كتابه، فالنقض على هذه الدعوى لا يتَّجه إلا فيما إذا أورد الناقض مسألةً من مسائل الفيزياء أغفلها الكاتب.



    ومما ذكرناه يتبيَّن المراد أيضاً من مثل قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾(7) فهو تبيانٌ لكلِّ ما فيه هداية للإنسان إلى دين الله القويم وليس تبياناً لمختلف العلوم والحوادث اليومية فإنَّ ذلك أجنبيٌّ تماماً عن غرض القرآن الكريم.



    وبتعبيرٍ آخر: إنَّ حدود مرادات المتكلِّم تُعرف بالقرائن المكتنفة بخطابه، لذلك فإنَّ أهل الكلام والمحاورة لا يتمسَّكون في مقام التفهيم والتفهُّم وكذلك في مقام الإحتجاج بحرفيَّة خطاب المتكلِّم ويقطعون النظر عن القرائن المكتنفة بخطابه.



    وحيثُ انَّ دعوى القرآن انَّه تبيانٌ لكلِّ شيئ وانَّه ما فرَّط في الكتاب من شيئ جاء في سياق ما إدَّعاه من انَّه بصدد الهداية للإنسان إلى دين الله تعالى فإنَّ ذلك يقتضي حمل دعواه التبيان لكلِّ شيئ على إرادة التبيان لكلِّ ما فيه هداية للإنسان ولا شيئ أكثر من ذلك، فإنْ كان ثمة نقضٌ فليكنْ في إطار هذه الدائرة وإلا كان نقضاً فاضحاً لمُورِده.



    هذا وقد إستعمل القرآن التعبير بكلِّ شيئ في موارد عديدة كان المقصود منها واضحاً في إرادة العموم والإستيعاب في إطار دائرة محدَّدة منفهمة بمقتضى سياق الكلام وطبيعة المعنى الذي كان بصدد التعريف به.

    فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾(8).



    فإنَّ أحداً لم يفهم من هذه الآية المباركة انَّ الحرم المكي كانت تُجبى إليه كلُّ ثمرات الأرض ، فذلك لم يكن مقصوداً قطعاً، إذ انَّ ثمرات الأرض يأكل منها كلُّ مَن في أرجاء الأرض ، فكيف يتَّفق ذلك مع جلبها جميعاً إلى الحرم المكي، فتعذُّر ذلك وإستحالته مع إفتراض انَّ المتكلم كان عاقلاً والمُتلقِّي لهذا الخطاب من الأتباع والمناوئين من أهل مكة والحجاز كانوا كذلك عقلاء، فلم يُنكر أحدٌ منهم هذه الدعوى بل كانوا مذعنين بصدقها، إذ انَّ الخطاب في الآية كان مسوقاً بنحو التقرير للتعبير عن الإمتنان والتفضل ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ فالإستفهام الذي وقع في صدر الآية يُؤتى به في المقام للتعبير عن المفروغيَّة والتسالم على مدخوله أعني المُستفهَم عنه والذي هو في الآية أمن الحرم وأنَّه كانت تُجبى إليه ثمرات كلِّ شيئ.



    فهذه القرينة الواضحة تُنتج الإطمئنان بعدم إرادة كلِّ ثمرات الأرض من قوله: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ كما انَّ من الواضح عدم إرادة كلِّ أنواع ثمرات الأرض ، فإنَّ الثمرات التي كانت تجبى إلى الحرم المكي إنَّما تُجبى له بواسطة الوافدين على مكة الشريفة، وهؤلاء لم يكونوا من كلِّ أرجاء الأرض وإنَّما كانوا من كلِّ أرجاء البلاد التي يقطنها العرب، وليس في بلاد العرب كلُّ أنواع الأشجار، لذلك فالمتعيَّن من معنى :﴿ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ هو أنواع الثمرات التي كانت تُجنى من الأشجار المتداولة والمعروفة في بلاد العرب، فلأنَّ العرب في أيام الجاهلية كانت تُقدِّس الحرم المكي لذلك كانت تشدُّ الرحال إليه فتحمل معها للتقوُّت والتجارة مما تجنيه من الأشجار التي تنبت في بلاد العرب، فالقرآن عندما عبَّر بثمرات كل شيئ يتَّكل في فهم الحدود لدائرة العموم في خطابه على القرائن الحالية المكتنفة لخطابه كما هو الشأن عند عموم المتكلِّمين، فحينما يقول المتكلِّم ذهبتُ لحديقة الحيوان فرأيتُ كلَّ الحيوانات فإنَّ كلَّ سامعٍ لهذا الخطاب يدرك انَّ مقصود المتكلِّم انَّه رأى كلَّ حيوانات تلك الحديقة لا انَّه قد رأى كلَّ أنواع الحيوانات الموجودة على وجه الأرض، وحيثُ انَّ المتكلم يعلم انَّ السامع لن يفهم من كلامه أكثر مما قصد لذلك لم يجد لازماً لإيضاح انَّ مقصوده هو حيوانات الحديقة وليس حيوانات العالم.



    ومن الآيات التي إستعمل فيها القرآن التعبير بكلِّ شيئ وكان مقصوده واضحاً في إرادة المحدودية لدائرة العموم في خطابه قوله تعالى في وصف ما منحه الله تعالى لذي القرنين من أسباب القوة: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾(9).



    فإنَّ أحداً لا يفهم من هذه الآية انَّه كان لذي القرنين بوارج عملاقة أو طائرات نفاثة فإنَّ مفاد الآية واضح في إرادة انَّ الله تعالى كان قد أعطى لذي القرنين كلَّ أسباب و أدوات القوة التي كانت متاحة في عصره.



    وهكذا هو معنى قوله تعالى في وصف مملكة بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾(10).



    والمتحصَّل مما ذكرناه انَّ المراد من قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ هو انَّ الله تعالى لم يُغفل شيئاً مما فيه هداية لدين الله تعالى إلا وذكره في كتابه وبيَّنه ، فلا عذر بعده لمُضِل.



    وأما قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(11) فليس المقصود من الكتاب في الآية الشريفة هو القرآن الكريم أو غيره من الكتب المنزَّلة على الأنبياء بل المقصود من الكتاب في الآية هو ما يُعبَّر عنه باللوح المحفوظ عند الله تعالى والذي هو تعبيرٌ آخر عن علمه الشامل قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾(12).



    ففي هذا الكتاب علمُ ما كان وما يكون من خطيرِ الأُمور وحقيرها حتى الورق اليابس منها والرطب الذي يسقط من الشجر ، وحبة التراب التي تتحرك في باطن الأرض أو التي تنحدر عن صخرةٍ في ظلمات الأرض فإنَّ الله تعالى يعلم بها قبل أنْ تكون وبعده وإلى أين سيكون مآلها.



    فسياق الآية واضحٌ لكلِّ ذي فهمٍ بالكلام العربي في انَّ كلَّ شئونات الغيب وما في البرِّ والبحر من خطيرِ الخلق وحقيره فإنَّه مدوَّنٌ في هذا الكتاب الذي أفادت الآية انَّه عند الله تعالى دون سواه, فهو إذن غير القرآن الذي هو في متناول الناس.



    وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الكتاب في آياتٍ عديدة كلُّها ظاهرة في انَّ المراد من الكتاب المذكور هو غير القرآن، وانَّه كتاب إشتمل على دقائق المغيَّبات والمقدَّرات من الآجال والأرزاق والحوادث ما مضى منها وما سيأتي ، العامة منها والشخصية المرتبطة بآحاد الناس وبمطلق شئونات الكون من السماء والأرض .



    فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(13).



    ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(14).



    ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(15).



    ومنها: قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(16).



    فكلُّ غائبةٍ في السماء والأرض مهما حقُرت وصغُرت فهي مدوَّنةٌ في هذا الكتاب كما أفادت الآيةُ الأولى، وكلُّ دابةٍ من دوابِّ الأرض من إنسانٍ وحيوانٍ وطيورٍ وحشرات بمختلف أصنافها وأعدادها الهائلة على إمتداد تاريخ الوجود فإنَّها مشخَّصةٌ في هذا الكتاب ومدوَّنٌ فيه مقدار رزقها، وموضع إستقرارها، وإلى ما سيئول إليه مصيرها، كلُّ ذلك مدوَّنٌ في هذا الكتاب كما هو مفاد الآية الثانية، وكلُّ شيئٍ في السموات والأرض وإنْ كان بحجم الذرَّة أو أصغر من ذلك أو أكبر فإنَّه مسطورٌ في هذا الكتاب كما أفادت الآية الثالثة وكذلك الرابعة.



    هذا وقد أشار النبيُّ موسى (ع) قبل القرآن إلى هذا الكتاب عندما سأله فرعون عن الشأن في أحوال القرون الأُلى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى / قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾(17).



    ومن ذلك يتَّضح انَّ الكتاب المبين المُشار إليه في هذه الآيات ليس هو القرآن الكريم ، فالقرآن كما وصف نفسه قد قصَّ على النبيِّ (ص) ما وقع لبعض الرسل، ولم يقصُص عليه ما وقع لآخرين: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾(18).



    وأفاد القرآن أنَّه بيَّن من شأن بني إسرائيل أكثر الذي يختلفون فيه، ولم يُبيِّن كلَّ الذي كانوا يختلفون فيه قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾(19).



    وأفاد القرآن انَّ النبيَّ (ص) غيرُ محيطٍ بالغيب وإلا لاستكثر من الخير وما مسَّه السوء: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾(20) فلو كان الكتاب المبين المُشار إليه في الآيات هو القرآن الكريم لكان النبيُّ (ص) محيطاً بالغيب لأنَّ النبي (ص) محيطٌ بالقران كلِّه فهو إنَّما بُعث ليعلِّم الناس الكتاب والحكمة ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾(21) فتصريحُ القرآن بأنَّ النبيَّ (ص) ليس محيطاً بكلِّ الغيب دليلٌ واضحٌ على انَّ القرآن ليس هو المراد من عنوان الكتاب المبين المُشار إليه في الآيات المذكورة لأنَّه ما من غائبةٍ في السماوات والأرض إلا وهو مدوَّنٌ في الكتاب المبين كما أفاد القران في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(22) وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾(23).



    والمتحصَّل ان المراد من الكتاب المبين في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ليس هو القرآن الكريم كما اتَّضح مما تقدَّم ، ويُؤيد ذلك انَّه لم يتوهَّم أحدٌ من المفسِّرين وعلماء الإسلام على إختلاف مشاربهم وطبقاتهم إرادة القرآن الكريم من عنوان الكتاب المبين في هذه الآيات.



    والحمد لله رب العالمين

    الشيخ محمد صنقور


    1- سورة الانعام الآية 38.

    2- سورة الانعام الآية 59.

    3- سورة الإسراء الآية 9.

    4- سورة النمل الآيتان 1-2.

    5- سورة البقرة الآية 185.

    6- سورة النمل الآيتان 76-77.

    7- سورة النحل الآية 89.

    8- سورة القصص الآية 57.

    9- سورة الكهف الآية 84.

    10- سورة النمل الآية 23.

    11- سورة الانعام الآية 59.

    12- سورة ق الآية 4.

    13- سورة النمل الآية 75.

    14- سورة هود الآية 6.

    15- سورة يونس الآية 61.

    16- سورة سبأ الآية 3.

    17- سورة طه الآيتان 51-52.

    18- سورة النساء الآية 164.

    19- سورة النمل الآية 76.

    20- سورة الأعراف الآية 188.

    21- سورة الجمعة الآية 2.

    22- سورة النمل الآية 75.

    23- سورة الحديد الآية 22.


    منقول

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ولله الحمد والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


    الأخ القدير سامر الزيادي..
    أحسنتم ووفقكم الله تعالى لما يرضاه وينوّر قلوبكم بنور القرآن الكريم ونور علوم آل البيت عليهم السلام...



    تعليق


    • #3
      شكرا لكم اخي الكريم ووفقكم الله لما تبذلوه من جهد
      راجين من الله ان يتقبل اعمالكم

      تقبلوا مروري............

      تعليق

      المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
      حفظ-تلقائي
      Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
      x
      إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
      x
      يعمل...
      X