إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تفسير الآية (9) من سورة الحديد / لصدر المتألهين

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تفسير الآية (9) من سورة الحديد / لصدر المتألهين

    قال تعالى في محكم كتابه الكريم )هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (([1]) .لقد جاء في تفسير هذه الآية المباركة ما نصه :-لما حث سبحانه المكلفين على المعرفة بالله . وملكوته من جهة ما ركب منهم من فطرة العقل وقرع أسماعهم من دعوة الرسول أخبر بأنه لزمت دعوته وقبولكم إياها لما أيده الله به من المعجزات البينة التي أظهرها على يديه أو الآيات الفرقانية خاصة ليخرجهم الله سبحانه بواسطة تلك الآيات من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والمعرفة . أو ليخرجهم الرسول بدعوته . أو ليخرجكم المنزل بما فيه من الحجج المنيرة والبراهين الواضحة . وأن الله بكم رؤوف رحيم , حيث بعث الرسول ونصب الأدلة , وهذا يدل على كمال الرأفة والرحمة وللإشعار به أقترن الكلام بوجوه من التأكيد : منها الجمع بين لفظين مترادفين . وقيل الرأفة على المتضرر والرحمة على المحتاج . قيل : في هذه الآية دلالة على بطلان قول المجبرة . فإنه بين أن الغرض أنزل القرآن الإيمان. أقول : تحقيق هذا المقام يحتاج إلى طور آخر من اقتناص المعارف أكب عليه علماء الكلام . ولكن يجب على كل عاقل متفكر أن يفرق بين الغاية الأخيرة والمتوسطة وكذا بين الغاية بمعنى الداعي وما يسمى بالضروري الذي لزم الفعل من غير أن يكون داعيا عليه . كقوله تعالى )فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (([2])
    مكاشفة . أعلم أن الله تعالى ينزل على أشرف رسله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) آيات بيّنات ليخرج الناس من ظلمة الغباوة والغواية إلى نور الدراية والهداية . فما من عبد من عباده المهتدين إلا ويأتيه من قبله إشارات وتنبيهات وينزل منه على قلبه أنوار متتاليات ليخرج بها من ظلمة الحجب الدنيوية إلى نور المعارف الأخروية. ولكن الناس أكثرهم غافلون عنها لانشغالهم بما يلهيهم عن ذكر الله وينسيهم أمر الآخرة . فلا يبعد أن يكون هذه الآية بياناً لأخذ الميثاق المذكور في الآية المتقدمة فإن الله سبحانه خلق عباده على فطرة التجرد والنقاء عن علائق الأجرام والتقدس والصفاء عن كدوات الآثام . والتهيؤ لقبول دعوة الحق والإلهام واستعداد الترقي بواسطة العلم والعمل إلى أرفع المنازل في دار السلام . ثم إذا أنشأهم في هذه الحياة الدنيا رباهم وأكملهم وأعطيهم العقل والتمييز وبعث إليهم الرسول مؤيدا بالمعجزات . فلا يزال ينزل على قلوبهم آيات بينات من أنوار معرفته ويفتح عليهم أبوابا من فنون رحمته وهدايته ليهديهم إلى صراط مستقيم ويخرجهم من الظلمات الجحيم إلى نور النعيم . وإنما ينسى الناس ذكر مواثيقهم الجبلية مع الحق وعهودهم الذاتية مع سكان ملكوته وسائر ما كانوا مفطورين عليه بطهارة ذواتهم المخمرة بيد القدوة أربعين صباحاً . واستعدادهم للمعرفة واليقين بسبب تعلقاتهم بمشاغل الكون لضرورة حياتهم الدنيوية ويشغلهم عما يردي قلوبهم من أنوار المعارف باطناً وظاهراً ويلههم عن ألطاف الحق الواصلة إليهم داخلاً وخارجاً ,وارتكابهم الخطيئات واقترافهم السيئات المبتعدة لهم عن جوار الله وقربه . لأن المعاصي تعمي أبصارهم وتصم أسماعهم عن إدراك أنوار الحق وإلهاماته فأعرضوا بها عن ذكر الله وسماع آيات بينات واشتغلوا بما يلههم به الشيطان عما يلهمهم الرحمن لقوله تعالى
    :)وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(
    ([3]). وتمام التحقيق في هذا المرام : أن قلب الإنسان ذو وجهين , وجه إلى عالم الملكوت, وهو عالم المعرفة . وعالم الآخرة وعالم الإلهام , ووجه إلى عالم الحس , وهو عالم الجهل وعالم الدنيا وعالم الوسواس , ثم أن الخواطر التي ترد على قلبه وتبعثه على الأفعال والحركات أما أن تنبعث من ألجنبه العالية وتدعوه إلى الخير , كالعبادة والمعرفة أو تنبعث من ألجنبه السافلة وتدعوه إلى الشر , كالمعصية والغفلة . فهما خاطران مختلفان , فافتقر إلى أسمين مختلفين أيضاً , وهما حادثان فاحتاجا إلى سببين مختلفين لأن اختلاف المعاليل الحادثة يدل على اختلاف عللها القريبة, وإن كان المؤثر في فيضان الوجود مطلقاً هو الله لبراءته عن شوائب الإمكان والدثور. فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى في عرف الشريعة ملكاً وذلك الخاطر. إلهاما وسبب الخاطر الداعي إلى الشر سمى شيطاناً والخاطر وسوسة . والله تعالى خلق كل شيء . فخلق الملائكة لصفة رحمته وخلق الشياطين لصفة قهره وغضبه .وكما أن الجنة أثر من آثار رحمته ونور من أنوار لطفه ورأفته . فكذلك النار أثر من آثار غضبه وشعله من شعل قهره . فالإنسان متى أشتغل بعبادة ربه ومعرفة خالقه انخرط في ملك رحمته ودخل في زمرة الملكوتيين . ومهما أشتغل بالمعاصي والشهوات ومتابعة الهوى والشيطان استعد لمقته وغضبه وعد من جملة الشياطين , فالإلهامات من جانب الحق بواسطة الملك لعباده الصالحين في مقابله الوساوس من جانب الشيطان , وإنما يسلط الشيطان على قلب أبن آدم بواسطة الخذلان الحاصل له من مخالفته الحق والعصيان. وإلا فليس له في ذاته هذا التسلط على الإنسان وإنما يدفع كيده عنه بواسطة " التوفيق " الذي يجلبه الإنسان بفعل الطاعة والعبادة , فإذا زال كيده ودفع وسواسه عن القلب استعد لقبول الإلهامات الداعية إلى الخير والنور الصارفة له عن الشرور والظلمات . فأهل الرحمة مآلهم إلى الجنة والنعيم . وأهل السخط مآلهم إلى النار والجحيم وكل جنس يحن إلى جنسه , وكل طائر يطير إلى عشه الأصلي ومعدنه الفطري . أما من جهة التوفيق والهداية . أو من جهة السخط والخذلان . والكل بمشيئة الله وقدرته . وقوله سبحانه )هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ( . يمكن أن يكون إشارة إلى الواردات التي ترد من جانب الرحمن على قلوب السالكين من عباده بواسطة ملائكة الرحمة من الإلهامات والمعارف ألحقه الواضحة لديهم إنها من جانب الحق . وقوله )لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( إشارة إلى ثمرة الألطاف والأنعام في حقهم وفي حق غيرهم . إذ بها تنتقل النفوس الإنسانية من القوة الهيولانية الظلمانية إلى الفعل بالعقل المتنور بأنوار المعرفة والإيمان بالله وآياته واليوم الآخر , أو من ظلمات الصفات الشيطانية إلى نور الأخلاق الملكية , أو الجمع بينهما ليكون للعبد الخروج من القوة إلى الفعل بحسب كلتا قوتيه . العملية والعلمية , كما أن الإنسان بالتأمل في أسرار معرفة الله وسماع آيات ملكوته والتفكر في أمر الآخرة يخرج من ظلمات الجهل والنقصان إلى نور المعرفة والكمال . فذلك في ارتكاب شهوات الدنيا ومتابعة الهوى والشيطان يخرج من نور الأدراكات الحسية إلى ظلمات العمى والحرمان عن مشتهيات الدنيا لفقد الآلات عند الفساد والبطلان . ويدل عليه قوله تعالى)اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون(([4]).والله اعلم بأسراره([5])


    [1] - سورة الحديد آية- 9

    [2] - سورة القصص اية (8 )

    [3] - سورة الزخرف – آية - 36

    [4] - سورة البقرة آية - 257

    [5] - تفسير الخاص لصدر المتألهين الجلد 6 - 182

  • #2
    السلام عليكم نورالباري قلبك ودربك بالقرآن الكريم
    sigpic
    إحناغيرحسين *ماعدنا وسيلة*
    ولاطبعك بوجهي"بابك إ تسده"
    ياكاظم الغيظ"ويامحمدالجواد "
    لجن أبقه عبدكم وإنتم أسيادي

    تعليق


    • #3
      بارك الله بك
      (السلام على المعذب في قعرالسجون وظلم المطامير)اللهم أرزقني شفاعة المولى+ الحسين+ (عليه السلام)

      تعليق


      • #4
        احســــــــــــــــ بارك الله فيك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــنتم
        وجعلك من السباقين لكتابة الخير الذي يفيد المجتمع الاسلامي

        تعليق

        عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
        يعمل...
        X