إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الصحابة في القرآن الكريم

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الصحابة في القرآن الكريم






    الصحابة في القرآن الكريم

    1 - إن القرآن الكريم يصنف الصحابة إلى أصناف مختلفة ، فهو يتكلم عن السابقين الأولين ، والمبايعين تحت الشجرة ، والمهاجرين المهجرين عن ديارهم وأموالهم ، وأصحاب الفتح ، إلى غير ذلك من الأصناف المثالية ، الذين يثني عليهم ويذكرهم بالفضل والفضيلة ، وفي مقابل ذلك يذكر أصنافا أخر يجب أن لا تغيب عن أذهاننا وتلك الأصناف هي التالية :
    1 - المنافقون المعروفون ( 1 ) .
    2 - المنافقون المتسترون الذين لا يعرفهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( 2 ) .
    3 - ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب ( 3 ) .
    4 - السماعون لأهل الفتنة ( 4 ) .
    5 - المسلمون الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ( 5 ) .

    ( 1 ) المنافقون : 1 . ( 2 ) التوبة : 101 . ( 3 ) الأحزاب : 11 . ( 4 ) التوبة : 45 - 47 . ( 5 ) التوبة : 102 . ( * )




    6 - المشرفون على الارتداد عندما دارت عليهم الدوائر ( 1 ) .
    7 - الفاسق أو الفساق الذين لا يصدق قولهم ولا فعلهم ( 2 ) .
    8 - المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم ( 3 ) .
    9 - المؤلفة قلوبهم الذين يظهرون الإسلام ويتآلفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم ( 4 ) .
    10 - المولون أمام الكفار ( 5 ) .
    هذه الأصناف إذا انضمت إلى الأصناف المتقدمة ، فإنها تعرب عن أن صحابة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) لم يكونوا على نمط واحد ، بل كانوا مختلفين من حيث قوة الإيمان وضعفه ، والقيام بالوظائف والتخلي عنها ، فيجب إخضاعهم لميزان العدالة الذي توزن به أفعال جميع الناس ، وعندئذ يتحقق أن الصحبة لا تعطي لصاحبها منقبة إلا إذا كان أهلا لها ، وتوضح بجلاء أن محاولة المساواة في الفضل بين جميع الصحابة أمر فيه مجافاة صريحة للحق وكلمة الصدق ، وهذا ما ذهبت إليه الشيعة ، وهو نفس النتيجة التي يخرج بها الإنسان المتدبر للقرآن الكريم .

    2 - إن الآيات التي تناولت المهاجرين والأنصار وغيرهم بالمدح والثناء ، لا تدل على أكثر من أنهم كانوا حين نزول القرآن مثلا للفضل والفضيلة ، ولكن الأمور إنما تعتبر بخواتيمها ، فيحكم عليهم - بعد نزول الآيات - بالصلاح والفلاح إذا بقوا على ما كانوا عليه من الصفات ، وأما لو ثبت عن طريق السنة أو التاريخ الصحيح أنه صدر عن بعضهم ما لا تحمد عاقبته ، فحينئذ لا مندوحة لنا إلا الحكم

    ( 1 ) آل عمران : 154 .
    ( 2 ) الحجرات : 6 ، السجدة : 18 .
    ( 3 ) الحجرات : 14 .
    ( 4 ) التوبة : 60 . ( 5 ) الأنفال : 15 - 16 . ( * )



    بذلك ، ولا يعد مثل ذلك معارضا للقرآن الكريم ، لأنه ناظر إلى أحوالهم في ظروف خاصة ، لا في جميع فصول حياتهم ، فليس علينا رفع اليد عن السنة والتاريخ الصحيح بحجة أن القرآن الكريم مدحهم ، وأن الله تعالى كان في وقت ما راضيا عنهم ، لما عرفت من أن المقياس القاطع للقضاء هو دراسة جميع أحوالهم وإخضاعها للقرآن والسنة ، فكم من مؤمن زلت قدمه في الحياة ، فعاد منافقا ، أو مرتدا ، وكم من ضال شملته العناية الإلهية ، فبصر الطريق وصار رجلا إلهيا .

    وبالجملة : فمن ثبت عن طريق الدليل الصحيح انحرافه وزيغه عن الصراط المستقيم وشوب إيمانه بالظلم والعيث والفساد ، فيؤخذ بما هو الثابت في ذينك المصدرين ، وأما من لم يثبت زيغه فلا نتكلم في حقه بشئ سوى ما أمر الله به سبحانه من طلب الرحمة لهم حيث قال : { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } ( 1 ) .

    3 - ومن سوء الحظ أن شرذمة قليلة من الصحابة زلت أقدامهم وانحرفوا عن الطريق ، فلا تمس دراسة أحوال هؤلاء القليلين ، وتبيين مواقفهم ، وانحرافهم عن الطريق المستقيم بكرامة الباقين ، ولعل عدد المنحرفين ( غير المنافقين ) لا يتجاوز العشرة إلا بقليل .

    أفيسوغ في ميزان العدل رمي الشيعة بأنهم يكفرون الصحابة ويفسقونهم بحجة أنهم يدرسون حياة عدة قليلة منهم ويذكرون مساوئ أعمالهم ، وما يؤاخذ عليهم على ضوء الكتاب والسنة والتاريخ الصحيح .
    وما نسب إلى الحسن البصري فهو أولى بالإعراض عنه ، إذ لو كانت النجاة في ترك ذكرهم ، فلماذا اهتم ببيان أفعالهم وصفاتهم التاريخ المؤلف بيد السلف الصالح

    ( 1 ) الحشر : 10 . ( * )




    الذين كانوا يحترمون الصحابة مثلما يحترمهم الخلف ؟ فلو كان الحق ترك التكلم فيهم وإعذارهم بالاجتهاد ، فلماذا وصف النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بعضهم بالارتداد ، كما رواه البخاري وغيره ؟ ( 1 ) .

    وإذا دار الأمر بين كون القرآن أو النبي ( صلى الله عليه وآله ) أسوة ، أو الكلمة المأثورة عن الحسن البصري ، فالأول هو المتعين ، ويضرب بالثاني عرض الجدار .

    الردة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بقيت هنا كلمة وهي : إذا كان موقف الشيعة وأئمتهم من الصحابة ما ذكر آنفا ، فما معنى ما رواه أبو عمرو الكشي من أنه ارتد الناس بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلا ثلاثة ؟ إذ لو صح ما ذكر ، وجب الالتزام بأن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) لم ينجح في دعوته ، ولم يتخرج من مدرسته إلا قلائل لا يعتد بهم في مقابل ما ضحى به من النفس والنفيس .

    والإجابة على هذا السؤال واضحة لمن تفحص عنها سندا ومتنا ، فإن ما رواه لا يتجاوز السبع روايات ، وهي بين ضعيف لا يعول عليه ، وموثق - حسب اصطلاح علماء الإمامية في تصنيف الأحاديث - وصحيح قابلين للتأويل ، ولا يدلان على الارتداد عن الدين ، والخروج عن الإسلام بل يرميان إلى أمر آخر .
    أما الضعيف فهو ما رواه الكشي عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير قال : حدثنا محمد بن عثمان ، عن حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : " كان الناس أهل الردة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا ثلاثة . . . " ( 2 ) .
    وكفى في ضعفها وجود محمد بن عثمان في سندها ، وهو من المجاهيل .

    ( 1 ) صحيح البخاري 5 : 118 - 119 في تفسير سورة النور .
    ( 2 ) رجال الكشي : 12 / 1 . ( * )



    ما رواه أيضا عن علي بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر الحضرمي قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : " ارتد الناس إلا ثلاثة نفر : سلمان ، وأبو ذر ، والمقداد " ( 1 ) .
    وكفى في ضعفها أن الكشي من أعلام القرن الرابع الهجري القمري ، فلا يصح أن يروي عن علي بن الحكم ، سواء أكان المراد منه الأنباري الراوي عن ابن عميرة المتوفى عام ( 217 ه‍ ) أو كان المراد الزبيري الذي عده الشيخ من أصحاب الرضا ( عليه السلام ) المتوفى عام 203 ه‍ .

    وما نقله أيضا عن حمدويه بن نصير قال : حدثني محمد بن عيسى ومحمد بن مسعود قال : حدثنا جبرئيل بن أحمد قال : حدثنا محمد بن عيسى ، عن النضر بن سويد ، عن محمد بن البشير ، عمن حدثه قال : " ما بقي أحد إلا وقد جال جولة إلا المقداد بن الأسود ، فإن قلبه كان مثل زبر الحديد " ( 2 ) .
    والرواية ضعيفة بجبرئيل بن أحمد ، فإنه مجهول كما أنها مرسلة في آخرها .

    وأما الروايات الباقية فالموثق عبارة عما ورد في سنده علي بن الحسن الفضال ، والثلاثة الباقية صحيحة ، ومن أراد الوقوف على أسنادها ومتونها فليرجع إلى رجال الكشي ( 3 ) .

    ومع ذلك كله فإن هذه الروايات لا يحتج بها أبدا لجهات عديدة نشير إلى بعض منها :
    1 - كيف يمكن أن يقال إنه ارتد الناس بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولم يبق إلا ثلاثة تمسكوا بولاية علي ولم يعدلوا عنها ، مع أن ابن قتيبة والطبري رويا أن جماعة من

    ( 1 ) رجال الكشي : 16 / 13 . ( 2 ) رجال الكشي : 16 الحديث 11 . ( 3 ) المصدر نفسه : 13 / 3 و 4 و 6 و 7 . ( * )




    بني هاشم وغيرهم تحصنوا في بيت علي معترضين على ما آل إليه أمر السقيفة ، ولم يتركوا بيت الإمام إلا بعد التهديد والوعيد وإضرام النار أمام البيت .
    وهذا يدل على أنه كان هناك جماعة مخلصون بقوا أوفياء لما تعهدوا به في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وإليك نص التاريخ : قال ابن قتيبة : إن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب ، ومعهم الزبير ابن العوام - رضي الله عنه - ( 1 ) .

    وقال في موضع آخر : إن أبا بكر - رضي الله عنه - تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي - كرم الله وجهه - فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ، فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ، فقال : وإن . . . ( 2 ) .

    روى الطبري : قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة ، فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه ( 3 ) .

    وقال ابن واضح الأخباري : وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم : العباس بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس ، والزبير بن العوام بن العاص ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأبي بن كعب .
    فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في

    ( 1 ) الإمامة والسياسة 1 : 10 - 12 .
    ( 2 ) المصدر نفسه . ( 3 ) تاريخ الطبري 2 : 442 . ( * )



    هذا الأمر نصيبا . . . ( 1 ) .
    كل ذلك يشهد على أنه كان هناك أمة بقوا على ما كانوا عليه ، في عصر الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يغتروا بانثيال الأكثرية إلى غير من كان الحق يدور مداره . وكيف يمكن ادعاء الردة لعامة الصحابة إلا القليل .

    2 - كيف يمكن أن يقال : ارتد الناس إلا ثلاثة مع أن الصدوق - رضي الله عنه - ذكر عدة من المنكرين للخلافة في أوائل الأمر وقد بلغ عددهم اثنا عشر رجلا من المهاجرين والأنصار وهم : خالد بن سعيد بن العاص ، والمقداد بن الأسود ، وأبي ابن كعب ، وعمار بن ياسر ، وأبو ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبد الله بن مسعود ، وبريدة الأسلمي ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وسهل بن حنيف ، وأبو أيوب الأنصاري ، وأبو هيثم بن التيهان وغيرهم . ثم ذكر اعتراضاتهم على مسألة الخلافة واحدا بعد واحد ( 2 ) .

    3 - إن وجود الاضطراب والاختلاف في عدد من استثناهم الإمام يورث الشك في صحتها ، ففي بعضها " إلا ثلاثة " وفي البعض الآخر " إلا سبعة " وفي ثالث " إلا ستة " فإن التعارض وإن كان يمكن رفعه بالحمل على اختلافهم في درجات الإيمان غير أنه على كل تقدير يوهن الرواية .


    4 - كيف يمكن إنكار إيمان أعلام من الصحابة مع اتفاق كلمة الشيعة والسنة على علو شأنهم ، أمثال : بلال الحبشي ، وحجر بن عدي ، وأويس القرني ، ومالك ابن نويرة المقتول ظلما على يد خالد بن الوليد ، والعباس بن عبد المطلب وابنه حبر الأمة وعشرات من أمثالهم ، وقد عرفت أسماء المتخلفين عن بيعة أبي بكر في كلام اليعقوبي ، أضف إلى ذلك أن رجال البيت الهاشمي كانوا على خط الإمام ولم يتخلفوا

    ( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 124 .
    ( 2 ) الخصال ، الشيخ الصدوق أبواب الاثني عشر : 461 - 465 . ( * )



    عنه ، وإنما غمدوا سيوفهم اقتداء بالإمام لمصلحة عالية ذكرها في بعض كلماته ( 1 ) .
    وأقصى ما يمكن أن يقال في حق هذه الروايات هو أنه ليس المراد من الارتداد الكفر والضلال والرجوع إلى الجاهلية ، وإنما المراد عدم الوفاء بالعهد الذي أخذ منهم في غير واحد من المواقف وأهمها غدير خم .

    ويؤيد ذلك : ما رواه وهب بن حفص ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) : " جاء المهاجرون والأنصار وغيرهم بعد ذلك ( 2 ) إلى علي ( عليه السلام ) فقالوا له : أنت والله أمير المؤمنين وأنت والله أحق الناس وأولاهم بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) هلم يدك نبايعك فوالله لنموتن قدامك . فقال علي ( عليه السلام ) : إن كنتم صادقين فاغدوا غدا علي محلقين . فحلق أمير المؤمنين وحلق سلمان وحلق المقداد وحلق أبو ذر ولم يحلق غيرهم ( 3 ) .
    وهذه الرواية قرينة واضحة على أن المراد هو نصرة الإمام ( عليه السلام ) لأخذ الحق المغتصب ، فيكون المراد من الردة هو عدم القتال معه .

    ومما يؤيد ذلك أيضا الرواية التي جاء فيها أن قلب المقداد بن الأسود كزبر الحديد ، فهي وإن كانت ضعيفة السند لكن فيها إشعارا على ذلك ، لأن وصف قلب المقداد إشارة إلى إرادته القوية وثباته في سبيل استرداد الخلافة . وظني أن هذه الروايات صدرت من الغلاة والحشوية دعما لأمر الولاية وتغابنا في الإخلاص ، غافلين عن أنها تضاد القرآن الكريم ، وما روي عن أمير المؤمنين وحفيده سيد الساجدين ، من الثناء والمدح لعدة من الصحابة .

    وهناك كلام قيم للعلامة السيد محسن الأمين العاملي نذكر نصه وهو يمثل عقيدة الشيعة فقال : وقالت الشيعة : حكم الصحابة في العدالة حكم غيرهم ، ولا يتحتم الحكم بها

    ( 1 ) نهج البلاغة ، الكتاب 62 . ( 2 ) أي بعد بيعة أبي بكر . ( 3 ) لاحظ رجال الكشي : 14 / 7 من هذا الباب . ( * )





    بمجرد الصحبة ، وهي لقاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) مؤمنا به ومات على الإسلام . وإن ذلك ليس كافيا في ثبوت العدالة بعد الاتفاق على عدم العصمة المانعة من صدور الذنب ، فمن علمنا عدالته حكمنا بها وقبلنا روايته ، ولزمنا له من التعظيم والتوقير ، بسبب شرف الصحبة ونصرة الإسلام والجهاد في سبيل الله ما هو أهله ، ومن علمنا منه خلاف ذلك لم تقبل روايته ، أمثال مروان بن الحكم ، والمغيرة بن شعبة ، والوليد بن عقبة ، وبسر بن أرطاة وبعض بني أمية وأعوانهم ، ومن جهلنا حاله في العدالة توقفنا في قبول روايته .

    ومما يمكن أن يذكر في المقام أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) توفي ومن رآه وسمع عنه يتجاوز مائة ألف إنسان من رجل وامرأة على ما حكاه ابن حجر في الإصابة عن أبي زرعة الرازي : " وقيل مات ( صلى الله عليه وآله ) عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي " ومن الممتنع عادة أن يكون هذا العدد في كثرته وتفرق أهوائه وكون النفوس البشرية مطبوعة على حب الشهوات كلهم قد حصلت لهم ملكة التقوى المانعة عن صدور الكبائر ، والإصرار على الصغائر بمجرد رؤية النبي ( صلى الله عليه وآله ) والإيمان به ، ونحن نعلم أن منهم من أسلم طوعا ورغبة في الإسلام ، ومنهم من أسلم خوفا وكرها ، ومنهم المؤلفة قلوبهم ، وما كانت هذه الأمة إلا كغيرها من الأمم التي جبلت على حب الشهوات وخلقت فيها الطبائع القائدة إلى ذلك إن لم يردع رادع والكل من بني آدم ، وقد صح عنه ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : " لتسلكن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه " .

    ولو منعت رؤية النبي ( صلى الله عليه وآله ) من وقوع الذنب لمنعت من الارتداد الذي حصل من جماعة منهم كعبد الله بن جحش ، وعبيد الله بن خطل ، وربيعة بن أمية بن خلف ، والأشعث بن قيس ( 1 ) وغيرهم .

    ( 1 ) الثلاثة الأولون ارتدوا وماتوا على الردة ، والأشعث ارتد فأتي به إلى الخليفة أبي بكر أسيرا فعاد إلى الإسلام وزوجه أخته ، وكانت عوراء ، فأولدها محمدا أحد قتلة الحسين ( عليه السلام ) . ( * )




    هذا مع ما شوهد من صدور أمور من بعضهم لا تتفق مع العدالة ، كالخروج على أئمة العدل ، وشق عصا المسلمين ، وقتل النفوس المحترمة ، وسلب الأموال المعصومة ، والسب والشتم وحرب المسلمين وغشهم ، وإلقاح الفتن ، والرغبة في الدنيا ، والتزاحم على الإمارة والرئاسة وغير ذلك مما تكفلت به كتب الآثار والتواريخ وملأ الخافقين .

    وأعمال مروان بن الحكم في خلافة عثمان معلومة مشهورة ، وكذلك بسر بن أرطاة والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة ، وكلهم من الصحابة ( 1 ) .

    وحصيلة البحث : أن موضع الاختلاف ، ومصب النزاع ليس إلا كون عدالة الصحابة قضية كلية أو جزئية ؟ فالسنة على الأولى ، والشيعة على الثانية ، وأما ما سواها من سب الصحابة ولعنهم ، أو ارتدادهم عن الدين بعد رحلة الرسول ، أو عدم حجية رواياتهم على وجه الإطلاق ، فإنها تهم أموية ناصبية ، اتهم بها شيعة آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) وهم براء منها .
    ونعم الحكم الله .

    فالشيعة يعطون لكل ذي حق حقه ، فيأخذون معالم دينهم عن ثقات الصحابة ، ولا يتكلمون في حق من لم يتعرفوا على حاله ، ويحكمون على القسم الثالث على ضوء الكتاب والسنة .

    إن هناك رجالا من السلف لا يسوغ لمنصف يمتلك مقياسا شرعيا سليما أن يذهب إلى جواز حبهم أو الترحم عليهم ، لأن في ذلك خروجا صارخا عن أبسط المقاييس والموازين الشرعية ، ومن هؤلاء :
    1 - معاوية بن أبي سفيان - ويكفي في حقه إيراد ما ذكره الجاحظ في رسالته في بني أمية والآثام التي اقترفوها - : استوى معاوية على الملك ، واستبد على بقية أهل الشورى ، وعلى جماعة المسلمين من المهاجرين والأنصار في العام الذي سموه عام الجماعة ، وما كان عام جماعة ، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة ، والعام الذي

    ( 1 ) الأمين ، أعيان الشيعة 1 : 113 - 114 . ( * )




    تحولت فيه الإمامة ملكا كسرويا ، والخلافة غصبا قيصريا ، ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكيناه ، وعلى منازل ما رتبناه ، حتى رد قضية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ردا مكشوفا وجحد حكمه جحدا ظاهرا ( 1 ) ، فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار .
    أو ليس قتل حجر بن عدي ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر ، وبيعة يزيد الخليع ، والاستئثار بالفئ ، واختيار الولاة على الهوى ، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة ، من جنس الأحكام المنصوصة والشرائع المشهورة ، والسنن المنصوبة ، وسواء جحد الكتاب ، ورد السنة إذا كانت في شهرة الكتاب وظهوره ، إلا أن أحدهما أعظم وعقاب الآخرة عليه أشد ( 2 ) .
    وقد أربت نابتة عصرنا ومبدعة دهرنا فقالت : لا تسبوه ، فإن له صحبة ، وسب معاوية بدعة ، ومن بغضه فقد خالف السنة ، فزعمت أن من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة ( 3 ) .

    2 - عمرو بن العاص ، الذي ألب على عثمان وسر بقتله ، ثم اجتمع مع معاوية يطالب بدمه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الذي كان من أشد المدافعين عنه ، وأعطفهم عليه يوم أمر طلحة بمنع الماء عنه وتعجيل قتله .
    كل ذلك كان من ابن العاص حبا بخراج مصر ، لا بعثمان ولا بمعاوية أيضا ، والعجب أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) تنبأ بذلك وصرح بأنهما لا يجتمعان إلا على غدر ( 4 ) .

    3 - يزيد الخليع المستهتر خليفة معاوية الذي ولي ثلاث سنين بعده ، فقتل في

    ( 1 ) إشارة إلى استلحاق زياد بن أبيه وليد فراش غير أبي سفيان .
    ( 2 ) أي رد السنة مثل رد الكتاب إذا بلغت السنة في الشهرة شهرة الكتاب .
    ( 3 ) الجاحظ : رسائل الجاحظ : 294 طبع مصر .
    ( 4 ) ابن حجر ، تطهير الجنان المطبوع على هامش الصواعق المحرقة : 102 . ( * )





    الأولى الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وفي الثانية أغار على المدينة وقتل من الصحابة والتابعين ما لا يحصى وأباح أعراضهم ، وفي الثالثة رمي الكعبة ( 1 ) ، وكفى في كفره وإلحاده جهره بقول ابن الزبعرى :

    لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل .

    4 - مروان بن الحكم ، الذي كان من أشد الناس بغضا لأهل البيت . قال ابن حجر : ومن أشد الناس بغضا لأهل البيت مروان بن الحكم . روى الحاكم : أن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - قال : كان لا يولد لأحد بالمدينة ولد إلا أتي به النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فأدخل عليه مروان بن الحكم ، فقال : " هو الوزغ بن الوزغ ، الملعون بن الملعون " ( 2 ) .

    5 - الوليد بن عقبة شارب الخمر ، والزائد في الفريضة ( 3 ) .

    6 - وعبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي أهدر النبي دمه ( 4 ) .

    7 - الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، الذي يخاطب كتاب الله العزيز بعد أن ألقاه ورماه بالسهام بقوله :

    تهددني بجبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد
    إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب مزقني الوليد ( 5 )

    ويقول السيوطي : إن الوليد هذا كان فاسقا خميرا لواطا ، راود أخاه سليمان

    ( 1 ) ابن الجوزي : تذكرة الخواص ، فصل يزيد بن معاوية : 257 .
    ( 2 ) الحاكم ، المستدرك 4 : 479 .
    ( 3 ) البلاذري : الأنساب 5 : 33 ، وأحمد بن حنبل ، المسند 1 : 144 .
    ( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 300 ، فصل : ذكر الخبر عن فتح مكة .
    ( 5 ) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 5 : 107 . ( * )




    عن نفسه ، ونكح زوجات أبيه ( 1 ) .

    هؤلاء وأضرابهم هم الذين تتبرأ الشيعة منهم وتحكم عليهم بما حكم الله به عليهم .
    أفيصح تكفير الشيعة وتفسيقهم لأجل سب هؤلاء والتبري منهم ؟ !
    إن أعمال هؤلاء يندى لها جبين الإنسانية ولا يمكن أن تغضي عنها ، فيا لله ! ! أمن الإنصاف أن تتهم الشيعة بالانحراف والخروج عن الدين لأنها تدين هؤلاء وتلعنهم ، والله تعالى لعن أقواما كثيرين في كتابه الحكيم وكذلك رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ولعل أعمال أولئك لو وزنت بأعمال هؤلاء لما رجحت عليها .

    ( 1 ) جلال الدين السيوطي ، تاريخ الخلفاء : 97 . ( * )











    <<<انــــا مع علـــــي
    دون قيد اوشرط>>>

  • #2
    جزاك الله خيرا يا اخوووى

    بارك الله فيك

    تعليق


    • #3
      بارك الله في الجميع وشكرا للم
      <<<انــــا مع علـــــي
      دون قيد اوشرط>>>

      تعليق


      • #4

        بسم الله الرحمن الرحيم

        والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين


        موفقين ومسددين من اللإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف أخي الفاضل (عاشق الحوراء زينب) ... طرح قيّم ومتميّز ...


        ننتظر منكم المزيد من المشاركات باذنه تعالى ...



        (((السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين)))

        تعليق


        • #5
          أحسنتم و بارك الله فيكم

          تعليق

          عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
          يعمل...
          X