إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

احزان مهرج القصب / الدكتور شفيق المهدي

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • احزان مهرج القصب / الدكتور شفيق المهدي








    ثلاثة يفكرون بالصور. الطفل ، المجنون ،العالم ، من عوالم هؤلاء أستمد عرض (أحزان مهرج السيرك) لعبته المسرحية وأمتد هذا العرضالمسرحي على سيناريو كتبه الروماني ( ميهاي زامفير ) وهو سيناريو أقرب ما يكون إلىالسينما منه إلى المسرح ومن هنا تبدأ المجازفةالأولى للفنان "القصب" أي من أمكانية تحويل فن إلى أخر فيهما من الاختلافوالافتراق الشيء الكثير خاصة في عوالمهما الخارجية .. عالم السينما الواسع بحركته والمنتشرفي محيطات يصعب حصرها وتركيزها على خشبة مسرح محدودة القدرة في أدائها على مستوى التقنيةوالمساحة .. وكذلك في تقديم الحركات الأساسية التي هي محور السيناريو الأصلي ولهذافأن مجازفة كهذه تعد نوعاً من "الترويض" مارسها القصب حين لخص وأختصر عالماًواسعاً من الشعر والسينما . إذ لم يبق القصب من سيناريو زامفير سوى أجوائه فقط وبعضاًمن لمسات شخصية المهرج في حركته الداخلية التي تتصارع مع عوالم خارجية قاسية وغير ممكنةالحياة ..

    وبعد أن ثبت للمخرج صعوبة ليً السيناريو ، بدأ بتخريبه وتدميره بأن صب توجساتهالذاتية من أحلامه ، تخيلاته ، احباطاته التي عايشته ، وعايشها وناطح فيها ثيراناًحقيقية أو موهومة .. تستفزه هذه "الجنية" التي تراوده في منامه ، وهذا القزمالغائم الملامح الذي يعذب روحه ملاحقاً كل خطوة من خطواته مسبباً ألما لا يعرف مداه، وهذه الكرات ، الأحجار التي جعلت من رأسه هدفاً دائماً ..

    لا تخطئه أبداً . كرات شاحبة البياض كالاحتضار بالضبط، تصيب هذا الهدف ، الرأس ولا تنزل عنه رغم صغر حجمه .. ولتعلن آلة البيانو فرحها العارمبهذه الإصابات المستمرة والمتلاحقة أن طرح الذات بهذا المستوى المتطرف هو الذي قادالمخرج لأن يحيل غير المرئي في الذات إلى معادلة موضوعية في المسرح تحمل دلالاتها فيالمرئي لا لبس في ذلك ولا غموض .

    إذن هل يستطيع المسرح أن يجاري هذه اللعبةالخطرة التي اسمها الشفرات وكيفيات استعراضها ؟ وهل يتمكن المسرح من أن يلبي هذه الجامحةعبر تقنيات مألوفة ؟ أذن فما هي النتيجة التي أراد القصب أن يصل إليها .. أنها الاقترابمن صوفية الروح الإنسانية ليسوقها في صيغ شبه سريالية لا تتألف مع العين غير المدربةتدريباً عالياً

    وهذه إذا احتسبت لصالح المخرج صلاح القصبفأنها علي ما يبدو لا تكون لصالح الفن في كل الأحوال رغم انه قدًم جمالاً روحياً يفوقالشكل الصوري ويتحداه .

    أن التجاوز الكبير الذي حققه المخرج فيهذا العرض هو إلغاؤه للقاعدة المسرحية الذهبية التي تقوم على مبدأ التكوين الهندسيلشكل المثلث الذي تعتمده العروض المسرحية .. أن هذا المنجز لا يدركه إلا من هو علىصلة تطبيقية بفن الإخراج المسرحي .

    والقصب بهذا يلغي فهماً جمالياً سائداًفي مسرحنا العراقي ، في الأقل والذي يعتقد به البعض من المخرجين الذين يفضلون هذا الشكلالهندسي - المثلث - لما يحققه من منظور جمالي في التكوين وتغيراته ، والشخصية وأهميتهافي تدمير التكرار .

    لقد استطاع القصب أن يضع فهماً جمالياًجديداً ، عندما استند إلى العمل على خطوط مستقيمة واحدة ، متكررة ، متوازية ، متقاطعة، منكسرة ، مائلة ، مقوسة ، ومتكورة مستغلاً في كل هذا جسد الممثل وتوازنه مع شكل المسرحالدائري .. ورغم انه حاول ذلك في عرضين سابقين هما "الخليقة البابلية" و"طائر البحر" إلا إنهما لم يأتيا بهذه الدقة وهذا التفرد . لقد ضاع عليناالكثير من المشاهدة الحقيقية لخطأ المعمار في هذا المسرح والذي يطلق عليه - المسرحالدائري - وذلك لعدم توافر زوايا المشاهدة الـ(360 ̊) وهي زوايا الدائرة التقليدية .. على انه حاول تلافي هذا الخطأ المعماري بأن حول احدأضلاع القاعة إلى خشبة مسرح - العلبة - لينصب عليها آلة البيانو , ثم حول هذه الآلةنفسها إلى خشبة مسرح حقيقية موظفاً إياها بعدَها خشبة مختزلة .

    أن تقديم فعل مسرحي تام على مساحة (200سم2) لهو أمر بالغ الغرابة والحيرة في الوقت نفسه إذ انتقل بآلة البيانو من مهمتها الموسيقيةإلى مهمة جديدة تختلف نوعياً عن عملها الأصلي حيث حولها إلى خشبة داخل خشبة المسرح.

    من المؤكد جداً أن صلاح القصب اعتمد اعتماداًكلياً على جسد الممثل المطواع والذي يوفر له صيغاً جمالية في التكوين واللعب واضعاًإياه في صيغة تكاد أن تكون استهلاكية لاتستطيع الدفاع عن نفسها أو عن العمل الذي تقدمهرغم انه - أي المخرج - يتيح حرية تكاد تكون مطلقة في العطاء والتغيير .. اقصد في مبدأالتهديم والبناء سواء في عمل الممثل الواحد أو في عمل الممثلين جميعاً في بناء تركيبالمشهد أو اللوحة .

    إلا أن النتيجة تكون دائماً لصالح المخرجوليس لصالح الممثل الذي تحول إلى وسيلة فقط .. وسيلة مادية لغاية اكبر هي بنية العملفي انجازه الكبير للعرض المسرحي ... أن عرضاً مسرحياً لا يتمكن فيه الممثل من الدفاع عن دوره أو أدائهلأمر محرج حقاً رغم انه يساهم بفعل خلاق في تقديم عرض مسرحي غير اعتيادي . لقد هيأالمخرج لعرضه المسرحي كل مستلزماته في عمل الديكور المسرحي الذي سيج به جدران القاعدةالأربعة ... انه ديكور ناعم لكنه محفور في جداره الأول ليذكرك بأسلوب التخريم والحفرعلى الخشب ناحتاً فيه وضمن بعد واحد - هو سمك الخشبة ذاتها - أماكن لرؤوس وإياد مستطيلاتومربعات ودوائر تتيح للعمل حرية تكوين خلفية مسرحية بأجساد الممثلين - الجسد أو بعضمن أجزائه .. قدم ، رأس ، يد ، غير أن هذه الخلفية لم ترفد العمل ولم تنهض به كثيراًإذ استغرقتنا حركة الممثلين التي كانت تؤدى أثناء عمل هذه الخلفية . أن المهم في الديكورهو لونه الكابي الذي يذكر بالموت لا غير .. الموت الذي هو اللازمة الرئيسة في هذا العرضوالذي تكرر لأكثر من خمسين مرة .. لكنه موت سببه خفوت الأضواء .. موت نبيل ليس فيهصرخة أو حركة عنيفة انه مرادف للسكون والطمأنينة ، انه احتضار لكنه في السراب والتهويموهكذا تكون عملية الدفن بلا قبر ولا شاهدة .

    ختاماً تبقى الإضاءة سراً من أسرار القصب التي يتأنى فيها ويعطيها أهمية قصوىليس في طريقة ضخها إلى مكان الحدث ، وليس في مواقعها وأجهزتها إنما اللون الذي يرتبنوعه وكمية الضوء المتدفق بهدوء على مواقع الحدث .. لقد تحولت الإضاءة في هذا العرضإلى جزء عضوي يساوي قدرة الممثل على الأداء بالتمام . فلم تعد تكشف الشخصية أو تصعدالفعل إنما تحولت هي الأخرى إلى فعل تمثيلي رائع حين أشركها في صيرورة الحركة . محولاأجهزة الإضاءة إلى كاميرات تلفزيونية يحملها اثنان من الممثلين لتصوير حالات المهرجالتي مر بها . وبهذا عوض القصب ما فاته في عالم السينما .


    د. شفيق المهدي





  • #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    احسنت بارك الله فيك.....
    حسين منجل العكيلي

    تعليق


    • #3
      أطال الباري بعمرك أستاذنا
      sigpic
      إحناغيرحسين *ماعدنا وسيلة*
      ولاطبعك بوجهي"بابك إ تسده"
      ياكاظم الغيظ"ويامحمدالجواد "
      لجن أبقه عبدكم وإنتم أسيادي

      تعليق


      • #4
        عظم الله لنا ولكم الأجر بوفاة سيدة نساء العالمين ومن الأولين والآخرين
        سيدتي ومولاتي الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام

        بارك الله فيك وجزاك الله خير الجزاء

        تعليق

        عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
        يعمل...
        X