إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

آية الولاية الحلقة الثانية

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • آية الولاية الحلقة الثانية

    آية الولاية الحلقة الثانية

    على ما يراه هو ، وكأنّ الإجماع في كيسه ، متى ما أراد أن يخرجه من كيسه ، أخرجه وصرفه إلى الناس ، وعلى الناس أن يقبلوا منه ما يدّعي.
    وعلى كلّ حال ، فهذه القضيّة واردة في كتبهم وكتبنا ، في تفاسيرهم وتفاسيرنا ، في كتبهم في الحديث وكتبنا . مثلاً : لو أنّكم تراجعون من التفاسير : تفسير الثعلبي ـ وهو مخطوط ـ تفسير الطبري ، وأسباب النزول للواحدي ، وتفسير الفخر الرازي ، وتفسير البغوي ، وتفسير النسفي ، وتفسير القرطبي ، وتفسير أبي السعود ، وتفسير الشوكاني ، وتفسير ابن كثير ، وتفسير الآلوسي ، والدر المنثور للسيوطي ، لرأيتم كلّهم ينقلون هذا الخبر ، بعضهم يروي بالسند ، وبعضهم يُرسل الخبر(10) ، وكأنّ هؤلاء كلّهم ليسوا من هذه الاُمّة.
    وعلى كلّ حال ، فالقضيّة لا تقبل أيّ شك وأيّ مناقشة من جهة السند ومن ناحية شأن النزول ، وحينئذٍ ينتهي بحثنا عن الجهة الأُولى ، أي جهة شأن نزول الآية المباركة وقضيّة أمير المؤمنين وتصدّقه بخاتمه وهو راكع.
    الجهة الثانية : وجه الاستدلال بالآية المباركة على الإمامة .
    وجه الاستدلال يتوقّف على بيان مفردات الآية المباركة : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ
    رَاكِعُونَ ) (المائدة : 55 ).

    فكلمة (إنّما) تدلّ على الحصر ، لم ينكر أحد منهم دلالة إنّما على الحصر.
    (وليُّكم) : هذه الولاية بأيّ معنى ؟ سنبحث عن معنى الولاية في حديث الغدير بالتفصيل ، وأيضاً في حديث الولاية . عندنا آية الولاية ، وهي هذه الآية التي هي موضوع بحثنا في هذه الليلة ، وعندنا حديث الولاية ، وهو قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) : ( علي منّي وأنا من علي ، وهو وليّكم من
    بعدي ) ، فكلمة (الولاية) موجودة في هذه الآية المباركة بعنوان (وليّكم) ، وأيضاً في ذلك الحديث بعنوان (وليّكم).
    معنى الولاية
    الولاية مشترك : إمّا مشترك معنوي ، وإمّا مشترك لفظي . نحن نعتقد بالدرجة الأُولى أن تكون الولاية مشتركاً معنوياً . فمعنى الولاية إذا قيل:
    ( فلانٌ وليّ فلانٍ ) ، أي فلانٌ هو القائم بأمر فلانٍ . ( فلانٌ وليُّ هذه الصغيرة ) ، أي القائم بشؤون هذه الصغيرة . ( فلانٌ وليّ الأمر ) أي القائم بشؤون هذا الأمر ؛ ولذا يقال للسلطان : وليّ.
    هذا المعنى هو واقع معنى الولاية.
    ونجد هذا المعنى في كلّ موردٍ ذُكر مورداً للولاية ، مثلاً : الصديق وليّ ، الجار وليّ ، الحليف وليّ ، الأب وليّ ، الله وليّ ، ورسوله وليّ ، وهكذا في الموارد الأخرى من الأولياء.
    هذا المعنى موجود في جميع هذه الموارد ، وهو : القيام بالأمر.
    هذا هو معنى الولاية على ضوء كلمات علماء اللغة . فلو تراجعون كتب اللغة ، تجدون أنّ هذه الكلمة يذكرون لها هذا المعنى الأساسي ، وهذا المعنى موجود في جميع تلك الموارد المتعدِّدة ، مثلاً : الجار له الولاية ، أي الجار له الأولوية في أن يقوم بأمور جاره ، يعني لو أنّ مشكلة حدثت لشخص ، فأقرب الناس في مساعدته في تلك المشكلة ، والقيام بشؤون هذا الشخص ، يكون جاره ، هذا حقّ الجوار . مثلاً الحليف كذلك ، مثلاً الناصر أو الأخ ، هذه كلّها ولايات ، لكن المعنى الوحداني الموجود في جميع هذه الموارد هو القيام بالامر.
    هذا بناءً على أن تكون الولاية مشتركاً معنويّاً.
    وأمّا إذا جعلنا الولاية مشتركاً لفظيّاً ، فمعنى ذلك أن يكون هناك مصاديق متعدّدة ، ومعاني متعدّدة ، للّفظ الواحد ، مثل كلمة : العين . كلمة ( العين )مشترك لفظي ، ويشترك في هذا : العين الجارية ، والعين الباصرة ، وعين الشمس ، وغير ذلك كما قرأتم في الكتب الأُصولية.
    فالاشتراك ينقسم إلى اشتراك معنوي واشتراك لفظي . في الدرجة الأُولى نستظهر أن تكون الولاية مشتركاً معنوياً ، وعلى فرض كون المراد من الولاية المعنى المشترك بالاشتراك اللفظي ، فيكون من معاني لفظ الولاية : الأحقيَّة بالأمر ، الأولوية بالأمر ، فهذا يكون من جملة معاني لفظ الولاية ، وحينئذٍ لتعيين هذا المعنى نحتاج إلى قرينة معيّنة ، كسائر الألفاظ المشتركة بالاشتراك اللفظي.
    حينئذٍ لو رجعنا إلى القرائن الموجودة في مثل هذا المورد ، لرأينا أنّ القرائن الحاليّة والقرائن اللفظيّة ـ وبعبارةٍ أُخرى : القرائن المقاميّة والقرائن اللفظيّة ـ كلّها تدلّ على أنّ المراد من الولاية في هذه الآية ، المعنى الذي تقصده الإمامية ، وهو : الأولوية والأحقيَّة بالأمر.
    ومن جملة القرائن اللفظيّة ، نفس الروايات الواردة في هذا المورد.
    يقول الفضل بن روزبهان في ردّه(11) على العلاّمة الحلّي ( رحمة الله عليه ) : إنّ القرائن تدلّ على أنّ المراد من الولاية هنا : النصرة . فـ ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ، أي إنّما ناصركم الله ورسوله والذين آمنوا ، الذين يقيمون الصلاة ... إلى آخر الآية المباركة.
    فابن روزبهان يجعل الولاية بمعنى النصرة ، والنصرة أحد معاني لفظ الولاية كما في الكتب اللغويّة ، لكن الروايات أنفسها ، ونفس الروايات الواردة في القضيّة ، تنفي أن يكون المراد من الولاية هنا : النصرة.
    مثلاً هذه الرواية ـ وهي موجودة في تفسير الفخر الرازي ، موجودة في تفسير الثعلبي ، موجودة في كتب أُخرى(12) ـ : أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لمّا علم بأنّ عليّاً تصدّق بخاتمه للسائل ، تضرّع إلى الله وقال: ( اللَّهُمَّ إنّ أخي موسى سألك ، فقال: ( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ) (طه : 25 ـ 35) ، فأوحيتَ إليه : (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طه : 36) ، اللهمّ وإنّي عبدك ونبيّك ، فاشرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيراً من أهلي ، عليّاً أُشدد به ظهري...) . قال أبو ذر : فوالله ، ما استتمّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الكلمة ، حتّى هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآية : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) إلى آخر الآية.
    فهل يعقل ، وهل يرتضي عاقلٌ فاهمٌ ، له أدنى إلمام بالقضايا ، وباللغة ، وبأُسلوب القرآن ، وبالقضايا الواردة عن رسول الله ، هل يُعقل حمل الولاية في هذه الآية ـ مع هذه القرائن ـ على النصرة ؟ بأن يكون رسول الله يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يُعلن إلى الملأ ، إلى الناس ، بأنّ عليّاً ناصركم ، فيتضرّع رسول الله بهذا التضرّع إلى الله سبحانه وتعالى في هذا المورد ، فيطلب من الله نزول آية تفيد بأنّ عليّاً ناصر المؤمنين ؟
    وهل كان من شك في كون عليّاً ناصراً للمؤمنين حتّى يتضرّع رسول الله في مثل هذا المورد ، مع هذه القرائن ، وبهذا الشكل من التضرّع إلى الله سبحانه وتعالى ، وقبل أن يستتمّ رسول الله كلامه تنزل الآية من قبل الله : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ، أي إنّما ناصركم الله ورسوله والذين آمنوا ، إلى آخر الآية ؟ هل يُعقل أن يكون المراد من ( وَلِيُّكُمُ ) أي ناصركم في هذه الآية ، مع هذه القرائن ؟
    إذن ، لو أصبحت (الولاية) مشتركاً لفظيّ ، وكنّا نحتاج إلى القرائن المعيّنة للمعنى المراد ، فالقرائن الحاليّة والقرائن اللفظيّة كلّها تعيّن المعنى ، وتكون كلمة (الولاية) بمعنى: الأولوية . فالأولوية الثابتة لله وللرسول ، ثابتةٌ للذين آمنوا ، الذين يقيمون الصلاة ويُؤتون الزكاة وهم راكعون.
    إذن ، عرفنا معنى (إنّما) ومعنى (الولاية) في هذه الاية.
    ثمّ الواو في ( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ، هذه الواو عاطفة . وأمّا الواو التي تأتي قبل ( وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، فهذه الواو حاليَّة ؛ ( وَهُمْ رَاكِعُونَ ) : أي في حال الركوع.
    حينئذٍ يتمّ الاستدلال ؛ ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ) ، أي إنّما الأولى بكم : الله ورسوله والذين آمنوا ، الذين يُقيمون الصلاة ويُؤتون الزكاة في حال الركوع . والروايات قد عيّنت المراد من الذين آمنوا ، الذين يُقيمون الصلاة ويُؤتون الزكاة وهم راكعون.
    فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية وإلى هذه المرحلة وصلنا.
    إذن ، تمّ بيان شأن نزول الآية المباركة ، وتمّ بيان وجه الاستدلال بالآية المباركة بالنظر إلى مفرداتها واحدةً واحدةً.
    الجهة الثالثة : الاعتراضات والمناقشات .
    وحينئذٍ ، يأتي دور الاعتراضات:
    أمّا اعتراض شيخ الإسلام ابن تيميّة ، فقد عرفتم أنّه ليس باعتراض ، وإنّما هو افتراء ، لا على الإمامية فقط ، وإنّما افتراءٌ على عموم المفسّرين والمحدّثين من أهل السنّة أيضاً ، افتراءٌ على المتكلّمين من كبار علماء طائفته . وهذا ديدن هذا الرجل في كتابه ، وقد تتبّعتُ كتابه من أوّله إلى آخره ، واستخرجتُ منه النقاط ، التي لو اطّلعتم عليها ، لأيَّدتم مَن قال بكفر هذا الرجل ، لا بكفره ، بل بكفر مَن سمّاه بشيخ الإسلام.
    تبقى الاعتراضات الأُخرى :
    الاعتراض الأوَّل :
    هو الاعتراض في معنى الولاية ، وقد ذكرناه.
    وذكرنا أنّ قائله هو : الفضل بن روزبهان ، الذي ردّ على العلاّمة الحلّي بكتابه "إبطال الباطل" ، وردّ عليه السيّد القاضي نور الله التُّستَري بكتاب "إحقاق الحق" ، وأيضاً ردّ عليه الشيخ المظفر في كتاب "دلائل الصدق".
    الاعتراض الثاني :
    احتمال أن تكون الواو في ( وَهُمْ رَاكِعُونَ ) واو عاطفة ، لا واو حاليّة . وحينئذٍ يسقط الاستدلال ؛ لانّا ـ نحن الطلبة ـ نقول : إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال . الاستدلال يتوقّف على أن تكون الواو هذه حاليّة ، فالذي أعطى الخاتم ، إعطاؤه كان حال كونه راكعاً ، وهو علي (عليه السلام) . أمّا لو كانت الواو عاطفة ، يكون المعنى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) أي : هم يركعون ، يُؤتون الزكاة ، ويصلّون ويركعون . إذن لا علاقة للآية المباركة بالقضيّة ، فهذا الاحتمال إنْ تمّ سقط الاستدلال.
    لكنّ هذا الاحتمال يندفع بمجرّد نظرة سريعة إلى الروايات الواردة في القضيّة ، تلك الروايات التي تجدونها ـ بأقل تقدير ـ لو ترجعون إلى "الدر المنثور" ، لوجدتم الروايات هناك ، وهي صريحة في كون الواو هذه حاليّة ... ففي هذا الكتاب ـ وغيره من المصادر ـ عدّة روايات وردت ، تقول: تصدّق علي وهو راكع(13).
    حتّى في رواية تجدونها في "الدر المنثور" أيضاً ، هذه الرواية هكذا : إنّ النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) سأل السائل ، سأل ذلك المسكين الذي أعطاه الإمام خاتمه ، سأله قائلاً: (على أيّ حال أعطاكه) ـ أي الخاتم ـ ؟ قال: أعطاني وهو راكع(14).
    فالرسول نفسه يسأله: على أيّ حال أعطاكه ؟ يقول: أعطاني وهو راكع ، فالواو حاليّة ، ولا مجال لهذا الاشكال.
    الاعتراض الثالث :
    هذا الاعتراض فيه أُمور :
    الأمر الأوَّل : من أين كان لعلي ذلك الخاتم ؟ من أين حصل عليه ؟
    الأمر الثاني : ما قيمة هذا الخاتم ؟ وبأيّ ثمن كان يَسْوَى في ذلك الوقت ؟ ولا يستحقّ شيء من هذا القبيل من الاعتراض أن ينظر إليه ويبحث عنه.
    نعم يبقى الأمر الثالث : وله وجه ما ، وهو أنّه يفترض أن يكون علي (عليه السلام) في حال الصلاة منشغلاً بالله سبحانه وتعالى ، منصرفاً عن هذا العالم ، ولذا عندنا في بعض الروايات أنّه لمّا أُصيب في بعض الحروب بسهم في رجله ،
    حسين منجل العكيلي

  • #2
    آية الولاية الحلقة الاخيرة
    وأُريد إخراج ذلك السهم من رجله ، قيل : انتظروا ليقف إلى الصلاة ، وأخرجوا السهم من رجله وهو في حال الصلاة ؛ لأنَّه حينئذٍ لا يشعر بالألم.
    المفترض أن يكون أمير المؤمنين هكذا ، ففي أثناء الصلاة ، وهو مشغول بالله سبحانه وتعالى ، كيف يَسمع صوت السائل ؟ وكيف يلتفت إلى السائل ؟ وكيف يُشير إليه ويُومي بالتقدُّم نحوه ، ثمّ يرسل يده ليخرج الخاتم من أصبعه ؟ وهذا كلّه انشغال بأُمور دنيويّة ، عدول عن التكلّم مع الله سبحانه وتعالى ، والاشتغال بذلك العالم.
    هذا الإشكال قد يُسمّى بـ (إشكال عرفاني) ؛ لأنّ الإشكال السابق ـ مثلاً ـ حيث أرادوا جعل الواو عاطفةً ، لا حاليّةً ، إشكالٌ نحوي . وليكن الإشكال السابق عليه في الولاية إشكالاً لغوي ، فَلْنُسَمِّ هذا الإشكال بالإشكال العرفاني ، فالله سبحانه وتعالى عندما يخاطب أمير المؤمنين في الصلاة ، وعلي يخاطبه ، وهما يتخاطبان ، وهو منشغل بالله سبحانه وتعالى ، كيف يلتفت إلى هذا العالم ؟
    والجواب :
    أوّلاً : لقد عُدَّتْ هذه القضيّة عند الله ورسوله وسائر المؤمنين من مناقب أمير المؤمنين ، فلو كان لهذا الإشكال أدنى مجال لمّا عُدَّ فعله من مناقبه.
    وثانياً : هذا الالتفات لم يكن من أمير المؤمنين إلى أمر دنيوي ، وإنّما كانت عبادة في ضمن عبادة.
    ولعلّ الأفضل والأولى أنْ نرجع إلى أهل السنّة أنفسهم ، الذين لهم ذوق عرفاني ، في نفس الوقت الذي هم من أهل السنّة ، ومن كبار أهل السنّة : يقول الآلوسي(15) : قد سُئل ابن الجوزي(16) هذا السؤال ، فأجاب بشِعر ، وقد سجَّلتُ الشعر ، والجواب أيضاً جواب عرفاني في نفس ذلك العالم ، يكقول:
    يَسقي وَيشَرَبُ لا تُلهيهِ سَكرَتُهُ عَنِ النَّديمِ وَلا يَلهو عِنِ الكاس
    أَطـاعَهُ سُكرُهُ حتّى تَمَكّنَ مِنْ فِعلِ الصُحاةِ فَهذا وَاحِدُ النّاسِ
    هذا شعر ابن الجوزي الحنبلي ، الذي نعتقد بأنّه متعصّب ؛ لأنّه في كثير من الموارد نرى أمثال ابن تيميّة والفضل بن روزبهان وأمثالهما ، يعتمدون على كتب هذا الشخص في ردّ فضائل أمير المؤمنين ومناقبه . أمّا في مثل هذا المورد ، يجيب عن السؤال بالشعر المذكور.
    أمير المؤمنين (عليه السلام) جمع في صفاته الأضداد ، هذا موجود في حال أمير المؤمنين ، وإلاّ لم يكن واحد الناس ، وإلاّ لم يكن متفرّداً بفضائله ومناقبه ، وإلاّ لم يكن وصيّاً لرسول الله ، وإلاّ لم يكن كفواً للزهراء البتول بضعة رسول الله ، وإلى آخره.
    فحينئذٍ هذا الإشكال أيضاً ممّا لا يرتضيه أحدٌ في حقّ أمير المؤمنين ، بأن يقال : إنّ عليّاً انصرف في أثناء صلاته إلى الدنيا ، انصرف إلى أمر دنيوي.
    نعم ، وُجدتْ في كتب أصحابنا ـ ولم أجد حتّى الآن هذه الرواية في كتب غير أصحابنا ـ ، عن عمر بن الخطّاب أنّه قال : تصدّقت بخاتمي أربعين مرّة ، ولم تنزل في حقّي آية. إذن هذا الاعتراض أيضاً لا مجال له.
    الاعتراض الرابع :
    وهو الاعتراض المهم الذي له وجه علميّ ، قالوا : بأنّ عليّاً مفرد ، ولماذا جاءت الألفاظ بصيغة الجمع : ( وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ).
    هذا الإشكال له وجه ، ولا يختصّ هذا الإشكال والاعتراض بهذه الآية ، عندنا آيات أُخرى أيضاً ، وآية المباهلة نفسها التي قرأناها أيضاً بصيغة الجمع ، إلاّ أنّ رسول الله جاء بعلي ، مع أنّ اللفظ لفظ جمع : ( َأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) (آل عمران : 61) ، وجاء بفاطمة والحال أنّ اللفظ لفظ جمع (النساء).
    هذا الاعتراض يأتي في كثير من الموارد التي تقع مورد الاستدلال ، وفي سائر البحوث العلمية المختلفة ، لا في بحث الإمامة فقط.
    الزمخشري الذي هو من كبار علماء العامّة ، وليس من أصحابنا الإمامية ، صاحب "الكشّاف" وغير الكشّاف من الكتب الكثيرة في العلوم المختلفة ، يجيب عن هذا الإشكال . وتعلمون أنّ الزمخشري تفسيره تفسير للقرآن من الناحيّة الأدبية والبلاغيّة ، هذه ميزة تفسير الكشّاف للزمخشري ، وهذا شيء معروف عن تفسير الزمخشري ، وأهل الخبرة يعلمون بهذا.
    يجيب الزمخشري عن هذا ما ملخّصه: بأنّ الفائدة في مجيء اللفظ بصيغة الجمع في مثل هذه الموارد ، هو ترغيب الناس في مثل فعل أمير المؤمنين ، لينبّه أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذا الحد من الحرص على الإحسان إلى الفقراء والمساكين ، يكونون حريصين على مساعدة الفقراء وإعانة المساكين ، حتّى في أثناء الصلاة ، وهذا شيء مطلوب من عموم المؤمنين ؛ ولذا جاءت الآية بصيغة الجمع . هذا جواب الزمخشري(17) .
    فإذن ، لا يوافق الزمخشري على هذا الاعتراض ، بل يجيب عنه بوجه يرتضيه هو ، ويرتضيه كثير من العلماء الاخرين.
    ولكن لو لم نرتض هذا الوجه ، ولم نوافق عليه ، فقد وجدنا في القرآن الكريم ، وفي السنّة النبويّة الثابتة الصحيحة ، وفي الاستعمالات العربيّة الصحيحة الفصيحة : أنّ اللفظ يأتي بصيغة الجمع والمقصود شخص واحد . كثيرٌ من هذا الاستعمال موجود في القرآن ، وفي السنّة ، وفي الموارد الأُخرى ، وهذا شيء موجود.
    مضافاً إلى جواب يجيب به بعض علمائنا وعلمائهم : أنّه في مثل هذا المورد أراد الله سبحانه وتعالى أن يعظّم هذه الفضيلة أو هذا الفعل من علي ؛ وجاء بلفظ الجمع إكراماً لعلي ولِمَا فعله في هذه القضيّة.
    وتبقى نظرية أُخرى ، أتذكّر أنّ السيّد شرف الدين (رحمة الله عليه) يذكر هذه النظرية ، وهذا الجواب ، ويقول: لو أنّ الآية جاءت بصيغة المفرد ، لبادر أعداء أمير المؤمنين من المنافقين إلى التصرّف في القرآن الكريم ، وتحريف آياته المباركات ؛ عداءً لأمير المؤمنين ، إذ ليست هذه الآية وحدها ، بل هناك آيات أُخرى أيضاً جاءت بصيغة الجمع ، والمراد فيها علي فقط ، فلو أنّه جاء بصيغة المفرد لبادر أُولئك وانبروا إلى التصرّف في القرآن الكريم.
    إنّه في مثل هذه الحالة يكون الكناية ، صيغة الجمع ، أبلغ من التصريح ، بأن يأتي اللفظ بصيغة المفرد : والذي آمن وصلّى وتصدّق بخاتمه في الصلاة في الركوع ، أو آتى الزكاة وهو راكع . والروايات تقول : هو علي ، فيكون اللفظ وإن لم يكن صريحاً باسمه إلاّ أنّه أدل على التصريح ، أدل على المطلب من التصريح ، من باب الكناية أبلغ من التصريح . يختار السيد شرف الدين هذا الوجه (18) .
    ويؤيّد هذا الوجه رواية واردة عن إمامنا الصادق (عليه السلام) بسند معتبر ، يقول الراوي للإمام : لماذا لم يأت اسم علي في القرآن بصراحة (بتعبيري أنا) ؟ ، لماذا لم يصرّح الله سبحانه وتعالى باسم علي في القرآن الكريم ؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) : لو جاء اسمه بصراحة وبكلّ وضوح في القرآن الكريم ، لحذف المنافقون اسمه ووقع التصرّف في القرآن ، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يحفظ القرآن ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر : 9).
    وهذه وجوه تُذكر جواباً عن السؤال : لماذا جاءت الكلمة أو الكلمات بصيغة الجمع ؟
    ولعلّ أوفق الوجوه في أنظار عموم الناس وأقربها إلى الفهم : أنّ هذا الاستعمال له نظائر كثيرة في القرآن الكريم ، وفي السنّة النبويّة ، وفي الاستعمالات الصحيحة الفصيحة . ثمَّ إن الروايات المعتبرة المتّفق عليها ، دلّت على أنّ المراد هنا خصوص علي (عليه السلام).
    إذن ، مجيء اللفظ بصيغة الجمع لابدّ وأن يكون لنكتة ، تلك النكتة ذكرها الزمخشري بشكل ، والطبرسي بنحو آخر ، والسيد شرف الدين بنحو ثالث ، وهكذا.
    وإذا راجعتم كتاب "الغدير" ، لوجدتم الشيخ الأميني (رحمة الله عليه) يذكر قسماً من الآيات التي جاءت بصيغة الجمع وأُريد منها الشخص الواحد ، ويذكر الروايات والمصادر التي يُستند إليها في شأن نزول تلك الآيات الواردة بصيغة الجمع والمراد منها المفرد.
    فإذن ، لا غرابة في هذه الجهة.
    هذه عمدة الاعتراضات المطروحة حول هذه الآية المباركة.
    إذن ، بيّنّا شأن نزول الآية ، وبيّنّا وجه الاستدلال بالآية ، وتعرّضنا لعمدة المناقشات في هذا الاستدلال ، وحينئذ لا يبقى شيء آخر نحتاج إلى ذكره.
    نعم ، هناك بعض الأحاديث أيضاً ـ كما أشرت من قبل ـ هي مؤيّدة لاستدلالنا بهذه الآية المباركة على إمامة أمير المؤمنين ، منها : حديث الغدير ، ومنها : حديث الولاية الذي أشرتُ إليه من قبل.
    فحينئذٍ ، لا أظنّ أنّ الباحث الحر المنصف يبقى متردّداً في قبول استدلال أصحابنا بهذه الآية المباركة على إمامة أمير المؤمنين ، فتكون الآية من جملة أدلّة إمامته عن طريق ثبوت الأولوية له ، تلك الأولوية الثابتة لله ولرسوله ، فيكون علي وليّاً للمؤمنين ، كما أنّ النبي وليّ المؤمنين . وهذه المنقبة والفضيلة لم تثبت لغير علي . وقد ذكرنا ـ منذ اليوم الأول ـ أنّ طرف النزاع أبو بكر ، وليس لأبي بكر مثل هذه المنقبة والمنزلة عند الله ورسوله.
    وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
    ـــــــــــــــــــــــــــ
    (1) المواقف في علم الكلام: 405.
    (2) شرح المواقف: 8 / 360.
    (3) شرح المقاصد: 5 / 170.
    (4) شرح التجريد للقوشجي: 368.
    (5) روح المعاني: 6 / 168.
    (6) تفسير ابن كثير: 2 / 64.
    (7) تفسير ابن أبي حاتم: 4 / 1162.
    (8) روح المعاني: 6 / 168.
    (9) منهاج السنّة: 2 / 30.
    (10) تفسير ابن أبي حاتم: 4 / 1162 ، تفسير الطبري: 6 / 186 ، تفسير السمعاني: 2 / 47 ، أسباب النزول: 113 ، تفسير العز الدمشقي: 1 / 393 ، تفسير ابن كثير: 2 / 64 ، الكشاف: 1 / 649 ، الدرّ المنثور: 3 / 105. وراجع من كتب الحديث ـ مثلاً ـ : جامع الأصول: 9 / 478 ، المعجم الأوسط: 7 / 129 ، تاريخ دمشق: 42 / 356.
    (11) إحقاق الحقّ: 2 / 408.
    (12) تفسير الرازي: 11 / 25 ، تفسير الثعلبي: مخطوط.
    (13) تفسير ابن أبي حاتم: 4 / 1162.
    (14) الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور: 3 / 105.
    (15) روح المعاني: 6 / 169.
    (16) ابن الجوزي هذا جدّ سبط بن الجوزي . وإنّما نبّهنا على هذا ؛ لأنَّه قد يقع اشتباه بين ابن الجوزي وسبط ابن الجوزي ، فالمراد هنا: أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي الحافظ ، صاحب المؤلّفات الكثيرة ، المتوفَّى سنة 597 هـ.
    (17) تفسير الكشّاف: 1 / 649.

    (18) المراجعات: 263.
    حسين منجل العكيلي

    تعليق


    • #3
      حفظك الباري أستاذنا
      sigpic
      إحناغيرحسين *ماعدنا وسيلة*
      ولاطبعك بوجهي"بابك إ تسده"
      ياكاظم الغيظ"ويامحمدالجواد "
      لجن أبقه عبدكم وإنتم أسيادي

      تعليق


      • #4
        المشاركة الأصلية بواسطة من نسل عبيدك احسبني ياحسين مشاهدة المشاركة
        حفظك الباري أستاذنا


        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        اشكر مرورك الكريم... بارك الله فيك

        حسين منجل العكيلي

        تعليق

        عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
        يعمل...
        X