إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

دور العبادة في أسلوب الحياة، للأستاذ بناهيان

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • دور العبادة في أسلوب الحياة، للأستاذ بناهيان

    بين يديك أيها القارئ الكريم هو ملخص الجلسة الأولى من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ.

    إن شهر رمضان ليحدد لنا أسلوبا في الحياة/ لقد باتت وجبات السحور والإفطار أحد مراسمنا وشعائرنا في هذا الشهر

    أحد المفاهيم التي اشتهرت على ألسن الناس في الآونة الأخيرة، والذي يقتضي الالتفات إليه هو مفهوم «أسلوب الحياة». وأسلوب الحياة ببيان بسيط يعني أنك كيف تبرمج وترتّب سلوكك في الليل والنهار في حياتك الشخصية والاجتماعية. إن العادات السلوكية والنشاطات والهوايات التي يقوم بها الإنسان في سلوكه، مضافا إلى تنزهاته وتساليه والآداب والأعراف الاجتماعية كلها تنضوي تحت عنوان أسلوب الحياة.
    إن شهر رمضان المبارك يحدد لنا أسلوبا في الحياة. فعلى سبيل المثال عندما نستيقض لتناول السحور، هذا ما يغير برنامج نومنا ويقضتنا. كما أن وجبة الإفطار باتت تظهر كمراسم وسنّة تقام في جميع بيوتنا تقريبا.
    أتذكر سابقا في أحد الأفلام اليابانية، أن اليابانيين كانوا يقيمون مراسم معيّنة ويمارسون آدابا خاصة في شرب الشاي. وفي المقابل إن مائدة الإفطار لدينا أيضا تحضى بآداب ومراسم خاصة؛ حيث فيها الذكر والدعاء، أو لا تخلو من الخضرة عادة وهو أمر مستحب. أو كثير من الناس يشربون كوبا من الماء الفاتر أو الشاي قبل أن يتناولوا الطعام، وعلى أيّ حال، إنه يحظى بآداب معيّنة. وكذلك في مائدة السحور حيث إن الأسر يمارسون فيها برامج وآداب غير باقي وجبات الطعام طوال أيام السنة.

    إن لشهر رمضان تأثيرا في علاقاتنا الأسرية والاجتماعية/ يتطور ويرتقي أسلوب حياة الناس في هذا الشهر المبارك

    عادة ما نرى الأسر يجتمعون معا على مائدة الإفطار بحساسية بالغة وهذا ما يترك أثره الإيجابي في العلاقات الأسرية لمدّة ثلاثين يوما. فتنفتح في هذا الشهر أبواب الضيافة وعزائم الإفطار على مصراعيها ما لم يخل من التأثير الإيجابي في علاقاتنا الاجتماعية.
    ومن جانب آخر تزدهر مساجدنا بالمصلّين في هذا الشهر وأحيانا تقدّم فيها مائدة الإفطار. فلا يختلف الناس إلى المساجد في هذا الشهر بغرض إقامة الصلاة وحسب، بل تارة يأتونه لتناول الإفطار أيضا. وهذا ما يدلّ على تغيير أسلوب الحياة حتى في كيفية الاختلاف إلى المساجد.
    لا يوزع في الدوائر شاي بعد، ويحذف التقديم في الجلسات الإدارية ولا يعترض أحد على هذا الأمر إذ كل الموظفين صائمون بطبيعة الحال. ومجرد حذف وجبة الغداء يسبب فسحة في فرصة الموظفين، فإذا كان الغداء يقتضي استراحة قليلة بعده، تنتفي هذه الحاجة في هذا الشهر وإن اقتضت الحاجة إلى الاستراحة فهي بسبب الصيام.
    تعقد جلسات ختم القرآن في كل مكان، ومتابعو برامج التلفاز يتابعون مسلسلات شهر رمضان في كل ليلة. وأولئك الذين أرفع منهم مستوى وأهل المعرفة والمعنوية يحضرون ثلاثين ليلة في برامج الذكر والمناجاة والمحاضرات وذكر مصائب الحسين (عليه السلام)، وكل هذا يحكي عن هذه الحقيقة وهي أن أسلوب حياة الناس يتطور ويرتقي في هذا الشهر المبارك.

    الصلاة نفسها تنظم أسلوب حياتنا أيضا/ إن الصلوات اليومية الخمس تنجي حياة الإنسان عن عدم الانتظام

    ليس شهر رمضان المبارك هو العامل الوحيد الذي يطور أسلوب حياتنا ويرفع مستواها، بل الصلاة أيضا تحدد لنا أسلوبا في الحياة. إن الصلاة تنظم جزء من حياة الإنسان، يعني نحن مضطرون إلى تكوين برنامج ثابت لأداء صلواتنا الخمس خلال 24 ساعة، والله يعلم كم لهذا البرنامج الثابت اليومي من تأثير في إنقاذ حياة الإنسان من عدم الانتظام وكم هو ينقذ الإنسان والمجتمع البشري من الفراغ وانعدام الشخصية. فتصوروا لو لم تكن هذه المساجد في أطراف وأكناف المدينة، كم كانت المدينة عندئذ فارغة ومنعدمة الروح.
    ثانيا إن الصلاة تأتي بالطهارة والوضوء إلى حياة الإنسان الفردية، وهذه الطهارة قضية مهمّة جدا، حيث إنها تترك بعض الآثار في سلوكنا وتصبح جزء من أسلوب الحياة.

    العبادة ترمي إلى تغيير سلوكنا وأسلوب حياتنا/ نظموا برنامجكم اليومي مع الصلاة وبرنامجكم السنوي مع شهر رمضان

    يبدو أن العبادات الدينية ترمي إلى تغيير سلوكنا وجَعْل أسلوب حياتنا متأثرا منها. المهم هو أن نعتزّ بشهر رمضان ونسمح له بتغيير أنفسنا. فنحن إن فسحنا المجال للعبادة واستأنسنا بها، عند ذلك يتضاعف مدى تأثيرها في حياتنا.
    نحن إن نظّمنا برنامجنا اليومي مع الصلاة وبرنامجنا السنوي مع شهر رمضان، سوف يجرّ هذا السلوك إلينا بركات كثيرة. من هذا المنطلق تجد بعض الناس قد جعلوا رأس سنتهم الخمسيّة ليلة القدر، ويقولون باعتبار أن ثواب الأعمال وأجرها يتضاعف في هذه الليلة، فنحن نخمّس أموالنا في هذه الليلة.
    إن تأثير الصيام على أسلوب حياتنا من الأهميّة بمكان بحيث لا يعيّن الحاكم الشرعي حدّا على تارك الصلاة وحتى على تارك الصيام، ولكن من يفطر أمام الناس وبمرآهم في هذا الشهر لابدّ أن يجلد إذ هو يخرّب الأجواء الاجتماعية التي وفّرها شهر رمضان. لقد أراد هذا الشهر المبارك أن يغير سلوك الناس وأسلوب حياتهم وحتى أجواء المجتمع، والذي يفطر علنا في الواقع يقضي على كل هذه النتائج.
    حتى أنه جاء في الروايات أن لا يتنازع الإنسان في هذا الشهر أو لا يشتم شاتمه احتراما لمقتضى الصيام.[1] يعني أن يتنازل الناس في الخلافات للطرف الآخر ويبتعدوا عن الجدال. كما أن الضعف الناشئ من الصيام يساعد الإنسان في الابتعاد عن هذه النزاعات.

    يتبع إن شاء الله...

    [1]. وَ قَالَ النَّبِيُّ ص‏[1] مَا مِنْ عَبْدٍ صَائِمٍ يُشْتَمُ فَيَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ سَلَامٌ عَلَيْكَ لَا أَشْتِمُكَ كَمَا تَشْتِمُنِي إِلَّا قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اسْتَجَارَ عَبْدِي بِالصَّوْمِ مِنْ شَرِّ عَبْدِي قَدْ أَجَرْتُهُ مِنَ النَّارِ. [من لا يحضره الفقيه، ج‏2، ص109]



  • #2
    بســــــــــــــم الله الرحمن الرحـــــيم...

    اللهم صلِ على محمد وآلِ محمد وعجل فرجـــــــــــــهم,,

    أحســـــــــــــنتم النشر محاضره قيِّمه وذات فائــــــــده

    بارك الله فـــــــــــيكم وتقبل صيامكم وقيامكم....
    sigpic

    تعليق


    • #3
      دور العبادة في أسلوب الحياة1-2

      العبادة والبرنامج العبادي يمنح حياتنا أسلوبا

      إن العبادة ترتبط كثيرا بسلوك الإنسان. فعلى سبيل المثال يقول الأطباء أن الصلاة مع ما تحمله من آثار معنوية كبيرة جدا، هي رياضة في نفس الوقت. وكذلك يقول بعض الأطباء أن النشاط الذي يمنحه الوضوء للإنسان يعادل من بعض الجهات الاستحمام الكامل أو السباحة في المسابح.
      العبادة والبرنامج العبادي له تأثير واسع على حياة الإنسان ويمنح هذه الحياة «أسلوبا» خاصا. فقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يبرمج حتى لعزائمنا وولائمنا، ولهذا جاءتنا وصايا في صلة الرحم في خصوص هذا الشهر. لقد وصانا النبي الأعظم(ص) بالأيتام مرتين في خطبته الشعبانية. فإن عُمِل بوصيته، يصبح شهر رمضان المبارك عيدا لأيتام هذه الأمّة.

      من شأن العبادات أن يلتذ ويتمتع بها الإنسان، ولكننا نؤديها وكأنها ضريبة علينا!

      يقول الإمام الصادق(ع): «قَالَ اللَّهُ تَبَارَ?َ وَ تَعَالَى یَا عِبَادِیَ‏ الصِّدِّیقِینَ‏ تَنَعَّمُوا بِعِبَادَتِی فِی الدُّنْیَا فَإِنَّ?ُمْ تَتَنَعَّمُونَ بِهَا فِی الْآخِرَةِ. الكافي/ج2/ص83».
      وقال الشيخ بهجت(ره): «يبدو من هذا الحديث أن من شأن العبادات هو أن يتنعم بها الإنسان ولكننا نؤديها وكأنها ضريبة علينا، كأنها دواء مرّ نشربه مضطرين.» إذن ليست العبادة بتكليف إجباري أكره عليه الإنسان بالسوط. بل بإمكاننا أن نلتذ بالصلاة ونتمتع بها. فنحن إن فسحنا المجال للعبادة، تأت العبادة عندئذ وتنظم وتطور سلوكنا.

      تغيير الزيّ قليلا في الصلاة، يعين الإنسان على استشعار مزيد من المعنوية والروحانية أثناء صلاته/ أثر ارتداء العباءة في الصلاة

      لقد جرت عادة بعض المصلين أن يرتدوا عباءة أثناء الصلاة. وهذا يعني أن زيّه قد تغير أثناء الصلاة وتأثر بها. فإن مارستم هذا السلوك فترة سوف تشعرون بجماله وتتعلقون به ما قد يجعلكم لا تستطيعون أداء الصلاة بلا عباءة.
      إن هذا السلوك، أي ارتداء زيّ خاص أثناء الصلاة هو جزء من أسلوب الحياة. وكثير من المساجد قد وفّروا عباءات لهذا الغرض وهذا عمل جميل.
      بمجرد أن يعمل الإنسان تغييرا قليلا في زيه أثناء الصلاة، هذا يعينه على ازدياد حضور قلبه واستشعار أجواء معنوية أفضل في الصلاة.

      لماذا تريد العبادة وبإصرار منها أن تدير وتغيّر سلوكنا بشكل دائم؟/ لأن «للعمل والسلوك» أثرا كبيرا على «هواياتنا» و«عقائدنا» و«علمنا».

      لماذا تريد العبادة وبإصرار منها أن تدير وتغيّر سلوكنا بشكل دائم؟ لماذا تحرص العبادة على أن تعطي سلوكنا اتجاها إلهيا وأن تترك فيه آثارها؟ فيا ترى كم لسلوك الإنسان وأسلوب حياته من أهمية؟
      لماذا يحظى أسلوب الحياة بهذه الأهمية بحيث تحرص العبادة على أن تترك آثارها الإيجابية على أسلوب حياتنا؟ لأن أساسا للعمل والسلوك أثرا كبيرا جدا على هواياتنا وعقائدنا وعلمنا ومعرفتنا ولكن للأسف قل ما يعار اهتماما لهذه القضيّة. يعتقد كثير من الناس أن الطريق الوحيد لتعزيز عقائدنا هو أن الحضور في الدروس العقائدية، طبعا وبالتأكيد إن لها دور في ذلك ولكن ليس لها كل الدور، بل العمل هو الذي يلعب الدور الرئيس في تعزيز العقائد.

      نستطيع أن نغير رغباتنا وأحوالنا بأعمالنا وسلوكنا/ يمكن استئصال جذور حب الدنيا بالعمل

      إذا تلاحظون أثر العمل، تجدونه ذا أثر على رغباتكم وهواياتكم. لا يستطيع الإنسان أن يتحكم في رغباته بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال إن سأل أحد: «كيف أستطيع أن لا أكره الدنيا مع أني أحبها؟ وكيف أقدر على قلع حب الدنيا من قلبي؟» الجواب هو أنه: «أصلح عملك، وغض النظر قليلا عن زخارف الدنيا، وأكثر من التصدق بمالك، وأكثر من البذل والعطاء، فإنك قادر على تغيير نزعاتك وأحوالك القلبية بعملك».
      فلا يخرج حب الدنيا من قلب الإنسان بالكلام والموعظة وحسب، طبعا إن للموعظة والتذكار أثرا لا شك فيه، بيد أن استئصال حبّ الدنيا من القلب والقضاء عليها إنما يمكن بسلوك الإنسان نفسه.

      يحصل العلم والمعرفة بالعمل أيضا/ فإن عملتم بما تعلمون يرسل الله إليكم العلوم والمعارف من السماء

      إذا أردنا أن نزداد حظا من المعرفة، لابدّ أن نعرف أن العلم والمعرفة إنما يحصلان بالعمل. قال رسول الله(ص): «مَنْ‏ عَمِلَ‏ بِمَا عَلِمَ‏ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ یَعْلَم‏؛ الخرائج و الجرائح/ج3/ص1058» وقال الصادق(ع): «مَنْ‏ عَمِلَ‏ بِمَا عَلِمَ‏ ?ُفِیَ مَا لَمْ یَعْلَم‏؛ توحید الصدوق/ص416». فإن عملتم بما تعلمون ينزل الله إليكم العلم والمعرفة من السماء وكأن الملائكة تأتيكم لتزيدكم علما.

      يتبع إن شاء الله...



      تعليق


      • #4
        دور العبادة في أسلوب الحياة 1-3

        لماذا كان النبي(ص) لا يقوم من مجلس مع أصحابه إلا ويستغفر الله 25 مرة؟


        إن أثر العمل عال جدا. فلماذا كان النبي(ص) يهتمّ بالاستغفار بهذا القدر، بينما نحن لا نهتمّ به بهذا القدر؟ فقد روي عن أَبِی عَبْدِ اللَّهِ(ع)‏: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) ?َانَ لَا یَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ وَ إِنْ خَفَّ حَتَّى یَسْتَغْفِرَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَمْساً وَ عِشْرِینَ مَرَّةً؛ ?افی/ج2/ص504».
        ومما لا شك فيه لم يكن في جلسات النبي(ص) شيء من الغيبة ونحوها، بل كانت كلّها ذكرا وصوابا، ولكن مجرد هذا الجلوس والتحدّث مع الناس، من شأنه أن يقلق الإنسان من هفوة أو سلوك صدر منه وأبعده عن رضا الله، ولهذا كان يستغفر الرسول(ص). هذا يحكي عن مدى أهمية عمل الإنسان، بحيث حتى ولو صدرت منه خطأة صغيرة جدا، يحتاج إلى استغفار بهذا الكمّ.

        إن سمحنا للإسلام وفسحنا له المجال، سوف يترك أثره حتى في تصاميم وألوان أزيائنا وبيوتنا ومدننا.

        نحن إن سمحنا لإسلامنا العزيز وفسحنا له المجال، سوف يترك أثره حتى في تصاميم وألوان أزيائنا. وإن سمحنا له بالتدخل سوف يحدد هندسة بيوتنا أيضا. كما سوف يترك أثره الجميل في هندسة مدننا وأزقتنا وسوف يقدم لنا منهجا سلوكيا شاملا وكاملا.

        إنما السلوك الدائم ولا المؤقت هو الذي يتحول إلى أسلوب الحياة!

        إن لسلوكنا تأثيرا كبيرا في الحياة. ولكن ليس مجرد السلوك هو الذي يحدد أسلوب الحياة، بل إنما ذاك السلوك الذي يمارس بشكل دائم، هو الذي يتحول إلى أسلوب الحياة. فعندما ننظر إلى الروايات، نجد أن أثر السلوك والعمل المستمر أكثر مما كان مؤقتا مقطعيا، حتى ولو كان ذاك العمل المؤقت أفضل وأكبر. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «قَلِیلٌ مَدُومٌ عَلَیْهِ خَیْرٌ مِنْ ?َثِیرٍ مَمْلُولٍ مِنْه‏؛ نهج البلاغه/الح?مة 444».

        إن أثر السلوك المستمر على الإنسان كثير جدا، ولو كان عملا قليلا

        اعملوا بعمل جيد بدوام واستمرار، فحتى لو كان هذا العمل صغيرا في ظاهره، سوف ترون كم له من أثر كبير على أنفسكم. فإنكم لو تقرأون زيارة مفصلة للحسين في يوم واحد، لا يبلغ أثرها الحسن إلى ما لو تقولون: «السلام عليك يا أبا عبد الله» مرة واحدة ولكن بدوام في كل يوم، فإنكم لو داومتم على هذا العمل الصغير سوف يترك أثرا أكبر وأعمق من عمل مفصل لمرة واحدة.
        إن للسلوك الدائم تأثيرا كبيرا على الإنسان ومن هذا المنطلق تجد الإسلام يهتمّ كثيرا بأسلوب الحياة ولهذا نجده يعيننا على تصميم أسلوب لحياتنا. فبالإضافة إلى جميع الأعمال والبرامج التي وضعها كبرنامج في الحياة، أدرج بعض العبادات المحورية والرئيسة كالصلاة والصوم في برنامج حياتنا حيث إنها بمثابة خيط السبحة تنظم وتنسق باقي أعمالنا وسلوكنا في الحياة في منظومة واحدة.

        طوبى لأولئك الذين ينطوي أسلوب حياتهم على برنامج دائم ومستمر باسم «ذكر مصيبة الحسين(ع)»

        طوبى لأولئك الذين ينطوي أسلوب حياتهم على برنامج دائم ومستمر باسم «ذكر مصيبة الحسين(ع)»، فيذكرون مصيبته ويبكون عليه دائما. والله يعلم كم لذكر مصائب الحسين(ع) من تأثير عميق على روح الإنسان وازدياد نوره ومعنويته. حيث إن أهل المعرفة والمعنى حتى وإن كانوا بدرجة قليلة في رتبتهم يستطيعون أن يشخصوا أهل ذكر مصائب الحسين بأول نظرة ولقاء.
        كم هو جميل فيما إذا أضاف الإنسان هذا الأسلوب في حياته، وراح يتردد على أهل البيت(ع) ولا سيما أبا عبد الله الحسين(ع) بشكل دائم.

        إن دعاء كميل كان هدية أمير المؤمنين(ع) لكميل بسبب كثرة معاشرته لأمير المؤمنين(ع)/ فلنقرر في هذا الشهر أن نذكر الحسين(ع) يوميا

        إن شهر رمضان المبارك له ارتباط كبير بأمير المؤمنين(ع). ذات يوم سأل كميل أمير المؤمنين (ع) أن يعلمه دعاء الخضر (وهو نفس الدعاء المشهور بدعاء كميل اليوم) فقال له أمير المؤمنين(ع): «اجْلِسْ یَا ?ُمَیْلُ إِذَا حَفِظْتَ هَذَا الدُّعَاءَ فَادْعُ بِهِ ?ُلَّ لَیْلَةِ جُمُعَةٍ أَوْ فِی الشَّهْرِ مَرَّةً أَوْ فِی السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ فِی عُمُرِ?َ مَرَّةً تُ?ْفَ وَ تُنْصَرَ وَ تُرْزَقَ وَ لَنْ تُعْدَمَ الْمَغْفِرَةَ؛ إقبال الأعمال/2/706» وقال له أمير المؤمنين(ع): «یَا ?ُمَیْلُ‏ أَوْجَبَ‏ لَ?َ‏ طُولُ‏ الصُّحْبَةِ لَنَا أَنْ نَجُودَ لَ?َ بِمَا سَأَلْتَ ثُمَّ قَالَ ا?ْتُب‏...؛ إقبال الأعمال/2/706)».
        فإذا أكثرنا من الصحبة مع أهل البيت(ع)، سوف يرون من واجبهم أن يلطفوا بنا ويسددونا.
        كم هو جميل أن نقرر أن نتوجه في جميع أيام هذا الشهر إلى الحسين(ع) ونقول: «صلى الله عليك يا أبا عبد الله(ع)». فلنسأل الإمام الحسين(ع) أن يغير أسلوب حياتنا في شهر رمضان كما قد غيره في محرم. فإن كان محرّم وأيام عزاء الحسين(ع) لا تزيد عن عشرة أيام لبعض الناس، فلنحاول أن نذكر الحسين في جميع أيام شهر رمضان.

        تعليق


        • #5
          دور العبادة في أسلوب الحياة 2-1

          بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة الثانية من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ.

          إن الإنسان ليأنس بأسلوب حياته/ إن عدم الثبات والاضطراب في أسلوب الحياة يترك آثارا سلبية كثيرة في روح الإنسان

          إن الإنسان ليأنس بأسلوب حياته، وتارة يصل تعلقه إلى درجة من الشدة بحيث إن سلبت منه أسلوب حياته، قد تلحق به صدمات وعوارض نفسية وعصبية كبيرة. فعلى سبيل المثال يقول البعض في خصوص كبار السن أنهم إذا انتقلوا من منطقتهم وبيتهم فجأة، هذا ما يؤدي عادة إلى بعض المشاكل لهم من قبيل مرض النسيان.
          لقد أجري إحصاء قبل كم سنة على المتقاعدين من أحد المشاغل، وإذا بالنتائج تقول أكثر من خمسين بالمئة من هؤلاء المتقاعدين قد وافاهم الأجل في نفس سنة تقاعدهم، وهذا ما يدلّ على مدى تعلق الإنسان بأسلوب حياته.
          فإن بات الإنسان يتنقل من مكان إلى مكان ومن بيت إلى بيت، فهذا ما سوف يلحق به بعض العوارض بطبيعة الحال. فإذا لم يحظ الإنسان بثبات في عمله وحياته وعلاقاته وفي كلمة واحدة في بعض أسلوب حياته، فإن هذا الاضطراب وخاصة في أيام الكبر قد يؤدي إلى كثير من التداعيات السلبية.

          نحن نأنس بحياتنا بطبيعة الحال، فلابد أن نخطط لما نريد أن نأنس به

          إنّ أحد أسباب تسمية الإنسان بالإنسان هو أنه أهل الأنس، فنحن نأنس بالأشياء التي حولنا كما نأنس بعاداتنا السلوكية وقد يصعب علينا تركها. ولهذا فلابدّ أن نخطط مسبقا لما نريد أن نأنس به.
          ما أحلى أن يستأنس الإنسان بأمثال هذه الأعمال: بأن يستيقض مبكّرا مثلا، أو أن يتوضأ مباشرة بعد ما استيقض، أو يصلي صلاة الصبح في أول وقتها، أو يذهب إلى المسجد و... فإن هذه الأعمال من أهمّ أدوية روح الإنسان من أجل القضاء على جميع الأمراض.
          في يوم القيامة أو بعد الظهور حيث يتطوّر العلم في ذاك الزمان، سوف يتضح أن برنامج الصلوات اليومية التي فرضها الله علينا وأكّد علينا أن نقيمها في المسجد جماعة، كم هي مفيدة وضرورية لروحنا. وسوف يتّضح وقتئذ كم هي نافعة لصحّة روحنا ونفسيتنا بغضّ النظر عن بُعد الارتباط بالله الذي يصحب شعيرة الصلاة.

          إن صحة روحنا تستلزم رياضة «مستمرّة» متناسبة مع اقتضاءات روحنا

          كما أننا بحاجة إلى تمارين رياضية يومية في سبيل حفظ صحة جسمنا، وكما أنه يجب لهذه التمارين أن تكون مستمرّة ومتناسبة مع جسمنا لتترك أثرها الإيجابي على جسمنا، كذلك من أجل صحة الروح لابدّ أن نمارس رياضة متناسبة مع مقتضياتنا الروحية بشكل مستمر.
          لو كنا نقدر على إنتاج فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني، بحيث يجسد هذه الحقيقة للمشاهد أن روح الإنسان بحاجة إلى الأنس بعبادة كالصلاة وهي بحاجة إلى التعلق بالمسجد والحضور في صلاة الجماعة باستمرار وعلى الدوام، لكثر عدد المصلين في المجتمع بسرعة.

          لماذا لم يقل أئمتنا أن لا تصلّوا فيما إذا لم تتوجهوا في صلواتكم؟! لأن مجرد هذه الصلاة العارية من حضور القلب هي مما يحتاجها روح الإنسان

          أحد أسباب أهمية أسلوب الحياة هو أن الإنسان يستأنس بأسلوب حياته ويتعلق به تلقائيا. لماذا لم يقل أئمتنا أن لا تصلوا فيما إذا لم تتوجهوا في صلواتكم؟ أحد الأسباب هو أن مجرد هذه الصلاة العارية من حضور القلب والتوجه هي مما يحتاجها روح الإنسان.
          هل أن الله قد فرض الصلاة للارتباط به وحسب، وليس لها أي أثر على روحنا؟ إن سائر آثار الصلاة الاجتماعية والروحية والجسمية من القوّة بمكان بحيث قد نستطيع ألقول بأنها لا تقل عن أثر الصلاة في تكوين الارتباط مع الله. فإن الآثار الروحية والنفسية للصلاة مهمة جدا وجديرة بالالتفات، ولكننا نغض الطرف عادة عن هذه الآثار الإيجابية المترتبة على الصلاة، حيث لم يأت علم النفس لخدمة الدين وكشف أسراره وأبعاده النفسيّة بعدُ. وما إن دخل علماء النفس في هذا الميدان وخاضوا في آثار عبادة الله والارتباط بالله والعقائد الدينية ذهلوا وانبهروا بنتائج دراساتهم.

          ليست العادة مذمومة إن حمت الإنسان من السقوط، بل تصبح عندئذ من أوجب الواجبات

          أحد الأخطاء الرائجة هي ما يقال: «العادة أمر مذموم، ولا ينبغي للإنسان أن يعتاد». نعم، فإن كانت هذه العادة تحجز الإنسان عن تطوره وارتقائه فهي أمر مذموم، أما إذا منعته من السقوط، فلم تكن مذمومة بل تصبح عندئذ من أوجب الواجبات. فعلى سبيل المثال إن اعتاد أحد على استماع مصائب الحسين(ع) والبكاء عليه، ما جعلته يتوتر ويفقد راحته إن طالت به الأيام ولم يبك فيها على الحسين(ع)، فإن هذه العادة تحميه من السقوط. وكذلك الحال في تعوّد الإنسان على الصلاة، فإن هذا التعوّد من أسباب عدم ترك الصلاة وعدم حرمان الإنسان من الفوائد الروحية والجسمية الكامنة في الصلاة. فحتى لو كانت صلاته بلا حضور وتوجّه، مع ذلك سوف يحظى المصلّي بالحدّ الأدنى من فوائدها.
          قال أمير المؤمنين(ع): «عَوِّدُوا أَنْفُسَ?ُمْ‏ الْخَيرَ؛ الخرائج و الجرائح/ج2/ص596». فإن اعتاد الإنسان على عمل حسن ما، عند ذلك لا يتركه بسهولة، كما أن هذه العادة السلوكية الحسنة لتترك أثرها الإيجابيّ على روحه بشكل مستمرّ.

          يتبع إن شاء الله...

          تعليق


          • #6
            دور العبادة في أسلوب الحياة 2-2

            إن أسلوب الحياة هو الذي يكوّن شاكلة روحنا وإن فائدة هذه الشاكلة الروحية في الواقع هي في حياتنا الأخروية الأبدية.

            إن هذه الفترة المحدودة التي نعيش فيها في هذه الدنيا هي في الواقع مرحلة تمهيدية لتكوين وبلورة روحنا ونفسيتنا وشخصيتنا للعيش في تلك الحياة الأخروية الأبدية. فمن هذا المنطلق لابدّ أن نصبّ اهتمامنا بدراسة الآثار الأبدية التي يتركه سلوكنا على روحنا في الحياة الأخروية الأبدية أكثر من أن نهتم بنتائج سلوكنا على الجانب الشخصي والنفسي في هذه الدنيا، إذ أن أصل الحياة هي الحياة في ذاك العالم الأبدي وكل ما نعيشه الآن في الواقع إنما هو تمهيد لتلك الحياة الأبدية.
            إن ساعة استيقاظنا من النوم، وطريقة كلامنا، وأسلوب زيّنا كلها لها أثار ونتائج، ولكن لا تظهر هذه الآثار هنا بوضوح، بل ستظهر في عالم الآخرة. لأن أسلوب الحياة يكوّن شاكلة روحنا وله أثر عميق على روحنا، وإنّ فائدة هذه الشاكلة الروحية في الواقع هي في حياتنا الأخرويّة الأبدية وسوف تظهر هناك. فعلى سبيل المثال روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: «يُحْشَرُ الْمُؤَذِّنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طِوَالَ الْأَعْنَاق‏؛ المحاسن/ج1/ص49»، وهذا امتياز في عالم الآخرة.
            أحد أسباب اهتمام الله سبحانه وتعالى وحساسيته بجزئيات حركاتنا أثناء العبادة، هو ما تتركه هذه الأعمال من أثر عميق وثابت على روح الإنسان. فعلى سبيل المثال ما أهمية الابتداء باليد اليمنى في الوضوء أو صبّ الماء من أعلى اليد إلى أسفلها إلى غيرها من أحكام وتفاصيل؟ كل هذه الأعمال تشكّل أسلوب الحياة وعادات الإنسان السلوكية ولها آثار على روحنا وجسمنا. فكم من فرق كبير وبون شاسع بين من يغسل وجهه فجر كل يوم لأجل الله فيتوضأ ويصلّي، وبين من يغسل وجهه صبيحة كل يوم لا لأجل الله.
            فهذا الإنسان الذي لم يصم شهر رمضان ـ لا عن مرض أو مبرر آخر بل عن عدم اكتراث ـ من المؤكد أنه لا يستطيع أن يدرك لذة صلاة عيد الفطر، فإن في هذه الصلاة لذة خاصة بالصائمين، ولن يستطيع من لم يصم أن يعوّضها بأيّ لذة أخرى. فإن الإنسان بعد ما صام شهرا كاملا وتحمل عناء الجوع والعطش فيه يصل إلى إحساس وشعور لا يوصف. هذا هو الأثر الذي يتركه العمل في روح الإنسان.
            يعتاد روح الإنسان على بعض الأشياء شاء أم أبى، فلا بدّ أن نراقب ما يعتاد عليه. فتصوروا إذا اعتاد إنسان على قراءة القرآن، فأي حدث رائع سوف يحدث له؟! فعلى سبيل المثال كانت من عادات الدكتور حسابي (أبو الفيزياء والرياضيات الحديثة في إيران) تلاوة القرآن ولعلّه كان يرى الآثار الروحية والنفسية الناتجة من تلاوة القرآن.
            ولا شكّ في أنّ الإنسان الذي لم يتعوّد على الصلاة ولم تستأنس روحه بتلاوة القرآن، تتشوه روحه بطبيعة الحال وسوف لا يجد بدا سوى أن يقضي مليارات السنين في حياته الأخروية بهذه الروح المشوّهة.

            إن الاستمرار على العمل من أهم مقومات أسلوب الحياة/ سوف تظهر آثار أسلوب الحياة في حياتنا الأخروية بشكل واقعي وكامل

            إن الاستمرار على ممارسة سلوك ما هو من أهم مقومات أسلوب الحياة. فإذا استمرّ الإنسان على عمل ما، هذا ما يترك آثارا عميقة في روحه ولا يظهر من هذه الآثار في الدنيا إلا جزء يسير منها، أما باقي الآثار فتظهر بتمامها في الآخرة.
            لماذا يجب أن نهتمّ بأسلوب حياتنا؟ إن سببه الرئيس هو أن أسلوب حياتنا سوف يترك أثره الحقيقي في حياتنا الأخروية، مع كونه لا يخلو من أثر في الحياة الدنيا، ولكنه أثر غير معتدّ به ولا يأتي في الحسبان في مقابل الأثر الأخروي. إذ أن أقصى ما سوف نعيشه في هذه الدنيا هو حوالي مئة سنة أو قل ألف سنة. ولكننا في عالم الآخرة سوف نعيش مليارات السنين وإلى الأبد.

            إن الله قد تفضل علينا بفرض بعض الأعمال العبادية/ فلو كان الأمر بيدنا لما أدركنا ضرورتها

            في الواقع، إن الله قد تفضل علينا ومنّ علينا بفرض بعض الأعمال العبادية الخاصة كالصلاة والصوم والحج وأمثالها، فهو قد نظّم أسلوب حياتنا بهذا التوجيب، إذ لو كان الأمر بيدنا لما أدركنا ضرورة هذه الأعمال والعبادات لروحنا وما تترك فيها من أثر عميق، ولما قمنا بها أبدا.

            إن هذه الدنيا كمعسكر للتدريب، في سبيل أن نعيش في الآخرة حياة أفضل

            لا يترك أسلوب حياة الجنود في المعسكرات وينظم على أساس برنامج دقيق، وإن استفسر أحد عن بعض الممارسات يقال له: «لا سؤال في الجيش». فيجبرون الجنود على تجربة الركض وأنواع الزحف والرمي والحرب الليلية والإزعاج الليلي والعيش في الظروف الصعبة، ليكونوا على استعداد فيما إذا اقتضت الحاجة إلى الذهاب إلى ساحة الحرب الحقيقية.
            فإن سأل الشبابُ مدرّبهم الذي عاش أجواء الجبهة والحرب والآن يتشدّد عليهم في معسكر التدريب، واستفسروه عن سبب تشدّده، يجبهم حينئذ ويقول: إنكم لم تشهدوا جبهة الحرب الواقعية، وإلا لعرفتم أنكم سوف تحتاجون كل هذه الأعمال في ساحة القتال. وبعد ذلك إن ذهب هؤلاء الشباب إلى ساحة القتال سيقولون: يا ليتنا تدربنا أكثر من هذا على تلك الحركات وتعاملنا معها بمزيد من الجدّ.
            إن حياتنا كلها هي دورة تمرين في معسكر، وهذا المعسكر ليس بمحل راحة ودعة، بل غايته هي أن نتهيأ ونتمهد للحياة الأفضل في عالم الآخرة. إذ أن أصل الحياة هناك. إنّ جميع أعمالنا وسلوكنا ولا سيما تلك الأعمال المداوم عليها التي تكوّن أسلوب حياتنا لها تأثير في تحسين حال حياتنا الأخروية ولهذا تمّ هذا التأكيد عليها في معارفنا الدينية.

            يتبع إن شاء الله...

            تعليق


            • #7
              دور العبادة في أسلوب الحياة 2-3

              إن كان أسلوب حياتنا فاشلا في هذه الدنيا، سوف يقصر مدى تحليقنا في الجنة وحياتنا الحقيقية


              إن تصوّر كثير من الناس عن عالم الآخرة والجنة هو أنه ليس لهم في الجنة إلا أن يجلسوا على عرش ويطاف عليهم بأكواب من لبن وعسل وأطباق الفواكه! فيتصورون أنه ليس لنا أي نشاط في الجنة سوى أن نجلس ونتمتع، بينما الأمر ليس كذلك. فسوف نعيش ونحيى في الجنة بكل معنى كلمة الحياة، فتكون هناك لنا مختلف النشاطات والعلاقات مع باقي أهل الجنان، والأمر الوحيد الذي يسقط عنا هناك هو «التكليف». ولهذا فنحن بحاجة إلى كل خصائص الإنسان في سبيل تجربة حياة راقية جدا، ولكننا قد نكون محدودين في التحليق والطموح لما أسلفناه في الدنيا من أسلوب حياة فاشل.
              فإن أصلحنا أية مفردة من أسلوب حياتنا على أساس ما أمره الله سبحانه وتعالى، سوف نجني ثماره في عالم الآخرة. ولهذا نرى علماءنا وأولياء الله كانوا حريصين على أسلوب حياتهم وتنظيمه على أساس شريعتنا الإسلامية.
              أردت أن لا تنعقد المائدة دون مراعاة سنة النبي(ص)

              في ما يتربط بأهمية مراعاة أسلوب الحياة الإسلامية، ينقل آية الله بهجت هذه الحكاية فيقول: كان قد دعي السيد القاضي، أحد كبار العلماء في النجف مع غيره من العلماء على مائدة الإفطار. فعندما اكتملت المائدة وأقبل الضيوف عليها لتناول الإفطار، قال السيد القاضي: ليس في المائدة ملح. ولم يمدّ يده إلى الطعام، وكذلك أمسك باقي الحاضرين عن الطعام احتراما له، فتأخر إحضار الملح نسبة ما وبقي الضيوف ممسكين لمدّة. فبعد انتهاء جلسة الضيافة قال له أحد العلماء: «سيدنا، إن كنتم بهذه الدرجة من الاهتمام والتقيّد بهذه السنّة ما يجعلكم لا تبدأون الطعام قبل الملح أبدا، فلا بأس في مثل هذه المناسبات أن تحملوا معكم شيئا من الملح كي لا تأخروا باقي الناس.» فأخرج هذا الأستاذ من جيبه كيسا صغيرا من الملح وقال له: «كان لي ملح ولكن أردت أن لا تترك سنّة رسول الله في جلستنا».
              صلى الله عليك يا أبا عبد الله

              إن الإنسان إذا راقب إسلوب حياته ونظمّه على أساس أسلوب أولياء الله وأئمته، يصل به الأمر إلى عشق هذا الأسلوب. كنت أقول في مسيرة زيارة الأربعين لإخوتي ورفقائي في المسير أن انظروا كيف قد نظّم الإمام الحسين(ع) أسلوب حياتنا، وانظروا كيف قد وفّر لنا أسباب نزهتنا وابتهاجنا. فقد سألتهم هناك أن لو لم يكن الإمام الحسين(ع) وما كانت هذه الزيارة وهذه المسيرة، فما هي كانت نزهتنا وبهجتنا. ألم تكن زيارة الحسين والمشي إلى كربلاء أيام الأربعين هي أعظم ترفيه لقلوبكم في أيام السنة؟! وهل يعادل لذةَ هذه الزيارة شيء آخر من لذات الدنيا وفرحاتها؟! فكان الشباب يصدقون كلامي ببكائهم الشديد ودموعهم الجارية...
              الحيوانات وفي بعض الروايات حتى الجمادات تستأنس وتعتاد على بعض الأعمال أو على ما يجري حولها من صوت أو عمل، فما بالك بك أيها الإنسان فانظر بماذا تعتاد وتستأنس ليكون معك إلى أبد الآبدين.
              طوبى لمن استأنس بذكر الحسين(ع) في كل يوم أو يلتفت إلى قبر الحسين(ع) ليلة الجمعة وينادي ثلاث مرات: «صلى الله عليك يا أبا عبد الله». فما يدريك فلعلك تسجّل بهذا السلام في قائمة زائري قبر أبي عبد الله(ع).
              إن من خصائص ذكر الحسين هو أن الإنسان سريع التعلق به، فإن تعلق به وتعوّد عليه لم يعد يستطيع تركه لفترة طويلة. ساعد الله قلب الحوراء زينب حيث إنها قد تعلقت بالحسين نفسه... فيا ترى ماذا جرى على قلبها حينما جاء أخوها الحسين ليودعها متجها لمصرعه ومقتله... ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

              تعليق


              • #8
                دور العبادة في أسلوب الحياة 3-1

                بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة الثالثة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ.

                إن لم نبرمج أسلوب حياتنا بأيدينا، فهناك من يبرمج ويخطط لتغيير وإفساد أسلوب حياتنا.

                إن عدم مبالاة الإنسان بأسلوب حياته وأن يتعاطى هذا الموضوع بغير جدّ واكتراث، فهذا ما قد ينجر إلى كارثة في حياة الإنسان. فنحن إن لم نبرمج أسلوب حياتنا بأيدينا ولم نعر اهتماما بالغا بهذا الموضوع، يوجد هناك من يهتمّ بأسلوب حياتنا فيبرمج له ويتصدّى لتغييره وهدمه.
                ثم لا يقتصر أسلوب الحياة على الحياة الاجتماعية أو الفردية وحسب، بل هو يشمل جميع أبعاد الحياة حتى تلك المقاطع التي نرتبط فيها مع الله ونعبد ربّنا.

                «العادة» تمثل عنصرا رئيسا في أسلوب الحياة/ وقد أتتنا أحاديث مهمة عن أئمة الهدى(ع) في مجال العادة

                هنا بودّي أن أتطرق إلى أحد العناصر الرئيسة في موضوع أسلوب الحياة وهو «العادة». فإن الاستمرار على سلوك ما والذي ينجر إلى تبلور العادة يعدّ من أهم أركان أسلوب الحياة.
                لا تخلو حياتنا من ثوابت في أعمالنا وأقوالنا والألفاظ التي نستخدمها دائما. فإنكم إن قمتم بعمل ما لمرة واحدة أو أكثر من ذلك، أو كنتم تمارسون عملا ما في بعض الأحيان بشكل مقطعي غير مستمر، لا يمكن أن نعتبر هذا العمل الخاص داخلا في أسلوب حياتكم. فعلى سبيل المثال إن صرختم ذات يوم أو عطفتم على أحد أو بذلتم من مالكم لمرة واحدة، فهذا لا يمكن أن يعتبر من أسلوب حياتكم. أما إذا قام الإنسان بعمل على دوام ما أصبح هذا العمل من عاداته ودأبه، عند ذلك يدخل في نطاق أسلوب حياته. وبإمكان من ينظر إلى حياتنا من الخارج أن يشخص دأبنا وعاداتنا السلوكية.
                قد يكون أسلوب الحياة مفروضا علينا كرها أو يكون مختارا، ولكن على أي حال إن أعمالنا المستمرّة هي التي تحدّد أسلوب حياتنا وهي التي تتحول شيئا فشيئا إلى عادة. لم يرد في رواياتنا مصطلح «أسلوب الحياة» ولكن هناك أحاديث مهمة جاءتنا عن أئمة الهدى(ع) في مجال العادة، فنشير إليها هنا إن شاء الله.

                نحن كالأسرى والعبيد في قبضة عاداتنا/ لابد أن نكون على حذر مما نعتاد عليه/ إن تغيير العادة كالمعجزة!

                أي عادة نعتاد عليها نحن البشر، فسوف تتسلط علينا ونصبح بيدها كالأسرى والعبيد كما أنّ تغيير العادة من الصعب جدا. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «لِلْعَادَةِ عَلَى ?ُلِّ إِنْسَانٍ سُلْطَان؛ غررالح?م/ ص544/ الحديث10». فمن هذا المنطلق لابدّ أن نكون على حذر ونرى ما الذي نسلطه على أنفسنا، فإن الهروب من قبضة هذا السلطان صعب جدا، إذ سوف يصبح الإنسان أمام عاداته كالعبد الذليل أمام سيّده.
                وقد قال أميرالمؤمنين(ع) في حديث آخر: «رَدُّ الْمُعْتَادِ عَنْ‏ عَادَتِهِ‏ ?َالْمُعْجِزِ؛ تحف العقول/ ص489». لهذا حريّ بالإنسان أن يكون على حذر مما يعتاد عليه من سلوك وأعمال مما يتحول إلى إسلوب حياته، إذ إنه سوف لا يقدر على تغيير هذا الأسلوب وما اعتاد عليه.

                فلنراقب عاداتنا وأسلوبنا في الكلام/ فقد اعتاد البعض على تتبع العيوب والتشاؤم

                فعلى سبيل المثال لابدّ للإنسان أن يرى أيّ أسلوب من أساليب الكلام راح يصير جزء من أسلوب كلامه. فقد اعتاد البعض على أن لا ينظروا سوى السلبيات والثغرات، فتراهم دائما يتذمرون ويتشاءمون. فلابدّ أن نحذر حتى لا يتحول التفاتنا إلى بعض السلبيات والثغرات. فعلى سبيل المثال إن كان جاركم سيئا وتكلمتم عن سلبياته، فإنكم أن داومتم على ذمّه يصبح ذمّ الآخرين واغتيابهم من عاداتكم شيئا فشيئا وهذا غير مطلوب جدا. فلنراقب ولا نسمح لأنفسنا أن نتعود على مثل هذه العادات.
                سأل رجل الإمام الصادق(ع) عَنِ الْإِقَامَةِ بِغَيرِ أَذَانٍ فِي الْمَغْرِبِ؛ يعني استأذنه هل لي أن أكتفي بالإقامة قبل صلاة المغرب دون الأذان، فَقَالَ: «لَيسَ بِهِ بَأْسٌ وَ مَا أُحِبُّ أَنْ يعْتَادَ؛ تهذيب الاح?ام/ج2/ص51»

                إن أقرباءنا ومشاكلنا في الحياة قد يصيرون سببا لأن نكسب عادات سيئة

                يبتلى الإنسان أحيانا بولد غير صالح أو زوجة سيئة الأخلاق، فتجده دائما ينصحهم وينتقدهم، فإنه إن اعتاد على هذا الأسلوب يصبح إنسانا يابسا مرّا لدى الآخرين. وهذا يعني أن مشاكل الحياة والأقرباء قد تصير سببا لأن يكسب الإنسان عادات سيئة. ولهذا لابدّ أن نكون على حذر مما نعتاد عليه.
                لابدّ للإنسان أن يراقب عاداته بشدّة، فيحاول أن لا يعتاد على السيئات من جانب، وأن يعتاد على الأعمال الصالحة من جانب آخر وأن يخطط في سبيل التعوّد على الأعمال الصالحة.

                يتبع إن شاء الله...

                التعديل الأخير تم بواسطة نفس المهموم; الساعة 25-10-2014, 01:59 PM.

                تعليق


                • #9
                  دور العبادة في أسلوب الحياة 2-3

                  التعود على إفشاء السلام مدعاة إلى زوال كثير من السلبيات

                  كم أن أحكام الإسلام من الوسعة بمكان وكم حاولت أن تعوّدنا على العادات الجيّدة. فعلى سبيل المثال كم جاءتنا وصايا في إفشاء السلام. فقد قال الإمام محمد الباقر(ع): «إن الله عز وجل يحب إفشاء السلام»(الكافي/ج2/ ص645). فإن هذه العادة بحد ذاتها تحمل آثارا وبركات كثيرة وتستطيع أن تقضي على الكثير من السلبيات الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية والمشاكل النفسية في الإنسان. فإنكم إن تعوّدتم على إفشاء السلام، واعتراكم غرور من جانب، تأتي عادتكم هذه ولن تسمح بالغرور أن يظهر على سلوككم فتفرض عليكم أن تفشوا السلام بتواضع. فهذه العادة البسيطة في الواقع وقفت مانعا أمام ظهور الغرور وبالتالي سوف يضعف غروركم تلقائيا عندما لا يجد سبيلا لظهوره.

                  كل الخير والصلاح في حسن العادة/ لقد اشتهر بيننا مع الأسف أن العادة غير مطلوبة


                  يقول أمير المؤمنين(ع): «?َفَى‏ بِفِعْلِ‏ الْخَيرِ حُسْنُ‏ عَادَة» (غررالح?م/ص520/حديث36) وهذا ما يحكي عن أن الخير كله ينال بحسن العادة.
                  وقال أمير المؤمنين(ع) في حديث آخر: «عَوِّدْ نَفْسَ?َ‏ السَّمَاحَ‏ وَ تَخَيرْ لَهَا مِنْ ?ُلِّ خُلُقٍ أَحْسَنَهُ فَإِنَّ الْخَيرَ عَادَةٌ» (تحف العقول/ص86). فبالرغم من كثرة الروايات التي أكّدت على كسب العادات الحميدة ولكن للأسف قد اشتهر بيننا أن «العادة غير مطلوبة أو عندما يتحول سلوك ما إلى عادة فهو أمر غير ممدوح». نعم! إنّ كسب العادة السيئة عمل سيئ بلا ريب، وحتى بعض العادات الجيدة قد تشكّل مانعا أمام الإنسان من التطور والارتقاء، ولكن يفترض في بداية الأمر أن نلتفت إلى الجوانب الإيجابية وبركات العادات الحسنة، وبعد ذلك نتطرق إلى آفاتها الاحتمالية.

                  إحدى العادات السيئة الرائجة هي التذمّر والتأكيد على تدهور أوضاع المجتمع وأنها تذهب من سيئ إلى أسوأ!

                  الإنسان أسير عاداته حقا. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «لِسَانُ?َ يسْتَدْعِي?َ مَا عَوَّدْتَه» (غرر الحكم/ ص572/ الحديث25). فترى لسان بعض الناس لا ينفكّ عن الجرح والنتر حتى في مزاحه، وترى بعض الناس قد اعتادوا على استخدام بعض العبارات وتعودوا على إيذاء الغير بلسانهم.
                  ومن طبيعة الناس هي أنهم ينجرون من حيث لا يشعرون إلى ما اعتاد عليه لسانهم، فأسلوب تفكيرهم يتبع أسلوب كلامهم وهكذا الحال في روحياتهم فإنها تنظّم على أساس كلامهم وتفكيرهم. فلسان كلّ امرئ يجره إلى نفسه. فعلى سبيل المثال إن عوّدنا لساننا على التذمّر والذمّ والانتقاد، سوف يجرّنا لساننا إلى التشاؤم في مقام التفكير. ولهذا تجدون كثيرا من الناس قد اعتادوا على مشاهدة سلبيّات المجتمع وحسب، فكل ما جلسوا في مكان كالتكسي أو شاحنة المسافرين يبدأون بالانتقاد وأن الأوضاع متدهورة وتذهب إلى الأسوأ يوما بعد يوم! إن هذه لعادة وتمثل أحد أنواع أسلوب الحياة في الكلام.

                  مع الأسف إن أسلوب حياة أكثرنا جعلنا نبدأ الكلام بالانتقاد والكلام السلبي تجاه المجتمع/ ومن طبيعة هذا الأسلوب أن يلحق بنا الحزن والهمّ

                  إن هذا الأسلوب من الكلام الذي يتعاطاه البعض من أن أوضاع المجتمع في تدهور وسقوط، إنما هو تشاؤم وضرب من الأمراض اللسانية التي قد تؤدي إلى مرض نفسي. فهذا يحكي عن أن نظرة هذا الإنسان إلى أوضاع العالم نظرة سلبية. بينما لا يحكي مجمل أوضاع المجتمع بشكل عام عن أنها ذاهبة إلى الدمار والخراب، بل بالعكس فإنها في تحسّن وتطور دائم. ولا يعني هذا الكلام أننا لا نعاني من مشاكل. نعم، نحن نعاني من بعض المشاكل والتحديات ولكن على رغم هذه المصاعب والمشاكل نجد أن حركتنا تتجه صوب التكامل والتطوّر. ومن جانب آخر صحيح أن أسعار البضائع تحكي عن وجود غلاء وتضخم ولكن قد ارتفع المستوى المعيشي للناس نسبة إلى ما كانوا عليه سابقا.
                  فمع الأسف أصبح أسلوب حياتنا هو أن نبدأ الحديث بالتذمر والتشاؤم. فهذا ما سوف يؤثر على روحيتنا ويلحق بنا الحزن والهمّ. فلابد أن نقول إلى هؤلاء المتشائمين: افرحوا وابتهجوا بقدر ارتقاء مستوى معيشتكم واحزنوا بقدر مشاكلكم. فافرحوا بقدر ما تحظون به من إمكانات ووسائل الرفاه واحزنوا على ما حرمتم منه. ولكن ترى هؤلاء المتشائمين في حزن وهمّ دائم بسبب عادتهم على الانتقاد الكثير والتأكيد على السلبيات والنواقص.

                  ترى كثيرا من الناس لا يتحرك لسانهم في الحديث عن إيجابيات المجتمع ونقاط قوته ومحاسنه/ حتى في الدعاء يفترض أن نبدأ بحمد الله وشكر نعمه ثم ننتقل إلى ذكر الحاجات وعرض المشاكل

                  ترى كثيرا من الناس ـ وللأسف ـ لا يتحرك لسانهم في الحديث عن إيجابيات المجتمع ونقاط قوته ومحاسنه، فكأنه قد اعتلّت وسقمت رؤيتهم. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: «وَ قَليلٌ مِنْ عِبادِي الشَّ?ُورُ»(سبأ/13). يعوّدنا إسلامنا العزيز على أن نرى نعم الله وفضله علينا في بادئ الأمر لا أن ننظر إلى النواقص والمشاكل. ولهذا قد وصّونا أئمتنا في آداب الدعاء أن ابدأوا دعاءكم بشكر نعم الله عليكم وبعد ذلك اطلبوا حاجاتكم.

                  الدعاء غير المسبوق بشكر النعم قد يجرنا إلى عادة سيئة

                  إن الدعاء عمل صالح بطبيعة حاله، أما إن لم يؤدّ بالشكل الصحيح قد يجرنا إلى عادة سيئة. فعندما يكثر الإنسان طلب الحاجات عند الله سبحانه بلا أن يشكر نعمه عليه أثناء الدعاء، فدائما يقول: «إللهم أخرجني من فقري وأزمتي المالية، وشاف طفلي وحلّ مشكلتي و...» فإن داوم الإنسان على هذا السلوك وهذا النمط من الدعاء قد يؤدي به إلى عادة التشاؤم والنظرة السلبية تجاه أوضاع الحياة.
                  فمن أجل أن لا نتورّط بهذه العادة إثر عرض المشاكل إلى الله سبحانه، علّمنا أهل البيت(ع) أن نبدأ الدعاء بالشكر واستعراض ما رزقنا الله من النعم المادية والمعنوية. وهذا من آداب الدعاء. كما في دعاء الإمام السجاد(ع) المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، نجد المقاطع الأولى من الدعاء حمدا لله؛ «الْحَمْدُ لِلَّهِ‏ الَّذِي‏ أَدْعُوهُ‏ فِيُجِيبُنِي‏ وَ إِنْ كُنْتُ بَطِيئاً حِينَ يَدْعُونِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي وَ إِنْ كُنْتُ بَخِيلًا حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي وَ أَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفِيعٍ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا أَدْعُو غَيْرَهُ وَ لَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعَائِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا أَرْجُو غَيْرَهُ وَ لَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لَأَخْلَفَ رَجَائِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَكَلَنِي إِلَيْهِ فَأَكْرَمَنِي وَ لَمْ يَكِلْنِي إِلَى النَّاسِ فَيُهِينُونِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَحَبَّبَ إِلَيَّ وَ هُوَ غَنِيٌّ عَنِّي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَحْلُمُ عَنِّي حَتَّى كَأَنِّي لَا ذَنْبَ لِي فَرَبِّي أَحْمَدُ شَيْ‏ءٍ عِنْدِي وَ أَحَقُّ بِحَمْدِي...‏» وكذلك الحال في باقي أدعية أهل البيت(ع) حيث نجد أنها مليئة بحمد الله. فمن أروع مصاديق حمد الله في الدعاء هو ما نجده في دعاء الإمام الحسين(ع) في يوم عرفة، حيث ابتدأ دعاءه بهذه العبارات: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَيْسَ لِقَضَائِهِ دَافِعٌ وَ لَا لِعَطَائِهِ مَانِعٌ وَ لَا كَصُنْعِهِ صُنْعُ‏ صَانِعٍ‏ وَ هُوَ الْجَوَادُ الْوَاسِعُ فَطَرَ أَجْنَاسَ الْبَدَائِعِ وَ أَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنَائِعَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الطَّلَائِعُ وَ لَا تَضِيعُ عِنْدَهُ الْوَدَائِعُ أَتَى بِالْكِتَابِ الْجَامِعِ وَ بِشَرْعِ الْإِسْلَامِ النُّورِ السَّاطِعِ وَ هُوَ لِلْخَلِيقَةِ صَانِعٌ وَ هُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى الْفَجَائِعِ جَازِي كُلِّ صَانِعٍ وَ رَائِشُ كُلِّ قَانِعٍ وَ رَاحِمُ كُلِّ ضَارِعٍ وَ مُنْزِلُ الْمَنَافِعِ وَ الْكِتَابِ الْجَامِعِ بِالنُّورِ السَّاطِعِ‏ وَ هُوَ لِلدَّعَوَاتِ سَامِعٌ [لِلْمُطِيعِينَ نَافِعٌ‏] وَ لِلدَّرَجَاتِ رَافِعٌ وَ لِلْكُرُبَاتِ دَافِعٌ وَ لِلْجَبَابِرَةِ قَامِعٌ وَ رَاحِمُ عَبْرَةِ كُلِّ ضَارِعٍ وَ دَافِعُ [وَ رَافِعُ‏] ضَرْعَةِ كُلِّ ضَارِعٍ فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَ لَا شَيْ‏ءَ يَعْدِلُهُ وَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ الْبَصِيرُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِير».

                  يتبع إن شاء الله...

                  تعليق


                  • #10
                    أحد أسباب التأكيد على «حمد الله» هو أهمية النظرة الإيجابية والابتعاد عن التشاؤم/ أراد الله أن نعتاد على النظرة الإيجابية، بيد أننا عوّدنا أنفسنا على النظرة السلبية والتشاؤم/ السورة الوحيدة الواجبة في القرآن هي سورة الحمد


                    أحد أسباب تأكيد الإسلام على الشكر وإظهار الشكر باللسان وت?رار ذكر «الحمد لله»، هو أهميّة النظرة الإيجابية والتفاؤل بالخير وعدم التعوّد على التشاؤم والنظرة السلبية في الحياة.
                    لقد أراد الإسلام أن نعوّد لساننا على ذكر الخير وتسليط الضوء على المحاسن والإيجابيات وحمد الله. السورة الوحيدة الواجبة في القرآن الكريم هي سورة الحمد التي تجب قراءتها في الصلاة يوميا. وقد سميت هذه السورة بسورة «الحمد» وتبدأ بآية «الحمد لله رب العالمين». وهذا يدلّ على أنّ الله ليعوّدنا من خلال هذه السورة على الشكر والنظرة الإيجابية، بيد أنّنا وللأسف نعوّد أنفسنا على التشاؤم والرؤية السلبية.
                    فقد يتصور البعض أنهم لو شكروا الله بألسنتهم، سيتصوّر الله أنه لا مشكلة لهم وعليه فلا يعينهم على حلّ مشاكلهم! بينما الأمر بالعكس تماما. فعندما نشكر الله سبحانه وتعالى: يقول الله لملائكته أن عبدي قد شكرني بالرغم من معاناته كلّها، فيأمرهم بتخفيف بعض المشاكل عنّا. إذ أن الله هو أعلم منا بما نعاني منه من مشاكل، فإن التزمنا بأدب العبوديّة وشكرنا الله سبحانه في خضمّ المشاكل، سوف يزيدنا الله سبحانه من فضله وعونه. ولهذا يقول: «وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّ?ُمْ لَئِنْ شَ?َرْتُمْ لَأَزیدَنَّ?ُمْ»(إبراهیم/7).

                    إن لم نراقب ما نكسبه من عادات، سوف يُشقينا الشيطان بالعادات السيئة

                    إن لم يبرمج الإنسان لعاداته فقد دخل في مخاطرة كبيرة جدا. فإننا إن لم نبرمج لعاداتنا ولم نكترث بهذا الموضوع يهلكنا الشيطان بتعويدنا على العادات السيئة. فإن الشيطان يقول مع نفسه: يكفي لهذا الإنسان أن يمارس العمل السيئ لعدّة مرات، فعند ذلك لا يستطيع التخلّص منه ويشقى.
                    يتورّط الإنسان ببعض العادات السيئة ـ مع الأسف ـ بسبب الغفلة وعدم الالتفات. فعلى سبيل المثال قد يعتاد البعض على التلهّي بالنظر فإنه لم يعد يشعر باللذة بعد ما تعوّد على هذا العمل، ولكنّه يبقى يمارس هذا السلوك لعادته فقط، فتلحق هذه العادة به أضرارا وصدمات فادحة. وكذلك ترى بعض الفتيات قد تعودن على عدم الالتزام بالحجاب الكامل، فإنهن عندما تعوّدن على هذا السلوك، يصبح الحجاب أصعب عليهنّ. فقد يكون هذا الإنسان المعتاد على هذه العادات السيئة إنسانا صالحا وذا قلب نقيّ وباطن طاهر، ولكن بضع عادات سيئة في اللسان والبصر والسمع بإمكانها أن توقع الإنسان في متاهات وتلحق به أضرارا لا تجبر.

                    أسلوب الحياة مما يأنس به الإنسان/ تكفي بضع عادات سيئة لتَعَس الإنسان/ وكذلك من شأن بضع عادات حميدة أن تنقذ الإنسان من مهالك

                    لماذا أسلوب الحياة أمر مهمّ جدا؟ لأن أسلوب الحياة يعني تلك الأعمال التي يقوم بها الإنسان بشكل مستمرّ وهذا الاستمرار يؤدي إلى تبلور العادات. فأسلوب الحياة مما يأنس به الإنسان، فإننا إذا استأنسنا أسلوب ما في الحياة وكان هذا الأسلوب ينطوي على بعض السلبيات والثغرات، سيفرض هذا الأسلوب بعض العادات السيئة علينا وهي بحد ذاتها كافية لتَعَس الإنسان. ومن جانب آخر إن كان أسلوب حياتنا ينطوي على بعض العادات الحميدة في السلوك أو الكلام أو النظر، سوف تقدر هذه العادات الحميدة على إنقاذنا من بعض المهالك.

                    كل إنسان سوف يبحث عند موته عمّا اعتاد عليه في حياته

                    ترى بعض الناس قد اعتادوا على بعض الأذكار، فعلى سبيل المثال تجدهم يكررون أسماء أهل البيت(ع) عند النوازل والمصائب فيرددون ذكر «يا زهراء» و«يا علي(ع)» و«يا حسين(ع)» دائما، وهذه من العادات الجميلة جدا.
                    في لحظات آخر عمرنا وعند سكرات الموت سوف نعجز عن كلّ شيء ولا يصدر منّا وقتئذ إلا ما اعتدنا عليه طول حياتنا. فسوف تسكن جميع قوانا وإراداتنا إلا ما أنسنا به فلم نعد نقدر على أي عمل آخر. ولهذا ترى بعض الناس عند نزع روحهم يداومون على ذكر «یا حسین(ع)» إذ قد تعوّدوا طيلة حياتهم على أن ينادوا الحسين عند المحن والمصاعب والوحشة.
                    فكل إنسان سوف يبحث عند موته عمّا اعتاد عليه وأنس به في حياته. فإن أنس أحد بأمير المؤمنين(ع)، حينئذ يأتي إليه أمير المؤمنين(ع) عند مماته ويخرجه من وحشته. حيث قال أميرالمؤمنين(ع): «مَنْ‏ أَحَبَّنِی‏ وَجَدَنِی‏ عِنْدَ مَمَاتِهِ حیْثُ یُحِب‏»(صحیفة الإمام الرضا(ع)/ص86).
                    إن شاء الله عند مماتنا وفي تلك اللحظات الأخيرة التي يهشّ قلب الإنسان إلى ما تعلق به واستأنس به، يضيق صدرنا شوقا إلى جلسات مصائب الحسين(ع)، وإلى المسجد وإلى الصلاة.
                    ذات يوم في الجبهة كنت أنظر إلى أحد الشباب المجاهدين، وإذا بطلقة تصيب في قلبه، فما أن أصيب بقلبه وراح يفارق الحياة نادى ثلاث مرات، علي علي علي، ثم استشهد. هذا هو دور عاداتنا وأنسنا في آخر لحظات الحياة.
                    كانت الزهراء قد فارقت الحياة بحسب الظاهر، فما أن جاءها أمير المؤمنين(ع) أخذ رأسها وتركه في حجره وناداها يا زهراء فلم تكلمه، فناداها يا بنت محمد المصطفى فلم تكلّمه...إلى أن قال لها يا فاطمة كلميني فأنا ابن عمّك عليّ بن أبي طالب، فما إن سمعت فاطمة باسم عليّ، فتحت عينيها ونظرت إليه، وبكت ثم أوصته بالبكاء عليها وولديها الحسن والحسين فقالت: ابكني إن بكيت يا خيرَ هادِ/ واسبل الدمع فهو يوم الفراقِ/ يا قرين البتول أوصيك بالنسلِ/ فقد أصبحا حليفَ اشتياقِ/ ابكني وابكِ لليتامى ولا/ تنسَ قتيلَ العِدى بطفِّ العراقِ. فكأنها أقامت مجلس عزاء في آخر لحظات عمرها، ولعلها كانت تريد أن تخفّف من غليل زوجها حيث كانت تعلم أن لن يتسنّى لعليّ البكاء بسهولة بعد رحيلها، فأين يبكي بعدها أفي المسجد أم في البيت عند أطفاله، أين يبكى علي حزنا على فراق فاطمة؟... ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

                    تعليق

                    عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
                    يعمل...
                    X