إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الشعر السياسي عند علماء الشيعة 1914 ـ 1970

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الشعر السياسي عند علماء الشيعة 1914 ـ 1970

    الشعر السياسي عند علماء الشيعة 1914 ـ 1970
    خضير الركابي

    اشتهر علماء الدين الشيعة الى جانب نشاطهم العلمي في حقول المعرفة الإسلامية، بإهتمامهم الكبير بالشعر والأدب. فقد كانت النجف الأشرف مركز الحوزة العلمية، منطلق الشعراء ومستقرهم، ففيها حدثت أضخم وأكثف ولادات شعرية، بحيث نستطيع القول ان أي مدينة أخرى لم تقترب منها ولو نسبيا في هذه الظاهرة التي ميزت النجف عن غيرها، فكانت إحدى معالم حياتهما البارزة. وهذا ما يمكن رصده بسهولة من خلال الحشد الكبير من الأسماء اللامعة في عالم الشعر العربي، وللدرجة التي صنفت فيها موسوعات رجالية ضخمة، ترجمت شعراء النجف الأشرف.

    ولقد أثّر الإهتمام النجفي بالشعر على بقية المراكز الشيعية المقدّسة، فظهر فيها بعض الشعراء المبدعين، لكن نسبتهم العددية لم ترق الى مستوى الكثافة العددية للشعراء العلماء في حوزة النجف الأشرف. ولا نشك بأن الخصوصية الدينية والعلمية والإجتماعية لها هي التي كانت وراء تحولها الى قاعدة إنطلاقة للشعر العربي في دائرته الإسلامية الشيعية.

    ولأن الحوزة العلمية في هذه المدينة المقدّسة، تستقطب طلبة العلوم الدينية من مختلف البلدان الإسلامية. كما إنها تشكل موطناً دائماً او شبه دائم لكبار الفقهاء والعلماء ولا سيما الايرانيين. لذلك كان من الطبيعي ان نجد بين قائمة كبار الشعراء، أسماء لشخصيات علمية من الايرانيين واللبنانيين والخليجيين وغيرهم.

    لكن عراقة المدرسة الشعرية لعلماء الشيعة، وضخامة نتاجها الأدبي، لم يحض بالإهتمام المطلوب من قبل النقاد. وإن ما سلط من أضواء عليها لا يعدو ان يكون نوراً خافتا إذا ما اعتمدنا القياس الموضوعي الذي يتناسب مع ضخامة الحركة الشعرية لعلماء الشيعة.

    وهناك ملاحظة أُخرى تلك هي: إن الدراسات الأدبية التي تناولت الشعر الشيعي، تركزت على بيان الجو الشعري في النجف الأشرف، باعتباره أحد مظاهرها الحضارية، كما كانت هناك تأكيدات متكررة على الجوانب الطريفة في الشعر الشيعي من قبيل الرسائل الشعرية والجلسات العامة والمناظرات والتواريخ وما الى ذلك من مواقف أدبية. فيما أُغفل الجانب النقدي الذي يتناول القيم الأدبية والموضوعية لشعر علماء الشيعة.

    إن إستعراض حركة الشعر السياسي عند علماء الشيعة طوال الفترة الممتدة بين عامي 1914 و1970، يمكننا من تثبيت الحقائق التالية:

    أولاً:

    كانت أجواء الحوزة العلمية في النجف الأشرف هي المصدر الأول لشعراء العراق. وقد إحتل الشعر فيها مكانة متميزة. حيث شغل إهتمام العلماء وملأ مساحة واسعة من الجو العلمي. وكان الشعر بمثابة الرصيد الإضافي لعلماء الدين، لذلك نجد ان الكثير من العلماء الذين فرضوا وجودهم من خلال المنزلة العلمية والموقع الديني، إهتموا بنظم الشعر وسجلوا حضورهم في الميدان الأدبي، وظلوا يواكبون حركته باستمرار.

    وقد ساهم هذا الإهتمام في بروز أسماء لامعة كبيرة في ساحة الشعر العربي بأسره، كالسيد محمد سعيد الحبوبي والسيد محمد جمال الهاشمي والسيد مصطفى جمال الدين والسيد محمد حسين فضل الله، بل إن الشاعر محمد مهدي الجواهري إنطلق في مسيرته الشعرية الضخمة من أجواء الحوزة العلمية في النجف الأشرف، قبل ان يتخلى عن زيه الديني ويبتعد عن الجو الإسلامي.

    وحين نؤكد على أهمية النجف في حياة الشعر، فان ذلك لا يعني عدم بروز شعراء أسلاميين في المدن المقدسة الأُخرى. لكن ذلك لم يصل الى مستوى الظاهرة كما هو في النجف. فلقد كان شعراء المدن الأُخرى يمثلون نماذج شعرية محدودة العدد.

    ان حركة الشعر في النجف الأشرف كانت من القوة والكثافة بحيث أنها أثرت على الاتجاه الشعري في العراق كله، ثم امتدت بعد ذلك لتؤثر في العديد من البلدان الإسلامية. وذلك نتيجة إنتشار قصائد الشعراء في تلك البلدان، ونتيجة عودة بعض العلماء الشعراء الى أوطانهم بعد إكمال دراستهم في الحوزة العلمية كالسيد محمد حسين فضل الله الذي تكونت شخصيته الشعرية في نوادي الأدب في مدينة النجف.

    ثانياً:

    فرضت طبيعة الأحداث التي مرت على الساحة العراقية ان يكون لعلماء الدين موقفاً أزاء كل حدث. فالإحتلال البريطاني للعراق، ومقاومة هذا الإحتلال عن طريق الثورة المسلحة، وتحديد شكل الحكم، وغير ذلك من القضايا السياسية المهمة، كانت تفرض على علماء الدين ان يحددوا الموقف الشرعي للأُمة، في كل واحد من تلك الأحداث، ولقد دخل علماء الدين في ضوء التطورات الحساسة والمتلاحقة، ساحة الأحداث كطرف قيادي ومحرك للأُمة ضد الإنجليز او ضد الحكومة. بحيث أصبح وجودهم في المعترك السياسي هو الوجود المتميز. مما أفرز بطبيعة الحال ان يكونوا وسط الأحداث وان يسجلوا حضورهم الدائم فيها.

    إن هذه المواكبة السياسية جعلتهم يتفهمون أبعاد الحدث بتفصيلاته وجزئياته. كما إنها كانت تحتم عليها ان يعرفوا الأُمة بما يدور من مواقف وتطورات سياسية. وهذا ما كان ينعكس من خلال الخطاب المباشر مع الجمهور. فكان خطاب الشعراء منهم، يتمثل بالقصيدة السياسية التي تلقى في المهرجان الجماهيري، او تكتب في صحف المعارضة.

    ولقد إستثمر علماء الشيعة الشعراء أية فرصة ومناسبة ليعبروا عن آرائهم السياسية وليطرحوا وجهات نظرهم تجاه حركات الأحداث السياسية في العراق. واستطاعوا بالفعل ان يغطوا الأحداث بدقة وكفاءة. بل إنهم تخطوا إطار الفعل السياسي باستكشاف الأبعاد الخفية للسياسات الإستعمارية او للاتجاه السلطوي الحاكم. وكانت حصيلة ذلك كله، نتاجا شعريا كبيرا شارك فيه معظم الشعراء من علماء الشيعة.

    ثالثاً:

    من خلال رصدنا للنتاج الشعري لعلماء الشيعة بشكل عام، وجدنا (كما سيتبين) ان الفترة الاولى(1918 ـ 1939) والفترة الثانية (1939 ـ 1945) غطاها نفس الشعراء، فقد ظلت الأسماء متكررة في الفترتين مثل الشيخ محمدرضا الشبيبي والشيخ محمد باقر الشبيبي والشيخ محمد علي قسام والشيخ محمد علي اليعقوبي والسيد هبة الدين الشهرستاني والشيخ محمد جواد الجزائري.

    ان بقاء الشخصيات الشعرية بنفسها على امتداد هاتين الفترتين، جعل الإتجاهات العامة للشعر تظل متشابهة بينهما. وإذا ما تجاوزنا التقسيم الزمني الخاضع للمرحلة السياسية فإننا لا نستطيع ان نتبين وجود حركتين شعريتين خلال تلك السنوات الطويلة، إنما حركة شعرية واحدة لها خصائصها الفنية المتميزة ولها شخصياتها الثابتة على الأغلب، ما عدا بعض الإستثناءات التي لا يمكن ان تشكل خللا لها التقويم. وكان من نتيجة هذا الثبوت في الشخصيات الشعرية، عدم حدوث تطور في الخصائص الأدبية والفنية للشعر الشيعي خلال السنوات الممتدة من عام 1918 الى 1945م.

    رابعاً:

    في الفترة الثالثة(1945 ـ 1970) برزت طاقات شعرية جديدة وسط علماء الدين الشيعة، وقد تميز هذا الجيل من الشعراء بقدرته على تطوير الشعر الإسلامي، حيث كانت لهم نظريتهم الواضحة للأدب الإسلامي ودوره في الحياة السياسية. ولعل تطور حركة الأدب العربي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد فرضت نفسها على جيل الشعراء بأسره، كما إن مواكبة هذه الطبقة من شعراء الشيعة للتطور الأدبي، وإدراكهم بأهمية إدخال عناصر التطور في الشعر الشيعي قد ساهم في تجاوز الشعر للصيغ التقليدية التي كانت سائدة في ما سبق وهذا ما نلاحظه في دخول بعض الشعراء كالسيد محمد حسين فضل الله مجال الشعر الحر. وهو إتجاه لم يكن مألوفا في الحياة الأدبية عند علماء الشيعة حتى عقد الخمسينات من القرن العشرين.

    كما إن شعراء هذه الفترة وسعوا من دائرة الاغراض الشعرية السياسية حيث عالجوا شؤون المسلمين بنفس حركي وسلطوا الأضواء على الأبعاد الحضارية للهجمة الإستعمارية، وبذلك كان نتاجهم الشعري السياسي يتناول القضايا الإجتماعية والحركية والطائفية وغيرها من المسائل التي تتصل بحركة السياسة أيامذاك. وقد برز في هذا الإتجاه السيد محمد جمال الهاشمي والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ أحمد الوائلي والشيخ جعفر الهلالي. واستطاع هؤلاء الشعراء وغيرهم من إثراء الشعر الشيعي في بعده السياسي، إضافة الى مواجهة الأساليب المضادة بتصور إسلامي واضح.

    خامساً:

    لم يكن الشعر هو الهوية التي تعرف العالم الشيعي او تطرحه جماهيريا، إنما كان الشعر هو العنوان الثاني لشعراء الشيعة من علماء الدين. فلقد عرفتهم الأوساط العلمية والمثقفة والجماهيرية من خلال نشاطاتهم الإسلامية ونتاجاتهم الفكرية. ولو إنهم تحركوا من خلال الشعر وحده، لاستطاعوا ان يكسبوا السمعة والمنزلة الإجتماعية أيضاً. حيث كان شعرهم من القوة للدرجة التي يعتبر فيها عنواناً عريضاً. ونقصد من وراء هذه الملاحظة إنهم أثبتوا جدارتهم في الميدانين الشعري وغيره، وإن كان الآخر قد سبق الأول فالسيد محمد جمال الهاشمي عرف أولا كعالم ديني ذي منزلة رفيعة، وكذلك الشيخ أحمد الوائلي عرفته الأوساط الجماهيرية خطيباً بارعاً، والسيد محمد حسين فضل الله عرفه القراء مفكراً كبيراً. وذلك قبل ان يتعرف عليهم الوسط الإسلامي على أنهم شعراء. وهذه ظاهرة تميز حركة الشعر الشيعي وتميز كذلك علماء الدين الشيعة من الشعراء.

    سادساً:

    رغم المكانة العالية لشعراء الشيعة في عالم الأدب، ورغم نتاجاتهم الغزيرة، إلا إنهم لم يحضوا بالقسط العادل من الإهتمام. وكانت هناك محاولات لطمس معالم شخصياتهم الشعرية. ولعل من الاسباب الرئيسية وراء ذلك، سيطرة الحسابات السياسية على الدوافع الموضوعية، فلقد وجدت الأجهزة الحكومية ووسائل الإعلام المرتبطة بها إن تسليطها الضوء على شعراء الشيعة إبرز لدور علماء الدين وهو ما يتعارض مع السياسات الحكومية المعادية للإسلام. كما ان الطائفية هي الأُخرى وقفت عائفا دون بروز شعراء الشيعة على صورتهم الحقيقية، ومع ذلك فقد فرضوا أنفسهم على الحياة الأدبية.

    سابعاً:

    مع نهاية عقد الستينات تعرضت حركت الشعر عند علماء الشيعة الى الضعف، فلم تبرز أسماء جديدة بالشكل الذي كان يحدث سابقاً. وهي ظاهرة لا تنسجم مع المسار الطبيعي التاريخي لتطور الحياة الأدبية في الأوساط العلمية الشيعية. فالمفروض ان يتزايد عدد الشعراء مع تقدم الزمن بفعل تراكم التجارب الشعرية وتعاظم التراث الأدبي. لكن الذي حدث خلاف ذلك تماما حيث أصبحت الولادات الشعرية قليلة ومتباعدة. وفي إعتقادنا ان سبب ذلك يعود الى أن جو الحوزة العلمية بدأ يميل الى الأبحاث الأُصولية والفقهية وبشكل متسع بحيث إستغرق إهتمام طلبة الحوزة وعلمائها. كما ان سيطرة التقاليد والأعراف على الجو الحوزوي كانت تؤثر كثيراً في مسارات الحياة داخلها. وقد ظهر إتجاه عرفي مع نهاية الخمسينات، يعارض الشعر في الوسط العلمي مما أضعف إهتمام العلماء بالشعر ونظمه.

    ثامناً:

    في الشعر السياسي عند علماء الشيعة كانت المباشرة والخطابة هي الصفة البارزة على قصائدهم. مما أفقدها الكثير من جماليتها. فلقد كان الشاعر الشيعي بصدد خطاب جماهيري يستعرض الظروف السياسية ويعالج واقع الأُمة عبر أبيات قصيدته. لذلك كان يهتم بالحدث أكثر من إهتمامه بالناحية الفنية كما إنه كان يحاول لفت أنظار الأُمة الى حقيقة ما يدور في الساحة بأقصى درجات الوضوح لذلك إبتعد عن الأُسلوب الرمزي قدر الإمكان. وراح أكثر من ذلك يحاول الإحاطة بالموقف السياسي من جميع جوانبه على حساب المعيار الفني للقصيدة. على أن من الضروري القول إن شعراء الشيعة لم يكونوا يفتقرون الى القدرة الفنية والجمالية في نظم الشعر. وهذا ما نلاحظه واضحا في قصائدهم الوجدانية والأخوانية والرثائية. حيث كانت على درجة متقدمة من النواحي النقدية.

    الشعر الشيعي بين عامي 1918 ـ 1939

    في مطلع عام 1918م تمت سيطرة القوات الإنجليزية على العراق وبذلك يدخل العراق مرحلة جديدة من حياته السياسية حيث بدأ يواجه لونا جديدا من الإحتلال ما كان يألفه في الأزمنة السابقة، لأن الدول العثمانية كانت فيما سبق تضفى على عرشها جلباب التدين والإسلام وإن كانت هويتها الإسلامية موضع شك وريبة في نفوس الأُمة آذاك.

    وعلى أي حال ان المسألة بدأت بغاية الصعوبة عند ما دخلت القوات البريطانية الى العراق. وفي خضم هذه الأجواء الملبدة بغيوم الفتك والدمار وإزهاق أرواح الناس الآمنين كان الكثير من أبناء الأُمة ومعهم علماء النجف يدركون إن الوقوف الى جانب الصف العثماني في مواجهة الإنجليز هو الموقف المطلوب إسلاميا ووطنيا آنذاك. لا لأن العثمانيين هم أصحاب القرار الشرعي في العراق وإنما المسألة كانت من أهون الشرين، وحتى العثمانيين أنفسهم ما كانوا يتوقعون من شيعة الجنوب والفرات الاوسط والنجف موقفا متضامنا في ساحات المواجهة المسلحة على جبهات القتال.

    وحقيقة الأمر ان العلماء في النجف كانوا على قدر كبير من الوعي والتفهم لسير الأحداث السياسية والمخاطر الكبيرة التي تحيط بالأُمة، مما جعلهم أمام التكليف الشرعي بشكل لا يقبل التسامح والتراخي. ومن هذا المنطلق نراهم قد تناسوا كل خلافاتهم مع العثمانيين، ولكن شاءت الأقدار تجهيض كل محاولات المواجهة مع القوات الغازية، ويهزم الثوار ومعهم القوات العثمانية وتكتب الغلبة للجيوش البريطانية التي حشدت الأُولوف من القوات الهندية لتقاتل معها. وفي عام 1918م بسط الإنجليز هيمنتهم على جميع الأراضي العراقية ولم يبق شيء للقوات التركية. وفي هذا العام يسجل المؤرخون حدثا كبيرا كان له الأثر الكبير في تاريخ العراق السياسي وهو ثورة النجف في مطلع هذا العام.

    ثورة النجف

    إن الواقع السياسي الجديد الذى فرضه الإحتلال البريطاني على العراق جعل علماء النجف يشعرون بجسامة الخطر الذي بات يهدد العراق من أقصاه الى أقصاه. وفي الوقت الذي أصبح فيه علماء النجف أمام مواجهة حقيقية كانوا يقدرون حجم الامكانات الهائلة التي تملكها القوات الغازية وضعف القدرات التي تجعلهم في مستوى المواجهة مع الإنجليز. ومن هذا المنطلق بدأت بوادر التفكير الجدي في ترتيب وبناء الصف الإسلامي في إطار من العمل المنظم الذي يجعل المقاومة مع الإنجليز بشكل يحسم الأُمور لصالح فصائل الأُمّة. وفي تلك الفترة كانت قد تأسست جمعية النهضه الإسلامية على يد شخصيات عرفت بمنزلتها العلمية والإجتماعية، وهم: الشيخ الشاعر محمد جواد الجزائري والسيد محمد علي بحر العلوم.

    ان الهدف الذي آمنت به الجمعية وعملت على تثقيف الأُمة به هو تخليص العراق من هيمنة الإنجليز على مقدراته وثرواته وكان نشاط الجمعية الثقافي والفكري يتمثل بكتابة المنشورات والإعلانات على أبواب الصحن العلوي الشريف، وكذلك كانت تهيىء الأجواء والأذهان في تقبل فكرة الثورة ضد الإنجليز. لقد اعتمدت الجمعية اسلوبا تنظيميا ينحصر في توزيع أعضائها على جناحين رئيسيين: جناح عسكري وجناح تنظيمي، وعلى رأس هذين الجناحين عضو الإرتباط يشرف عليهما. وقد توزع العمل العسكري على عدة فروع في الكوفة وأبى صخير والحيرة والشامية.

    إن هذا التوزيع للعمل الحركي بين صفوف الجمعية جعل نشاطها بشكل نجاجا كبيراً وملحوظاً في الأُمة حيث بدأت أعداد كبيرة من المتطوعين تنظم الى صفوف الجناح العسكري الذي استطاع توزيع المقاتلين الى ثلاثة مجاميع:

    الاولى: بقيادة كاظم صبي وعباس علي الرماحي.
    الثانية: بقيادة الحاج نجم البقال.
    الثالثة: كريم الحاج سعد راضي.

    إن الفتيل الذي أشعل نار الثورة بالنجف الأشرف هو العملية الجديدة التي قام بها الحاج نجم البقال على مقر الحاكم العسكري البريطاني في جامعة النجف وتمكن هو ومجموعة من إقتحامها وقتل الحاكم، مما جعل الأجواء في النجف الأشرف متوترة بشكل لا يؤمن معه حماية البلدة من هجوم محتمل تقوم به القوات الإنجليزية إنتقاما للحادث. وبذلك كان لابد للجمعية من اتخاذ التدابير اللازمة لرد الفعل الإنجليزي. فعقد رجال الجمعية اجتماعاً اتخذوا فيه قرار اعلان الثورة ضد الاحتلال.

    واصدرت تعليماتها الى كافة الاعضاء بالمهام الواجب اتخاذها استعداداً لخوض المواجهة المسلحة مع الانجليز. فقسمت افرادها الى قسمين
    :

    الاول: يعمل في النهار، والثاني في الليل كسباً للوقت لاسيما وان القوات البريطانية بدأت تتحشد حول مدينة النجف.

    لقد اشتعلت نار الثورة بعد ان دار قتال ضار بين الثوار والقوات البريطانية ابدى فيه المجاهدون صموداً وشجاعة فائقة، ولكن النجف التي تعد من المدن الصغيرة في العراق وذات امكانات وقدرات محدودة بدت عاجزة في مواجهة الانجليز بعد ان فرضوا عليها حصاراً قاسيا استمر 46 يوماً. بعد ان قمعت الثورة القي القبض على الثوار واعدم 11 مجاهداً وسجن سبعة اخرون فيما نفي حوالي مائة مجاهد الى الهند. لقد كانت نهاية الثورة والاحكام التي صدرت بحق ابنائها انتكاسة كبيرة للجمعية، اذ خسرت الكثير من اعضائها الذين توزعت عليهم الاحكام بين نفي وسجن واعدام، فقادة الجناح العسكري اُعدموا، والكادر المتقدم زج في غياهب السجون او ابعد خارج العراق، ومنهم قادة الجمعية، فلقد نفت سلطات الانجليز الشيخ محمد جواد الجزائري والسيد محمد بحر العلوم الى خرم شهر وبقيا هناك حتى نهاية الحرب العالمية الاولى.

    لقد كانت الاحداث في مدينة النجف لها الاثر البالغ في نفوس الناس وضمائرهم ولاسيما بعد انهيار العمل التنظيمي في جمعية النهضة وزج رجالها في غياهب السجون والشاعر الكبير محمد جواد الجزائري مؤسس الجمعية بعد ان اودع السجن ببغداد في شهر رجب من عام 1336هـ ق كان يتحسس آلام الناس والمحنة التي حلّت بهم وكان روح النداء والتضحية تجري في عروقه وهذا المعنى تجسده واضحاً في قصيدة البصائر التي نظمها في السجن:

    مدونا بصائرنا لا العيونا***وفزنا غداة عشقنا المنونا
    عشقنا المنون وهمنا بها***وعفنا أباطحنا والمجونا
    وقمنا بها عزمات مضاة***أبت ان تسيس الردى او تلينا(1)

    _______________________________
    1-
    محمد كمال الدين، الثورة العراقية الكبرى.

    ومن خلال دراسة الاحداث السياسية التي مر بها العراق وما رافقتها من تطورات هامة في معظم البلاد الاسلامية التي كانت تحت نير الاحتلال وكيفية تعامل القوات الغازية مع رجال الثورة وقمع الناس بالنار والحديد وزجّ رجالها وعلمائها في غياهب السجون كل ذلك ما كان ليثني العلماء الاحرار من مواصلة جهدهم وجهادهم لاجل تخليص البلاد من وطأة الغزو والعدوان، حيث كان يظن حالة الاعدام والسجن التي أعقبت مرحلة ما بعد الثورة هي النهاية التي لا عودة معها للحياة المستقلة الكريمة، ولكننا نجد المسألة على خلاف ذلك تماماً حيث كان رجال الثورة الاوائل يتحينون الفرص ويغتنمون الاوقات من اجل الرجوع من منفاهم او فكّ اسرهم لاجل مواصلة العمل الاسلامي المقدس. وليس هذا الكلام محض ادّعاء، وانما الادب الذي عاش في اجواء تلك المرحلة كان يعكس هذه المعاني بشكل واضح وجلي بحيث اننا يمكن ان نعتبر التراث الادبي والقصائد الشعرية التي قيلت آنذاك وثيقة سياسية هامة في تلك المرحلة.

    ويمكننا قراءة هذا المعنى في القصيدة التي بعثها الشيخ الجزائري وهو في سجنه ببغداد الى العلاّمة السيد عيسى كمال الدين:

    خطب كما تعلمونه صعب***يربو عليه الهم والكرب
    خطب تطير له العدى فرحا***ويهيم من اطرائه الصحب
    تجري له عين الخليل دما***ويذوب منه لوقعه القلب

    ثورة عام 1920 الكبرى

    بعد ان تم اجهاض ثورة النجف بطريقة ارهابية وقاسية تنبه الثوار انهم فيما سبق لم يدخلوا ساحة المواجهة بالشكل الذي ينبغي، حيث كان الضعف بادياً في طريقة التخطيط والاعداد للمواجهة. فكانت الهدنة التي أعقبت ثورة النجف بمثابة كسب الوقت لاعادة ترتيب الصفوف الاسلامية ودخول المواجهة بصورة اخرى. وهذه النقطة تعد من اهم نقاط القوة التي كان يتمتع بها الثوار آنذاك، حيث ان الطبيعي في كل تجربة تتحرك في ساحة الصراع، بعد فشلها واجهاضها لا يمكنها الاستئناف والمواصلة ثانية، وذلك لم يجر بالفشل من احباطات نفسية وسياسية كبيرة. ان من العوامل المهمة التي ساهمت في اشتعال فتيل الثورة هي حالة التماسك والتضامن بين علماء الدين والامّة مما ساهم في توفير غطاء شرعي ومعنوي للثورة.

    ومن هنا نستطيع القول ان الثورة لم تكن حدثاً عفوياً وانما جاءت عن وعي وادراك وتخطيط دقيق تمكن من خلاله العلماء تعبئة كل فصائل الشعب من فلاحين وعمّال وزعماء العشائر من السنّة والشيعة وحتى فصائل الشعب الكردي في شمال العراق. لقد اصدر الميرزا الشيرازي فتواه الشهيرة التي كانت تمثل الشرارة التي اشعلت نار الثورة الكبرى التي غيرت مسار الاحداث في كل المنطقة، وكان نص الفتوى ما يلي:

    «بسم الله الرحن الرحيم، مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والامن، ويجوز لهم التوسّل بالقوة الدفاعية اذا امتنع الانجليز عن قبول مطالبهم».

    وعلى اثر ذلك، عقد علماء الدين والشخصيات المهمة في النجف الاشرف اجتماعاً حضره الشيخ عبدالكريم الجزائري والشيخ جواد الجوهري، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ عبدالرضا الشيخ راضي والشيخ جواد الشبيبي ونجل شيخ الشريعة الاصفهاني وقرروا توجيه رسائل الى رؤساء العشائر وخاصة رؤساء الرميثة والسماوة يحثونهم فيها على الثورة، كما وجهوا رسالة عامة لكل المسلمين ناشدوهم فيها مقاومة الانجليز وطردهم من بلاد الاسلام. لقد جاءت جميع هذه الوقائع والاحداث على ألسنة الشعراء والادباء العلماء بشكل ينحصر في اثارة همم الناس وحثهم على القيام بواجبهم الاسلامي.

    فهذا الشاعر الشيخ محمد علي اليعقوبي يرسل هذه القصيدة الى جبهة الثوّار في السماوة والرميثة وعنوانها تحيّة الثوّار:

    أحبتنا بساحات الكفاح***ثقوا بالنصر فيها والنجاح
    نفرتهم للوغى لما دعاكم***لها الداعي بشوق وارتياح(1)

    وللشاعر الشيخ محمد حسن ابو المحاسن قصائد كثيرة في الثورة، ومنها هذه القصيدة التي اُلقيت في الاجتماع الذي عُقِد في صحن الامام الحسين «ع» بكربلاء بتاريخ 26 رمضان 1338 هـ ق، وقد طالب فيها باستقلال العراق:

    وثق العراق بزاهر استقلاله***والشعب متّفق على استقلاله
    اضحى يؤمل نيل الشرف غاية***يارب اوصله مدى آماله(2)

    _______________________________
    1-
    ديوان اليعقوبي، ص 165.
    2-
    محمد كمال الدين، الثورة العراقية الكبرى.


    لقد انحصرت الاغراض الشرعية في هذه الحقبة على الادب الحماسي الذي يلهب مشاعر الناس وعواطفهم وهذا اللون من الشعر يمتاز باللغة السهلة التي يفهمها كافة الناس دون ان يلتجأ الى الصور البلاغية المعقدة فنجده خالياً من الاستعارات والكنايات الاّ بشكل محدود.

    ومن العوامل التي جعلت هذا النمط من الشعر بسيطاً خالياً من الصور الجمالية رغم ان ناظميه من فحول الشعراء في النجف هو الوسط الذي نشأ ونما حيث اننا نجده شعر مناسبات ومهرجانات عامة او شعر رسائل ومخاطبات. ومن الطبيعي ان يكون هكذا، ولا نستطيع ان نعتبر الشعر السياسي في هذه المرحلة قد مرّ بفترة انحطاط وتخلف وانما المرحلة التي ولد فيها ومعطيات الواقع الموضوعي هي التي فرضت على الادب التخلي عن لباس الصور الجماليّة والابداعات الفنية، ولعل الشاعر الكبير الشيخ محمد مهدي البصير الذي يعد من اكثر شعراء الثورة انتاجاً واقواهم ادباً هو خير دليل ومصداق على ما نقول.

    وهذا مطلع من قصيدته العصماء التي ألقاها في مسجد الحيدر خانه ببغداد عند امتداد الثورة الى مختلف الولايات والبلدان:

    بين الاسنّة والقواضب***شرف المبادىء والعواقب
    إبغ السلام فان، تخب***فيما قصدت له محارب
    ودع المقال الى المصال***بملتقى القُب السلاهب(1)
    _______________________________
    1-
    المصدر السابق.

    استمرت الثورة حوالي خمسة اشهر وشملت مناطق واسعة من العراق، وكانت العمليات العسكرية على قدر كبير من الضراوة، تحدثت عنها الكثير من المصادر التاريخية.

    وخلال الثورة وفي شهر آب 1920م تعرّضت الثورة الى انتكاسة كبيرة حين توفّى قائدها الميرزا الشيرازي، فتولى القيادة المرجعية بعده شيخ الشريعة الاصفهاني، الذي وجه نداءه الى الامة يحثهم على مواصلة الجهاد، وقد بذل جهوده من اجل تحقيق استقلال العراق، حتى توقفت العمليات العسكرية التي قام بها الانجليز بامكاناتهم العسكرية الضخمة التي عززها من الهند ضد الثوار، والتي كانت ارهابية حيث انهم كانوا يحرقون المنازل والقرى والمحاصيل بواسطة الطائرات. ورغم نهاية الثورة قبل الوصول الى نتائجها الحاسمة في تأسيس الحكومة الاسلامية. فانها استطاعت ان تجبر الانكليز على تغيير سياستهم وبرنامجهم بشأن العراق.

    ثورة العشرين في ذاكرة الشعر

    لقد تنبه العراقيون بسرعة الى حقيقة ما يريد الانجليز، فهبوا في وجوههم ثائرين بما لديهم من سلاح وقوة وايمان، حتى اذا اصاب ثورة العشرين ما اصابها من اخفاق، ولم يلق العراقيون سلاحهم ولم يسكت الشعراء على واقع المستعمرين. وصار الشعر العراقي في طليعة المناضلين ضد الانجليز، وضد الحاكمين الذين نصبهم الانجليز حين اقاموا في العراق دولة ملكها فيصل بن الحسين.

    يقول الشاعر محمد صالح بحر العلوم:

    أيرفع هذا الشعب بنيان حكمه***صحيحاً ورأس الحاكمين يخرب
    وهل يعذب الورد الذي منه ترتدي***بلادي وفيها ابن البلاد معذّب

    صحيح ان القصائد التي ذكرت بعد احداث الثورة الكبرى تنطوي على شيء من السرد التاريخي لوقائع الاحداث الاّ انها تندرج تحت بواعث الشعر السياسي من شعور بالقضية الوطنية هذا الشعور الذي كثيراً ما يكون منحازاً لنيل الامة حريتها واستقلالها.

    ومن ناحية اخرى نجد ان هذا الشعر وفي كثير من حالته واشكاله يذكر الامة بماضيها الجهادي المقدس ويستنهضها في مقارعة المستعمرين والشاعر المبدع الشيخ علي الباري:

    قف بالرميثة واسأل ما جرى فيها***غداة ثارت بشوال ضواريها
    وعن سواعدها قد ثمرت وقضت***ان تستعيد بماضي العزم ماضيها

    ثم ان الثورة تعد في الحسابات العسكرية قد خسرت الجولة ولكن قادة الثورة وزعمائها يعطون لحركة الثورة بعداً آخر غير مقروء في الحسابات العسكرية حيث ان الثورة قد بلغ صداها الى جميع انحاء العالم وبدأت الصحف والمجلات في جميع اقطار الدنيا تردد صداها مما سبب حرجاً سياسياً كبيراً للحكومة البريطانية مما جعلها تفكر باعادة النظر في رسم الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الاوسط وفعلاً كان التحوّل سريعاً وملحوظاً في المراحل التي اعقبت الثورة. ومن هنا يمكن القول ان هذا كان يمثل الحد الادنى من الاهداف المرسومة لهذه النهضة فاعتبرها بعض الادباء ان نجحت فيما تصبو اليه من استقلال وحرية واعتبرها البعض الآخر بمثابة مرحلة تحضيرية لثورة اخرى تكون على المستعمرين اشد وأنكى.

    لقد كانت احداث الثورة ثقيلة الوطىء على الادارة البريطانية حيث الحقت بها هزيمة سياسية كبرى مما جعل الانجليز يفكرون باعادة بناء الخارطة السياسية في جميع المستعمرات البريطانية لانهم كانوا يصورون للرأي العام بأن الشعب العراقي كان يرغب بادارة الحكومة البريطانية.

    وبعد هذا المسلسل الثقيل من الاحداث التي ذاق منها الشعب العراقي الوان القمع والارهاب حيث كانت الطائرات البريطانية تصب جام غضبها على الاهالي الآمنين دون رحمة فكانت تحرق بيوتهم وقراهم ومحاصيلهم، فبعد هذا كله فكر الانجليز في الخداع والتظاهر بأنهم سيحققون للشعب مطاليبه ورغباته في تشكيل حكومة مستقلة تحت قيادة ملك عربي هو من ابناء الشريف حسين، وكان هذا أحد المطالب التاريخية التي نادى بها رجال العراق من علماء دين ورؤساء عشائر وقادة محليين. فبعد سلسلة من الاحداث والمتغيرات قرر الانجليز تنصيب فيصل ملكاً على العراق. كانت قيادة الثورة المتمثلة بعلماء الدين واعية للمخطط الانجليزي، وأدركت ان الانجليز بصدد القيام بحركة التفاف حول الثورة ومصادرة جهود الثوّار وحرف مسيرتها عن اهدافها الحقيقية، لذلك حذرت الهيئة العلمية التي كانت تقود الثورة من المخاطر التي تنطوي عليه عملية ابدال الحاكم العسكري «ولسن» واعادة «كوكس» الى العراق.

    وكانت الهيئة برئاسة شيخ الشريعة الاصفهاني باعتباره المرجع الاعلى بعد وفاة الميرزا وعضوية السيد ابو القاسم الكاشاني والميرزا عبدالحسين نجل الميرزا الشيرازي والشيخ أحمد نجل الآخوند الخراساني والسيد نور الياسري، وراحت اللجنة تحذر العراقيين من مغبة سياسة كوكس الماكرة، وتطلب اليهم بالحاح واصرار ألاّ يسرعوا في اعطاء الوعود وقطع العهود على أنفسهم الاّ بعد الرؤية والتفكير الرصين. وعلى أيّ حال نستطيع ان نجمل القول بأن المعارضة الاسلامية التي كانت محكمة ومتماسكة في وجه الانجليز قد بان فيها التباين والتصدع في هذه المرحلة حيث كانت آراء العلماء منقسمة بين مؤيد لتنصيب فيصل ملكاً على العراق ومعارض لذلك.

    ولقد كانت النجف تمثل الصف المعارض الذي يرفض اي لون من الوان الالتفاف حول قضية الشعب في العراق بينما نجد ان علماء الكاظمية قد تعاملوا مع الموقف بشيء من التفاؤل والايجابية. ان الصف النجفي الذي كان بزعامة كبار مراجع التقليد امثال السيد ابو الحسن الاصفهاني والشيخ محمد حسين النائيني كان يتمتع بتأثير كبير على الوسط الشعبي في العراق.

    لقد كان مسار الاحداث فيما بعد يكشف عن الورطة السياسية التي عانى منها علماء الكاظمية امثال محمد الصدر والشيخ مهدي الخالصي والسيد عبدالمحسن الكاظمي رغم اقامته في مصر من عدم معارضتهم لترشيح فيصل، مما اضطر البعض منهم ان يتراجع عن مواقفه فيما بعد، ولعلنا نقرأ هذا المعنى في قصائد الشاعر السياسي الكبير عبدالمحسن الكاظمي الذي كان له حضوراً مشهوداً في ساحات الصراع الاسلامي.

    ففي هذه القصيدة تقرأه متفائلاً بقدوم فيصل ويصوره الرجل الذي يحقق امال ورغائب الشعب في العراق بحيث يشبه منهله اكثر عطاءاً من الفرات ودجلة والنيل وهو من ضروب المغالبة التي اعتمدها:

    فليس الفرات ولا دجلة*** ولا النيل مثلك إذ ننهل
    وأجدر بالملك ذو فطنة***اذا غفل الدهر لا يغفل
    ولا يأمن المكر ما لم تكن***جراثيمه لعد لم تؤصل(1)

    وهذا القصيدة تكشف قوة الشاعرية التي يتمتع بها الشاعر، وقدرته في اختيار الالفاظ والمفردات الجزلة دون سابق اعداد. وليس هذا المعنى غريباً في الحياة السياسية والأدبية للشاعر، فهو الذي اصبحت كلماته انشودة الشعب المصري الذي قاوم الغزاة:
    سلام يا سنا القمرين يوحي***عليك به من الله السلام
    سلام كله أمل ووجد***وتعظيم لقدرك واحترام(2)
    _______________________________
    1-
    ديوان عبدالمحسن الكاظمي.
    2-
    المصدر السابق.

    وبعد ان استتب الامر لفيصل وتربع على عرش العراق بدأت تتضح للامة حقيقة ارتباطه بالانجليز ولم يكن الاّ دمية يحركونه كيفما يشاؤون وحقيقة الامر ان العراق لم يتخذ استقلاله بعد وانما بدأت معه مرحلة جديدة حيث الانجليز فرضوا على فيصل عدة امور من شأنها ان تحكم السيطرة البريطانية على العراق حيث ان المندوب السامي قدم للملك بعد بضعة ايام من حفلة التتويج مسودة لمعاهدة كصيغة اولية تدور حولها المناقشات، وتضمنت 15 مادة نذكر منها ما يلي:

    المادة الثانية: «على الملك فيصل ان يستعين بالمشورة البريطانية ولا يعين موظفين بدون موافقتها».
    المادة الثالثة: «تمثل حكومة بريطانية بمندوب سام وحاشية استشارية ويطلع المندوب السامي على القضايا المهمة».
    المادة الخامسة: «أن تمثل بريطانيا العراق في الخارج».
    المادة السادسة: «ان تحتفظ بريطانية في العراق بجيش للدفاع عن التجاوز الخارجي وتأييد الامن في الداخل وتستخدم الطرق والسكك الحديدية والموانىء لحركة هذه القوات ونقل الوقود والذخيرة».
    المادة العاشرة: «عدم عرقلة شؤون المبشرين».
    المادة الرابعة عشرة: «استشارة المندوب السامي في القضايا المالية».

    ان هذه العهود والمواثيق التي اتخذها الانجليز على فيصل سيكون لها انعكاسات مباشرة في الواقع العملي الامر الذي جعل حقيقة الامر منكشفة للعلماء والامة فيما بعد بحيث جعل شعبية الملك تنحسر بشكل ملحوظ وسحب علماء الدين الذين استبشروا بقدومه كل دعمهم وتأييدهم له امثال الشيخ مهدي الخالصي والسيد عبدالمحسن الكاظمي الذي بعث له هذه القصيدة التي يعرب فيها عن خيبة امله بها ويسخر منه ومن أفعاله:

    قل للذي ظن العلى كل العلى***تكحيلة عينيه والتسويك
    انت الذي خسر الحياة بغيه***ان الحياة وساوس وشكوك(1)
    _______________________________
    1-
    المصدر السابق.

    ان المرحلة التي اعقبت سحب تأييد العلماء من الملك فيصل بعد ان تزعزت ثقتهم به كانت المعارضة الاسلامية لازالت قائمة وترصد مستقبل البلاد بدقة.

    ويمكننا القول هنا ان حركة الادب بشكل عام والادب السياسي بشكل خاص كانت تتأثر بشكل مباشر في تطورات الاحداث على الساحة السياسية، فعندما نرصد التراث الشعري في رحلة الثورة نجده ثميناً ومتنوعاً ووفيراً بخلافه في المراحل التي اعقبت الثورة حيث مرت فترة من الخمول والركود في اسواق الشعر والادب لان هذه المرحلة كانت مرحلة ترقّب وحذر ورصد لما سيقوم به الانجليز واختبار لمصداقية الملك فيصل فيما اعطى للامة من عهود ومواثيق.

    ان الملك فيصل كان يسعى لان يكون موقعه في العراق يتمتع بغطاء دستوري، وهذا بدوره يحتاج الى وجود مجلس تأسيسي منتخب يصوب على ذلك.

    ومن جهة اخرى: كان الانجليز يفكرون بإبرام معاهدة مع العراق تضمن هيمنتهم الاستعمارية على اراضي العراق ومقدراته وهذا كذلك بدوره يستلزم وجود مجلس تأسيسي يوافق على ذلك، وهنا كان المجلس يمثل الجامع المشترك بين فيصل والحكومة البريطانية غير ان المعارضة عادت لتواجه هذه الخطوة بقوة، حتى ان الانجليز والحكومة والملك يتوقعوا قوة موقف المعارضة بعد ان تعرضت الى ضربة قوية في شهر آب على يد المندوب السامي، وكان العامل الاكبر في قوة المعارضة هو تصدّي علماء الدين للانتخابات، حيث اعتبروا ان اجراء الانتخابات المزورة سيصادق على المعاهدة، وبذلك تترسم سياسة العراق ومستقبله بشكل نهائي، ومن هنا كان تصديهم قوياً لمنع هذه الخطوة الخطيرة التي تعتبر حداً فاصلاً في التاريخ العراقي وفي مصيره السياسي، وهنا برز الدور القيادي لثلاثة من كبار المجتهدين في الدعوة لمقاطعة الانتخابات وهم: السيد أبو الحسن الاصفهاني والميرزا حسين النائيني والشيخ مهدي الخالصي مالم تحقق للشعب مطالبه التالية:

    1ـ الغاء الادارة العراقية.
    2ـ اطلاق حرية المطبوعات والاجتماعات.
    3ـ سحب المستشارين من الالوية.
    4ـ اعادة المنفيين السياسيين.
    5ـ السماح بتأليف الجمعيات.

    لقد جاء رأي علماء النجف في مسألة الانتخابات على اثر سؤال قدم اليهم بنص ما يلي:

    «هل يجوز المداخلة ببعض الوجوه في انتخابات المجلس التأسيسي العراقي ام لا يجوز لكل احد من العراقيين، افتونا ادام الله ظلّكم على العالمين».

    وأجاب على هذه الفتوى اربعة عشر عالماً مؤكدين حرمة الانتخابات واعتبار الاشتراك فيها بمثارة الخروج عن الدين، ووزعت في شتى انحاء العراق، نصت فتوى المرجع الاعلى السيد ابو الحسن الاصفهاني على ما يلي:

    «الى اخواننا المسلمين... ان هذا الانتخاب يميت الامة الاسلامية، فمن انتخب بعد علم بحرمة الانتخاب، حرمت عليه زوجته وزيارته، ولا يجوز رد السلام عليه، ولا يدخل حمام المسلمين».

    وهنا يتحدث الشاعر باقر الشيبي في وضع الوزارات المتردي وكيف ان الحكام لا حرص عندهم على هذه الامة التي قدمت الكثير في سبيل نير كرامتها:

    هذه البلاد وهذا حكمها الذاتي***فلا يغرنّك لطف العبارات
    رؤى رأوها فخالوها محققة***وكيف يأمن قوم بالمنافات
    ليت البلاد التي ثارت مجاهدة***قامت على الهيكل البالي بثورات(1)

    الخاسر الاول في هذه التشكيلات البعيدة عن ارادة الامة وطموحاتها هو الشعب العراقي لان الغنائم السياسية سيحصل عليها ضعفاء النفوس الذين باعوا ضمائرهم للاجنبي. وكل هذه الاشكال والتقلبات كانت حاضرة في أذهان الشعراء حيث كانوا يصبون جام غضبهم وحمم بنيرانهم بقصائد ذات كلمات فصاح هي كالرصاص في وقعها وتأثيرها وهذا ما نحسّه واضحاً في كلمات الشبيبي:

    أين الرجال التي أضحت جهودهم***مضاعة عند اشباه الرجالات
    ما مزّق الشعب الاّ ضعف قادته***على الخطوب ونقض في المفادات(2)
    _______________________________
    1-
    يوسف عزالدين، الشعر العراقي الحديث، ص 413.
    2-
    نفس المصدر السابق.

    وقد انفرد محمد مهدي البصير برأي الاكثرية الساحقة من الشعراء فهو لا يلق التبعة على الانجليز او المستشارين وانما القاها على كاهل الوزارات العراقية، فمن المفروض ان يكون الوزير مالكاً زمام امور وزارته ومتصرّفا بشؤونها قادراً على الهيمنة التامة وبذلك لن يكون للمستشار قيمة في الوزارة ولن يتدخل في اموره، والرأي خيالي لا يمكن ان ينطبق على وزارات هذا العهد، لامور منها ان الذين جاءوا الى الوزارة هم من ذوي المصالح المشتركة مع الانجليز او انهم بحاجة الى العون الاقتصادي او من الضعاف الذين خبرهم الانجليز وسبروا انفسهم.

    لكن البصير اراد ان يدفع الوزراء الى العمل، ويخلق منهم القوة والعزة والكرامة، فاذا اتفق هؤلاء الوزراء - وهذا خيال شاعر - فقد يأخذون الحكم بأيديهم وسعيهم الى الاصلاح في العراق والبصير أخذ يرد على الذين يعترضون عليه بأن سوف يضطرهم بقوته الى الرضوخ لاوامره ونواهيه ولكن لم يجد برهاناً واحداً على وقوف الوزراء امام رغبات المستشار والحد منها فلو اجمع ابناء الامة على مقاطعة الوظائف وصمدوا امام التهديد والسجون والموت لما تمكن الانجليز من تطبيق خططهم الاستعمارية في استقلال العراق.

    ان اكثر ابناء الامة مسؤولون امام التاريخ في تشجيع المستعمر في امور بلادهم، وهم احرى باللوم واجدر بالتقريع لانهم لا يستأنفوا نضالهم وضعفت معنوياتهم مع نفع زائل ونعيم حائل فقد قال البصير:

    ما رسمنا للاستشارة حدّا***فلها العذر ان تجوز الحدودا
    شغلت مركز القيادة منّا***اذ رضينا فكنا لها جنودا
    أتقولون انها اكرهتنا***فعلنا ما نواه سديا
    شكر الله سعيكم خبروني***كم بذلتم في كبحها مجهودا(1)

    وقد عكست الجرائد العراقية الحيرة والوجوم اللذين هيمنا على ربوع العراق من الوضع الشاذ في الدولة الجديدة المستقلّة وذات السيادة والتي لها برلمان ولكن لا يمكن لأبنائها ان يديروا دفة الامور فيها مع ان الوزراء مسؤولين امام البرلمان فهم لا يصدرون امراً الاّ بموافقة المستشارين.

    وقد قالت جريدة الزمان بصراحة ان البلاد مستعمرة وذلك بقولها (يقولون ان البلاد مستقلة وان شؤونها تديرها حكومة وطنية.. والله يعلم ان البلاد مستعمرة لا مستقلة وكيف لا تكون كذلك وهذه جنود الانجليز فيها وهذي طياراتهم محلقة في سماء العراق صباحاً ومساءا.. وكيف تكون مستقلة وكلمة الانجليز هي العليا في الصغيرة والكبيرة» وتفند الجريدة المزاعم بقولها (ومن الخطل في الرأي العليا ان تستمر على التغرير بأنفسنا فنزعم مخالفة الانجليز لنا انّما هي مستندة الى الاخلاص المتبادل، فالمعروف الذي لا يمكن تجاهله ان القوي اذا خالف ضعيفاً، فهو انما يسعى الى مغنم يلبسه ثوب الحق وينفي عنه تهمة الغصب والاعتداء، بغير ذلك لا يمكن تعليل هذا، ولو بحثنا الحالات المتعددة التي سلمت فيها الوزارة العراقية لوجدنا ان اساس التسليم للانجليز في هذه البلاد انما يرتكز على الافراط في الحذر لئلا يصطدم هذا الاستقلال بسيطرة الانجليز، وقد هاجم محمد صالح بحر العلوم كل وزير وكل نائب واعتبره جاسوساً يخدم الاجنبي، وما الراتب الاّ اجرة عمله هذا فقال:

    تجسس البعض منكم بجرأة ومهارة
    ونال منا اجوراً عن جهده بجدار
    ففي النيابة أجر وآخر في الوزارة(2)

    _______________________________
    1-
    جريدة العراق، العدد 2571 السنة التاسعة 1928م.
    2-
    يوسف عزالدين، الشعر العراقي الحديث.

    والطريف ان يجعل المستشار اباً لهؤلاء و«المس بيل» امهم، ويحدثنا عن نتيجة الذين لا يتفقون معهم في الرأي فهي امّا السجن او النفي او الشنق وذلك يظهر لنا التعصب الاعمى من الاجانب ضد ابناء الامة الذين لا يوالونهم ولا يرضون بحكمهم البغيض، وقد جعل أوّل العقوبات السجن والنفي والاعتقال، اما اولئك الذين يصرون على موقفهم فجزاؤهم الموت.

    وحكم من يتوخى طرق الحماية خنق***نفي وحجر وسجن وان امر فشنق

    وقد سخر علي الشرقي من المجلس ولم ير فيه سوى المظاهر الكاذبة وترك امره للايام فهي كفيلة ببيان قيمته.

    صوروا مجلساً بهيّاً أنيقا***شيخه واقف ويلقي خطابه
    لوسألتم منه سؤالا دقيقا***سوف تعطيكم الليالي جوابه

    كانت احدى بلايا الامة في هذه الفترة، الحكم الاجنبي الذي ليس وجهاً وطنياً، فالظاهر تدل على وجود حكم وطني ولكن الاجنبي هو الذي كان يحرك ذمة الامور بواسطة المستشارين الذين دسهم في ارجاء هذا الحكم لذلك لم يكن للوزراء او النواب او جميع ابناء الامة من رأي، وانما هم آلات في الدولة يحركها المستشارون، فحيل بين الشعب وبين المستعمر بستار وزارة عراقية لا تقدر ان تنفع البلاد وما دام المستشارون لا يريدون ذلك، فوجّه الشعراء اهتمامهم الى هؤلاء المستشارين وسخروا من الوزراء الذين تعرف لهم امور البلاد ويحل قضاياهم الاجنبي، كانت سخرية الشعراء لاذعة وتهكمهم مريراً موجعاً على هؤلاء الذين اصبحوا مطايا للمستعمر. وتزيد في تعقيد الامور. فجعلت البلد عبداً تسخره كيفما تريد. باسم هؤلاء الوزراء الذين صدّقوا انّهم الحاكم فقال محمد باقر الشبيبي:

    الحكم حكمهم بغير منازع***والأمر مصدره والمورد
    المستشار هو الذي طلى***فعلام يا هذا الوزير تعربد(1)
    __________________
    1- جريدة النهضة، العدد 297.




  • #2
    الشعر الشيعي بين عامي 1939 الى 1945

    لقد امتازت هذه الفترة بنشاط محموم ومكثف لحركة من الفكر المستورد الذي لم يكن منسجما وطبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية في العراق، وان المتتبع لتاريخ البلاد الاسلامية في تلك الفترة يجد شيئاً من التشابه في طبيعة الغزو الفكري والثقافي الذي اجتاح البلاد الاسلامية. وذلك لان الدول المستعمرة بدأت تشعر بيقظة الشعوب الاسلامية وان زمن القهر والاحتلال لابد له ان ينتهي، وفي نفس الوقت تريد ان تبقي على سيطرتها وهيمنتها على منابع القدرة في البلاد الاسلامية ففكرت في رسم المناهج الفكرية والثقافية لهذه الشعوب وبدأت تفرض حتى في معاهداتها واحلافها العسكرية ان يكون للمحافل التبشيرية اماكن نفوذها، وفي عقيدتي ان الاستعمار ما كان يهمه شكل الايديولوجية الثقافية في تلك البلدان فنراه يطرح عدة برامج فكرية لملىء الفراغات والفجوات في المجتمع الاسلامي فتارة نراه يسعى لترويج النصرانية في البلدان التي لا تحيد عن انتمائها الى الاسلام وتارة يطرح الفكر القومي والشعوبي لتمزيق وحدة الصف الاسلامي وبعثرة الجماعة الاسلامية وتارة يروج لفلسفات ونظريات لا تمت الى الواقع بشيء وهكذا ان هذا الترويج لعدة من المدارس الفكرية والثقافية لا يعني الاضطراب في طريقة التفكير الاستعماري وانّما هذا التكثر كان يجمعه قاسم مشترك واحد وهو عزل الامة عن انتمائها الى الاسلام وفرض طريقة من التفكير الغربي تمهد الارضية لهيمنة الاستعمار على ثروات الامة وخيراتها.

    لقد اعتمد الاستعمار طريقة ذكية في تبني هذه الافكار وحملها الى البلاد الاسلامية وذلك من خلال تشكيل حركات واحزاب الحادية تأخذ على عاتقها حمل هذه الثقافة المستوردة، بحيث اننا نجد نشاطاً شديداً ومسعوراً لاحزاب كثيرة ليس في العراق فقط وانّما في جميع البلاد الاسلامية.

    ان هذه الحالة لم تكن بغائبة عن حاضرة الشعر الواعي الذي كان يسدد حركة الامة ويرسم لها مسارها الصحيح، حيث كانت صرخات الشعراء المخلصين تسمع في كل ميادين الادب وساحات الفكر والمعرفة، حتى انها طبعت شعر كثير من علماء الشيعة وخطبائهم وهذا الشاعر الخطيب الشيخ جعفر الهلالي الذي يعد من رموز الوعي والصحوة الاسلامية الكبيرة كان يلاحق هذه المظاهر في كل مناسبة تفسح له المجال في أن يقول كلمة ويصرح برأيه.

    يا أمة القرآن هل من يقظة***لنعيد ماضينا المجيد المشرقا
    ويسودنا الاسلام في دستوره***حكماً به عدل الشريعة طبقا(1)

    ومن الشعراء الرساليين الذين وقفوا بالمرصاد لهذه الاحزاب الشيخ محمد علي اليعقوبي حيث ازاح الستار عن وجهها الالحادي الذي كان يختفي خلف شعارات برّاقة من العروبة والوطنية والاسلام.

    لقد شهد العراق من حكّامه العثمانيين ومن الانجليز بعد ذلك حملات مستعرة، تستهدف وحدة الشعب العراقي المسلم، فبث بين صفوفه المرتزقة الدجالين يحملون فتنة الطائفية، فينجذب لهم الجهلة من عوام الناس، فتقوم الفتن والمعارك بين اهل الدين الواحد، وظل هذا السلاح - سلاح الطائفية - وما زال عوناً للحكام الطغاة على استعباد الشعب واذلاله، وقد هبّ الشعراء في كل العهود مستنكرين شق صفوف الامة واضعاف بأسها، داعين الى وحدة الامة الاسلامية، والتقائها على كلمة التوحيد، ونبوة محمد - صلّى الله عليه وآله - وعلى القرآن والسنّة، كاشفين خفايا المستعمرين والحكام الذين يعمدون الى استخدام الطائفية ونشرها، للتمكن من الامة بعد القضاء على قوتها.

    والشبيبي - رحمه الله - يعرض الطائفية القائمة في مجتمعه مسقطاً عليها صور الماضي بمآسيه وتمزقه، وكأنه يذكّر أبناء عصره بويلات الفرقة، يدعوهم جميعاً الى اتباع سيّد المرسلين وخاتم النبيين.

    لا طائفية، والاسلام يربطنا***من الاخاء بقربى تفضل النسبا
    فالطائفية نار من يؤججها***لابد أن يغتدي يوماً لها حطباً(2)
    _______________________________
    1-
    مجلة الايمان النجفية، العدد 3 و4، السنة الاولى، ص 294.
    2-
    د. عبدالصاحب الموسوي، حركة الشعر في النجف الاشرف.

    لقد كان العلماء الشعراء يرصدون حركة الواقع السياسي والثقافي للامة حتى انهم ادلوا بدلوهم في جيمع ساحات النضال الفكري والسياسي لانهم كانوا ينطلقون نحو ذلك من موقع الشعور والاحساس بالمسؤولية الشرعية الملقاة على عاتقهم، فلم تكن ممارساتهم للحياة السياسية من موقع الهواية او الاحتراف، هذه النظرة انّما تعكس سعة الاحاطة والشمول للشريعة الاسلامية لجميع وقائع الحياة مما يجعلهم مطالبين بموقف شرعي دائماً امام الله وأمام الناس، وليس من الصحيح القول بأن انحسار الوجود الشيعي في بعض الميادين السياسية او التشكيلات الحكومية آنذاك ناشئاً عن الغفلة وقلة الوعي السياسي في الوسط الشيعي، ولعل اصحاب هذا الاتجاه يلتمسون بعض المبررات من خلال قراءة التشكيلات الوزارية التي تكشف عن غياب العنصر الشيعي في جل هذه الحكومات واعتقد ان السبب واضح للذي يسلّط الضوء على مسار الاحداث التي مرّ بها العراق قبل مجيء الملك فيصل.

    ان الشخصيات الوزارية التي اختلفت على الحكومة العراقية في حقيقة امرها لم تكن من الشخصيات التي عرفها العراق في ساحات القتال والمواجهة ضد الانجليز وانّما كانت تمثّل الامتداد البريطاني في العراق وهذا القدر من الارتباط ما كان ليرضي الانجليز في تسيير دفة الامور في العراق بل فرضوا مستشاراً اجنبياً فوق كل وزير، والغياب الشيعي كان ضرورياً في ذلك الوقت لان القبول بأي اُطروحة سياسية تعني الولاء للانجليز والارتماء في احضانهم وهذه الحقيقة كانت واضحة بشكل جلي لدى الامة، فمن الطبيعي ان يقف علماء الشيعة في صف الامة وفي الخندق المعادي للانجليز، هذا من جهة ومن جهة اخرى: ان الانجليز كانوا ينظرون الى علماء الشيعة نظرة حقد وشذر ويحملونهم مسؤولية الانتفاضات الجماهيرية الكبرى التي هزّت كيانهم ووجودهم، فلم يسمحوا لأي شخصية ولو في المواقع المتخلفة ممارسة اي دور في تشكيلات الدولة، وخير دليل على ذلك ان البعض من العلماء كان يتعلل مع الاحداث بنظرة تنفصل عن الماضي وظنوا أنّهم يستطيعون التقويم والاصلاح من خلال الحقائب الوزارية او المواقع الوظيفية في الدولة، ولكنهم سرعان ما تراجعوا عند مواجهتهم للحقيقة بشكل مباشر وكانت ممارساتهم للسياسة لا تعدو الايام.

    على أيّ حال بقى علماء الشيعة طيلة هذه الفترة وامتداداً لمواقفهم السابقة في الخندق المعارض لسياسة الوزارات المتعاقبة على العراق وكانوا يتحسسون واقع التحدي بكل لوعة ومرارة، والشاعر الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي يحدد هذا الاتجاه الثقافي والسياسي المنحرف بقوله:

    يقولون عصر النور عصر ثقافة***وتنوير افكار وتثقيف احلام
    ولست أراه غير عصر جهالة***وتفنيد آراء وتضليل أفهام
    والاّ فما هذا التكالب بينهم***على ضعفاء ما جنوا أيّ اجرام(1)
    _______________________________
    1-
    النجفيّات، علي الخاقاني، ج6 ص 399.

    العراق في فترة الحرب العالمية الثانية

    ان العراق كان بعيداً عن ساحة عمليات الحرب الطاحنة بين دول المحور بزعامة المانيا الهتلرية ودول الحلفاء ولكن هذا البعد ما كان يمنع عنه الانعكاسات التي تسببها الحرب على مجمل الوضع الدولي، فالعراق كان تحت وطأة النفوذ البريطاني وكانت سياسته الخارجية ترسم بالشكل الذي يرضي الانجليز، وفي تلك الفترة يتحدث المؤرخون عن نظرة رئيس الوزراء نوري سعيد لطبيعة الصراع في العالم وكيف يتنبأ لمستقبل الحرب حيث بادر الى قطع علاقته مع المانيا واعتقل الرعايا الالمان وسلمهم الى القوات البريطانية كأسرى حرب، والاكثر من ذلك انه اراد اعلان الحرب على المانيا، لكنه واجه معارضة الوزراء الشديدة. انطلق نوري السعيد في موقفه هذا من قناعتين:

    الاولى:

    نظرته الثابتة لبريطانية وضرورة تعميق الارتباط بها وقد اراد ان يجسد هذه النظرة بواسطة موقف كبير تقدم عليه السياسة العراقية وذلك من خلال الوقوف معها في جبهة الحرب، وجعل العراق طرفاً الى جانبها لتأكيد علاقته معها.

    الثانية:

    كان نوري السعيد يرى مقدّمات الحرب تميزت بتفوّق المانيا وانتصاراتها المتتالية، لن يستمر على هذه الشاكلة، وان الايام القادمة ستشهد دخول روسيا الحرب ضدها مما يؤدي الى تبدل الموقف العسكري وانقلابه لصالح الحلفاء، وعلى هذا فان دخول العراق الحرب الى جانب بريطانيا سيعود عليه بالفائدة عند نهاية الحرب.

    في هذه الفترة كانت تتعاظم قدرة النفوذ العسكري وتأثيره على الحياة السياسية حيث كان عقداء الجيش لهم اليد الطولى في التأثير على الوصي عبدالاله وعلى رؤساء الوزراء، فبعد سلسلة من الحوادث التي اعقبت تأييد حكومة نوري السعيد لدول التحالف ضد المانيا قام عقداء الجيش بفرض رشيد عالي الكيلاني رئيساً للوزراء والتنسيق معه لاعادة العلاقة الدبلوماسية مع المانيا وسحب تأييد العراق لدول الحلف، الامر الذي اغضب الادارة البريطانية وجعلها تستاء من حكومة الكيلاني وتصفها بأنها حكومة لا يمكن الثقة بها، ومن الجدير بالذكر هنا ان شخصية رشيد عالي الكيلاني ما عرفت بمعاداتها للانجليز طيلة الفترات السابقة، ولكن مواقف الكيلاني الاخيرة املتها عليه ظروف سياسية واجتماعية جعله يتجه نحو دول المحور.

    وهذه المواقف التي امتازت بالجرأة والاقدام ضد الوجود الانجليزي في العراق وتحرك الجيش العراقي لمحاصرة القوات البريطانية في الحبانية ووقوع المعارك بين القوات البريطانية والجيش العراقي هي التي عرفت فيما بعد بحركة مايس 1941 او بحركة الكيلاني التي اقترنت باسمه.

    ان هذه الحركة لم يكتب لها النجاح وانتهت بسيطرة القوات البريطانية على بغداد، وهروب الكيلاني واعوانه من العسكريين الكبار الى ايران ثم الى تركيا وبعدها الى المانيا وبذلك تنتهي مرحلة مهمّة من الحياة السياسية في العراق.

    ان هذا الحدث الكبير حرك الوسط الشيعي واثار فيهم روح المقاومة للاحتلال البريطاني رغم ان الكيلاني كان يعارض اعادة تذكير الامة بثورة العشرين، فرغم ذلك كله تعاطف الوسط النجفي مع حركته ليس ثقة منهم بمشيخة الكيلاني وانما هو موقف شجاع ضد الانجليز، هذا من جانب ومن جانب آخر نرى بعض العلماء الشعراء يقف في الصف المعادي لطرفي النزاع على حد سواء امثال العالم الشاعر الكبير عبدالمهدي مطر الذي كانت شاعريته على قدر كبير من القوة والرصانة وجزالة الالفاظ وأهم ما امتاز به شعره الصور الجميلة والخيال الخصب والاستعارات البلاغية التي قل وجودها في شعر غيره، فمن ذلك قوله في تلك الفترة:

    بشرت قومي والظنون لواقح***ورثيت قومي والسنين حوامل
    لم يأت من تلك العشار نتيجة***للشعب الاّ خادع ومخاتل
    لا يخدعنك هيكل من فارغ***ماقال الاّ دون ما هو فاعل(1)
    _______________________________
    1-
    شعراء الغري، ج6 ص123.

    ونقرأ له قصيدة في مكان آخر من تلك الفترة العصيبة التي يمر بها العراق وهو ينظر الى الوطن بحسرة وتشاؤم وكيف ان العراق الذي صنع الملاحم والبطولات في الماضي قد نام اليوم عن عزّه وكرامته حتى رعته ذئابه:

    ضمنت له احقابه***ان لا يعود له شبابه
    آه له أمسى على***يد حارسيه حجابه
    خفت الزئير من الأسود***به فطن ذبابه
    نطقت يد استعماره***فتخارست نوابه(1)
    _______________________________
    1-
    نفس المصدر السابق.

    الشعر الشيعي من 1945 الى 1970

    تمثل الفترة التي اعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، حقبة شعرية على قدر كبير من الاهمية، بحيث يمكن دراستها بصورة مستقلة على انها نقطة تحول كبير في مسار حركة الشعرعند علماء الدين الشيعة. وحين نقرر هذه المسألة المهمّة، فلأننا ننطلق في تحديد معالمها الاساسية من خلال محصلة الظروف والعوامل التي تفاعلته على امتداد تلك الفترة الزمنية. وهذا ما نلخّصه بالعناصر الثلاثة التالية:

    اولاً:

    تراكم التجربة الشعرية عند علماء الشيعة، وتبلورها في الاطار الفكري والسياسي الذي رافق احداث مرحلة ما بعد الحرب الثانية، حيث نجد ان سنوات تلك الفترة شهدت ولادات مكثفة ومؤثرة لشخصيات علمائية ادبية، كانت في بعدها التجربي تمثل امتداداً لحركة الشعر الشعبي... وفي بعدها التطوري تعتبر نقلة واسعة في النتاج الادبي عند الشيعة والوسط الاسلامي بشكل عام. وقد تمكنت تلك الشخصيات من ملىء مواقعها بكفاءة عالية، تنسجم مع طبيعة المرحلة التي تعيشها في مستوياتها الفكرية والاجتماعية والادبية.

    وهذا ما انعكس بوضوح من خلال تأسيس النوادي والجمعيات الادبية في النجف الاشرف مركز الحوزة العلمية. وكذلك عبر الزيادة العددية والنوعية للاحتفالات الجماهيرية التي كانت تقام في المدن العراقية، والتي كان الشعر يحتل المكان المتميز في مناهجها. وايضا من خلال صدور صحف اسلامية اهتمت بالشعر الاسلامي اهتماماً كبيراً مثل مجلة الاضواء التي اصدرتها جماعة العلماء، والتي كانت ملتقى الاقلام العلمائية في جانبي الفكر والادب.

    كما ان النقطة الاخرى المهمة في هذا الخصوص، تتمثل في مواكبة علماء الشيعة لحركة الشعراء ايام ذاك. حيث دخل بعض شعرائهم مجال الشعر الحر ونظموا العديد من القصائد على نمطه، وهو اتجاه لم يكن سائداً في شعرهم. وقد برز من بينهم السيد محمد حسين فضل الله الذي نظم في الشعر الحر افضل قصائده. هذا اضافة الى تخطي بعضهم دائرة الحوزة العلمية، ودخول ميدان الصحافة العراقية، حيث نشروا بعض نتاجاتهم فيها. ولعل احساسهم بعدم تقبّل الجو التقليدي ايامذاك لطبيعة نتاجهم ولاسيما الشعر الحر. هو الذي دفعهم الى الاقدام على تلك الخطوة.

    ثانياً:

    دخول الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية في العراق في واقع جديد، يختلف في كثير من الوجوه عن واقع ما قبل الحرب العالمية الثانية. وكانت ابرز ملامحه، تعرض الوسط الاسلامي الى هجمة ممنهجة استهدفت المفاصل الاساسية في الجسم الاسلامي. مما عرّض الامة الى خطر الانسلاخ عن عقيدتها ووقوعها في اسر الافكار المستوردة. وقد استوجب ذلك من العاملين التصدي لتلك الهجمة الثقافية ومقاومة التغلغل الفكري الضال، بكل الاساليب المتوفرة. وكان الشعر احدها. وبالفعل استطاع الشاعر الاسلامي ان يجعل حضوره متميزاً في الساحة الفكرية والسياسية خلال مواقفه الادبية المتقدمة.

    وفي هذا المجال نستطيع ان نرصد العديد من الاسماء اللامعة التي برزت من بين علماء الدين في عالم الادب مثل: السيد محمد جمال الكلبايكاني الهاشمي والشيخ جعفر الهلالي والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد علي اليعقوبي والشيخ احمد الوائلي والشيخ عبدالمنعم الفرطوسي وغيرهم.

    لقد شكل هؤلاء فئة متميزة من الشعراء، سارت نتاجاتهم في طريق مشترك موحّد، رغم تعدد الاتجاهات الشعرية التي اعتمدها كل واحد منهم، الاّ ان وحدة التشخيص الموضوعي لطبيعة المرحلة ومتطلّباتها، جعلت خطاهم تلتقي في محصّلة النتاج الادبي، كاتجاه شاخص في الحياة الادبية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

    ثالثاً:

    شهدت فترة ما بعد الحرب، تحولات استراتيجية وسياسية هائلة في البلاد الاسلامية والعالم بشكل عام. وقد انعكست آثار ذلك على كل الساحة الاسلامية، باعتبار انها افرزت الكثير من الاحداث والمواقف والاتجاهات الكبيرة، مما كان يتطلب اتخاذ موقف محدد ازاء كل ما يحدث، لانه كان من الامور المهمة التي تمس الامة الاسلامية وتؤثر في مساراتها الفكرية والسياسية. وقد تمكن علماء الشيعة من مواكبة الاحداث بكفاءة ونجحوا في فرض الموقف من خلال الفكرة والقصيدة. تلك العقود الممتدة الى مرحلتين واضحتين حسب المهمة التي قامت بها الحركة الاسلامية من خلال مسيرتها في التعبير الفكري ومن ثم تحولها الى الصراع السياسي ضد السلطة في العراق. حتى بعد حدوث هذا التقسيم المرحلي، فان هذه الولادة ظلت غائبة لعاملين اساسيين:

    الأوّل:

    لان الولادة ذات الكثرة التوأمية عملية غير ممكنة في الحياة الادبية لخصوصياتها المرتبطة بالموهبة والاحساس والشعور. فمن الممكن جداً ان يهيء الظرف السياسي والاجتماعي اجواء مناسبة لبروز طاقات ادبية. لكن هذا يحدث في حقبة زمنية كاملة وبشكل يتفرق على سلسلة الزمن. مما يجعل منها ولادات طبيعية مفردة مثل ظهور اي طاقة ابداعية في حقول الحياة المختلفة والمتعددة في حياة اي امّة من الامم.

    ثانياً:

    لان الحركة الادبية في العراق خلال تلك الفترة - حتى قبلها - لم تشهد صموداً في القدرات الشعرية فقد كانت الاجواء العامة توفر شروط النهضة الادبية المتجددة. خصوصاً وان المناسبات الاسلامية الكثيرة في العراق تعتبر ميداناً ملائماً للتجارب الشعرية، وحافزاً لذوي المواهب لان يسيروا مع الشعر طويلاً وبعيداً. وقد احتلت النجف الاشرف موقعاً متقدماً في هذا المجال. فكانت افضل وسط لنمو الشعراء، وكانت ساحة ادبية ساخنة طوال تاريخها.

    ان التداخل في الانتماء يختفي فيما يتعلق بأغراض الحركة الشعرية، حيث تميز نتاجها خلال المرحلة التغييرية التي تمثلت في مواجهة التيارات غير الاسلامية، بملامح تختلف عن النتاج الذي ظهر بعد عام 1979م وهو العام الذي خاض فيه العراقيون مرحلة الثورة ضد السلطة العراقية.

    ان التداخل بين اجيال الشعراء والذي يستحسن ان تسميه تواصلاً، ساهم في تطور حركة الشعر الاسلامي في العراق تطوراً مضطرداً دون ان تكون ثمة منعطفات حادة في مسيرته، مما جعل حركته تسير بنسق منسجم جميل خال من القفزات الطارئة او الفواصل المرتبكة.

    لقد مثلت الحركة الشعرية اتجاهاً مشخّصاً، يحمل نفس معالم العمل السياسي الاسلامي، ويوصف بملامحه الرئيسية. حيث عالجت الواقع العراقي وفق رؤى وتصورات التحرك الاسلامي. وهذا ما جعلها تتميز عن الفترات السابقة بتشابه الطرح ووحدة الاساليب. لان الشعراء كانوا في قصائدهم يعكسون افكار الحركة الاسلامية وبرامجها العامة تجاه الامة المبتدعة عن الاسلام أيامذاك. فبينما كان الكتاب والندوة والنشاط الفكري يتركز على واقع الامة ويحاول ان يعيدها الى الاسلام... فان الشعر ايضاً عالج المسألة ذاتها... انه كان اسلوباً من الاساليب، وتعبيراً عن مهمة التحرك الاسلامي.

    ان الشعراء وجدوا في اجواء التحرك الاسلامي ساحة مفتوحة كبيرة بحجم الهموم الاسلامية وتطلّعاتها العريضة، وبذلك تحتّم عليه ان يسير ضمن حركة ادبية متطورة باستمرار مع تقدم العمل السياسي الاسلامي. يضاف الى ذلك ان حاجات الحركة الاسلامية كانت تفرض على الشاعر ان يتعامل معها بمسؤولية عالية، جعلت شعره حركياً هادفاً. ورغم ان هذا الالتزام يبدو ظاهرياً وكأنه قيد احاطة بالشاعر، الاّ انه في حقيقته حفظ نتاجه من الانجرار الى الاغراض التي لا تخدم القضية الاسلامية. وهو في نفس الوقت لا يمثل خطراً شعرياً في المجالات التي يريد ان يعالجها ويوجه شعره فيها واليها.

    وهكذا فان التحرك السياسي الاسلامي ساهم بشكل فاعل في تحديد معالم حركة ادبية اسلامية ملتزمة، يمكن اعتبارها مدرسة للشعر الاسلامي الهادف، بعد ان كانت التجارب الشعرية الاسلامية ينهض بها عدد قليل من شعراء علماء الدين.

    ان قراءة في قصائد الفترة موضوع البحث، تبين لنا خصائص الحركة الادبية ايامذاك. وتكشف لنا ايضا عن التواصل الطبيعي بين حلقاتها الاولى وبين التي تلتها. فالولادة الشعرية حين ترى الضوء، فانها تسير تلقائياً ضمن خطها الادبي الاسلامي. لانها ولدت في اجوائه، وشبّت وهي تتنفس عبيره. فضمنت الاصالة وادخلت المعاصرة بهدوء محبب. وبذلك فان المتأخرين ساهموا الى جانب الروّاد وشعراء الوسط في ارساء دعائم الحركة الادبية وفي تطورها المستمر.

    وازاء تلك الظروف السياسية القلقة التي كانت تهيمن على الحياة العامة في العراق. فان الشاعر الاسلامي لم ينس هموم المسلمين، ومشاكلهم، في مناطق العالم الاسلامي.

    لقد شغلت قضية فلسطين كل الشعراء الاسلاميين، فراحوا يسجلون حضورهم السياسي من خلال القصائد المتتالية في المهرجانات والصحف، وهي تتحدث عن مأساة الشعب الفلسطيني وعن المداخلات الدولية التي تحيط بها، وعن الواقع الاسلامي المحيط، وعن الموقف المطلوب من المسلمين تجاه هذه القضية. فعلى اثر قيام دولة اسرائيل، ونشوب حرب عام 1948، نظم الشاعر عبدالمنعم الفرطوسي قصيدة «تحية لجيوش العرب» يقول فيها:

    صبراً فلسطين وان طال العنا***وجلجلت بك الخطوب والنوب
    قد آن تحريرك من رقّية***قد جلبت لك الشقاء والنصب(1)

    ثم يتحول الشاعر الى مخاطبة ابناء البلاد الاسلامية، مثيراً فيهم روح الثورة والمواصلة على طريقة الكفاح، وهو النفس الذي كان ضرورياً في تلك الفترة، على اعتبار ان اعلان قيام دولة اسرائيل، يمثل تحدياً للمشاعر الاسلامية، مما يستوجب اثارة الهمم، لاعادة الثقة الى النفوس اولاً ثم الانطلاق بها الى ساحة الثورة.

    ومن هنا يوجه الشاعر الفرطوسي خطابه في البداية الى ابناء مصر، حيث يقول:

    أبناء (زغلول) مشاعل الوغى***منابع الفكر اذا الفكر نضب
    بالسيف والمزبر قد سبقتم***فحزتم في كل ميدان قصب
    ونلتم سبق الفخار كلّه***في حومة الحرب وحلبة الادب

    ثم يوجه الشاعر خطابه الى ابناء الاردن، حيث يدعوهم الى النهوض والكفاح المسلّح لاستعادة حقوقهم من اليهود. فيقول:

    أشبال عمّان الى الفوز هبّوا***فإنّما الفوز قرين من وثب
    وجاهدوا واجتهدوا وشمروا***لترجعوا حقاً صريحاً مغتصب
    بعد ذلك يتحدث الشيخ الفرطوسي مع ابناء سوريا ولبنان، مذكراً اياهم بما دار بينهم وبين الروم في غابر الايّام من سجالات حربية، كانت الغلبة للمسلمين، مثلما حدث خلال حكم الدولة الحمدانية في الشام:

    أبطال سوريا ولبنان ردوا***حوض المنايا او يردّ ما سلب
    فأنتم السراة في كل وغى***وأنتم الغزاة في كل لجب(2)
    _______________________________
    1-
    ديوان عبدالمنعم الفرطوسي.
    2-
    المصدر السابق.

    والى جانب الشيخ الفرطوسي، يقف السيد محمد جمال الهاشمي في قصيدته الرائعة، يتحدث عن فلسطين في بعديها الاقليمي الخاص والاسلامي العام. فهو في قصيدته «فلسطين» التي نظمها عام 1948م يتناول الواقع الذي تعيشه البلاد الاسلامية من حيث التقسيم الاستعماري الذي فرض على وحدة الشعوب الاسلامية صيغ سياسية وضعية فصلتهم عن بعضهم البعض بحدود جغرافية مصطنعة. الاّ انها تحولت بمرور الزمن الى حواجز ضخمة تفصل أبناء الامة الاسلامية، وتباعد بينهم نفسياً واجتماعياً وفكرياً وسياسياً، كما هو شأن الكيانات السياسية في العالم.

    في هذه القصيدة يؤكد السيد الهاشمي على اهمية الموقف النضالي، باعتباره المنطلق الاكيد والاوحد لتحقيق النصر على الهيمنة الاستعمارية. ومن ثم استعادة الحق الضائع. ولذلك فهو يرفض الحلول السلمية، والمبادرات السياسية والتي ادرجها تحت عنوان «العدل». يقول السيد الهاشمي:

    حطمي القيد فلا ينفع عهد ووفا
    واجهي الواقع بالواقع ان فاض الإنا
    واحذري العدل فبالعدل تضام الضعفاء
    يرجع الحرّ الى السيد اذا خان الاخاء(1)

    ان الخطاب الحماسي لم يشغل الشاعر الاسلامي عن تشخيص الخلل في موقف الدول العربية ازاء قضية فلسطين، ولم يحوله الى نافخ ساذج في بوق الحماس، ان للشاعر وقفات تأمّل دقيقة، راجع فيها الواقع السياسي، وتعرف على نقاط الخلل فيه والتي أدت الى تدهور مخيف في مستقبل القضية الفلسطينية. وهذا ما يتوضح في قصيدة الشيخ عبدالمهدي مطر بعنوان «الباب الذهبي» التي نضمها عام 1953م. وفيها يستعرض الضعف الذي كانت تعانيه الدول العربية السبع التي خاضت حرب عام 1948م وخرجت خاسرة من المعركة:

    سبع من الدول العرباء تنقضها***دويلة ما لها ريش ولا زغب(2)

    كانت قضية فلسطين تنتقل على محطات تراجعية نتيجة تراخي مواقف الدول العربية، جعل مصير القضية يسير باتجاه معاكس لتطلعات الشعب الفلسطيني، والشعوب الاسلامية عامّة. وهذا ما أثّر على احاسيس الشاعر الاسلامي الذي نظر الى مأساة الشعب الفلسطيني شاخصة بكل ابعادها امامه.

    وفي عام 1967م، حدثت الانتكاسة الخطيرة في قضية فلسطين وذلك اثر الهزيمة القاسية للجيوش العربية في حرب 5 حزيران، حيث ضاع ما تبقى من فلسطين وسقطت القدس بيد الاحتلال الصهيوني. وهو الحدث الذي جرح قلوب المسلمين. فالقدس بيد الاحتلال الصهيوني. وهو الحدث الذي جرح قلوب المسلمين. فالقدس لها مكانتها المقدّسة في العالم الاسلامي. وحين تسقط صريعة الاحتلال، فان في ذلك صدمة نفسية عميقة الآثار في مشاعر المسلمين. ولقد هزّ هذا الحدث وجدان الشعراء الاسلاميين، فراحوا يسلّطون اضواءهم الشعرية على الانتكاسة بكل اسبابها ونتائجها المحزنة.

    في قصيدة «حديث فلسطين» التي نظّمها الشيخ احمد الوائلي عام 1967م يوجه الشاعر ثورته الغاضبة على الحكام العرب محملاً اياهم اسباب الهزيمة التي تعرض لها الكيان الاسلامي، حيث يقول:

    أقادتنا يا رفات الرجال***ويا جيفا نتنها يخنق
    ويا نوبا ما أصاب الشعوب***كأمثالها نوب تمحق
    ويا بلها ما أضاع الحقوق***أتفه منه ولا أحمق
    ويا سارقين ولم يقطعوا***ويا قاتلين ولم يشنقوا(3)
    _______________________________
    1-
    محمد حسين الصغير، فلسطين في الشعر النجفي، ص 171.
    2-
    المصدر السابق.
    3-
    احمد الوائلي، الديوان الاول من شعر الشيخ الوائلي، ص 65 و66.

    والى جانب الشيخ احمد الوائلي، وقف السيد محمود الحبوبي في قصيدته «الى القدس» وقفة مطولة، ارسل خلالها نظراته الشعرية لتستعرض المجد العريض الذي صنعه الاسلام، عبر فتوحاته المتتالية في المشرق والمغرب. وكيف ان شمسه الطالعة راحت تنحسر عن العالم رويداً رويداً حتى وصل الحال بالمسلمين ان تحولوا الى شعوب مختلفة، يتحكم فيهم الاستعمار، ويفرض عليهم ارادته، دون ان يتمكنوا من دفع عادية الصليبيين، ومقاومة نفوذهم المتزايد في بلادهم. وبعد ان يحلل الشاعر الحبوبي في قصيدته اسباب الضعف والتراخي في موقف حكّام المسلمين، والذي قاد الى هزيمة حزيران 1967 يرفع بوضوح قناعته حول الواقع السياسي، معتبراً ان حسم القضية لا يتم من خلال الهيئات الدولية وقرارات مجلس الامن، انما عن طريق الموقف النضالي والكفاح المسلح، وهذا ما يجب ان يتحمّله الحكام في مواجهة التطورات الخطيرة التي شهدتها ساحة الاحداث، يقول السيد الحبوبي:

    فلا تلهكم من كاذبين وعودهم***ألم يكف من خلف المواعيد ما مرّا
    اولئك قوم لو سرى النجم خلفهم***لتاه بواديهم فما حمد السرى
    ومن كان منكم واثقاً بعهودهم***فما كان الاّ فائل الرأي مغترا(1)
    _______________________________
    1-
    ديوان السيد الحبّوبي، السيد محمود الحبوبي، النجف 1948م.

    لقد كان اهتمام شعراء علماء الشيعة كبيراً بالقضية الفلسطينية لانها تمثّل محوراً رئيسياً في صراع الاسلام والكفر. ولان هذه القضية كانت تمثّل نقطة التقاطع الحضاري بكل ما يشمله من اتجاهات فكرية وعقائدية وسياسية. لذلك كانت النتاجات الشعرية مكثفة ومتواصلة . وهي بحق استوعبت المسألة من جوانبها الاساسية.

    على ان من الضروري ان نتذكّر ايضا، ان الاهتمام بفلسطين، انما كان ضمن الاتجاه العالمي لحركة الشعر الشيعي. فلقد مثّل هذا الاتجاه خصيصة بارزة في الحركة الادبية الاسلامية في العراق، فلم يختلف الاهتمام بقضايا المسلمين في اي فترة من فتراتها، انما كان حضور الشاعر الاسلامي حضوراً دائماً في المشاكل الكبرى لبلاد المسلمين ولم تشغله الهموم الاقليمية رغم ثقلها على القلب، عن معاناة المسلم في الاقاليم الاخرى مع انه شريكه في المحنة.

    ان الذي نستخلصه هنا، ان الفترة التي اعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى انتهاء عقد الستينات الميلادية، مثلت مقطعاً زمنياً متكاملاً لحركة شعرية نشطة، تميزت بغزارة النتاج السياسي، وبكثرة الشعراء العددية. ولعل هذه الفترة هي أغنى الفترات من ناحية الزخم الشعري. كما ان السنوات التي اعقبتها وبالتحديد منذ مطلع الستينات لم تكن على شاكلتها. فلقد بدأ الشعر السياسي عند علماء الشيعة يأخذ بالانحسار، اذ لم نتعرّف على شاعر جديد من علماء الشيعة فرض نفسه بقوّة على ساحة الادب.

    1
    ـ تطور الشعور العربي الحديث في العراق، د. علي عباس علوان، مغفل من جهة الطبع.
    2
    ـ 14 تموز فى الرابطة الأدبية، جمعية الرابطة الأدبية في النجف ـ مطبعة النعمان، 1959م.
    3
    ـ الثورة الجزائرية في الشعر العراقي، عثمان سعيد، دار الحرية، بغداد 1981م.
    4
    ـ الثورة العراقية الكبرى محمد على كمال الدين مطبعة التضامن، بغداد 1971م.
    5
    ـ ثورة النجف، حسن الأسدي، دار الحرية، بغداد 1975م.
    6
    ـ ثورة 1920 في الشعر العراقي الحديث، عبد الحسين مبارك، مطبعة دار البصري 1970م.
    7
    ـ الحرب العراقية البريطانية، محمود الدولة، دار الطليعة بيروت 1969م.
    8
    ـ حياة الشعر في الكوفة الى نهاية القرن الثاني الهجري، د. يوسف خليف، 1968م.
    9
    ـ دليل النجف، د. عبد الهادي الفضلي، مطبعة الآداب 1385 هـ.ق.
    10
    ـ ديوان الشيخ، د. أحمد الوائلي، دار الكتاب الأسلامي 1980م.
    11
    ـ ديوان ألحان اللهيب، أحمد الصافي النجفي، ط1، دار اليقظة ـ دمشق.
    12
    ـ ديوان الأمواج، احمد الصافي النجفي، بيروت 1961.
    13
    ـ ديوان بحر العلوم، محمد صالح بحر العلوم، مطبعة التضامن، بغداد 1968م.
    14
    ـ ديوان الجزائري، الشيخ محمد جواد الجزائري، ط بيروت 1970م.
    15
    ـ ديوان الحويزي، الشيخ عبد الحسين الحويزي، بيروت 1964م.
    16
    ـ ديوان الشبيبي، الشيخ محيد رضا الشبيبي، القاهرة 1940م.
    17
    ـ ديوان الفرطوسي، الشيخ عبد المنعم الفرطوسي، مطبعة الغري 1966م.
    18
    ـ ديوان السيد محمد الحبوبي، السيد محبوب الحبوبي، النجف 1948م.
    19
    ـ ديوان الوائلي، ابراهيم الوائلي، دار الرشيد، بغداد 1983م.
    20
    ـ ديوان اليعقوبي، الشيخ محمد علي اليعقوبي، النجف 1957م.
    21
    ـ ديوان الشيخ اليعقوبي الحاج جعفر، جمع وتقديم الشيخ محمد علي اليعقوبي، مطبعة النعمان 1962م.
    22
    ـ رباعيات الحبوبي، محمود الحبوبي، مطبعة دار النشر 1951م.
    23
    ـ سحر الشعر، روفائيل بطي، مطبعة الرحمانية، مصر 1922م.
    24
    ـ الشبيبي الكبير، حمود الحمادي، مطبعة النعمان، النجف 1972م.
    25
    ـ الشبيبي شاعراً، قصي القاضي، دار الحرية بغداد، 1975م
    26 ـ الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر، ابراهيم الوائلي مطبعة المعارف، بغداد 1878م.
    27
    ـ شعراء الغري، علي الخاقاني، مطبعة بهمن 1408هـ.
    28
    ـ الشعر العراقي وأهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر، د. يوسف عز الدين، دار القومية 1965م.
    29
    ـ الشعر العراقي الحديث، د. يوسف عز الدين، دار المعارف 1977م.
    30
    ـ الشيخ محمد علي اليعقوبي شاعراً، د. عبد الصاحب الموسوي 1978م.
    31
    ـ حركة الشعر في النجف الأشرف، د. عبد الصاحب الموسوي، دار الزهراء بيروت 1988م.
    32
    ـ العراق قديما وحديثا، السيد عبد الرزاق الحسني، دار الكتب بيروت 1980م.
    33
    ـ العراق أمسه وغده، خليل كنه، بيروت 1966م.
    34
    ـ العصر العبّاسي الثاني، د. شوقي ضيف، دار المعارف 1977م.
    35
    ـ عواطف وعواصف، علي الشوفي، مطبعة المادف بغداد 1953م.
    36
    ـ العوامل التي جعلت النجف بيئة شعرية، جعفر الخليلي 1970م.
    37
    ـ في الاتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والاردن، د. ياسر الدين الاسد، 1957م.
    38
    ـ فصول في الشعر ونقده، د. شوقي ضيف، دار المعارف 1971م.
    39
    ـ الفلسطينيات، جمعية الرابطة الأدبيّة بالنجف 1353هـ.
    40
    ـ الفن ومذاهبه في الشعر العربي، د. شوقي ضيف، دار المعارف 1976م.
    41
    ـ القاموس المحيط، الفيروز آبادي.
    42
    ـ قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، دار العلم للملايين، بيروت.
    43
    ـ الكلم المنظوم، جميل صدقي الزهاوي، د. محمد يوسف نجم، مكتبة مصر 1955م.
    44
    ـ ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر محبوبه، ط2، مطبعة الآداب النجف 1378هـ.
    45
    ـ محاضرات في الشعر العراقي الحديث، عبد الكريم الرحيلي، معهد الدراسات العربية بالقاهرة 1959م.
    46
    ـ الاحلام، الشيخ علي الشرقي، ط1 شركة الطبع والنشر بغداد 1963م.
    47
    ـ الأدب في صحافة العراق منذ بداية القرن العشرين، د. عنا اسماعيل الكبيس، مطبعة النعمان النجف 1972م.
    48
    ـ موسوعة العتبات المقدّسة، قسم النجف جزءان، جعفر الخليلي ط1، دار التعارف 1965م.
    49
    ـ موسيقى الشعر، د. ابراهيم انيس، ط5، مكتبة الانجلو المصرية 1981م.
    50
    ـ النقد الأدبي الحديث في العراق، د. أحمد مطلوت، معهد الدراسات العربية بالقاهرة 1968م.
    51
    ـ هكذا عرفتهم، جعفر الخيلي، مطبعة الزهراء 1963م.
    52
    ـ ديوان الكاظمي، عبد المحسني الكاظمي، بغداد 1962م.
    53
    ـ تجربة العمل الجمهوري في العراق بين 1921م ـ 1959م.
    54
    ـ تاريخ الوزارت العراقية، عبد الرزاق الحسني.
    55
    ـ العراق في دوري الاحتلال والانقلاب الجزء الأول، عبد الرزاق الحسني.
    56
    ـ تاريخ العراق السياسي. عبد الرزاق الحسني.
    57
    ـ الاسرار الخفية في حركة السنة 1941م التحريرية، عبد الرزاق الحسني.
    58
    ـ عبد المحسن السعدون ودوره في تاريخ العراق السياسي، لطفي جعفر.
    59
    ـ ثورة العشرين في ذكراها الخمسين، محمد علي كمال الدين.
    60
    ـ تاريخ القضية العراقية، محمد مهدي البصير.
    61
    ـ حركة رشيد علي الكيلاني عام 1941م، اسماعيل أحمد باغي.
    62
    ـ حول السياسة البريطانية في العراق، فاروق صالح العمر.
    63
    ـ الأحزاب السياسية في العراق بين 1921م، فاروق صالح العمر.
    64
    ـ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء السادس، د. علي الوردي.
    65
    ـ دور الشيعة في تاريخ العراق الحديث، د. عبد الله فهد النفيسي.
    66
    ـ سياسة العراق الخارجية بين عامي 1953م ـ 1958م.
    67
    ـ الثورة العربية الكبرى، امين سعيد.
    68
    ـ الشيعة والدولة القومية، في العراق، حسن العلوي.
    69
    ـ النشاط الصهيوني في العراق، صادق حسن السوداني.
    70
    ـ تاريخ الحركة الاسلامية في العراق، عبد الحليم الرهيسي.
    71
    ـ جعفر ابو التمن ودوره في الحركة الوطنية في العراق، عبد الرزاق الدراجي.
    72
    ـ دراسات وتراجم عراقية، عبد الرزاق الهلالي.
    73
    ـ الاحزاب السياسية في العراق، د. فاروق صالح عمر.
    74
    ـ الحقائق الناصعة في الثورة العراقية، فريق الزهر القرعون.
    75
    ـ تاريخ الشعوب الإسلامية، كارل بروكلمان.
    76
    ـ أصل الشيعة واصولها، محمد حسين كاشف الغطاء.
    77
    ـ المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون، محمد حسين كاشف الغطاء.
    78
    ـ مدرسة النجف وتطور الحركة الاصلاحية فيها، محمد مهدي الآصفي.
    79
    ـ الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر الهجري، مرتضى مطهري.
    80
    ـ مجلة الايمان، رئيس تحريرها الشيخ موسى اليعقوبي.
    81
    ـ مجلة العرفان، رئيس تحريرها الشيخ عارف الزين 1909م.
    82
    ـ مجلة لغة العرب، رئيس تحريرها الأب النستاس الكرملي 1912م ـ 1913م.
    83
    ـ مجلة الهلال، رئيس تحريرها جرجي زيدان 1928م.
    84
    ـ مجلة الاعتدال، رئيس تحريرها محمد علي البلاغي.
    85
    ـ هكذا عرفتهم، جعفرالخليلي.
    86
    ـ الشعر العراقي الحديث يوسف عز الدين.
    87
    ـ الشعر والمجتمع العراقي، 1915م ـ 1945م، يوسف عز الدين.
    88
    ـ الشعر والشعراء في العراق، 1900م ـ 1958، احمد ابو سعد.
    89
    ـ التيارات الأدبية في العالم العربي المعاصر. أنيس خوري.
    90
    ـ الفكر الشعبي والنزاعات الصوفية، كامل مصطفى الشبيبي.
    91
    ـ شعراء بغداد، علي الخاقاني.
    92
    ـ دراسات وتراجم عراقية، عبدالرزاق الهلالي.
    93
    ـ تاريخ علماء سامراء. يونس الشيخ ابراهيم السامرائي.
    94
    ـ الاتجاهات الوطنية في الآداب المعاصرة، محمد محمد حسين.
    95
    ـ رؤساء العراق 1920م ـ 1958م، الاستاذ سليم الحسني.

    تعليق


    • #3
      احسنت ايها الرائع لنقل هذه الدراسة الرائعة
      https://www.facebook.com/hhhhhhh7777

      تعليق

      عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
      يعمل...
      X