إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

« داعش ».. نوستالجيا العودة الى البدايات الوهابية

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • « داعش ».. نوستالجيا العودة الى البدايات الوهابية

    السلالة النقيّة للجيل المؤسس
    « داعش ».. نوستالجيا العودة الى البدايات الوهابية

    عبد الوهاب فقي
    (1 من 3
    )


    توقف مراقبون وذوو الاهتمام بالشأن العام مليّاً عند ردود فعل التيار الشعبي الوهابي في المملكة إزاء الاعلان عن سيطرة داعش على محافظة الموصل العراقية في 10 يونيو الماضي..اكتشف هؤلاء بأن داعش ليس تنظيماً خارجياً، ولا أفكاره صنعت في غير أرض. في حقيقة الأمر، الاكتشاف بوقع الصاعقة تمثّل في أن داعش بدت بمثابة السلالة النقيّة للجيل الوهابي المؤسس، وهنا تكمن خطورة ما يدبّر لمستقبل المملكة السعودية على وجه الخصوص والمنطقة عموماً. في التداعيات، وخصوصاً بعد إعلان داعش عن الخلافة الاسلامية في 29 يونيو الماضي، فإن المشروعية الدينية للدولة السعودية باتت في موضع خطر جدّي، لأنها لم تعد الوكيل الحصري لعقيدة التوحيد، بل إن إعلان الدولة الاسلامية يشي بنزع المشروعية وجدارة الاستمرار، وإنها، أي دولة داعش، هي الوارث الشرعي للوهابية ما يعني أن السعودية، دون بقية الدول، هي المستهدف الأول لمشروع دولة الخلافة بقيادة أبي بكر البغدادي، الذي حقّق بحسب ما تزعم قيادة داعش العنصر المفقود في الأسرة المالكة في الجزيرة العربية، أي العنصر القرشي، وهو الذي ينظر اليه باعتباره شرطاً جوهريا، من وجهة نظر تيولوجيين إسلاميين (ابي الفراء الحنبلي وابن خلدون وابن القيم وغيرهم) في الخليفة.

    في لحظة ما، وفي محصّلة أوليّة، أخرج «داعش» المستور والكامن والمحبوس داخل كثيرين ينتمون للتيار الديني الوهابي في المملكة السعودية، الذين اكتشفوا بأنهم أعضاء غير رسميين في التنظيم. عبّر كل منهم عن انتمائه لهذا التنظيم على طريقته، وبإسلوبه الخاص، فمنهم من وصف سيطرة داعش على الموصل بأنها «حركة تحرير» كما جاء في تغريدة للشيخ الصحوي سلمان العودة، بالرغم من الخصومه المعلنة بينه وبين تنظيمات السلفية الجهادية (القاعدة وداعش حصرياً)، ومنهم من وصف مقاتلي داعش بأنهم ثوّار كما فعلت صحيفة (الجزيرة) التي تصدر من العاصمة الرياض، بالرغم مما قيل عن تمايز بين داعش ومجموعات ثورية انتفضت على الحكم العراقي الحالي، فيما راح ناشطون من التيار الديني الوهابي يملئون عالم تويتر بتغريدات تمجيدية صريحة تارة ومواربة أخرى لارتكابات داعش في العراق وإدراجها في سياق الثورة الشعبية، إلى جانب الطابع المذهبي المرافق لها وتصويرها على أنها منازلة سنيّة شيعية.. وفي يوم الاعلان عن «الدولة الاسلامية» أو «الخلافة» وتتويج أبي بكر البغدادي، إبراهيم بن عواد البدري خليفة على المسلمين، بادر كثيرون من أتباع المذهب الوهابي في المملكة السعودية الى مبايعته.

    في النتائج، تحوّل داعش الى ما يشبه الملاذ الآمن وصانع الأحلام الوهابية في المنطقة، وفي لحظة ما بالغة الحساسية تحوّل الى الرهان الرئيسي الذي يعوّل عليه أتباع المذهب الوهابي في المملكة، وازداد الرهان رسوخاً بعد صدور الأمر الملكي في 3 فبراير الماضي بتجريم المقاتلين السعوديين في الخارج، حيث بات داعش مركز الاستقطاب والحاضنة والوعاء الذي يستوعب المنبوذين من التنظيمات المسلّحة المدعومة من السعودية بعد أن تخلت الأخيرة عنها، ثم تحوّل داعش الى خيط الأمل الذي يعقده التيار الوهابي العام عليه.

    سوف يظهر من خلال التأمل في الرؤى الدينية وترجماتها الميدانية لدى داعش، أنه يمثّل الوراث التاريخي والشرعي لجيل الجهاديين الذي تربى على تعاليم محمد بن عبد الوهاب، والمتناسلين منه مثل جيش الإخوان، الذي دخل في مواجهة في معركة (السبله) سنة 1929 مع قيادته السياسية المتمثلة في عبد العزيز بن سعود بعد قبوله بترسيم الحدود و»تعطيل فريضة الجهاد» بينما الاستراتيجية الوهابية الأصلية تقوم على أساس التمدّد الجغرافي إلى حيث تصل رايات التوحيد والجهاد، وجرت محاولات تصحيحية أخرى في 1979 من قبل جماعة جهيمان العتيبي وهي النسخة الأخرى من «الاخوان»، وكانت تحظى بتأييد الشيخ بن باز والشيخ ناصر الدين الالباني ومقبل الوادعي، والشيخ بديع الدين الراشدي السندي. إن النتائج التي خلصت اليها تجربة داعش، بوصفها البديل الحصري والمؤهل لتنظيم القاعدة، وما يمكن أن تمثله التجربة الداعشية كامتداد لتجارب التصحيح في الدولة السعودية وما انتهت اليه، تدعو لإعادة قراءة التجارب السابقة التي شهدتها الدولة السعودية الثالثة لناحية العودة بها الى المبادىء الوهابية الأولى بأضلاعها الثلاثة: التكفير، الهجرة، الجهاد.

    الجماعة السلفية المحتسبة: تأسيس التمرّد المسلّح

    نقل سليمان العصيمي مقاطع من خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ حمود صالح العقيل امام جامع الامير متعب بن عبدالعزيز بالرياض،والداعية بدار الافتاء والارشاد، حيث خصص العقيل خطبته للحديث عن جماعة جهيمان العتيبي وخلفيات نشأة الجماعة السلفية المحتسبة. وقال بأنه بعد ان افتتحت الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة عام 1380هـ/1960 أصبحت المدينة تجمع مزيجاً من الوافدين للتعلم في الجامعة، وكان اكثر الطلاب مختلفين في العقائد والفروع وفي هذا الجو نشأت مجموعة تدعو الى نبذ المذاهب الفقهية والاخذ بالكتاب والسنة وترك البحث في كتب الفقة..». ولكن الحكومة تنبّهت على ما يبدو الى الابعاد الخطيرة لهذه الاجواء فقامت بإرجاع الطلبة غير السعوديين الى اوطانهم، ولكن بعد وفاة الملك فيصل أخذت الظاهرة تنمو مجدداً حتى أخذت أبعاداً أخرى واسعة في سنة 1396هـ/1976؛ وزادت بشكل ملحوظ في العامين التاليين حيث اندمجت عناصر أخرى من الخارج. سليمان العصيمي، جريدة (الرياض) عدد رقم 4393 يوم السبت 12 محرم 1400هـ/2 ديسمبر 1979.

    في الرواية المشهورة، والمنقولة عن ناصر الحزيمي، أحد رفقاء جهيمان العتيبي، أن «الجماعة السلفية المحتسبة» تأسست بعد حادثة تكسير الصور والتماثيل في إحدى المحال التجارية في المدينة المنورة، أي بعد سنة 1965 تقريباً، حيث تجمّع ستة وقرروا أن يؤسسوا جماعة تقوم بأمور الدعوة والتذكير في المساجد والأماكن العامة.

    ويزعم الحزيمي بأن خمسة من أصل ستة أعضاء مؤسسين تخرّجوا من عباءة جماعة التبليغ أما السادس فيبدو انه من الاخوان المسلمين. ولكن ما يلبث أن يخرج المجموعة بأكملها من جماعة التبليغ، لأسباب تبدو مفهومة اذا وضعت في سياق آخر، غير انضواء المجموعة تحت عباءة التبليغ في الأصل. يقول الحزيمي بأن أعضاء المجموعة خرجوا من جماعة التبليغ كونها لا تهتم بالتوحيد في دعوتها، وتتساهل في قضايا الولاء والبراء وقضايا إنكار المنكر، ولا تدعو على هدي من الكتاب والسنة. إذا كان الحال كذلك، فإن استخدام عبارة «تخرجوا من عباءة جماعة التبليغ» خاطىء وفي غير محلّه. لأن ملاحظات المجموعة تندك في صميم العقيدة الوهابية. ومن بين الستة المؤسسين هم: جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي، وسليمان بن شتيوي، وناصر بن حسين العمري الحربي، وسعد التميمي
    .

    (انظر: ناصر الحزيمي، أيام مع جهيمان.. كنت مع «الجماعة السلفية المحتسبة»، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت الطبعة الثانية 2011 ص ص 42 ـ43).

    قرّر الستة أن يخبروا عبد العزيز بن باز بقرارهم تكوين جماعة سلفية «تنبذ التمذهب وتدعو الى التوحيد والتمسك بالكتاب والسنة الصحيحة، وأنهم لا يهدفون من وراء عملهم هذا أي هدف دنيوي، وأنهم يعرضون عليه منصب المرشد لهم والموجّه؛ فوافق وقال لهم بما أنكم تحتسبون الأجر من الله؛ فليكن اسمها «الجماعة السلفية المحتسبة». (ناصر الحزيمي، أيام مع جهيمان..المصدر السابق، ص 43).

    يلفت الحزيمي الى نقطة جديرة بالاهتمام حول بدايات الجماعة السلفية المحتسبة، ويربطها بمرحلة الطفرة النفطية بعد حرب اكتوبر 1973، حيث طفر معها الخطاب اليميني بشكل عام، وبرز التمويل الداعم لكل ما هو ضد الكتلة الشيوعية أو القومية العربية، وساد الصمت الرسمي حيال ممارسات الجماعات الدينية المسيّسة، ووجدت في أجواء الحرب الباردة خير معين على إعادة أجواء خطاب الاسلام السياسي.(الحزيمي، أيام مع جهيمان، مصدر سابق ص 14).

    ويروي الحزيمي قصة انضمامه الى الجماعة السلفية المحتسبة وعلاقته بقائدها ومنظرها جهيمان العتيبي، حيث كتب فصلاً بعنوان (ذكرياتي مع جهيمان العتيبي قائد المحتلين للمسجد الحرام) من كتاب (قصة وفكر المحتلين للمسجد الحرام) والصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، وطبع في شباط (فبراير) سنة 2011. يكتب الحزيمي عن بدايات تشكّل جماعة (بيت الاخوان السلفيين) في مكة سنة 1977 وهو أول بيت للإخوان في مكة (ص 47). وكان يشرف على البيت عبد الله الحربي عايض بن دريميح، والتحق الحزيمي بالمجموعة واندمج في حياة الاخوان من الجماعة السلفية، ولازم عبد الله الحربي ـ الرجل الأول في الحركة (فهو الذي يجمع الاخوان ويذهب بهم للدعوة في ضواحي مكة، وهو الذي يقودهم لطلب العلم على المشايخ).

    أخبر الحربي الحزيمي عن قدوم الاخوان في المدينة المنورة الى الحج، ويصف الحزيمي شعوره حينذاك (كنت بغاية الشوق للقاء أناس سبقتهم سمعتهم بشكل عجيب مثل جهيمان، وآخرين تعرفت عليهم جميعاً في المخيم بمنى مثل: ناصر بن حسين، وسليمان بن شتيوي، وسعد التميمي، واليمني أحمد حسن المعلم، وفيصل محمد فيصل اليامي، وعالم الحديث اليمني مقبل بن هادي الوادعي.. ومجموعة من السودانيين من جماعة أنصار السنة قدموا من الطائف، ومجموعات قدمت من جميع مناطق المملكة؛ وقد خصص في المخيم مكان للشيخ الألباني..) (ص 49 ـ50).

    تعرف الحزيمي وقتها على جهيمان الذي كان من بين من الاخوان الذين جاءوا الى مكة وحضروا دروس الالباني «وبدأت أتعرف على المسائل التي يخالف بها الإخوان أصحاب المذاهب الفقهية من المقلدين..». يعلق الحزيمي (هذا اللقاء الذي تم في الحج يكاد أن يكون العلامة على أنني أصبحت أنتمي لجماعة سلفية حقيقية، فمسلكهم وسيماهم ودماثة خلقهم وما يشغلون به وقتهم، كله كان محسوباً، كما أنهم يتميزون عن الجماعة السلفية في الكويت أنهم أكثر جدية وخشونة وعزوفاً عن الشكليات الدنيوية)(ص 51).

    وينقل الحزيمي عن محتويات مكتبة جهيمان فيقول: (تحتوي على أغلب كتب الألباني، والكتب الستة بشروحها وتفسير ابن سعدي، وتفسير ابن كثير والبغوي، وكتاب «إتحاف الجماعة» للشيخ حمود التويجري، ونيل الأوطار وسبل السلام، ومجموعة التوحيد وكتب ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وشرح العقيدة الطحاوية)، ثم يقول (أما كتب المذاهب الفقهية فتكاد تكون معدومة)، ويضيف (وقس عليها أغلب مكتبات الإخوان)(ص 51 ـ 52).

    كانت جماعة الاخوان بمثابة مجتمع مضاد، أو جماعة مغلقة على ذاتها تعيش عزلة اجتماعية لها قوانينها ونظامها الخاص وسلوكها الفريد في العيش وتحمل المصاعب، وكان لها فكرها الخاص بها، ورؤيتها للعالم من حولها، وقد جرّب بعض أفرادها العزلة الجسدّية بأن انتقلوا هم وعوائلهم للعيش خارج المدينة، والتدرّب على الحياة في ظروف صعبة.. ولكن ما يجدر الالتفات اليه أن هذه المجموعة كانت تتهيأ لعملية تصحيح كبرى في المجتمع والدولة، الى أن بلغ بها الحال لأن تصبح الجماعة الانقاذية التي يتم على يدها ملء الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.



    جهيمان العتيبي

    يتحدث الحزيمي عن النشاط الدعوي للجماعة: (كنا في يوم الجمعة وهو يوم إجازة نذهب للدعوة في القرى الموجودة في ضواحي مكة. كان الخطاب الدعوي وقتها يركز على البدع المنتشرة بين أهل هذه القرى، وكان غالباً يتولى هذه المهمة عبد الله الحربي). من الواضح أن المجموعة تعمل على أساس تشخيصها للواقع الديني في المجتمع، الأمر الذي عزّز لديها النزعة الرسولية التي حملها الشيخ محمد بن عبد الوهاب يوم صدع بمهمة التبشير بدعوته.

    يتحدث مقبل الوادعي ـ وكان قد عاصر تلك المرحلة واندمج في نشاطات الجماعة السلفية وأثّر فيها، عن الجماعة السلفية المحتسبة أو أهل الحديث او جماعة الحرم بقوله: (إنهم طلبة علم أخيار أفاضل، وقد انتشرت بسببهم سنن كانت قد أميتت، وما خسرتهم أرض الحرمين فحسب، بل خسرهم المجتمع المسلم..) ويضيف: (استيقظ كثير من الشباب من أبناء جدة ومن أبناء الرياض كما هو معروف، انتفع بهم كثير من البدو وأصحاب طلبة العلم جزاهم الله عن الاسلام خيراً)(مقبل بن هادي الوادعي، المخرج من الفتنة، مكتبة صنعاء الأثرية، الطبعة الاولى سنة 2002، ص 142).

    رفض الوادعي ان ينسب المجموعة للفساد، بل قال بأن هؤلاء (لم يحاربوا الله ورسوله، ولم يسعوا في الارض فساداً، ولكنهم كانوا يظنون أنهم على حق فأخطأوا، وكنا نعتقد أنهم على خطأ وهم في الحرم، ومع هذا فكنا نسأل الله أن ينصرهم، لأن خطأهم هذا ليس بشيء بجانب فساد حكام المسلمين..)(الوادعي، المخرج من الفتنة، المصدر السابق، ص 144).

    في قصة جهيمان العتيبي تبدو صورة الوهابي في نسخته الأصلية، الذي يحاول ايصال ما انقطع في تجربة الاخوان الاصلاحية. فقد ولد جهيمان في هجرة ساجر، ووالده كان من الاخوان في جيش الملك عبد العزيز، وكان صديقاً لسلطان بن بجاد. النهاية المأساوية للإخوان في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين ولدّت شعوراً بالغبن عند الاخوان عموماً، وعند أهل ساجر خصوصاً، ونشأ جيل ورث بعضهم الضغينة للحكم القائم والتمرد عليه، كما يقول الحزيمي. (انظر الحزيمي، ذكرياتي مع جهيمان العتيبي قائد المحتلين للمسجد الحرام؛ من كتاب: قصة وفكر المحتلين للمسجد الحرام، مصدر سابق ص63).

    في منتصف الستينيات اعتنق جهيمان سلفية أهل الحديث متاثراً بناصر الدين الألباني ومؤلفاته وتعاليمه، وتتلمذ على ابن باز وحضر دروساً في دار الحديث التابعة للجامعة الاسلامية، وشارك في تأسيس الجماعة السلفية المحتسبة سنة 1965.

    نجحت الجماعة في بناء بيوت للإخوان في الحرة الشرقية بالمدينة المنورة، وكانت بنيت بطريقة غير قانونية وعشوائية الى ان سيطر الاخوان على أحياء بكاملها (بحيث لا تجد من يبيع الدخان أو يشربه في هذه الأحياء، وقد بنيت البيوت بطريقة يسهل الهرب منها فهناك بابان واحد إمامي والاخر خلفي، وقد هرب جهيمان من هذه الابواب عندما لوحق في الاعتقال الأول الذي تم سنة 1978).

    في حديثه عن التأثيرات الفكرية والسياسية والحزبية الخارجية على الجماعة السلفية المحتسبة، بدا واضحاً أن الحزيمي يحاول تعزيز الرواية السعودية الرسمية من خلال توجيه الاتهام الى جماعات خارجية مصرية بدرجة أساسية مثل الاخوان المسلمين أو جماعة التكفير والهجرة أو جماعة المسلمين التي يرأسها مصطفى شكري ودورها في تعميم الأفكار التكفيرية. والحال أن هذا الرأي يصلح فيما لو خليت المراجع الوهابية من عقيدة تكفيرية راسخة، فتلك تشتمل على مثل هذه الافكار قبل قرنين من نشأة جماعة شكري.

    على العكس من رأي الحزيمي، فإن الامير نايف وزير الداخلية صرّح بأن التحقيقات أكّدت عدم وجود أشخاص يحملون فكر جماعة التكفير من الكويتيين والمصريين المتورطين مع الجماعة. (منصور النقيدان، قصة وفكر المحتلين للمسجد الحرام، مصدر سابق ص 114 عن: وتموت الفتنة، اصدار جريدة الندوة 1980، ص 88).

    انتماء جهيمان الى مجتمع الإخوان قد يكون عزّز فكرة إعادة إحياء تجربة الاخوان وارتباطها بالهجرة، وما تعنيه من هجرة من بلد الكفر الى بلد الاسلام. ورغم أن الحرس الوطني ضم بقايا الاخوان وتربوا على الولاء لأسرة آل سعود، الا أن ثمة نوستالجيا كامنة برزت وسط مجموعة من الشبان في منتصف الستينيات تنزع نحو إعادة أمجاد الاخوان، وإن لم تكن تأخذ في المرحلة الأولى طابعاً سياسياً بقدر ما هي عودة الى حياة الالتزام بالتعاليم السلفية الأصلية.. وربما هذا ما أثار حفيظة علماء السلطة الذين شعروا بأن هذه المجموعة تشكّل خطراً على نفوذهم ومكانتهم لدى آل سعود. الشيخ عبد العزيز آل الشيخ إمام الجامع الكبير في الرياض، ومفتي المملكة الحالي، وصف في خطبة له جماعة جهيمان بالخوارج وقال (إنهم يدّعون السلفية والسلفية منهم براء)(النقيدان، مصدر سابق، ص 114).

    كان مآل الحلف الذي انفرط عقده بين الملك عبد العزيز وبين الاخوان إحدى القضايا الهامة التي شغلت تفكير جهيمان وظهرت بشكل واضح في رسائله. ومنها الفتن وأشراط الساعة والإمارة والبيعة والطاعة. وقد وصف جهيمان حال الحرس الوطني، الذي يمثل الحاضنة الكبرى لبقايا الإخوان، عام 1977 في رسائله (فأنت لن تجد في فوج كامل من الاخوان الا ثلاثة أو أربعة). وما ذكره يعبر عن تحوّل كبير مقارنة بالحال قبل عشرين عاماً حيث كان الاخوان هم الغالبية الساحقة.

    وفي مقابلة مع ولي العهد فهد بن عبد العزيز، الملك لاحقاً، مع جريدة (السفير) في 10 يناير 1980 أن جماعة جهيمان بدأوا بانتقاد علماء الحكومة الرسميين وطرحوا أسئلة عن شرعية الحكم السعودي والتشكيك في تطبيق ال سعود للشريعة. يقول فهد (يأتي أفرادها الى المساجد وإلى الناس البسطاء يحاولون إفهامهم بأن العقيدة الاسلامية بدأت تضعف في المملكة وأنه لا بد للقاعدة الاسلامية أن تنتبه). وتحدث عن خلاف نشب بين الجماعات السلفية حينذاك (حتى وصلوا الى الشقاق والخلاف الى درجة أن بعضهم صار يصلي جماعة أخرى، بعد صلاة الجماعة السلفية،..)، (النقيدان، مصدر سابق ص71). يقول الحزيمي بأن الاخوان كسروا حاجز الهيبة بين المفتي والمستفتي، وكانوا عاملاً في كسر احتكار العلم الشرعي لفئة من الفقهاء وأساتذة الجامعات، ويمكن القول إن الاخوان «جمهروا» العلم، وجعلوه شعبياً، وبثوا روح المحاججة بين العوام..الحزيمي، (ص73).

    كان الاخوان قد أقاموا لهم بيوتاً في الرياض وجدة ومكة والطائف وحائل والاحساء وكلها دانت بالولاء لجهيمان، وكان ابو بكر الجزائري مندوب ابن باز في الجماعة، ولكنه قرر الخروج من قيادة هذه الجماعة بعد أن فقد القدرة على السيطرة عليها، وكان العمل التنظيمي الفعلي والأفكار بيد جهيمان الذي تكثفت رحلاته وتكثف خطابه ضد الدولة، وأصبح من العيب أن تكون من الاخوان وأن تعمل في الدولة.

    وبعد الاعتقال الاول الذي تعرضت له جماعة الاخوان السلفيين وخروج اعضائها من السجن زاد من انتشارها، فكان الانجذاب اليهم لافتاً وقوياً. في الفصل المعنون (الجماعة السلفية المحتسبة.. دراسة في فكر المحتلين للمسجد الحرام) يحدد منصور النقيدان الفترة ما بين 1987 ـ 1995 بأنها فترة ازدهار وانبعاث ثان لأهل الحديث، وهي الاسم الآخر للجماعة السلفية المحتسبة، وأن هذه المجموعة أعيد تشكيلها مرة اخرى في الفترة ما بين 1995 حتى 2003، حيث (دخلت طوراً آخر عرف فيما بعد عند المراقبين والباحثين بـ «السلفية الجهادية» التي تجعل من جهيمان العتيبي رمزاً وشخصية ملهمة)؛ وكان منظر الجهادية السلفية الأردني عصام البرقاوي (ابو محمد المقدسي) جسراً ووصلة تحوّل رئيسة في كل هذا. (النقيدان، ص 103).

    رسائل جهيمان.. يوتيبيا الإمارة الوهابية

    توصل الرسائل التي كتبها جهيمان العتيبي بالاستعانة برفاق دربه الى نتيجة واحدة، هي أن المملكة السعودية لم تعد هي الدولة الضامنة والحارسة للتعاليم الوهابية، وأن الواقع القائم لابد من تغييره بكل السبل وان تطلب الأمر رفع السلاح. ولابد من الاشارة الى أن رسائل جهيمان باتت مكوّناً أساسياً في أدبيات السلفية الجهادية ممثلة في (القاعدة، داعش).



    جماعة جهيمان: دواعش السبعينيات!

    في (رسالة الأمارة والبيعة والطاعة وحكم تلبيس الحكام على طلبة العلم والعامة)، يؤكد جهيمان على أن واجب الخليفة هو تحكيم الشريعة، وإلا «فقد ضل عن سبيل الله..». ويرى بأن واقع حال المملكة السعودية هو «تعطيل الحكم بكتاب الله» وفي النتائج: «فحينما لم يحكم هؤلاء الحكام بكتاب الله ولم يتحروا فيما انزل الله؛ وقع البأس فيما بين المسلمين، فكثرت الفرقة والاختلاف..».

    ويقسّم جهيمان الحكومات في بلاد المسلمين في ضوء حديث نبوي عن أطوار الحكم في تاريخ المسلمين حيث تبدأ بخلافة نبوة، ثم ملك عاض، وملك جبري وما تستوجبه من مواقف من حيث المبايعة والطاعة والخروج. في واقع الأمر، يحاول جهيمان طرق مسألة الموقف من حكام المسلمين عامة وحكّام المملكة السعودية خاصة؟ وما هو المخرج من الفتن السياسية التي يعيشها المسلم اليوم.

    وقسّم جهيمان الامارة والخلافة والولاية، بحسب دور القيادة، الى قسمين:

    قسم يقود بالكتاب والسنة، ويلتزم بما ورود فيهما حرفياً، وبناء عليه يكون الموقف «فهذا لا خلاف في وجوب طاعته».
    القسم الآخر: «لا يقود الناس بكتاب الله ولا يبايعهم على نصرة دين الله، وإنما يقول ولا يفعل ولا يهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستن بسنته، وكثيراً ما يكون في الملك الجبري، فهذا لا بيعة له ولا طاعة، حتى لو حكم له بالإسلام».

    من جهة ثانية، يرفض طائفتين من الناس: الاولى من يريد السلطان والعلو في الأرض ولا يقيم الدين مثل فرعون ومن تشبّه به، والثانية: تريد الدين بلا سلطان «فيكون دين مسكنة ومذلة تحت الذين يريدون العلو والفساد، فهؤلاء لا يسعون لإقامة الجهاد، ولا يحبون ذكره؛ لما في قلوبهم من الذلة، وهذه شعبة من شعب النصرانية، وصفة من صفات النصارى أهل الرهبانية والصوامع». ويعتقد جهيمان بأن كثيرا من الدعاة اليوم سلكوا مسلك أهل الذلة والمسكنة يريدون الدعوة الى الحق بلا أذى.

    وهناك طائفة ثالثة هي المنصورة كما يرى جهيمان وهي النموذج «الذي رضيه الله لنا وأمرنا به؛ فهو نصر دينه حتى يكون ظاهراً على الدين كله». والطائفة المنصورة، بحسب جهيمان، سلمت من هاتين الطائفتين - أهل العلو والفساد، وأهل الذلة والمسكنة. وهنا يستمد جهيمان رؤيته من ابن تيمية كما وردت في مجموعة الفتاوى، وسوف نعثر في أدبيات السلفية الجهادية (القاعدة وداعش) على تنظيرات حول الطائفة المنصورة تستلهم مما كتبه جهيمان وغيره من منظري الوهابية في الموضوع.

    خصّص جهيمان مساحة كبيرة لنقد الدعاة والعلماء الذين ارتضوا الدعة والمسكنة والنأي عن مطلب (قيام السلطان مع الدين، إلا أن يكون ذلك بالدعاء للظلمة بالصلاح، لأنهم ليس لهم استعداد لأن يقيموا الدين من الجانبين - ألا وهو جانب المجاهدة بالحجة من الكتاب والسنة وبيان سبيل المجرمين والدعوة إلى الحق والصبر على الأذى، وجانب القسوة التي تحملهم على أقامة الجهاد ونصرة دين الله وإقامة دولة الإسلام).

    ويوجه جهيمان نقداً لاذعاً للمتدينين الذين ترهبنوا فصاروا عباداً بالمساجد، ينفق عليهم وتبنى لهم الرباطات حتى أن بعضهم يدخلها وهو شاب ويموت فيها وقد شاخ.

    وقد تنبّه الاخوان القدامى والجدد الى ما يمكن أن يقع فيه العلماء في مداهنتهم لأمراء آل سعود. ففي الخلاف الحاصل بين الاخوان وابن سعود بعد احتلال الحجاز ومطالبة قادة الاخوان بتولي ادارة شؤونه باعتبارهم هم من «فتحوا» الحجاز، فكان من بين مؤاخذات الاخوان ضد العلماء هو المداهنة، ما اضطر الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وكان الشيخ النافذ وبمثابة المفتي العام لدولة ابن سعود، أن يكتب رسالة الى الاخوان يؤكد فيها على طاعة الامام والتمسك ببيعته وحذر من نقص العهد وقال: «وقد بلغني عن بعض من غرّه الغرور، من الطعن في العلماء، ورميهم بالمداهنة..» (الدرر السنيّة، الجزء التاسع ص 91).

    وهي الملاحظة التي حملها جهيمان العتيبي، أحد أحفاد الاخوان، حيث دوّنها في إحدى رسائله واتهم بعض العلماء بمداهنة آل سعود.. وهي نفس الملاحظة لدى القاعدة ومن جاء بعدها، الى درجة أن هناك من كفّر ابن باز وابن عثيمين لتماهيهما مع ال سعود..

    يقول جهيمان في (رسالة الإمارة والبيعة والطّاعة ص 29): (وأقرب مثل وأوضحه مؤسس دولتهم - يقصد الثالثة هذه - الملك عبد العزيز والمشايخ الذين كانوا معه في سلطانه، وهم ما بين موافق له ومعزز له بما يشاء وآخر ساكت عن باطله، وآخر التبس عليه الأمر. فقد دعا «الإخوان» رحمهم الله الذين هاجروا من القرى المختلفة هجرة لله عزّ وجلّ دعاهم إلى بيعة على الكتاب والسنة، فكانوا يجاهدون ويفتحون البلاد، ويرسلون له بما للإمام من الغنائم والخمس والفيء ونحو ذلك على أنه إمام المسلمين. ثم لما استقر سلطانه، وحصل مقصوده: والى النصارى، ومنع مواصلة الجهاد في سبيل الله خارج الجزيرة، فلما خرجوا لقتال المشركين في العراق الذين يدعون علياً وفاطمة والحسن والحسين مع الله، لقبهم هو ومشايخ الجهل الذين معه لقبوهم باسم يكرهه أهل الإسلام وهو «الخوارج» مع أن الإخوان لم يخرجوا عليه ولم يخلعوا يداً من طاعة وإنما لم يطيعوه حينما نهاهم عن الجهاد. وبعدما لقّبهم بالخوارج حمل إخوانهم الذين لم يخرجوا معهم على قتالهم فخرج بهم وبدأهم بالقتال، فلما التقوا في ساحة القتال حمل كل من الفريقين على الآخر وكل منهم ينتخي ويقول: «صبي التوحيد وأنا أخو من طاع الله» فيا لها من مصيبة دامية. وقبل ذلك أرسل للشريف حسين بكتاب يقول فيه: (حسين يا خوي أنت في نحورهم وأنا في ظهورهم). فلما قتلهم وشتتهم واستقر سلطانه الجبري، والى النصارى، وعطّل الجهاد في سبيل الله، وانفتح من الشر أبواب مغلقة. ثم واصل السير على نهجه أبناؤه من بعده، حتّى وصلت بلاد المسلمين إلى ما وصلت إليه اليوم من الشر والفساد. فنقول الآن: أين الحكم بالكتاب والسنة الذي ادعوا الحكم به أول ملكهم ويدعيه كل من تجددت له بيعة منهم؟.. وإن طالت بك حياة لتجدن الولد يشابه أباه، ويشعلون الحرب بين المسلمين، ويسيّرون بعضهم على بعض».

    بالعودة الى تصنيف جهيمان للمشايخ، يضع الصنف الثاني في خانة من يبايع الظلمة ويسكت عن باطلهم، وربما أخذوا شيئاً من دنياهم وبنوا بها رباطاً أو مسجداً حتى يقال «بني على نفقة الشيخ فلان». يزج جهيمان هنا طائفة من المسائل التي نجدها حاضرة في خطاب وأدبيات الصحوة في تسعينيات القرن الماضي، في سياق سؤال استنكاري حول مصدر نفقة الشيخ الفلاني على المسجد: (من أين اكتسبت هذا المال؟! هل هو من الفتوحات وإخراج الكفار من جزيرة العرب أم بالعكس بإدخال الكفار مع المسلمين، ورفع أعلامهم في جزيرة العرب، وقتال من يريد أن يطهر جزيرة العرب من المشركين، ويريد منع الكفار من الدخول؟).

    ويلحق جهيمان بالصنفين سالفي الذكر «المطاوعة» و»المرشدين»، بسبب تعاميهم عن مساوىء الحكّام وانحرافهم ويرى بأن «المطوع» (يسير خافضاً رأسه عن مساوئهم، ويتظاهر أن خفضه رأسه من الدين والورع! وهو في الحقيقة من الذل والمسكنة!). ويحظى هؤلاء بإطراء العلماء المقرّبين من أهل الحكم. وكذلك المرشدون الذي يعلمون الناس العبادات (وأما الأصل - وهي ملة إبراهيم عليه السلام ومقاطعة أهل الباطل والتبري منهم وإنكار المنكر - فإنهم لا يتطرقون إليه..).

    جهيمان في رسالته حول الامارة يحدد مواصفات الحاكم الشرعي أو الخليفة، ثم يدخل لمناقشة مبادىء البيعة والطاعة والاسئلة الإشكالية المثارة حولها. فالخليفة الشرعي هو من يحكم بالكتاب والسنة ولا يتبع هواه، فإن فعل ذلك وجبت له البيعة والطاعة. وأما في حال عدم تحقق هذين الشرطين فلا بيعة ولا طاعة.




    غداً سيكون: كنتُ مع داعش!

    ويقسم جهيمان أنظمة الحكم في تاريخ المسلمين الى أربعة أنظمة/ مراحل: خلافة على منهاج النبوة، ملك عضوض، ملك جبري، ثم تعود خلافة على منهاج النبوة. ومواصفات الخلافة على منهاج النبوة هي ما تبايع عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهما أمران: قول الحق في الاحوال كلها، ونصرة دين الله والجهاد عليه.

    وبحسب هذا التقسيم، يرى جهيمان أن المسلمين يعيشون اليوم في الملك الجبري (الذي ليس المسلمون فيه هم الذين يختارون الخليفة وإنما هو الذي يفرض نفسه عليهم، ثم يبايعونه بيعة مجبورين عليها، ولا يترتب على عدم رضاهم بهذا الخليفة أنه ينعزل... حكام المسلمين اليوم لم يبايعوا الناس على ما بايع عليه الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من القول بالحق حيثما كانوا ونصرة الدين، بل على نظام وقوانين ليس فيها من الشرع إلا ما وافق الهوى، وأما ما خالف فلا، والمقصود أنه ليس خلافة على منهاج النبوة). ومع أن جهيمان لا يكفّر الحكّام الا أن بيعتهم باطلة شرعاً بالأدلة من الكتاب والسنة، حسب قوله. ويذهب جهيمان الى شرط القرشية في الامام والخليفة، وهو من تجب بيعته وطاعته. ولعل تنسيب ابو بكر البغدادي الى قريش وتعمّد ذكر نسبه القرشي يؤكد التزام داعش بشرط القرشية.

    دعا جهيمان الى اعتزال الملك الجبري وأن وجود الحكّام الجبابرة (هلاك للدين وهدم للحق وإحياء للبدعة وإطفاء للسنة..). واعتبر آل سعود بأنهم من الحكام المنافقين (فتراهم - مع إظهارهم الإسلام - يوالون الكفار والمشركين..). ويضيف الى ذلك في ردّه على من يرون الخير من قيام دولة الاسلام ورفع راية التوحيد بأنهم تعاموا عن (تعطيل الجهاد وموالاة النصارى للمصالح الدنيوية). ويرى بأن الدجال أهون من هؤلاء العلماء الملتبس أمرهم على كثير من الناس: (من يعيش تحت أيديهم من مشايخ المداهنة والمعاش والرواتب والمراتب.. ومن يدعو إلى الله على جهل وضلال، فيهدي بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويستن بغير سنته). فكيف تجب طاعة هؤلاء الأئمة المضلّين؟ ويخص المرشدين بحديثه يقول (فوالله لو أن المرشدين كما زعموا في دار الإفتاء والحرس والجيش وغير ذلك؛ بينوا تحريم هذه الأعمال عند أولئك الأمراء، لتبصّر الكثير من محبي الخير ولعرفوا دينهم وأرضوا ربهم، ولكن والله لو فعلوا؛ ما تركهم هؤلاء الأمراء - الذين لم يستقيموا لا في العلم ولا في العمل - ما تركوهم ليلة واحدة وهم تحت أيديهم في أحسن المساكن وأفخم المراكب..».

    في رسالة (الميزان في حياة الانسان) يذكر جهيمان بأنه كان يدرس في دار الحديث وينقل عن أحد طلابها قوله: (يا فلان! والله لقد دخلت دار الحديث والجامعة وتخرجت منها ولم أستفد شيئا، وإنما عرفت من طلبة الجامعة ومدرسيها انهم «متعوشة»!، يقصد أنهم يدرسون من أجل المعاش والشهادة التى يتعيشون بها.. ولولا خوفي عليه من الفتنة لذكرت اسمه، إلا انه استثنى رجلين وهما «عبد العزيز بن باز»، و«الشنقيطى» صاحب «أضواء البيان”).

    ويرد جهيمان على من يحتج عليه بما كان يفعله المفتي السابق عبد العزيز بن باز، وطريقته في إنكار المنكر بالقول بأن حكّام آل سعود لم يبقوا له ـ اي لابن باز ـ مكانته العلمية، (بل أصبح مجرد «موظف إداري» ويخدعونه بـ «أبونا» و»والدنا» و»شيخنا» وغير ذلك من إطراءات المنافقين، وإنما يأخذون منه ومن علمه ما وافق أهواءهم، فإذا خالفهم بالحق لم يتحرجوا في مخالفته ورد الحق، وهو يعلم ذلك جيداً). ويؤكد جهيمان بأن الحكّام انما اختاروا أمثال ابن باز (ممن يثق الناس بدينهم وعلمهم، اختاروهم من غير المبصرين لئلا يروا كثيراً من المنكرات، وإذا لاقوهم تدهنوا بالطيب وقبلوا جباههم وداهنوا معهم ونافقوا حتى يزيلوا ما في أنفسهم إن كان قد وصل إليهم شيء من أخبارهم السيئة). ومع ذلك يرى بأن دور ابن باز الوعظي لم يعد مؤثراً فهو (مستمر في الإنكار وهم مستمرون في المنكر).

    ووجّه جهيمان نقداً للدولة السعودية في موضوع التلبيس على الناس فقال: (وامتازت دولتنا بقسط وافر من هذا التلبيس - منها ومن علمائها)؛ وأرجع ذلك الى الرعية وتخاذلها (ولم تستطع هذه الدولة أن تفعل ما تفعله من التلبيس والتدليس إلا لأن رعيتهم ومن هم في قبضة أيديهم كأرنب دفعت عليها [الكلاب] لاصطيادها وقتلها، ومن كانت هذه صفته فهو يستحق ما يناله، ولذلك تجد المغرورين من هذه الرعية؛ رؤساء في الدنيا، أتباعاً في الدين لكل ناعق). وتحدّث عن علاقة المشايخ مع ابن سعود وكيف انها تتكرر الآن، فهم (ما بين موافق له ومعزز له بما يشاء، وآخر ساكت عن باطله، وآخر التبس عليه الأمر).

    يرسم جهيمان في رسالته (رفع الالتباس عن ملّة من جعله الله إماما للناس) خارطة الانقسامات داخل المجتمع الاسلامي (السلفي) ثم يستخرج منها طوائف ثلاث هي حسب اعتقاده (أقرب الطوائف إلى التمسك بالكتاب والسنة..). ويرى بأن أمة ابراهيم عليه السلام تقوم على أصلين: إخلاص العبادة لله وحده، والتبرؤ من الشرك وأهله، وإظهار العداوة لهم؛ ويرى بأن ثمة طوائف التبس عليها الأمر وسرد أعمالها وأقوالها أبرزها:

    طائفة تقول إن قيام الدين أساسه محاربة القبوريين وإظهار العداوة لهم والتحذير منهم محاربة الصوفية وأهل البدع.
    طائفة أخرى تقول بقول الطائفة الأولى وتزيد عليها بالحمل على التعصب المذهبي الأعمى والدعوة إلى الذب عن الحديث وتصفيته مما أدخل فيه، وذلك جل همهم .
    وثالثة فتنت بالشيوعية والرد عليها وإثبات وجود الخالق والسعي الجاد في السيطرة على المراكز الهامة في الحكومات بقصد السيطرة على الحكم .

    ويرد جهيمان على الطائفتين الاولى والثانية بأن رغم أن ماقاموا به حق لا ينكر (ولكن لما كان هذا القيام منهم في مواجهة من لا سلطة في يده، وأنهم سكتوا عن أصحاب السلطات فيما يقومون به من هدم لدين الله ، كان طريقهم الذي سلكوه هو الذي ضل به من كان قبلهم..). وهنا يوجّه جهيمان انتقاده أن إنكار المنكر يقتصر على الضعفاء ومن لا سلطة لديهم (أما إن أخطأ أصحاب السلطان الذين يعيشون تحت أيديهم ويخافونهم ويرجونهم التمسوا لهم العذر، فإن لم يجدوا لهم عذرا التمسوا لأنفسهم العذر بالضعف وعدم القدرة على التغيير).

    ويقدّم جهيمان لذلك كيما يخوض في المسألة الشائكة وهو ما كان يحمله الإخوان على علماء الوهابية في زمن عبد العزيز، واتهامهم لهم بالمداهنة والسكوت عن الحق. وقد كتب جهيمان فصلاً بعنوان «فصل في بيان أن قيام الدين لا يكون بالمداهنة والسكوت بل بالصدع بالحق والصبر على الأذى». وقال بأن العلماء أخذوا «بالجانب الذي يرضى الظلمة به ويوافقونهم عليه..». ووجّه خطابه الى الإنسان العادي وطالبه بأن يعرض نفسه على الكتاب والسنة وأن يحذر من تلبيس المبلسين ولا ينخدع بثناء الناس على هؤلاء الدعاة.

    في التحليل الاجمالي، يقدّم جهيمان قراءة نقدية لحال تيار المشايخ والدعاة الوهابيين في المملكة وعلاقتهم بالسلطة، وتأثيرات الأخيرة على وظائفهم، وتشكيلهم قوة حمائية للسلطة بمنعها كل من يضطلع بالدور الدعوي الحقيقي القائم على الدعوة الى التوحيد وذم الشرك بأنواعه والمجاهرة بالعداء للكفار والتبرؤ منهم علناً، وهي الطائفة الناجية بحسب جهيمان.

    يوجّه جهيمان خطابه للدعاة المتماهين مع السلطة السعودية بالقول (فلو أنكم صرحتم بالعداوة لهم ـ أي للمشركين ـ ونهجتم مبدأ البراءة منهم علناً لنابذوكم ـ أي الحكّام ـ وأذوكم أشدّ الإيذاء ولم يقلدوكم المناصب والمراكز بل لأخرجوكم وقتلوا خياركم).

    ووجه سؤاله للعلماء والدعاة العاملين في مؤسسات السلطة: هل رخّص لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السكوت والمهادنة والإخلاد إلى الأرض ومشاركة عدوهم في الأعمال أو حرضهم على نيل المراكز لديهم للغدر بهم أو خطط لهم مثل تخطيطاتكم العقلية والتي رأينا ولمسنا نتائجها؟


    وحدّد ثلاثة مراحل لنصرة الدين:

    1 ـ قول الحق في الدعوة لتوحيد الله عزو وجل، والتبرؤ من الشرك وأهله والبدع وأهلها والمعاداة في ذلك.
    2 ـ عند ذلك يحصل الإيذاء والإخراج من الديار والأموال وتكون الهجرة إلى مكان يجتمعون فيه .
    3 ـ ثم بعد ذلك يكون القتال.



    مهدوية جهيمان قُتلت فماتت الإمامة، فجاء الخليفة البغدادي بخلافته!

    في الواقع هذه المراحل تمثل خارطة طريق لحركة سلفية جهادية تنشق من داخل الحركة السلفية التقليدية، بعد أن تخلى الدعاة والعلماء عن وظيفتهم الدعوية الجهادية منذ تماهوا مع السلطة، ونبذوا تعاليم الوهابية الأصلية وراء ظهورهم باعتبارها هجرة وجهاد الى يوم القيامة. خارطة تقوم على تكفير المجتمع ثم الهجرة منه وثالثاً إعلان الجهاد عليه.

    في مقالته (البيان و التفصيل في وجوب معرفة الدليل) يتحدث جهيمان عن غربة الاسلام، والتي يرى بأنها تشبه «غربة الاسلام الأولى» «فاعرض حياة الكثير من مسلمى هذا الزمان ومدعى الإيمان والتوحيد على حياة أولئك الرجال، يظهر لك الفارق..».

    في هذه الرسالة يصوغ جهيمان رؤيته في اللامذهبية، ويدعو للتخلي عن المذاهب والعودة المباشرة الى الكتاب والسنة، وهو ما فتح الباب أمام دخول مئات بل آلاف من طلبة العلم الى عالم الافتاء، لأن كل ما في الكتاب واضح وجلي وصاروا يفتون بناء على ما يعتقدونه من الكتاب والسنّة.

    وجّه جهيمان العتيبي رسالة بعنوان (النصيحة) الى المسلمين، يريد منها تعريفهم بالاسلام الحقيقي «الذى به يقبل الله منه اسلامه» أي معرفة معنى لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله. ثم ما يقع في آخر الزمان من فتن تستوجب معرفة الاسلام الحق. ووجوب انكار المنكر والانكار على الحكّام فيما يفعلون من الباطل سواء باليد أو باللسان أو بالقلب.

    في رسالة (الفتن وأخبار المهدي، ونزول عيسى عليه السلام وأشراط الساعة) يؤسس جهيمان العتيبي لمشهد اسكاتولوجي يكون مرشداً لحركته الاصلاحية المهدوية. وقد أمضى جهيمان ثمان سنوات في تتبع أخبار المهدي والدجال والملاحم، وسعى قدر طاقته لتتبع الطرق التي ذكرها المصنّفون في هذا الباب صحيحها وضعيفها، وجمع ما صحّ منها. ونصح بقراءة بعض الكتب من بينها كتاب (إتحاف الجماعة) للشيخ حمود التويجري، وأثنى عليه وحّذر من بعض الروايات الضعيفة فيه.

    جمع جهيمان أحاديث الفتن وأشراط الساعة وربط بين دلالتها وتطبيقها على الواقع الذي وردت فيه، مستعيناً بأحاديث عن الفتن وردت في صحيحي البخاري ومسلم. من بين الروايات التي طبّقها جهيمان على الواقع ما جاء في حديث منسوب الى رسول الله (ص) من تطاول الحفاة العراة العالة رعاة الشاة في البنيان.. واستخرج جهيمان منه أربع صفات: من بينها رعي الغنم وقال:

    (فترى الآن البوادي على فقرهم ورعي غنمهم وعريهم، تعطيهم الدولة قروضاً مالية وتمنحهم أراضى ليعمر فيها بهذا القرض ويتطاول في البنيان مع ثبوت الصفات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فيهم وأنها لم تفارقهم؛ فعمارة هذا لم تغنه بل زادته ديناً أرزأه ولم يغنه ذاك عن رعي الغنم، لأن في الحديث أنهم يتطاولون في البنيان مع كونهم حفاة عراة عالة - أي فقراء - يرعون الغنم، وليس بإعتبار ما كانوا عليه، ولا شك أن تطاولهم في البنيان مع كونهم فقراء معجزة ظاهرة لا تتسع لها عقول البشر قبل وقوعها، كيف ترى بعينيك فقيراً راعي غنم حافياً يتطاول في البنيان؟ ولكن صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    قد يلفت تفسير جهيمان للحديث الى الأدلجة الجامحة حيث يميل الى تظهير الواقع وفق المعطيات الواردة في الحديث، ولذلك لا يجد تعارضاً في زمانه أن يتطاول راعي الغنم في البنيان ويبقى فقيراً، بل يراها معجزة ظاهرة!

    على المنوال نفسه، يفسّر جهيمان ما ورد في حديث منسوب للنبي (ص) حول الفتنة وأنها «لا تدع بيتا من العرب إلا دخلته..»: (وإذا تأملت واقعك اليوم رأيت انه لم يبق بيت من بيوت العرب إلا دخلته الفتنة وهي الفتنة في الدين، ومن ذلك فتنة الصور الموجودة في النقد وغيره، فما تكاد تجد بيتا من العرب إلا دخلته.. بل إنك تجد بالتتبع أن كل أشراط الساعة خصت بجزيرة العرب). وقد استحوذ موضوع الصور والتصوير على اهتمامات جهيمان ومجموعته، ولا بد أن نتذكر أن حادث تكسير الصور كان الإشارة الاولى لانطلاقة الجماعة السلفية المحتسبة في منتصف الستينيات من القرن الماضي.

    فسّر جهيمان ما جاء في حديث نبوي (ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع) فقال (فيظهر لي انه الملك عبد العزيز..) على أساس أنه استطاع أن يوحد جزيرة العرب وكانت مليئة بالحروب من قبل. ولكن الحال بعد ذلك تبّدل كما يقول جهيمان (ونحن الان في فتنة الدهيماء التي لا تدع أحداً من هذه الامة إلا لطمته لطمة كلما قيل انقضت تمادت، وواقعنا يشهد بذلك فأهل الباطل يخرجون علينا كل يوم بفتنة جديدة فيبسطونها في أول الامر ثم يتمادون فيها، كمثل الاذاعة اول ما أنشئت، كانت لا تبث الا القران والاخبار، ولايسمع فيها صوت إمرأة، ثم تطور الامر حتى اصبحت المرأة هي التي تذيع البرامج مع الرجال، وتغني الأغاني الخليعة، ثم أخرجوها سافرة على شاشة التلفاز، وهكذا الصور وغيرها، وهكذا في سائر مخططاتهم لمن تدبر ذلك ممن رزقه الله البصيرة).

    ويرى جهيمان «انقسام الناس الى فسطاطين»، وهم المؤمنين والمنافقين (وهي القسمة التي تكررت على لسان بن لادن، والبغدادي..)؛ ويشرح حال المجتمع: (إذا قدمت إلى قرية من قرى المسلمين فسألتهم هل عندكم من الاخوان أحد؟ لعدّو لك أفرادا قلائل، وقد أدركت من مدة عشرين عاماً لما كان على الحرس ابن فرحان فإنه كان يطلق على جميع ألوية الحرس الاخوان، ولا تجد من يأخذ من لحيته منهم، ولو أتيت إلى ألوية الحرس اليوم فتسألهم؛ هل عندكم احد من الاخوان؟ لعدوا لك ثلاثة او اربعة أو لم يعدوا أحد).

    أسهب جهيمان في شرح علامات وأشراط خروج المهدي، وكأنه يلمح الى أمر يقدم عليه، كظهور المهدي في البيت الحرام، وطلبه البيعة من الناس. ويلفت الى أن (النصر الاسلامي ليس بكثرة عدد ولاعدة كما فتن بذلك أهل هذا العصر المادي). و سوف نجد كيف أن كتاب (إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط والساعة) للشيخ حمود بن عقلا التويجري، المطبوعة سنة 1396/1976 بالرياض قد ترك تأثيره الواضح في رؤية واستراتيجية عمل جماعة جهيمان التي أخذت منحى مسلّحاً بعد أن نجح هو في استدراج بعض عناصر الجماعة السلفية المحتسبة نحو خياره القتالي.

    وقد اعتمدت جماعة جهيمان الكتاب وشكّلت منه الرؤية الاسكاتولوجية وأخبار نهاية العالم، حيث رصد التويجري كل القصص التي تتحدث عن علامات آخر الزمان وأشراط الساعة. وراح التويجري يفسر الفتن التي تناولها المؤرخون السابقون في كتبهم، ومنها على سبيل المثال فتنة السراء كما أوردها ابن الاثير في كتابه، ووجد أنها تنطبق على ما وقع بين أهل نجد وبين الأتراك والمصريين من الحروب العظيمة في القرن الثالث عشر من الهجرة، وحسب قوله: (كانت هذه الفتنة من أعظم الفتن التي وقعت في هذه الامة وقد وهى الاسلام بسببها وانطمست أعلامه حتى رد الله الكرة لأهل نجد بعد ذلك، فعاد الاسلام عزيزاً ولله الحمد والمنّة) (انظر: التويجري، إتحاف الجماعة، مطبعة المدينة الرياض، 1396/1976، ص 42).



  • #2
    « داعش ».. نوستالجيا العودة الى البدايات الوهابية

    السلالة النقيّة للجيل المؤسس
    « داعش ».. نوستالجيا العودة الى البدايات الوهابية

    عبد الوهاب فقي
    (1 من 3)


    حاول التويجري تفسير الحوادث التي جرت في المنطقة الممتدة من المغرب وحتى اليمن والشام والعراق ووضعها في صيغة فتن، لتشكّل فكرة المهدوية لدى جماعة جهيمان باعتبار أن الفتن ممهدات لخروج المهدي وهذا ما يجعل الأدلجة المسرفة طاغية على تفسيرات التويجري للحوادث ومن خسف وطوفان ورجف وزلازل.

    اعتمد جهيمان ومحمد بن عبد الله القحطاني، مهدي الجماعة، على رواية خسف الجيش القادم من تبوك حسب ما أورده التويجري في (باب ما جاء في الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة، ج1ص 547 وما بعده)، ولذلك حدث ارباك شديد وسط المجموعة التي كانت داخل الحرم حين قتل القحطاني، مهدي الجماعة.

    وقد علّق التويجري على حديث (لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة..الخ) وقال ما نصّه: (وقد وقع مصداق هذا الحديث في زماننا حيث نبذ كثير من المنتسبين الى الاسلام الحكم بالشريعة المحمدية وراء ظهورهم واعتاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية. وكلما خرج عن حكم الكتاب والسنة فهو من حكم الطاغوت والجاهلية. وقد نقض الأكثرون أيضاً غير ذلك من عرى الاسلام كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم)(التويجري، إتحاف الجماعة، ج1 مصدر سابق ص 397 ـ398).

    وخصص التويجري الجزء الثاني في ما جاء في المهدي والاحاديث عليه والايمان به وخروجه والجدل حوله. ولكن الأهم في ذلك هو ما جاء في (القحطاني) الذي طبقّته جماعة جهيمان على محمد بن عبد الله القحطاني. وفي (باب ما جاء في القحطاني) يذكر التويجري رواية الطبراني عن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «سيكون من بعدي خلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الأمراء ملوك ومن بعد الملوك جبابرة ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملاً الأرض عدلاً كما ملئت جورا، ثم يؤمر القحطاني فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه». وفي حديث آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص وفيه «ثم يكون أمراء العصب ستة منهم من ولد كعب بن لوي ورجل من قحطان كلهم صالح لا يرى مثله». وعن ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه»؛ وفي رواية ابن عمر «ليسوقن رجل من قحطان الناس بعصا»(المصدر، ص 43).

    كما تناول التويجري في الجزء الثاني الآيات والظواهر الطبيعية والوقائع البشرية التي تسبق ظهور المهدي أي القحطاني، مثل كلام الدابة للناس، وتعيينها المؤمن من الكافر، وطلوع الشمس من مغربها، والنار التي تحشر الناس، وتحدث عن ظواهر بشرية مثل كثرة الروم في آخر الزمان، وتأخير هذه الأمة خمسمائة عام، وفيه أول الامم هلاكاً وهلاك العرب وأنهم أول الأمم هلاكاً، وبقاء الاشرار بعد الأخيار.

    حاول جهيمان العتيبي قيادة حركة تصحيح جذرية في الدولة السعودية تكون مقدمة لعملية تغيير شاملة في الأمة من خلال حركة المهدوية. فاختار الحرم المكي مكاناً لإعلان دعوته التصحيحية، واقتحم ومجموعته المسجد الحرام بعد نهاية موسم الحج لعام 1400هـ/نوفمبر 1979، وتيقّنت المجموعة بأن ما كان ذات مرة مجرد «مزحة» بات إيماناً راسخاً، فراح محمد بن عبد الله القحطاني يتصرّف على أساس أنه المهدي الفعلي وساعده على ذلك مؤشرات فهم منها جهيمان ومجموعته على أنها دلالات على صحة الاعتقاد..

    قتل القحطاني، وكاد يفرط عقد الجماعة على الفور، لولا استعانة جهيمان بالأفكارالغيبوية، فراح يخبر رفاق سلاحه وعقيدته بأن القحطاني لم يمت ولكنه حوصر، وسوف يظهر عمّا قريب، وإن بشارة خسوف الجيش القادم من تبوك قد أمدّت المجموعة برصيد معنوي ما لبث أن تراجع تدريجاً فيما أنهك الجوع والتعب المجموعة وقرروا في نهاية المطاف الاستسلام إما للموت أو الاعتقال.

    انتهت قصة جهيمان العتيبي ورفاق دربه بالإعدام، ولكن بقيت أفكاره حيّة، مؤثّرة، وساحرة، وبعد عقد من الزمن عاد جهيمان في شكل آخر، يوجّه، يلهم، ويرشد الى ذات الأفكار، الرؤى، الانتقادات.. والرهانات.

    تعليق


    • #3
      داعش.. نوستالجيا العودة للبدايات الوهابية

      داعش.. نوستالجيا العودة للبدايات الوهابية
      السلالة النقية للجيل الداعشي الوهابي المؤسس

      التيار الصحوي السروري اعاد انتاج فكر جهيمان
      وآراء المفتي ابرايهم فخرجت القاعدة ومن رحمها داعش

      عبد الوهاب فقي
      (2 من 3)


      لا ريب أن إيران تمسك برزمة أوراق في المنطقة، ولكن من المؤكد أن “داعش” ليس من بين تلك الأوراق. ولاريب أيضاً أن السعودية تملك حزمة خيارات في المنطقة، ولكن من المؤّكد أن “داعش” ليس من بين تلك الخيارات.

      ليس ورقة إيرانية، ببساطة لأن “داعش” يشتغل على مشروع متناقض مع الأيديولوجية والسياسات والمصالح الايرانية، بل ويمارس دوراً تخريبياً في مناطق نفوذ إيران في المنطقة وعلى وجه الخصوص في سوريا والعراق ولبنان..ولذلك، لا يغدو تطابق الموقف الاعلامي الرسمي في السعودية على اعتبار “داعش” صناعة إيرانية مجرد “مشاغبة ساذجة” و“تشويش” طفولي أحياناً. ويلزم أن نتذكر بأنه في عالم الصحافة حين تتوحّد المقدّمات والنتائج وتالياً الأحكام نكون أمام ليس مجرد تحليل، بل “تعليمة” أو “أمر عمليات”.

      السؤال المركزي: لماذا ليس “داعش” من بين خيارات السعودية في المنطقة؟

      قبل الإجابة، يلزم أن نفرّق بين الخيار والرهان، فقد يكون “داعش” رهاناً سعودياً في صراعه مع الخصوم، في سوريا والعراق ولبنان واليمن..ولكن لا يعني “تمكين” هذا التنظيم من بسط سلطانه على الأرض وتحقيق حلمه في إقامة دولة الخلافة. في المقابل، قد يجادل البعض لماذا لا يكون “داعش” رهاناً إيرانياً أيضاً؟ والجواب لكي يكون داعش كذلك، لابد أن تتوفر في الطرفين (إيران وداعش) مشتركات تعين على بناء تحالف مصالح عابر أو دائم. والحال، أن لا الأيديولوجيا ولا تركيبة التنظيم ولا مسرح العمليات فضلاً عن المشروع المتناقض بين الطرفين يجعل منهما حليفين من أي نوع وعلى أي مستوى..

      على الضد من ذلك، فإن تلك المكوّنات (الأيديولوجيا، التركيبة التنظيمية، ومسرح العمليات) قد تجعل من “داعش” رهاناً سعودياً يصلح للاستخدام المؤقّت ضد ايران وحلفائها.. لا صلة لذلك بلعبة الخطر والفرصة، التي تزاولها الدول قاطبة بصرف النظر عن انتماءاتها وأهدافها، فتلك لعبة لها قوانينها وتخضع لتبدلات السياسة والميدان في ظرف زمكاني محدود. على أية حال، فإن الموضوع لم يعد مرتبطاً لا بورقة إيرانية ولا برهان سعودي، وإنما الكلام يدور حصرياً حول لماذا “داعش” ليس خياراً سعودياً، وهذا ما نحاول مناقشته.

      ومن أجل تقدير دقيق للخطورة المتمثّلة في مشروع “داعش”، لابد من قراءة إجمالية للعقل السياسي السعودي. فالدولة السعودية الوهابية التي نشأت في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي عقب تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود سنة 1744 والذي أسّس لدولة دينية تقوم على تقاسم السلطة بين الشيخ والأمير، أريد لها الانفراد بالتمثيل السياسي السني، بما يحول دون نشوء أي كيان آخر منافس داخل المجال الإسلامي العام. ولذلك، كان رد الفعل السعودي حيال الثورة الايرانية سنة 1979 ومشروع الدولة الدينية الذي جاءت به سلبياً وفورياً، برفض الاعتراف بها. ثمة تصريح مشهور لولي العهد الأسبق، الملك لاحقاً، فهد بن عبد العزيز يؤّكد فيه تمسّك حكومة بلاده بالشرعية المتمثلة في الشاه محمد رضا بهلوي، حتى بعد أن بات رحيل الشاه وشيكاً.

      كان النفخ في شعار “تصدير الثورة” بغرض التهويل وتعبئة العالم ضد الخطر المتخيّل القادم من الشرق ينطوي على خوف من “نموذج” الدولة الدينية الذي جاءت به الثورة الايرانية، والتي أدّت الى إنقسام حاد في الوعي الاسلامي العام، وصار المسلمون أمام نوعين من الإسلام: الإسلام الثوري (إيران) والإسلام الأميركي (السعودية). حينذاك لجأت الأخيرة بالتعاون مع منظومة إقليمية ودولية الى تدابير متعدّدة تحول دون انتقال الموج الثوري الايراني الى الضفة الغربية من الخليج. كانت الحرب العراقية الايرانية سنة 1980 واحدة من تلك التدابير، وكانت الحرب الطائفية غير المسبوقة التي شهدتها المنطقة تدبيراً حمائياً بالنسبة للنظام السعودي الذي أقحم المنطقة في أتون صراع مذهبي مفتوح أفضى الى انقسامات اجتماعية وسياسية وفكرية عميقة، بهدف تقويض فرص التفكير في تكرار التجربة الثورية الايرانية داخل المجال السنّي.. على مستوى المجال الديني الوهابي، خاض حرّاس المذهب تحديّات متعاقبة لجهة إبقاء الدولة السعودية داخل نطاق تأثير التعاليم الوهابية التي وضعها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسائله ومصنّفاته وسيرته. وجرت محاولات فردية أحياناً وجماعية أحياناً أخرى لجهة إعادة وهبنة الدولة السعودية ولكن باءت المحاولات بالفشل.

      من بين المحاولات الفردية، ما قام به الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، أحد أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان بمثابة المفتي العام في الدولة السعودية الثانية، وقد بعث برسائل الى الأمير فيصل بن تركي آل سعود (1788 ـ 1865) يذكّره بالأساس الديني الذي قامت عليه الدولة السعودية: “وأهل الاسلام ما صالوا على من عاداهم، الا بسيف النبوة، وسلطانها، وخصوصاً دولتكم، فإنها ما قامت الا بهذا الدين..”(الدرر السنية في الاجوبة النجدية، جمع عبد الرحمن بن محمد النجدي، الطبعة السابعة، 2004، الجزء 14 ص 70).

      وحذّر علماء المذهب الوهابي أمراء الدولة السعودية الثانية من العواقب الوخيمة التي آلت اليها أمور الدولة السعودية الأولى، حين غيّر الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد طريقة والده (وبغاها ملكاً) بتعبير الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، أي حين (طغت أمور الدنيا على امر الدين)، حسب قوله. (الدرر السنية في الاجوبة النجدية، ج14 ص 123). فقد أراد الشيخ عبد الرحمن تأكيد دور الدين في بقاء واستقرار وقوة الدولة ووحدتها وتمركزها النجدي، ولذلك طالبه بشدة بأن يجعل الحكم أمر دين. (الدرر السنية، ج14 ص 124).

      ألَحَّ الشيخ عبد الرحمن في الطلب من الأمير فيصل بن تركي لأن يعود الى التعاليم الوهابية الاولى وأن يحيل الدولة الى خلافة دينية (جدد هذا الدين الذي اخلولق، لما اقدرك الله على ذلك، والتمس من أهل الخير عدداً يدعون الى هذا الدين ويذكرونه الناس). (الدرر السنيّة، ج 14 ص 89).

      وتكشف رسائل المشايخ في سنوات لاحقة عن إحباط شديد إزاء جنوح الدولة السعودية بعيداً عن المبادىء الوهابية، واتّسعت هوّة الخلاف بين الطرفين، وفيما كان الحكّام السعوديون يصرّون على بقاء مصدر المشروعية الدينية فاعلاً في البيئة الشعبية الحاضنة لحكمهم، أي نجد، فإنهم في المقابل واجهوا تحدّيات جمّة تفرضها متطلبات التحديث، بدءاً من إستيعاب منتجات التكنولوجيا داخل الجهاز البيروقراطي، وإرساء بنية تحتية شاملة ومعقّدة (الطرق المعبّدة، المطارات، الموانىء، أنظمة الاتصالات السلكية واللاسلكية، شبكات الصرف الصحي، المدارس، والجامعات الحديثة..الخ) وصولاً الى استحداث مؤسسات مدنية واستعارة أنظمة وتشريعات ليست مستمدة مباشرة من الكتاب والسنّة، الأمر الذي فتح باباً من الخلاف لم يغلق حتى الآن، حيث اعتبره التيار الوهابي تجاوزاً خطيراً على خط دفاعه الأول واختراقاً لمجاله السيادي، حيث يمثّل التشريع امتيازاً خاصاً للمؤسسة الدينية الوهابية.

      أما المحاولات الجماعية لناحية إعادة وهبنة الدولة السعودية، فيرد ذكر تجربة “الاخوان”، الجيش العقائدي لابن سعود، وقد برز في العقد الثاني من القرن العشرين، والذي نجح عبد العزيز في توظيفه لجهة إقامة ما يعتقده “ملك الآباء والأجداد”. ولكن بعد مرور نحو عقدين على الغزوات المتعاقبة في الجزيرة العربية وجد ابن سعود نفسه في مواجهة “إخوان من طاع الله” الذين تمسّكوا بمبادىء الوهابية الأولى والقائمة على تصوّر كوني مغلق بأركانه الثلاثة: تكفير المجتمعات كافة، والهجرة منها، وإعلان الجهاد عليها. لم يقم عبد العزيز بإحداث أدنى تغيير في تصوّر المقاتلين الذي فتحوا له البلدان، وإنما أوقف مفاعيله مرغماً.

      يلزم الاشارة الى أن عبد العزيز نفسه كان مكفرّاتياً من الطراز الأول، وقد عبّر عن ذلك للنقيب شكسبير (الذي قتل في معركة جراب سنة 1915 بين قوات ابن سعود وآل الرشيد) وقال له: “إن الكافر في نظره أفضل من التركي” (أنظر سانت جون فيلبي، بعثة الى نجد 1917 ـ1918، ترجمة وتعليق عبد الله الصالح العثمين، الرياض، ط2 سنة 1992، ص 23)، وكذلك صرّح لأمين الريحاني في سؤاله عن مقاتلة المشركين فأشار الى شيعة الإحساء والقطيف (أنظر أ. الريحاني، ملوك العرب، ص ص 584 ـ585). اختلف عبد العزيز مع “الاخوان” في إبقاء الصلاحية العملانية للتصوّر العقدي مفتوحاً، وقد أخذوا عليه أنه “عطّل فريضة الجهاد” الى جانب إدخاله البدع (اللاسلكي والتلغراف) الى بلاد الإسلام.



      البغدادي: حرفية تطبيق الوهابية

      الصحوة.. التأسيس الفكري للقاعدة وداعش

      في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، وبعد غزو نظام صدام حسين للكويت في آب 1990، ولدت حركة اعتراضية من داخل المجتمع الوهابي وقاد ما عرف لاحقاً بتيار الصحوة بقيادة مشايخ من الطبقة الثانية في التراتبية الوهابية في المملكة السعودية أمثال: سفر الحوالي، سلمان العودة، ناصر العمر، عايض القرني، عادل الكلباني، وغيرهم، وزوّدوا الساحة المحلية بفيض وفير من الخطب الاحتجاجية ضد المخالفات الشرعية للنظام السعودي. وكان إصدار “مذكرة النصيحة” في يوليو 1992 والتي حملت توقيعات 108 من المشايخ والقضاة والدعاة وأساتذة الجامعات الدينية والأكاديميين والأطباء والمهندسين المصنّفين على التيار الديني الوهابي، يعتبر ذروة النشاط الاحتجاجي الوهابي في المملكة، حيث طالب الموقّعون بإعادة أسلمة الدولة السعودية على منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بحسب مضامين الأبواب العشرة التي تناولتها المذكرة. ونلفت الى المطلب الرئيسي في “المذكرة” وهو “وجوب التحاكم الى شرع الله وتحكيمه في جميع شؤون الفرد والأسرة والدولة وفي علاقة الأمة بالدولة، وفي علاقة الدولة والأمة بغيرهما من الدول والأمم..” كما طالب الموقعون بإعادة إحياء فريضة الجهاد حيث طالبوا الدولة السعودية بـ “إذكاء روح الجهاد والإيثار وحب التضحية في أبناء هذه الأمة..”.

      جاءت المذكرة في 45 صفحة ومؤلّفة من عشرة موضوعات تخلص الى مطلب واحد: إعادة وهبنة الدولة السعودية، بالتشديد على دور العلماء والدعاة حيث يستلزم أن تكون لهم “في الدولة المسلمة مكانة لا تعدلها مكانة،وأن يكونوا في مقدمة أهل الحل والعقد والأمر والنهي، وإليهم ترجع الأمة -حكاماً ومحكومين- لبيان الحكم الشرعي لسائر أمور دينهم ودنياهم كما أن ذلك يقتضي أن يكون ما يقوم به الدعاة والعلماء من نشر للعلم الشرعي وإرشاد للخلق ودعوة للحق، واجباً يتحتم التسهيل له، وتوفير كل مساندة له، وتقديمه على سائر نشاطات الدولة، حيث أن الدعوة إلى الإسلام هي العمل الأصلي للدولة”. أي تحويل الدولة الى أداة لنشر الدعوة. وفي هذه النقطة يلفت الموقعون الى:

      ضعف دور العلماء في الحياة العامة، وهامشية هذا الدور في قطاعات بالغة الأهمية في حياة الأمة مثل الأنظمة، والإعلام، ونشاطات المرافق الثقافية والاقتصادية والعلمية والتربوية، حيث لا يُطلب الرأي الشرعي للعلماء في كثير من الأعمال التي تقوم بها قطاعات الدولة وأجهزتها”. وطالب الموقّعون بتعزيز دور العلماء والدعاة برفع كل القيود المفروضة عليهم بـ “السماح لهم بالتأليف والنشر والإفتاء والخطابة والمحاضرة وتسجيل الأشرطة وعقد الندوات والحلقات العلمية”، و “فسح المجال لإنشاء هيئات وجمعيات مستقلة للعلماء والدعاة وتشجيع ذلك”، و “عرض جميع الأنظمة والمعاهدات قبل إقرارها على هيئة كبار العلماء للتأكد من مطابقتها لقواعد الشريعة الإسلامية”، و “إصدار التعليمات لكل قطاعات الدولة ووسائل الإعلام والتعليم والنشر بتمكين العلماء والدعاة من أداء واجبهم الشرعي، والأخذ بنصائحهم”، و “إنشاء محطات إذاعية وتلفزيونية خاصة للدعوة إلى الإسلام وتعليم أحكامه باللغات العالمية..”.

      وطالب الموقّعون بـ (وجوب التحاكم الى شرع الله وتحكيمه في جميع شؤون الفرد والاسرة والدولة وفي علاقة الأمة بالدولة، وفي علاقة الدولة والأمة بغيرهما من الدول والأمم..وجوب أن يكون شرع الله وحده هو المهيمن على ما سواه وأن تتحقق سيادة الشرع التامة على أعمال الدولة وأنظمتها وتصرفاتها ولوائحها ومعاهداتها وكافة جوانب الحياة فيها.)، أي مراجعة شاملة لسجل القوانين والأنظمة وتنقيحها “وإلغاء كل مخالفة للشرع بها وكذلك العمل على وضع أنظمة شرعية بديلة لما يتعسر تنقيحه منها”.

      وتسهب المذكرة في شرح مطلب “تحكيم الشريعة”، بالقول:”إن الحكم التشريعي يجب أن يقتصر مصدره وأدلته على أدلة الإسلام، وقبول أي مصدر غير الإسلام للأحكام التشريعية يعد تحاكماً إلى الطاغوت..”. وتطبيقاً لهذا المبدأ تبين للموقعين “إن كثيراً من الأنظمة تتضمن أحكاماً تشريعية مستمدة من مصادر قانونية عربية أو غربية في بلاد أخرى لا تحكّم الشرع” وذكر أمثلة على ذلك “فنظام الأوراق التجارية مستمد عن معاهدة جنيف للأوراق التجارية، ونظام الشركات نصت مذكرته التفسيرية على أنه مستمد من “الصالح من أحكام أنظمة الدول الأخرى”، ونظام العمل والعمال مستمد من الاتفاقيات والأنظمة الدولية العمالية، ونظام مكافحة التزوير يتشابه في كثير من مواده وتعابيره مع القوانين الأوروبية وعلى الأخص الألمانية والفرنسية...”. وطالب الموقّعون بـ “مراجعة الأنظمة القائمة بالنظر في كل مادة منها على حدة، وإبطال كل مادة تشريعية منها لا يشهد لها دليل شرعي باستنباط واجتهاد صحيح” ، وتبعاً له “إلغاء كل اللجان ذات الصلاحيات القضائية في الأنظمة، وإحالة جميع القضايا واختصاصات هذه اللجان إلى المحاكم الشرعية”، وإنشاء “محكمة شرعية عليا للنظر في الدعاوى التي تُرفع بشأن مخالفة الأنظمة واللوائح للشرع لتحقيق جعل الشريعة حاكمة على جميع الأنظمة، ولإبطال وإلغاء ما ثبت مخالفته للشرع منها..”.

      وما يقال عن الأنظمة والقوانين ينسحب على المحاكم والقضاء عموماً، وكذلك على وزارة الخارجية والجيش والاعلام وغيرها التي يرى فيها الموقّعون ما رأوه في غيرها من مخالفات شرعية وانحراف تام عن الخط الشرعي الذي رسمه المؤسسون الأوائل. (أنظر: مجلة الجزيرة العربية، العدد 21 أكتوبر 1992).

      في واقع الأمر، أن “مذكرة النصيحة” أعادت إنتاج خطاب جهيمان العتيبي ولكن بلغة جديدة ومتينة. كما أفاد الموقّعون على المذكرة من الملاحظات النقدّية التي قدّمها المفتي الأسبق الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ في عهد الملك فيصل، في رسالته (تحكيم القوانين)، وطبعت بمطابع الثقافة بمكة في رجب سنة 1380 هـ/1960 ونشرت في مجلتي (لواء الإسلام)، و(راية الإسلام) في 1380هـ، الموافق للرابع من شهر سبتمبر 1960. وذكر في مقدمة الرسالة ما نصّه “إنّ من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين..”. ويرى بأن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة. وأما الأول فهو أنواع والخامس أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقّة لله ورسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا، وتفريعا وتشكيلا وتنويعا، وحكما وإلزاما، ومراجع ومستندات. وتفصيل ذلك “فكما أنّ للمحاكم الشرعية مراجعَ مستمدّات، مرجعها كلُّها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلهذه المحاكم مراجعٌ، هي: القانون المُلفّق من شرائعَ شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك.فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيّأة مكملة، مفتوحةُ الأبواب، والناس إليها أسرابٌ إثْر أسراب، يحكُمُ حُكّامُها بينهم بما يخالف حُكم السُنّة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتُلزمهم به، وتُقِرُّهم عليه، وتُحتِّمُه عليهم.. فأيُّ كُفر فوق هذا الكفر، وأيُّ مناقضة للشهادة بأنّ محمدًا رسولُ اللهِ بعد هذه المناقضة”.

      ثم يوجّه خطاباً للجميع بمن فيهم الحكّام “فيا معشر العُقلاء، ويا جماعات الأذكياء وأولي النهى كيف ترضون أنْ تجري عليكم أحكامُ أمثالكم، وأفكارُ أشباهكم، أو مَن هم دونكم، مِمّن يجوز عليهم الخطأ..”.

      وسئل المفتي السابق، الشيخ عبد العزيز بن باز(ت 1999): هل يعتبر الحكّام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفاراً..؟ فأجاب: فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر.. وهكذا من يحكِّم القوانين الوضعية بدلاً من شرع الله ويرى أن ذلك جائز، حتى وإن قال: إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله” (مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز، المجلد الرابع، ص 416).

      وقد فهم طلاّب الشيخ بن باز ومن جاء بعدهم، خصوصاً من “الجهاديين” في (القاعدة) و(داعش) تلك الفتاوى على أن النظام السعودي أحد المستهدفين الرئيسيين بفتاوى الشيخين ابن ابراهيم وبن باز. وقد أسست تلك الفتاوى لتكفير الدولة السعودية كونها حكّمت قوانين وضعية في المحاكم.

      وفي حمى التصعيد الخطابي الصحوي والهجوم الكاسح الذي شنّه مشايخ الصحوة ضد من وصفوهم بالعلمانيين، وضع السفير السعودي في البحرين، ووزير العمل لاحقاً، غازي القصيبي كتابه (حتى لا تكون فتنة) صدر من المنامة والقاهرة سنة 1991. حذّر فيه من تداعيات الظاهرة الصحوية وأنها تستهدف إحداث ثورة في الدولة السعودية القائمة. وناقش في كتابه انتقادات المشايخ ناصر العمر وعايض القرني وسفر الحوالي وسلمان العودة، واعتبر الأخير بأنه يبشّر بثورة على غرار الثورة الايرانية بقيادة الخميني، والتشكيك في صدقية مزاعم الدولة السعودية بتطبيق الشريعة.

      وتعرّض التيار الصحوي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي الى ضربة قاصمة أدّت الى توقّف نشاطه، بعد اعتقال رموزه وإرغامهم على التوقيع على تعهّدات خطيّة بعدم ممارسة أي نشاط سياسي فيما تمّ احتواء بعضهم في مؤسسات الدولة، ولكن الإرث الفكري والاحتجاجي لمشايخ الصحوة انتقل الى “القاعدة” الذي تفاعل معه وأدمجه في خطابه السياسي وآلته الاعلامية والتحريضية.

      بالعودة الى أدبيات “القاعدة”، سوف يظهر أن التركة الصحوية، خصوصاً ما يتعلق منها بالسعودية، شكّلت الخلفية الفكرية والسياسية لتنظيمات السلفية الجهادية في الجزيرة العربية المرتبطة بالقاعدة، واندغمت بصورة تلقائية وسلسة في البنية الأيديولوجية لدى “داعش”.



      جيش الإخوان: الجيل الداعشي المؤسس

      داعش.. الرؤية والميدان

      «داعش”، أي “الدولة الاسلامية في العراق والشام”، تنظيم سلفي يهدف الى تطبيق الشريعة وإحياء الخلافة الاسلامية عن طريق العنف باسم (الجهاد). تعود جذور التنظيم الى أكتوبر عام 2006 إثر اجتماع مجموعة من الفصائل المسلّحة ضمن ما عرف بـ “معاهدة حلف المطيبين” (تاريخياً حلف المطيبين هو حلف بين عدد من أفخاذ قبيلة قريش قبل الإسلام لإعانة بني عبد مناف بن قصي في أخذ ما أورثه قصي بن كلاب لبني عبد الدار بن قصي). ويضم الحلف: “مجلس شورى المجاهدين في العراق” و“جيش الفاتحين” و“جند الصحابة” و”كتائب أنصار التوحيد و السنة”، وتشكّل الحلف كرد فعل على عدم رضا تنظيم “القاعدة” في بلاد الرافدين عن اختيار أبو أيوب المصري والمعروف باسم (أبو حمزة المهاجر)، خليفة لزعيم تنظيم “القاعدة” في العراق أبو مصعب الزرقاوي (قتل في يونيو 2006).

      وتمّ اختيار حامد داود محمد خليل الزاوي، المعروف باسم (أبو عمر البغدادي) أميراً لتنظيم“دولة العراق الإسلامية”. وكان البغدادي يعمل في جهاز الأمن العراقي في عهد صدام حسين حتى عام 1985 قبل اعتناقه العقيدة السلفية وتشكيله تنظيماً عرف باسم (الطائفة المنصورة)، وبايع “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” بقيادة ابو مصعب الزرقاوي عام 2004، وشكّل فيما بعد مع سبع فصائل عراقية أخرى مسلّحة ما عرف بـ “مجلس شورى المجاهدين” حيث تم اختيار البغدادي أميراً له في العراق خلفاً للزرقاوي، تحت اسم ابو عبد الله الراشد البغدادي، ثم أميراً لدولة العراق الإسلامية. بدأ تنظيم “الدولة” في تنفيذ سلسلة عمليات إرهابية في الغالب عشوائية وتطال المدنيين في الشوارع والأحياء السكنية والمؤسسات المدنية، وبعد مقتل أبو عمر البغدادي في يوم الاثنين 19/4/2010 أصبح أبو بكر البغدادي زعيمًا لهذا التنظيم.

      وفي إبريل 2013 أعلن أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، مد نشاطه إلى الشام وإعلانه ضم “جبهة النصرة” ليصبح إسمه الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وهو الأمر الذي رفضه أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة، وأعلن تبعيته المباشرة لتنظيم القاعدة الرئيسي بقيادة الظواهري.

      وتمتد العلاقة بين الجولاني والبغدادي إلى ما قبل اندلاع الأحداث فى سوريا، حيث سبق للجولاني مبايعة تنظيم البغدادي والقتال تحت إمرته فى العراق قبل أن ينتقل إلى سوريا ويشكل جبهة النصرة بدعم مالي وعسكري من الدولة الإسلامية «كما أقر الجولانى نفسه”، ولم يكن يرى البغدادي في “النصرة” سوى كونها فرعاً من فروعه أسَّسها أحد جنوده بدعم منه شخصياً، وهذا ما لا يراه الجولاني الذي رفض قرار البغدادي وأعلن ولائه لـ “لقاعدة” وبيعته لزعيمها أيمن الظواهري.

      في رسالة صوتية مسجّلة للظواهري في مايو (2014) طالب البغدادي بحل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، واعتماد الفصل النطاقي؛ بحيث يكون تنظيم الدولة الإسلامية مركزًا في العراق بزعامة البغدادي، بينما يُعتمد نشاط جبهة النصرة في سوريا بقيادة الجولاني، وهو ما رفضه البغدادي بل واتهم الظواهري بارتكاب مخالفات شرعية ومنهجية، قبل أن يعلّق البغدادي بقوله “الدولة الإسلامية في العراق والشام باقية ما دام فينا عرق ينبض أو عين تطرف لن نساوم عليها أو نتنازل عنها حتى يظهرها الله أو نهلك دونه”.

      تطور خلاف الجولاني والبغدادي إلى خلاف بين البغدادي والظواهري في أعقاب هجوم أبي إبراهيم الموصلي – القيادي البارز في الدولة الإسلامية – في تسجيل صوتي نشر في “منتدى المنبر الإعلامي الجهادي” في 8 أبريل 2014 بعنوان “رسالة الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى تنظيم قاعدة الجهاد، قولنا الصاعق الحارق إلى المتشنج المارق إلى أيمن الظواهري”. تحدث الموصلي قائلاً: “وما الأحداث التي تشهدها ساحة الجهاد في العراق والشام، وما الزوابع العاصفة التي تهز كيان الدولة (الدولة الإسلامية في العراق والشام) إلا من مكر المتسلقين على إنجازات قادة الجهاد المتمكنين المسيطرين، النافخين بكير الفرقة المقيتة من أمثال أبي خالد السوري (القيادي البارز في تنظيم القاعدة الذي قُتِلَ في حلب شمال سوريا) وأعيان الجهاد الورعين من صنيع عصبة المتشيخ أيمن الظواهري وغلو جريرته المتنطعين”.

      في واقع الأمر أن التاريخ يكرر نفسه مع القاعدة، ففي حين سرق ابو مصعب الزرقاوي الأضواء من زعيم التنظيم أسامة بن لادن بعد أن تحوّل العراق الى أرض رباط وساحة جهاد فكان الزرقاوي، القائد الفعلي للتنظيم، وفي العراق شكّل إمبراطوريته الخاصة تحت إسم “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين”، فإن “داعش” متمثلاً في زعيمه أبو بكر البغدادي نجح في تهميش أيمن الظواهري، وبعد تتويجه أميراً للمؤمين على “الخلافة” الناشئة يصبح تنظيم القاعدة برمته مجرد إطار شكلي لا قيمة عملانية له، فيما بدأت التشكيلات المرتبطة بالقاعدة تتنكب الى “داعش”..

      وكما رفض بن لادن والظواهري اعتماد مبدأ تكفير الشيعة، وقتل المدنيين، فإن قيادة داعش ومن قبلها ابو مصعب الزرقاوي، قرر إضفاء صفة مذهبية وطائفية على المواجهات التي يخوضها في سوريا والعراق، وهذا يفسر اقدام مقاتلي “داعش” على الجرائم الجماعية ضد الأبرياء ويعتبر أن مقاتلة “الروافض” مقدّم على الجهاد في فلسطين.

      تعليق


      • #4

        رموز الصحوة: اعادة انتاج الوهابية وتفريخ القاعدة
        وهابية داعش.. النسخّة الأصلية

        من الناحية العقديّة، لا تختلف “داعش” عن أي تنظيم سلفي جهادي أو صحوي من حيث اعتناقهم للوهابية مذهباً بما يشمل العقيدة والفقه ومنهج التفكير والرؤية الكونية. وعودة سريعة الى المكتبة العقدية المثبتة على المواقع الاكترونية الرسمية للتنظيم سوف يتعرّف المتابع بسهولة على الهوية المذهبية للتنظيم. من نافلة القول، أن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب مثل (كتاب التوحيد)، و(كشف الشبهات)، و(نواقض الاسلام)، وغيرها يجري توزيعها في المناطق الخاضعة تحت سيطرة (داعش) ويعلوها ختم “الدولة الاسلامية” وشعارها باللونين الأبيض والأسود، ويتم تدريس الكتب وشرحها في الحلقات الدينية الخاصة التي يعقدها الجهاز التربوي في التنظيم.

        النشاط الدعوي لتنظيم داعش يبدو مكثفاً ومتعاظماً من خلال مؤسساته (الاعتصام) و(الفرقان) وغيرهما، حيث تقوم الاكشاك بتوزيع أقراص الفيديو الرقمية التي تضم محاضرات ومعارك والعمليات الانتحارية التي ينفّها عناصر التنظيم. الى جانب ذلك، تتجول في المناطق الخاضعة لسيطرة (داعش)، شاحنات تحتوي على منشورات ومطبوعات دعوية، وكتيبات ورسائل ونشريات عقدية وهابية كجزء من مشروع وهبنة المجتمع. كما أنشأ التنظيم عدداً من المدارس الدينية للأطفال، من بينها مدارس للفتيات يتعلّمن فيها حفظ القرآن الكريم، إلى جانب دورات تدريبية للأئمة والدعاة الجدد، كما يتم توزيع جداول مواعيد الصلاة والمحاضرات ودروس القرآن في المساجد. وبعد الاعلان عن دولة الخلافة بدأ العمل بمنظومة مؤسسات خدمية وصحية وتدريب وتعليم وتأهيل منها معكسرات تدريب ومخيمات للأشبال الذي يجري إعدادهم لتولي مهام عسكرية وتنظيمية .

        ومن يتصفّح النشريات والأبحاث المدرجة في المكتبة الالكترونية في المواقع التابعة لتنظيم “الدولة” أو المقرّبة منه سوف يجد الدمغة الوهابية واضحة في أسماء المؤلّفين، وعناوين الكتيبات والأبحاث، واللغة المستخدمة فيها..

        من يقرأ سيرة أفراد الطبقة القيادية في تنظيم “دولة العراق الاسلامية” وتالياً “الدولة الاسلامية في العراق والشام” أو “الدولة الاسلامية” سوف يجد وبسهولة متناهية أن هؤلاء تشرّبوا العقيدة الوهابية وأتقنوا العمل بكل تفاصيلها.. يتعمَّد كتّاب سيرهم التشديد على عبارة “يسير على منهج السلف”، أي يعتنق المذهب الحنبلي الوهابي. هذا ما نقرأه في سيرة: ابو عمر البغدادي وخلفه ابو بكر البغدادي، ووزير الحرب السابق ابو حمزة المهاجر المصري، ووزير الاعلام والمتحدث الرسمي باسم الدولة أبو محمد العدناني الشامي وغيرهم..

        أبو عمر البغدادي، أول أمير للمؤمنين في “دولة العراق الاسلامية” صاغ، على سبيل المثال، ثوابت دولته المأمولة فكانت سلفية وهابية، وهو من أعدّ الوثيقة التعريفية بعقيدة “الدولة” . وحين اقترح ابو عمر البغدادي تشكيل لجنة من العلماء أو طلبة العلم المتقدمين وتكون نواة لجمع المجاهدين وإصلاح حال المقاومين اشترط لمن يكون في هذه اللجنة: أن يكون ملتزماً بالسنة على منهج السلف.

        أما أبو بكر البغدادي، ابراهيم بن عوّاد البدري، خليفة الدولة الاسلامية الحالي منذ العام 2010، فهو ينتمي الى عائلة تعتنق السلفية الوهابية، وأبوه أحد الدعاة على المنهج السلفي. درس البغدادي العقيدة الحنبلية في الجامعة الاسلامية ببغداد، وأمضى وقتاً طويلاً في جامع الامام أحمد بن حنبل، إماماً وخطيباً وداعياً في سامراء وأيضاً في بغداد.

        النزعة التنزيهية الفارطة لدى “داعش” والمستمدة من العقيدة الوهابية تحوّلت الى محرّض عالي الكفاءة على الاستعمال المفرط للعنف، وتبني عقيدة اسئصالية بوصفها مهمة متعالية أوكلت إليه من السماء..

        يصوغ عبد المجيد بن محمد المنيع في كتابه (عقيدة الطائفة المنصورة) هوية الطائفة التي ترى بأنها تنطبق عليها وحدها دون سواها. هذا الكتاب الذي أصبح من متبنيات (القاعدة) و(داعش) ومنشوراتها، يشتمل على ثبت حرفي للعقيدة الوهابية كما دوّنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدءً من تعريف التوحيد بحسب التقسيم الثلاثي: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، مروراً بتعريف أهل الشرك ونوعيه: شرك أكبر مخرج من الملة وفيه أنواع أربعة، وشرك أصغر غير مخرج من الملة مثل الرياء، ولبس الحلقة والخيط..وانتهاءً بشرح أركان الاسلام والايمان والاحسان تماماً كما صاغها الشخ محمد بن عبد الوهاب.

        وعلى خطى إبن عبد الوهاب في مقاربة مسألة التكفير، ونفي ما ينسب اليه بالتساهل في التكفير، كذلك المنيع ينفي عن (أهل السنة والجماعة) التي يراد بها من يعتنق عقيدة التوحيد كما بشّر بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وبالرغم من أنه يضع الطائفة المنصورة وسط طائفتين: طائفة تكفّر بالذنوب وطائفة المرجئة التي تعتقد بأن الاعمال غير داخلة في مسمى الايمان وأن العبد لا يكفر وأمره مرجىء لأمر الله، ولكن ما يلبث أن يقرّر ما انفردت به الوهابية دون بقية المسلمين ونسبت ذلك الى أهل السنة والجماعة بأن العبد (إنما يكفر إذا وقع في أحد نواقض الإيمان والإسلام..) والتي حدّدها محمد بن عبد الوهاب في عشرة نواقض من بينها: الذبح لغير الله، من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوسل اليهم، ومن لم يكفر المشركين أو يشك في فكرهم أو صحح مذهبهم، مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج على شريعة محمد، والاعراض عن دين الله تعالى لا يتعمله ولا يعمل به.

        نواقض تبدو في ظاهرها عادية ولا تستأهل نقاشاً واسعاً ومعمّقاً، ولكن بالعودة الى أدبيات الوهابية ومرجعياتها سوف نجد بأن كل ناقض يخضع لجدل واسع ومفتوح، وليس موضع اتفاق بين المسلمين بكل طوائفهم كما تزعم الوهابية..

        من ذلك الايمان بالغيب، الذي يرى المنيع بأنه (من عقيدة أهل السنة والجماعة) أي الايمان بكل ما أخبر الله به وما أخبر به رسوله مما صحّ عنه. والسؤال من يمتلك القدرة على حسم صحة خبر، فلكل مذهب أدواته في التصحيح والتعيف، والجرح والتعديل، والاثبات والنفي، فليس كل ما صح عند الامام أحمد بن حنبل هو صحيح عند الامام الشافعي أو الإمام مالك، وقد لحظنا كيف أن الحنابلة أنفسهم اختلفوا على أخبار وردت في مسند الامام أحمد صحة وسقماً. يصدق أيضاً على “الصفات” التي يرى فيها مذهب غير ما يراه الآخر، فالوهابية والحنابلة عموماً تحمل الصفات الالهية الواردة في القرآن الكريم على ظاهرها، وكذلك رؤية المؤمنين لربهم عزّ وجل، والايمان بالشفاعة والتوسل. وينتقل المنيع الى الموقف من الصحابة ويرى بأن أفضل القرون هم الصحابة والتابعون والتابعون لهم بإحسان بناء علىى حديث نبوي.

        ما يلفت في خطاب “داعش” منذ تأسيس “الدولة” وحتى اليوم، أنه يوحي لعناصره بأنهم الامتداد التاريخي والشرعي للرعيل الأول من المسلمين وهم من سوف يكتب على أيديهم التغيير في نهاية التاريخ، تماماً كما هي عقيدة الوهابيين الأوائل ومن جاء بعدهم من جماعات تصحيحية داخل المجال الوهابي مثل “جماعة جهيمان”.

        قال أبو عمر البغدادي في كلمته (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) :

        أما أنتم يا فرسان التوحيد .. ورهبان الليل .. وأسودَ الشرى .. فجزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير . فلقد عاينت الحروبَ ورجالها .. وأشهدُ بالله .. أشهدُ بالله ، أن أمتي لم تبخلَ علينا في بلاد الرافدين ، بخيرة أبنائها ، وأصدقُ نُجبائها ، فلم ترى عيني مثلهم ، ولا سمعتُ كخبرهم ، إلاّ خبرَ الرعيلِ الأولِ (!).فأشهدُ أنهم أصدقُ الناسِ لهجة .. وأوفاهم عهدا.. وأكثرهم ثباتا.. وأشدّهم في أمر الله. فلستُ أشكُّ يعلمُ الله، طرفةَ عين.. أنا نحنُ الجيش الذي يُسلِمُ الراية لعبداللهِ المهديّ.. إن قُتِلَ أولنا.. فسيُسلمها آخرنا.. وبسطُ هذا في غيرِ موضعنا”.

        وقال متحدّث “الدولة” أبو محمد العدناني في كلمة (إنّ دولة الإسلام باقية): “أتظنون أنا سنرحل؟ أتخالون أنا سننتهي؟ أتحسبون أنا سنكل أو نمل؟ كلا إننا باقون بإذن الله إلى قيام الساعة وليقاتلنّ آخرنا الدجال “(الشيخ أبي محمد العدناني، إن دولة الاسلام باقية، الصادرة عن مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي 7 أغسطس 2011)”.



        ناصر العمر: لُقب بالنازي والصحيح أنه داعشي

        ويخاطب عناصر الدولة بالقول “واعلموا أن من أعظم نعم الله عليكم أن اختاركم وساقكم وأحياكم الى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين ويحيى شعار الاسلام والمسلمين، إن من أعظم منن الله عليكم أن أبقاكم الى هذه الساعة التي عز فيها الناصر وقل الداعم وخان الصاحب وكثر الشاك واللائم”.

        - مشروع (الدولة) ينضم له الأخيار، والالتحاق به تقوى لله!

        وخاطب العدناني مقاتلي الدولة في كلمته (لن يضروكم إلا أذى) :

        إلى كل المجاهدين الصادقين المخلصين العاملين لله : ندعوكم قادة وجنوداً ، جماعات وأفراداً : أن تسرعوا بالالتحاق بمشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام ؛ فإن المشروع مشروعكم، وإن مجيئكم أتقى لربكم وأقوى لجهادكم وأغيظ لعدوكم ، قال الله تعالى : {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} ، هلموا فإنا لا نشك أبداً أنه مَن كان منكم فيه خير: فسيأتي الله به ولو بعد حين”. (لن يضُرّوكُم إلاّ أذىً، كلمة صوتية للشيخ أبي محمد العدنانيّ الشاميّ، المتحدث الرسميّ عن الدولة الإسلامية في العراق والشام، مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، 30 يوليو 2013).

        وتؤكد الوثيقة التعريفية لعقيدة “الدولة” كما صاغها أبو عمر البغدادي على:

        أولاً ـ إقامة الدين ونشر التوحيد “الذي هو الغاية من خلق الناس وإيجادهم والدعوة إلى الإسلام..” وهو التعريف الذي يمكن العثور عليه بسهولة في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وشروحات كتاب التوحيد من مشايخ الوهابية..

        ثانياً: إقامة الخلافة الإسلامية وتحكيم شرع الله في الأرض الذي عطله وتركه حكام العرب ونبذوه وراء ظهورهم. ولا يكون تحكيم الشريعة “إلا بالجهاد فقيام الدين لا يكون إلا بكتاب يهدي وسيف ينصر”. بحسب قول لشيخ الإسلام ابن تيمية.

        ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات والذنوب والمعاصي..

        رابعاً: نصرة المستضعفين من المسلمين والدفاع عنهم وتحرير بلاد المسلمين من المحتلين المعتدين وتطهيرها من رجس الغاصبين الظالمين..

        خامساً: السعي لفكاك أسارى المسلمين وتخليصهم من أيدي الظالمين..

        سادساً: معاملة الكفار بموجب ما شرعه الله ورسوله وأوجباه علينا، إما الدخول في الإسلام أو بذل الجزية أو القتال..

        سابعاً: نشر الأمن وإقامة الحق بين الناس وتوزيع الثروات وتقسيمها بينهم بالعدل وتقديم الأحوج منهم وعدم التفرقة بين المسلمين..

        ثامناً: تحقيق الأخوة الإسلامية والسعي لوحدة الكلمة بين المسلمين ونبذ العصبيات القبلية والنعرات الجاهلية فبلاد المسلمين واحدة والمسلمون أمة واحدة وهم يدٌ واحدة على عدوهم..

        داعش.. أصالة التكفير

        شأن كل التنظيمات السلفية الوهابية، فإن تكفير الآخر، مسلماً كان أم كتابياً، بات سمة راسخة في عقيدة التنظيمات تلك، ببساطة لأن المواصفات الصارمة المطلوبة في الانسان المسلم بحسب رؤية هذه التنظيمات لا تنطبق سوى على المنضوين تحت راية الوهابية.

        ولذلك، يتبنى “داعش” موقفاً راديكالياً إزاء الآخر. والتكفير لدى التنظيم على نوعين: كفر ابتدائي بمعنى أن يكون فرد أو جماعة هو في الأصل كافر لم يؤمن لأنه لم يعرف حقيقة الدين ولا جوهر الايمان، وهذا ينطبق على أتباع الاديان الأخرى وطوائف من المسلمين، مثل الشيعة بكل أطيافهم، والأباضية، وهناك كفر ارتداد، أي ينطبق عليه أحكام الردة، وبالرغم من أن أحكام الردّة أشد من حكم الكافر الابتدائي، إلا أن لا اختلاف بينها في النتائج العملية، وتنطبق احكام كفر الارتداد على كل من يرفض مبايعة أمراء داعش، ويطال المقرّبين..فقد جاء في وثيقة بتاريخ 11 تموز 2014 بعنوان (تعهد وإقرار بالتبرؤ والتوبة) صادرة عن الدولة الاسلامية ـ ولاية الخير (دير الزور) بأن يكتب التائب النص التالي: “أقرّ أنا المدعو فلان بالتبرؤ من الفصيل الفلاني التابع لفلان وأقر بأن ما قعت فيه من وقوف مع (الجيش الحر، والجبهة الاسلامية، وجبهة النصرة وغيرهم) ضد الدولة الاسلامية هو محاربة لله ولرسوله وللمؤمنين، فأستغفر الله من هذا العمل وأتبرؤ من قتال الدولة الاسلامية وعدم محاربتها والوقوف ضدها..” ( نص إقرار التوبة عن قتال “الدولة الاسلامية”، القدس العربي، لندن، 12 تموز 2014 عن علاء وليد مراسل الأناضول).

        الطريف أن قيادة التنظيم تلوذ بالمنطق ذاته لدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين وجّهت له تهمة التساهل في تكفير المخالفين. يقول ابو عمر البغدادي في بيان عقيدة (الدولة) في كلمته بعنوان: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي) في 13 مارس 2007:”وقد رمانا الناس بأكاذيب كثيرة لا أصل لها في عقيدتنا، فادَّعوا أننا نكفر عوام المسلمين ونستحل دماءهم وأموالهم”.

        وحين رد التهمة لجأ البغدادي الأول لنفس منهجية الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير الآخر ولكن بطريقة مواربة حيث قال: “ومن نطق بالشهادتين وأظهر لنا الإسلام ولم يتلبس بناقض من نواقض الإسلام: عاملناه معاملة المسلمين، ونَكِلُ سريرته إلى الله تعالى، وأنَّ الكفر كفران: أكبر وأصغر، وأنَّ حكمه يقع على مقترفه اعتقاداً أو قولاً أو فعلاً، لكنَّ تكفير الواحد المُعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوفٌ على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه”. وحين نعود الى المصنّفات الوهابية في التكفير لا نجد البغدادي الا مقلّداً ومردّداً لمقولات الوهابية في التكفير. وحتى عبارة “نواقض الاسلام” التي لم ترد في كتب الاوَّلين، هي في الأصل عنوان كتيّب للشيخ ابن عبد الوهاب. ومن أمثلة التساهل في التكفير عند محمد بن عبد الوهاب كلامه حول أهل البوادي، أي الذين يعيشون في البادية بقوله “..فإن كان للوضوء ثمانية نواقض ففيهم ـ أي في أهل البوادي ـ من نواقض الاسلام أكثر من المائة ناقض..” (الرسائل الشخصية، التصحيح والمقابلة على النسخ الخطيّة والمطبوعة صالح بن فوزان الفوزان محمد بن صالح العليقي، المجلد السابع من مؤلفات الامام محمد بن عبد الوهاب ص 25 ـ26).

        وحين سرد البغدادي نواقض الإسلام بدا واضحاً أن من يطاولهم حكم التكفير كثراً في أمة المسلمين. للإشارة، فإن واحدة من النواقض التي توجب التكفير: من لم يكفر كافراً أو شكّ في كفره فهو كافر. وعليه، فمن كفّرته الوهابية يصبح كافراً ولابد من تكفيره ومن شك في تكفيره يصبح هو الآخر كافراً.

        من وجهة نظر عبد المجيد المنيع في كتابه (عقيدة الطائفة المنصورة)، فإن الحكومات القائمة في ديار المسلمين والتي تدّعي الاسلام “قد دخلت في الكفر من أوسع أبوابه لارتكابها عدداً من نواقض الإسلام منها :تشريعهم مع الله ما لم يأذن به الله، وطاعتهم للمشرعين المحلِّيين والدوليين واتباعهم لتشريعاتهم الكفرية، ودخولهم في أحلافهم الشركية، كاتباعهم لتشريعات هيئة الأمم المتحدة.. حكمهم بغير ما أنزل الله.. مظاهرتهم وتوليهم للكفار من اليهود والنصارى والمشركين وحمايتهم ونصرتهم ومنع من يُنكر عليهم كفرهم، وعقدوا معهم اتفاقيات ومعاهدات النصرة بالنفس والمال واللسان.. استحلالهم الحرام بالترخيص له وحمايته وحراسته والتواطؤ والاصطلاح عليه، كمؤسسات الربا.. استهزاؤهم بدين الله والترخيص للمستهزئين وحمايتهم وسنُّ القوانين التشريعية التي ترخّص لهم وتسهل لهم هذا الاستهزاء عبر وسائل الإعلام.. وأتبع المنيع حديثه في التكفير قائمة بالمذاهب الكفرية وهي: العلمانية، الوطنية والقومية.

        نشير الى أن ثوابت عقيدة “الدولة”، كما حدّدها أبو عمر البغدادي، تكاد تكون منقولة حرفياً من المرجعيات الوهابية مثل “وجوب هدم وإزالة كل مظاهر الشرك، وتحريم وسائله..”، وأن “الرافضة طائفة شرك وردة..”، و“كفر وردة الساحر ووجوب قتله، وعدم قبول توبته..”، و“من نطق بالشهادتين وأظهر لنا الإسلام ولم يتلبس بناقض من نواقض الإسلام عاملناه معاملة المسلمين..”، وأن “الكفر كفران: أكبر وأصغر”، و“وجوب التحاكم إلى شرع الله من خلال الترافع إلى المحاكم الشرعية في الدولة الإسلامية، والبحث عنها في حالة عدم العلم بها، لكون التحاكم إلى الطاغوت من القوانين الوضعية والفصول العشائرية ونحوها من نواقض الإسلام..” والنقطة الأخيرة تبدو واضحة في أن من يتحاكم الى غير محاكم “الدولة” يكون قد ارتكب ناقضاَ من نواقض الإسلام وبذلك يصبح كافراً، وبالتالي فإن الأغلبية الساحقة من المسلمين هم كفّار كونهم يتحاكموا في غير محاكم “الدولة”!

        وعلى الطريقة الوهابية، يرى ابو عمر البغدادي أن كل دولة لا تحكم بالشريعة تعتبر ديار كفر. ويقول ما نصّه: “وبما أن الأحكام التي تعلو جميع ديار الإسلام اليوم هي أحكام الطاغوت وشريعته، فإننا نرى كفر وردة جميع حكام تلك الدول وجيوشها، وقتالهم أوجب من قتال المحتل الصليبي..”. (البغدادي، أبو عمر، كلمة “ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي” مصدر سابق).

        ويوصم البغدادي طائفة كبيرة من الناس والتيارات الفكرية بالكفر وبالإسم تحت عناوين مختلفة، ويقول:

        ونؤمن أن العلمانية على اختلاف راياتها وتنوّع مذاهبها كالقومية والوطنية والشيوعية والبعثية هي كفر بواح، مناقض للإسلام مخرج من الملة، وعليه نرى كفر وردة كل من اشترك في العملية السياسية”، ويسمّي شخصيات سياسية سنيّة مثل صالح المطلق وعدنان الدليمي وطارق الهاشمي وغيرهم، والسبب أن العملية السياسية في العراق فيها “تبديل لشرع الله تعالى”، ويرى أيضاً “أن منهج الحزب الإسلامي ـ أحد تشكيلات الاخوان المسلمين ـ منهج كفر وردة، لا يختلف في منهجه وسلوكه عن سائر المناهج الكافرة والمرتدة ؛ كحزب الجعفري وعلاوي، وعليه فقياداتهم مرتدون لا فرق عندنا بين مسؤول في الحكومة أو مدير فرع..”.




        الحوالي: تطرفه ساهم في خلق القاعدة وداعش


        كما يرى البغدادي وتنظيم “الدولة” “كفر وردة من أمدَّ المحتل ـ الأميركي ـ وأعوانه بأي نوع من أنواع المعونة من لباس أو طعام أو علاج ونحوه، مما يعينه ويقويه، وأنه بهذا الفعل صار هدفاً لنا مستباح الدم” .ويمضي في مسلسل التكفير “ونعتقد بأن الديار إذا علتها شرائع الكفر، وكانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي ديار كفر..وبما أن الأحكام التي تعلو جميع ديار الإسلام اليوم هي أحكام الطاغوت وشريعته، فإننا نرى كفر وردة جميع حكام تلك الدول وجيوشها، وقتالهم أوجب من قتال المحتل الصليبي..”. وهذا يعني أن خروج المحتل ليس وحده كاف لوقف القتل في الناس، بل هناك مبررات أخرى لقتلهم ومن بينها “التحاكم الى شرائع الكفر”! ولنتأمل في عبارة “أوجب من قتال المحتل الصليبي” للوقوف على أسباب إحجام “داعش” عن الجهاد ولو بالكلمة انتصاراً لقطاع غزّة في العدوان الاسرائيلي عليه في يوليو ـ أغسطس 2014.

        بعد انتقال “داعش” للقتال في سوريا، توسّعت مروحة الكفّار، فصار يكفّر “الجيش الحر”، و“جبهة النصرة”، و “الجبهة الاسلامية” التي يصفها بالصحوات، وقد أوقع فيها قتلى كثر، وقام بإرسال سيارات مفخخة وانتحاريين الى مواقع وتجمعات “الحر” و “النصرة” و “الجبهة”، مع أن كل هذه الجماعات تعمل معه في المشروع ذاته، أي إسقاط النظام السوري، بل وتتبنى العقيدة الوهابية. يؤكد ذلك بيان توضيحي صادر عن “ الإمارة العامة لجبهة النصرة في القلمون) في 2 أغسطس 2014 وجاء في النقطة الاولى: “إن جبهة النصرة والدولة الاسلامية في العراق والشام على منهج واحد وان افتراقت السياسات”.

        وكان أبو عمر البغدادي أصدر حكمه في الصحوات، وحكم على أفرادها بالردّة وطالب بقتلهم وخاطب أنصاره “وإنَّي أخطب فيكم اليوم وأقول: ضحّوا تقبّل الله ضحاياكم بمرتدّي الصحوات فإنهم صاروا للصليب أعواناً، وعلى المجاهدين فرساناً..”. الشيخ/ أبو عمر البغدادي، كلمة (أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ)، بتاريخ 13 ذو الحجة 1428 – 22/12/2007، مؤسسة النخبة.

        بالرغم من ذلك، يأتي من قيادات داعش وينفي عنصر “التكفير” الراسخ في ثقافته. ينبري، على سبيل المثال، أبو محمد العدناني الشامي، متحدث “داعش”، و”الدولة الاسلامية” لاحقاً، للرد على من يرمي تنظيمه بتكفير عموم المسلمين في كلمة (لك الله أيتها الدولة المظلومة) في 30 سبتمبر 2013: “أن عموم أهل السنة في العراق والشام مسلمون، لانكفر أحدا منهم إلا من ثبتت لدينا ردته بأدلة شرعية قطعية الدلالة قطعية الثبوت”. ومع ذلك يعترف العدناني بأن من عناصر التنظيم من كان يكفر وقد طردوه بحسب زعمه من التنظيم ويستدرك قائلاً “وقد فعلنا هذا مراراً كثيرة مع مهاجرين وأنصار”.

        العدناني لم ينس نصيبه من تكفير الآخرين، فكان يرى بأن الإخوان المسلمين هم “حزب علماني بعباءة إسلامية، بل هم أشر وأخبث العلمانيين..”، ويكاد يلمح العدناني الى تكفير “الاخوان” في سياق تفسيره لآية “إنما النسيء زيادة في الكفر” حيث أسقط ذلك على الاخوان وقال “وهذا النسيء الإخواني هو زيادة في الكفر..” مع أن أصل الكفر هو “نسبتهم الحكم والتشريع لغير رب العالمين..”. وكرر ذلك لاحقاً “ وإن هذا الكفر الذي وقع فيه حزب الإخوان وأوقع الناس فيه: هو من جراء طاعة الكفرة من الذين أوتوا الكتاب من أمريكا والغرب”، كما وصف حزب النور بحزب الظلام لقبوله بالمشاركة في الانتخابات والدخول في مجلسي الشعب والشورى.

        وحكم العدناني بكفر الجيوش العربية قاطبة باعتبارها جيوش حامية لأنظمة الطواغيت، وفي مقدمها: الجيش المصري، والجيش الليبي، والجيش التونسي، قبل الثورة وبعدها، والجيش السوري. وأضاف موضحاً “إنَّ جيوش الطواغيت من حكام ديار المسلمين هي بعمومها جيوش ردة وكفر..”. وتوقف طويلاً عند الجيش المصري لينال منه تكفيراً وردة واعتبر بأنه “جيش يحمي البنوك الربوية، ودور الخنا، والعهر، وحامي حمى اليهود، والأقباط والنصارى، المحاربين لله ورسوله، جيش يؤمر بترك الصلاة فيتركها، جيش صائل انتهك الأعراض وحرق المساجد والمصاحف وأجهز على الجرحى وحرق جثث القتلى... فهل يقول عاقل أن هذا الجيش لا تجوز محاربته وقتاله؟؟”. واعتبر العدناني الجيوش في البلدان الاسلامية كافرة ووجوب قتالها لأنه يصدق عليها مسمى “طائفة ممتنعة”. ورجع في ذلك لابن تيمية وأقواله في “الطوائف الممتنعة”. (أنظر أبو محمد العدناني، الناطق باسم الدولة الاسلامية، “السلمية دين من؟”، مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، 31 أغسطس 2013).

        ووجّه العدناني نصيحة للجيش المصري بقراءة الكتب الوهابية،وقال ما نصّه “وننصحهم بدراسة التوحيد، ونواقض الإسلام وتعلّم دين الولاء والبراء..”. فيما نصح الاخوان المسلمين وحزب النور “بالتوبة إلى الله والرجوع عن دين الديمقراطية..” (السلمية دين من؟ مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، موقع الملاحم والفتن في 31 أغسطس 2013).

        العدناني ألحق حكم الردّة بموظفي الأجهزة الأمنية أيضاً، ودعا “المرتدين والمارقين والمخالفين بالتوبة والرجوع، وخصوصًا الصحوات والشرط..”. (أبو محمد العدناني الشامي، كلمة (الآنَ الآنَ جَاءَ القِتَال)، مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، صفر 1432هـ/يناير 2012).

        على أفق واسع، يرى متحدّث “الدولة” كفر وردّة من يشترك في العملية السياسية في العراق ولذلك كفّر صالح المطلق وعدنان الدليمي وطارق الهاشمي وغيرهم، بل وأكثر من ذلك قال في كلمته (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي): “نرى أن منهج الحزب الإسلامي منهج كفر وردّة، لا يختلف في منهجه وسلوكه عن سائر المناهج الكافرة والمرتدة؛ كحزب الجعفري وعلاوي...”. وشمل بحكم الكفر والردّة نواب البرلمان، وقال في كلمته (جريمة الانتخابات الشرعية والسياسية) في 12 فبراير 2012 “فالنواب والمُشرِّعون أوثانٌ منصوبة تحت قبّة تخضع لقانونٍ أو دستورٍ ظالمٍ جائر يناقض الشريعة الإسلامية ويحاربها في كثيرٍ من أُصول ديننا الحنيف... وأما المُشرِّعون فهم كفار بلا غُبار..”.

        اعتبر العدناني خلاف “داعش” مع الأنظمة الحاكمة هي في تحكيم القوانين، وبناء عليه “لا فرق بين مبارك ومعمر وابن علي، وبين مرسي وعبد الجليل والغنوشي، فكلهم طواغيت يحكمون بنفس القوانين غير أن الأخيرين أشد فتنة على المسلمين..”. وأخرج الاخوان وحزب النور من قائمة الاحزاب الاسلامية لخلوهما من “كل ثوابت الإيمان وكثير من فروع الإسلام..”.

        جنوح “الدولة” الى التكفير ينتقل الى الموضوعات التي يتعارض الحكم فيها مع الآخرين. على سبيل المثال، في موضوع الانتخابات فإن “داعش” لديه موقف عقدي واضح، فهو يرفض مبدأ الانتخابات لأن دين الله لا يقبل ذلك، وتحكيم الشريعة لا تقوم على الانتخابات.. وأن كل من يدخل في الانتخابات البرلمانية ويشارك في المجالس المنتخبة هو كافر ومرتد. يقول أمير “الدولة” السابق أبو عمر البغدادي: “يا قوم: إن هذه الانتخابات حرامٌ في شرع ربنا”، ويوضح “إن فكرة الانتخابات الديمقراطية التي تميّزها ولا تنفك عنها هي سيادة الشعب, بينما أصل عقيدتنا وديننا هو سيادة الشرع” وعليه “فالنواب والمُشرِّعون أوثانٌ منصوبة تحت قبة تخضع لقانونٍ أو دستورٍ ظالمٍ جائر يناقض الشريعة الإسلامية ويحاربها في كثيرٍ من أُصول ديننا الحنيف.. وأما المُشرِّعون فهم كفار بلا غُبار..”. (أبو عمر البغدادي، جريمة الانتخابات الشرعية والسياسية.. وواجبنا نحوها، في 12 فبراير 2010 نخبة الاعلام الجهادي، قسم التفريغ والنشر)

        نشير الى فتوى الشيخ الوهابي السعودي عبد الرحمن البرّاك جاء فيها “الانتخابات حرام شرعاً وهي أمر دخيل على المسلمين وتشَبّه بالكفّار..” (سبر 16 كانون أول 2013). وبصورة عامة، فإن الأصل في فتاوى علماء الوهابية هو حرمة إقامة الانتخابات مع القدرة وأن المشاركة في الانتخابات أو التصويت فيها هو الاستثناء والهدف منه دفع الضرر، أو دفع أعظم المفسدتين بأدناها وليس إقرار بالرضا بالواقع، أي بأصل الانتخابات، فالعلماء الوهابيون مجمعون على تحريم الديمقراطية وطريقتها في الانتخاب، وأن جواز المشاركة فيها أحياناً هو للحد من شرورها..

        كخلاصة، فإن داعش وفق المعطيات سالفة الذكر يمثّل أشد الجماعات التكفيرية إسرافاً في إطلاق أحكام التكفير حتى لا تكاد تجد مسلماً خارج نطاق “داعش”، وفي ذلك التزام أمين بالتصوّر الوهابي الأول للعالم.

        تعليق


        • #5
          داعش.. نوستالجيا العودة للبدايات الوهابية

          السلالة النقيّة للجيل المؤسس
          داعش.. نوستالجيا العودة للبدايات الوهابية

          عبد الوهاب فقي
          (3 من 3)


          لا يشترط قادة «داعش» أو «الدولة» بحسب اصطلاحهم، وجود كيان جيوسياسي مستقر وثابت الحدود، اضافة الى وجود شعب ونظام من أجل «تطبيق الشريعة»، بل يشترطون مجرد الوجود في مكان ما، بصرف النظر عن مساحته وطبيعته، مع إمكانية تحكيم الشريعة فيه. ولذلك من الخطأ وضع تورخة قريبة لإعلان دولة الخلافة، أي في أول شهر رمضان لسنة 1435 هجرية الموافق 29 يونيو 2014، فالإعلان يعود الى الرابع والعشرين من شهر شوال لسنة 1427هجرية الموافق 16 نوفمبر 2006، وأن أول أمير المؤمنين ليس أبو بكر البغدادي بل سلفه أبو عمر البغدادي.

          وكان وزير الاعلام في دولة العراق الاسلامية الشيخ أبو عبد الله محارب الجبوري (قتل في مايو 2007) قد أعلن في كلمة مصوّرة (الإِعْلانُ عَنْ قِيَامِ دَوْلَةِ العِرَاقِ الإِسْلامِيَّةِ)، وقال ما نصّه: (يزف إليكم إخوانكم في حلف المطيبين بشرى إنشاء وإقامة دولة العراق الإسلامية في بغداد والأنبار وديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى وأجزاء من محافظة بابل وواسط).


          الخليفة الأول للدولة الإسلامية: أبو عمر البغدادي

          وقد واجه التنظيم إشكالية كبرى كون «الدولة» لم تكن تملك أرضاً، وإن امتلكت جزءً من الأرض فلأمد قصير تبعاً لمعادلة الكر والفر في الميدان، فكيف تعلن عن دولة افتراضية أو غير ثابتة وجوداً وعدماً. وبعد مرور سنتين على الاعلان عن قيام الدولة الاسلامية في العراق، أجاب عبد المنعم عز الدين البدوي، وزير الحرب في «الدولة»، وهو مصري الجنسية وكنيته أبو حمزة المهاجر (قتل في صلاح الدين بالعراق سنة 2010)، عن سبب الإعلان بالرغم من أن التنظيم لا يملك الأرض، فأحال الى تجربة المسلمين الأوائل، وقال بأن «المدينة المنورة رغم ظروفها الصعبة، الا أن الرسول (ص) أقام فيها دولة.

          وسأل المهاجر: كم هي مساحة الدولة النبوية في المدينة؟ وما مقدار بسط النفوذ على الأرض في ظل حكم إسلامي؟ وما مقدار المنعة والسيادة بعدما فاوض النبي (ص) على دفع ثلث ثمار المدينة للمشركين..»(الدولة النبويّة، تأليف وزير الحرب في الدولة الاسلامية في العراق أبو حمزة المهاجر، تقديم وتعليق ابو الغيداء الأردني، كتيبة الكواشف الاعلامية الجهادية 2008، ص 35).

          ثم عرّج على السؤال المركزي: هل الدولة الإسلامية في العراق استوفت شروط الدولة من حيث المساحة والقوة وبسط النفوذ، وبالمقارنة بما كانت عليه الدولة النبوية، آخذين في الاعتبار ما مرّت عليه الدولتان من محن، والفرق الهائل بينهما...؟». وعرض لبعض المناطق التي ينتشر فيها التنظيم، وأحصى عدد العناصر المقاتلة في التنظيم.

          ولكن بدا كما لو أن أبو حمزة المهاجر يتجاوز أوضاع تلك المرحلة واختلافها التام عن الأوضاع الحالية من حيث تطوّر الكيانات الاتحادية، وصولاً الى عصر الدول والمكوّنات الثابتة فيها. المهاجر تجاوز عنصر الأرض/ الإقليم، وراح يتحدّث عن السكّان. فهو يقول: «لن أتكلم عن الأنبار وعزّها.. ولن أتكلم عن عرين الإسلام في ديالى ومعاركهم.. ولن أتحدث عن الموصل ورجالها.. ولن أتحدث عن بغداد ونواحيها.. ولن أتحدث عن كركوك وصلاح الدين..» إذاً عمّاذا يتحدث المهاجر؟ «إنما أتحدث اليوم عن بقعة منسيّة واحدة من بقاع تلك الدولة الفتية المترامية الأطراف وخاصة قبل أن يتآمر عليها الخائنون المجرمون الكافرون من بني جلدتنا حسداً من عند أنفسهم وكرهاً أن يكون منهج السلف هو الحاكم في أرض الله.. سأتحدث عن عرب جبور وما حولها..». والسبب في ذلك أن من انضوى تحت لواء الدولة الإسلامية في العراق كانوا كثر «فبلغ عدد جنودنا في هذه المنطقة وحدها ثلاثة آلاف مجاهد فأقاموا الحدود وردوا المظالم ونشروا الأمن وأعالوا الفقراء..»(المصدر السابق، ص 36 ـ37).

          ومع ذلك يعترف ابو حمزة المهاجر بأنه خسر كثيراً من الأرض التي كان يسيطر عليها: (ونعترف وبمرارة أننا خسرنا كثيراً من الأماكن بعد عمالة وردِّة الجماعات المشكِّلة للمجلس السياسي للمقاومة وتحالفه مع المحتل الصليبي، فقد كانوا نعم العيون والعون للمحتل وخاصة أنهم كانوا مختلطين بنا، وكنا نراهم إخوة في الدين حتى طعنونا في ظهورنا)(المصدر السابق ص 37).

          وفي سؤال حول إمكانية إقامة الحكم الشرعي، يجيب أبو حمزة المهاجر: «إذا كنا قادرين على إقامة حكم الله في أرضه ساعة من نهار بلا مفسدة راجحة بل بمصالح راجحة، ألا يكون ذلك واجباً علينا؟ فكيف إذا أمكن ذلك لأيام وشهور وسنين كما هي الحال في الدولة الإسلامية في العراق؟»(أبي حمزة المهاجر، وزير الحرب بدولة العراق الإسلامية، اللقاء الصوتي الأول، مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي، بتاريخ 24/10/2008).

          يحيل ابو حمزة المهاجر كثيراً الى رسائل ومصّنفات ابن تيمية في ماليات الدولة وتنظيم شؤونها. وينفي ما قد يتوارد للأذهان من انطباع حول مفهوم الدولة الاسلامية بأنها مشابهة للكيانات الجيوسياسية التي نشأت بعد إتفاقية سايكس بيكو (الدولة الحديثة/ الدولة القطرية/ nation-state). وهو ما نفاه أيضاً المتحدّث باسم «داعش» أبو محمد العدناني الشامي، حيث اعتبر الحدود المرسومة على أساس الاتفاقية تلك هي غير ملزمة للدولة وأن «الإسلام أتى للدعوة والانتشار..»، وقال بأن «تقسيم الولاية على أساس حدود سايكس بيكو يعتبر تكريساً لتلك الحدود. فتقسيم الجماعة إلى جماعتين إحداها عراقية وأخرى سورية حسب الحدود، وأمر كل منهما بإلتزام الحدود الملعونة وعدم تخطيها.. مخالفة لمنهجنا وما نؤمن به». ويضرب مثالاً على ذلك من التاريخ الاسلامي: ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يحركون الجيش والقادة بين العراق والشام ولا فرق بين الجيشين، وهذا ما نفعله الآن من تحريك قطاعاتنا وقاداتنا وعدم التفريق بيننا”(كلمة أبي محمد العدناني الشامي المتحدث الرسمي للدولة الإسلامية في العراق والشام بعنوان «فذرهم وما يفترون»، مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، 20 حزيران 2013، موقع منتديات المنبر الاعلامي الجهادي).

          ويعطي أبو محمد العداني توصيفاً خاصاً للدولة بما نصّه: «الدولة الإسلامية ما وُجِدت قديمًا وحديثًا إلا لتحقيق هذه الغاية التي هي حمل الناس كافةً على التوحيد والاحتكام بشرع الله ليكونوا أمةً واحدة..». ويزيد في تصعيد نبرة خطاب الدولة: «وإنّ الدولة الإسلامية منذ نشأتها الأولى ظلّت في صراعٍ مع الباطل تقاتل أئمة الكفر وتقطف رؤوس الشر، ولا زال المسلمون يواجهون أعداءً يتربصون بهم..». ويخلص للقول: «فليعلم القاصي والداني والشرق والغرب أننا أقسمنا وعزمنا أنَّه بغير دولة الإسلام لا أمان ولا سلام لا في العراق ولا في الشام ولا مصر ولا الجزيرة ولا خراسان ولا في الشرق ولا في الغرب، لن نساوم ولن نسالم، لن نفاوض ولن نقايض، فشرع الله لا يُحكّم إلا بالسيف ولا يقوم إلا على الشوكة والقوة”(الشيخ أبي محمد العدناني، العراق العراق يا أهل السنة، نخبة الاعلام الجهادي، قسم التفريغ والنشر، مؤسسة الفرقان للانتاج الاعلامي، فبراير 2012).

          إنها، بكلمات أخرى: دولة حرب، دولة تستمد وجودها ومشروعيتها من أيديولوجية الفتح، أي النزاعات مع الدول الأخرى، بل وعلى القطيعة والخصومة معها، فهي تريد أن تحكم بالسيف لتطبيق الشرع! وكرر العدناني مواقفه في كلمات أخرى مثل (السلميّة دين من؟)، و(لن يضروّكم إلاّ أذىً).

          تشير الفقرات السابقة من خطاب العدناني حول الدولة، الى تجربة اخوان عبد العزيز قبل عام 1930، حيث كانوا يخوضون المعارك باسم الجهاد لنفس الغرض «تحكيم شرع الله». لا شك ان من يقرأ هذه المعطيات يخلص الى ضحالة تفكير قادة التنظيم، وتشوّه مفهوم الدولة وتقديم مبدأ تطبيق الحدود والأحكام على عوامل نشأة الدول ومصادر استقرارها وسبل استتباب الأمن فيها وشروط بقائها ووظائفها. بكلمات أخرى، أن الدولة من منظور «داعش» هو المكان الذي يمكن تطبيق فيه عقيدة التوحيد وإقامة الحدود وتحكيم الشريعة فحسب. ومن الواضح، أن من يصوغ مثل هذه الآراء لا يدرك معنى الدولة ولم يقرأ عنها ولا علاقة له بكل تفاصيلها من حيث درء الأخطار وحفظ المصالح والأرواح، والارتقاء بقيم المجتمع وإدارة شؤونه بما يحقق أهدافه وتطلعاته.. وهنا مكمن الخطورة على الدولة السعودية التي تمثّل الوهابية الأيديولوجية المشرعنة لها، حيث يعتنق «داعش» مشروعاً أممياً ناضلت الوهابية خلال مراحل ثلاث ـ وحتى نهاية ثلاثينيات القرن الماضي ـ من أجل تحقيقه؛ ولكن تمّ القضاء عليه نتيجة إذعان ابن سعود لقوانين النظام الدولي حينذاك.

          قيام «الدولة الاسلامية» وفق رؤية عقدية وهابية، يشكّل خطراً حقيقياً وجديّاً على السعودية التي تسعى لتقويض أي مشروع أممي قد يصل الى داخل حدودها.. ولذلك، نلحظ كيف تدرّج مشروع «الدولة» من كونه خاص للعراق، ولأهل السنة فيه على وجه الخصوص حين أعلن عن «الدولة الاسلامية في العراق» (تشرين الأول/أكتوبر 2006)، ثم تحوّل الى مشروع يضم العراق والشام (داعش)، أي «الدولة الاسلامية في العراق والشام» (9 نيسان/ إبريل 2013)، وثم أصبح مشروع خلافة إسلامية وأصبح إسمها «الدولة الاسلامية» (29 حزيران/ يونيو 2014)،وهذه مفتوحة على الأرض..

          وبحسب عقيدة «الدولة» فإن التنظيم يواجه مشروعين:

          ـ مشروع الدولة الديمقراطية المدنية.
          ـ مشروع الدولة الدينية القطرية على غرار السعودية.

          ولأنصار مشروع الدولة الديمقراطية المدنية، يخاطب المتحدث باسم «الدولة» أبو محمد العدناني أهل العراق والشام: «ولتعلموا أن بينكم وبين دولة لا تحكم بشرع الله في الشام: بحار من الدماء وجبال من الجماجم والأشلاء، ولن تحلموا بأمن ولا أمان، وإنّا لكم إن شاء الله بالمرصاد حتى يحكم الله بيننا؛ فإما أن ينعم المسلمون في العراق والشام بعدل الشريعة ورحمة الإسلام، وإما أن نُباد عن بكرتنا، وهيهات هيهات!».

          أما أنصار مشروع الدولة الدينية الوطنية التي يقول العدناني عنها بأنها مدعومة بـ «أموال وفتاوى علماء آل سلول ـ أي آل سعود ـ وحكومات الخليج، وتهندسُ مشروعَها المخابراتُ، ولا ضير أن تكون حكومتها طويلة اللحى قصيرة الثوب، حكومة تسالم اليهود وتحمي الحدود، فتباركها هيئة الأمم، وتحظى بمقعد في مجلس الأمن..»، فيخاطبهم العدناني قائلاً: «اتقوا الله، واقطعوا علاقاتكم مع مخابرات وحكومات الغرب والشرق.. ولئن تظنوا أنكم أدهى من شياطين أمريكا وأذكى من مخابرات الشرق والغرب: فاعتبروا بأشياعكم في العراق، وقد كانوا أدهى منكم وأشد بأساً.. لقد جربوا مشروعكم الفاشل، وسلكوا طريقكم المسدود، ولقد دعمهم آل سلول وغيرهم من حكومات الخليج أكثر مما يدعمونكم، وبكل ما أوتوا من مال وإعلام وفتاوى، فأين آل مصيرهم؟ وكيف أضحت جماعاتهم وفصائلهم؟ لقد تشتتت وتبددت..».


          الخليفة الثاني: أبو بكر البغدادي

          والحل، كما يتصوّره العدناني، يتلخّص في الالتحاق بمشروع الدولة الاسلامية، وحسب قوله: «فإن المشروع مشروعكم، وإن مجيئكم أتقى لربكم وأقوى لجهادكم وأغيظ لعدوكم. هلموا فإنا لا نشك أبداً أنه مَن كان منكم فيه خير: فسيأتي الله به ولو بعد حين، وتفكّروا بمن يلتحق بصفوف الدولة كل يوم جماعات وفرادى: أليسوا هم من خيار الفصائل وخِيار إخوانكم؟» (ابو محمد العدناني: لن يضروكم إلا أذىً، مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، 31 تموز 2013، منتديات المنبر الاعلامي الجهادي).

          وفي كلام العدناني هذا بيان صريح عن العقل الذي يدير التنظيم ومشروعه، حيث تستحوذ عليه نزعة نرجسية فارطة تجعل من التنظيم «الطائفة المنصورة» و»الفرقة الناجية»، فيرى بأنه المالك الوحيد والمطلق للحقيقة الدينية، ونفي الآخر تماماً، بل وتدنيسه حد جواز استئصاله، كما توحي عبارات الوعيد. فالعدناني يضع الناس أمام خيارين إما القبول بتحكيم الشريعة أو الموت، فيما يتحوّل قادة «الدولة» الى جماعة انتحارية أو يقيمون دولة الشريعة.

          حين يسرد الأمير السابق للدولة الاسلامية في العراق ابو عمر البغدادي مكاسب «مجاهدي» الدولة بعد أربع سنوات من ولادتها، يقول: «ففي فترة زمنية قياسية درب جيل كبير من الشباب على عقيدة الولاء والبراء المنسية..»، ولا تتحقق هذه العقيدة إلا بوجود جماعة، وتعليل ذلك: «أن الجماعة هي تجسيد عملي لحقيقة الولاء والبراء في الإسلام، فارتباط المؤمنين في جماعة واحدة بعد ارتباطهم بالتوحيد هو الذي يجسد هذا الإيمان في واقع الحياة». فهي إذاً دولة دعوية على المنهج الوهابي، ولا صلة لها بالدول المتعارف عليها. وليتخيّل المرء كيف يمكن لدولة كهنوتية تحكم باسم السماء أن تخضع للمحاسبة أو تدير شؤون الناس ومصالحهم، فهي معنيّة بالدرجة الأساسية بتربية الرعيّة على عقيدة الولاء للدولة باعتبارها النطاق الذي يجري فيه الاحتكام للشريعة، والبراءة من خصومها كونهم يحكمون بغير ما أنزل الله، بحسب عقيدة «الدولة الاسلامية».

          في خطابه للأمة، يقول «أمير المؤمنين» السابق أبو عمر البغدادي: «إننا حينما أعلنا دولة الإسلام وأنها دولة هجرة وجهاد لم نكن نكذب على الله ثم على الناس، ولم نكن نتحدّث عن أضغاث أحلام؛ لكنّا بفضل الله تعالى الأقدر على فهم سنة الله في هذا الجهاد – هذا الفهم منشؤه دماء المجاهدين من مهاجرين وأنصار بعد معاينة أخلاقهم ومنهجهم»(أمير المؤمنين أبو عمر البغدادي، حصاد السنين بدولة الموحدين، مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، دولة العراق الاسلامية، وزارة الاعلام، 16 نيسان 2007، مركز الفجر للإعلام).

          أما الخليفة الحالي لـ «الدولة» أبو بكر البغدادي فقال في خطبته الشهيرة في المسجد الكبير في الموصل في 4 يوليو 2014 بعد اعلان دولة الخلافة ما نصّه: «إني لا اعدكم كما يعد الملوك والحكام أتباعهم ورعيتهم من رفاهية وأمن ورخاء..» وإنما يعد رعيته بمكافأة مؤجلة في الآخرة، شريطة أن يتحوّلوا الى مقاتلين في خدمة مشروع الدولة: «وإن أردتم موعود الله، فجاهدوا في سبيل الله وحرضوا المؤمنين واصبروا على تلك المشقة..».

          في ضوء الأدلجة الفارطة للدولة، نجد أنفسنا أمام الرؤية الوهابية النقيّة التي صاغها الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين أقام إمارة دينية تكون منصّة لإطلاق مشروع الخلافة/ الإمامة الاسلامية القائمة على: التوحيد، والولاء والبراء، والهجرة والجهاد. لم يقدّر للمشروع النجاح بعد أن انحرفت الدولة السعودية الأولى عن تعاليم المؤسس في آخر أيامها، وتحوّلت الى ملك سياسي دون صبغة دينية، وإن المحاولات اللاحقة واجهت تحديّات ذاتية أي من الشريك الآخر، ابن سعود، الذي وجد نفسه أمام معادلات جيوسياسية إقليمية ودولية يصعب تجاوزها، لأن الدولة التي أرادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب تؤسس لحروب مفتوحة ودائمة مع القريب والبعيد، لكونها تقوم على رؤية عقدية للعالم: التكفير، الهجرة، الجهاد، أي انها تؤسس لدولة توسّعية، وهذا ما تبشّر به أدبيات داعش.

          دعوة أبي بكر البغدادي، خليفة «الدولة الاسلامية» المسلمين عموماً بالانضواء في الدولة والهجرة اليها، واعتبار أن الوقوف ضد الدولة هو ضد شرع الله وإرادته التي اختارت البغدادي خليفة وإماماً لدولتهم! ليست سوى الصدى لصوت انطلق في منتصف القرن الثامن عشر، حين كانت النزعة الرسولية لدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب تستحثه لمراسلة رؤوساء البلدان وعلمائها للدخول في الاسلام الذي جاء به، بعد أن عاد المسلمون الى عبادة الأصنام في الجاهلية الثانية.

          يتقمّص ابو بكر البغدادي شخصية الخليفة الراشد، مستيقناً بأن له سلطاناً على الامة فصار «ظل الله في الأرض»، وأطلق مشروع دولة ـ الأمة، في خطبته بالمسجد الكبير بالموصل الى «مجاهدي الدولة» قائلاً: (إن أمة الإسلام؛ ترقب جهادكم ونزالكم بأعين الأمل، وإن لكم في شتى بقاع الأرض إخوانا يُسامون سوء العذاب؛ أعراضا تُنتَهَك، ودماء تُراق، وأسارى تئن وتستصرخ، ويتامى وأراملَ تشكو، وثكالى تنوح، ومساجد تُدنَّس، وحرمات تُستَباح، وحقوقا مسلوبة مغتصَبَة؛ في الصين والهند وفلسطين والصومال، في جزيرة العرب والقوقاز والشام ومصر والعراق، في إندونيسيا وأفغانستان والفلبين، في الأحواز وإيران، في باكستان وتونس وليبيا والجزائر والمغرب، في الشرق والغرب؛ فالهمة الهمة يا جنود الدولة الإسلامية! فإن إخوانكم في كل بقاع الأرض ينتظرون نجدتكم، ويرقبون طلائعكم.. فَوَالله لَنثأرنّ! والله لَنثأرنّ ولو بعد حين لَنثأرنّ! ولَنردّنّ الصاع صاعات، والمكيال مكاييل).

          وخاطب ابو بكر البغدادي المسلمين في كل مكان وبشّرهم بأن لهم «دولة وخلافة، تعيد كرامتكم وعزّتكم، وتسترجع حقوقكم وسيادتكم..». خلافة تضم من كل الجنسيات «القوقازي والهندي والصيني، والشامي والعراقي واليمني والمصري والمغربي، والأمريكي والفرنسي والألماني والأسترالي..»، وهم مقاتلو داعش الذين تحوّلوا الى مواطنين في دولة الخلافة التي يتولاها.

          وطالب البغدادي المسلمين الالتحاق بها: «فهلموا إلى دولتكم أيها المسلمون، نعم دولتكم؛ هلموا؛ فليست سوريا للسوريين، وليس العراق للعراقيين». ووجّه نداء واضحاً ودعوة مفتوحة للمسلمين عامة: «فيا أيها المسلمون في كل مكان؛ مَن استطاع الهجرة إلى الدولة الإسلامية فليهاجر؛ فإن الهجرة إلى دار الإسلام واجبة.. ففرّوا أيها المسلمون بدينكم إلى الله مهاجرين..».

          إن عبارة «الهجرة الى دار الإسلام واجبة..» كفيلة بالكشف عن حقيقة عقدية لدى البغدادي وأهل دعوته، فمجرد الدعوة الى الهجرة يعني أن ثمة دار شرك يراد الهجرة منها الى مكان آخر، كالهجرة من مكّة الى المدينة، وأن تكون الهجرة واجبة تعني أن المشروعية الدينية باتت محصورة في النطاق الجغرافي للدولة الاسلامية التي يتولى أمرها ابو بكر البغدادي. هنا نستحضر تجربة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتقاله من العيينة الى الدرعيّة وسط نجد، حين دعا أنصاره بالهجرة الى الدرعية باعتبارها دار إسلام وأن الهجرة اليها واجبة، وماعداها يصبح تلقائياً دار كفر.

          أحدثت تجربة «الدولة» ردود فعل واسعة، ولكن ثمة ميزة خاصة لردود رفاق الدرب لقادة ومقاتلي «الدولة» في العراق على وجه الخصوص، لامتلاك هؤلاء الكثير من المعطيات الخاصة والأسرار حول شخصيات «الدولة» والتجارب القتالية التي خاضوها سويّاً، والانشقاقات التي وقعت لاحقاً وأسبابها. وكان من أهم الردود التي صدرت على اعلان «الدولة الاسلامية»، من الشيخ ابو عبد الله محمد المنصور وكنيته (العيساوي)، الشرعي وأمير «جيش المجاهدين» السلفي بالعراق، وهو أستاذ ابو بكر البغدادي قبل أن يدخل السجن في العام 2005، حيث ألف كتاباً بعنوان (الدولة الاسلامية بين الحقيقة والوهم)، صدر في يناير 2014 ردّ فيه على كتاب (إعلام الأنام بميلاد دولة الاسلام) لـ (عثمان بن عبدالرحمن التميمي)! الذي أصدره تنظيم دولة العراق الاسلامية، وتعرض المنصور في نهاية الكتاب للرد على كتاب آخر لتنظيم داعش بعنوان (مدّ الأيادي لبيعة البغدادي).

          عقدياً، لم يختلف «جيش المجاهدين» مع «داعش» ولا «القاعدة» من ناحية الانتماء السلفي الوهابي، وهو يؤكد على «وجوب تحكيم شرع الله”، ولكنه يرى بأن الخلاف مع «داعش» يتركز في أصول خمسة: (التكفير بغير حق، والقتل بغير حق، والكذب، والجهل، وعدم مراعاة السياسة الشرعية في العمل الجهادي). المنصور يلفت الى حقيقة جديدة تنطبق عليه وعلى كل تنظيمات الجهادية السلفية، بأن الكلام اليوم ليس عن تكفيري وغير تكفيري، بل عن تكفيري، وآخر أقل أو أكثر غلواً وإيغالاً في التكفير. لنتوقف عند هذه الفقرة المثيرة للشيخ المنصور العيساوي:

          (وينبغي أن يُعلم أنَّ من ينتسب إلى هذا التنظيم ليسوا على درجة واحدة في الغلو، فكثير من قيادة جماعة «التوحيد والجهاد» التي كان يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله أقل غلوًا بكثير جدًّا ممن أتى بعده، وغالبُ خلافاتنا معهم آنذاك في السياسة الشرعية).

          وليتخيّل المرء كيف يكون الغلو في التكفير بعد الزرقاوي الذي يترحم عليه المنصور، بالرغم مما عرف عن الزرقاوي من استباحة قتل المدنيين بحجة (التتّرس) بالعدو، واسقاطه المحرمات والموانع بين مقاتل مدني وآخر عسكري. وقد كشفت مراسلات الزرقاوي وأستاذه وملهمه أبو محمد المقدسي (عصام البرقاوي)، وأيضاً مراسلاته مع زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن عن خلاف عميق حول هذه النقطة، حيث انصرف الزرقاوي في السنوات الأخيرة من حياته الى قتل المدنيين الشيعة في العراق بسادية.

          يصف المنصور أبو حمزة المصري، خليفة الزرقاوي بأنه «ذو عقلية غريبة، وفي عهده توسع الغلو إلى حد كبير..». ويروي المنصور حادثة نقلها له نائب مسؤول «جيش المجاهدين»، التقى هو وأحد رفاق دربه بأبي حمزة المصري بعد إعلان الدولة بأيام قليلة، وقد قال أبو حمزة في هذا اللقاء: لقد صنعنا للمهدي منبراً؛ لأنه سيظهر بعد مدة وجيزة، «وأقسَمَ أنه إن لم يكن جنود الدولة الإسلامية هم جيش المهدي فلا جيش للمهدي! والغريب أنه أراهم صورة المنبر!». وذكر أموراً غريبة أخرى. السؤال: هل ثمة ما يلفت الى مشترك عقدي لدى المصري، وجماعة جهيمان العتيبي، بل والوهابية عموماً في المسألة المهدوية؟!

          اما القادة الحاليون فقال عنهم المنصور بأنهم «وقعوا في كثير مما وقع به الخوارج من الغلو في التكفير والقتل بغير حق..». ولكن المنصور لم يخف هو الآخر نزعته التكفيرية، حيث اعتبر الحكومة العراقية بأنها «حكومة مرتدة» وأن غلاة «الدولة» «مسلمون». مع ذلك، يعارض المنصور تكفير «داعش» للمشاركين في الانتخابات ويقول «فهل يقول مسلم إنَّ فلانًا من الناس الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وملتزم بأركان الإسلام، وقد دخل الانتخابات باجتهاد خاطئ، وغايته الذب عن أهل السنة، وتخذيل أهل الباطل وتعطيل مشاريعهم في ظنه، هل يقول عالم معتبر إنه كافر بعينه؟»!


          ابو محمد العدناني، الناطق الرسمي

          ويعقد المنصور مقارنة بين تكفيرية الزرقاوي وتكفيرية البغدادي، وينقل كلاماً قاله له الزرقاوي وهو «أخفهم غلوًا وأحسنهم حالاً، ولا توجد بينه وبين أمير الزور البغدادي مقارنة من كل النواحي» حسب المنصور. قال الزرقاوي: «إنَّ مناط تكفير الشرطي هو الثوب الأزرق - هكذا قال بالحرف -، فقلت له: لنفرض جدلاً - وفي الفقه يجوز افتراض مسائل وإن لم تقع - أنَّ هناك شرطياً يحرس مدرسة للبنات في منطقة سنيّة لكثرة الخطف في ذلك الوقت، وليس له عمل إلا هذا، وقد أخذ هذا العامي فتوى ممن يشاع عند العوام أنه أهل للفتوى، فما تقول في هذا؟ فقال لي رحمه الله: هو مرتد؛ لأنَّ مناط التكفير الثوب الأزرق، ولأنه لو كُلِّف هذا الشرطي بقتال المجاهدين إعانة للصليبيين لفعل، فقلت له: لا يجوز التكفير بالظنون، ولو أنَّ هذا الشخص كلِّف بعمل كفري وفعل لوقع في الكفر، ولا كرامة... لكنه قد يُكلَّف فيرفض. وكان كلامي عن تكفير الأعيان وليس عن الطائفة أو القتال».

          ينقل المنصور صوراً من تكفير «داعش» مثل تكفيرهم لجماعات جهادية بأكملها، «وهم يعلمون سلفية هذه الجماعات ودعوتها لتحكيم شرع الله، وبعدها الشديد عن الإرجاء»، وقتل طلبة العلم والدعاة والمجاهدين وكثيراً من عامة المسلمين بالشبهات والظنون، وقتل مسلمين لأنهم انتقدوا الغلو في العراق، وينقل المنصور عن أحد قادة «داعش» حين كانا معاً في السجون الاميركية أنهم يستبيحون «دم من ينشر كتاب: وقفات مع ثمرات الجهاد، لأبي محمد المقدسي لأنه انتقدهم في بعض المسائل».

          ويقول العيساوي ان جماعة داعش كفّروا الشيخ الالباني والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، ويضيف «وقد كان من يُحسب على العلم منهم يبدعني عندما كنا في سجن بوكا؛ لأنني لا أكفر هؤلاء المشايخ الأجلاء الأفاضل! مع أني لا أقول بكل ما يقولون، وأخالفهم في مسائل، ولا أعتقد اتفاقهم إجماعاً كما يرى بعض مرجئة العصر». ويأخذ المنصور على «الدولة» مجازفاتها الفقهية ومنها لا اعتبار لصحة الزكاة والحج والصلاة الا بوجود جماعة وإمام وكذلك الصوم، وهو من الآراء التي خالف فيها التميمي مرجعه الأول الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

          وتناول المنصور الخليفة البغدادي ونفى عنه شرط الاجتهاد، كأحد شروط الإمامة الكبرى والخلافة، وخاطب عناصر «الدولة» بأن «إمامكم» أبعد ما يكون عن الاجتهاد؛ بل هو بعيد عن مبادىء العلم الشرعي؟ وهذا كاف لإسقاط الدولة.

          وفي التفاصيل، يخبر المنصور طرفاً من سيرة البغدادي وقال «إنه وحسب معرفتنا به رجل من عوام المسلمين..» ويسهب: «واللهِ إنَّ رضاه ـ أي البغدادي ـ بكذبة الإمامة العظمى هذه، وهو ساكت - مع علمه بعلم الله به بأنه ليس بمجتهد ولا عالم ولا طالب علم متمكن، ولم يؤسس في العلوم الشرعية تأسيساً، وليس بعالم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بفقيه ولا مفسر ولم يتقن أيَّ علم من علوم الشريعة، بل لا يحسب على طلبة العلم أبداً - إنَّ ذلك لمن أعظم الأدلة على قول الزور وشهادة الزور والقبول بالزور..».

          ويقدّم المنصورة شهادته الجازمة في البغدادي بما نصه: «أشهد الله الذي لا إله إلا هو بما أعرف عن قربٍ هذا الدعيِّ الذي سمى نفسه أبا بكر البغدادي، وقد درس عندي مع مجموعة من الفضلاء شيئًا قليلاً من كتاب زاد المستقنع في سنة 2005م، ثم انقطع الدرس بسبب اعتقالي، وقد عرفته معرفة دقيقة، وقد كان محدود الذكاء، بطيء الاستيعاب، باهت البديهة، فليس هو من طلبة العلم المتوسطين، ودراسته دراسة أكاديمية في الجامعات الحكومية ومستواها هزيل جداً..».

          نشير الى أن أبو بكر البغدادي (ابراهيم بن عواد البدري) خريج (جامعة صدام للعلوم الإسلامية)، التي تأسست عام 1989 ضمن الحملة الايمانية التي أعقبت الحرب العراقية الايرانية، وقدم فيها البدري بحثين: تحقيق (روح المريد) و (اللآلي الفريدة) وكلاهما في القراءات وأحكام التجويد. ويذهب المنصور الى أن «أبا بكر هذا ليس راسخًا في العلم بل ولا طالب علم متمكن فحسب، إنما لا يتقن كتاباً واحداً معتمداً في العقيدة أو الفقه أبداً، وإخواننا من طلبة العلم العراقيين من جميع الجماعات والتوجهات يعرفون هذا جيداً، ويعلمون أنه ليس بينه وبين العلم نسب..». وفي رد على الاطراء المبالغ فيه في سيرة ابو بكر البغدادي ونسبه ودوره في مقاومة الاحتلال الاميركي ومناقبه التي وردت في أدبيات «داعش»، يقول المنصور «هذا كلام فيه من الكذب الكثير، ومن ذلك أن يقول إنه [كوَّن جماعة سلفية] أي جماعة هذه وهو قد كان جندياً عادياً معنا حتى نهاية 2005م..». وأما القول في أنه أبلى بلاء حسناً في الجهاد فقال: «فهو في الحقيقة موغل في دماء المسلمين وتلطخت يده حتى العضد ورجله حتى الركب، وإنَّ رضاه بكذبة الإمامة الكبرى دليل كالشمس على جهله وهواه». وفي الرد على التزكيات التي ذكروها عنه، قال: «ووالله ما علمنا ذلك عنه رغم معرفتنا الدقيقة به، وهؤلاء القوم يبرز فيهم أشد الناس ولوغاً في الدماء وأشدهم جرأة في التكفير».

          وفي ردّه على عبارة «أنه يفتي في العويصات والنوازل..» وقال كيف يفتي «وهو لا يتقن أي مذهب من المذاهب المعتمدة؟! أما علمه في أصول الفقه فهو لم يتجاوز «الورقات» التي يقرؤها صغار الطلبة، أما جمع الجوامع وشروحاته أو منهاج الأصول وشروحاته أو روضة الناظر وشروحاته أو ما يعادلها فلا يعرف شيئاً عنها. وهذا حاله في سائر علوم الشريعة». ويضيف «لقد خبرناه لا علم ولا خلق، وهؤلاء القوم يبرز فيهم أكثر الناس غلوّاً في التكفير وأشدهم استهانة بدماء المسلمين».

          ونقل المنصور عن مقرّبين من البغدادي حين كان ينتمي الى «جيش المجاهدين» أنه «كان يتعامل بكِبْر مع أقرانه، وأظنُّ أنَّ هذا المسكين أوتي من هذا الباب القاتل..». يشير المنصور الى نقطة خطيرة عن علاقة «داعش» بالأميركيين بما نصّه: «ولا أشك أنهم لو لم يكونوا هم أصحاب هذا المشروع لأوجدت أمريكا من يقوم به”. وهذا ما قد يلفت في حديثه عن سيرته القتالية، بما نصّه: «كان إلى نهاية 2005 معنا من ضمن جنود جيشنا، ولم يكن من المبرّزين في الميدان بل ولا من أهل الصولة والجولة، ولا المهمات الكبار، ولا نذكر له واقعة مشهودة لا في الإمداد ولا في المواجهة حتى ابتليت بدخول المعتقل، عندها تغير الرجل على الإخوة وتنمّر وبدأ يثير المشاكل في الجماعة وانقلب رأسًا على عقب..». يعتب المنصور على أيمن الظواهري تأخره في مواجهة مشروع داعش، وأن توجيهاته المتأخرة لم يعد لها قيمة. ويتبنى المنصور موقف الظواهري الرافض لقتل المدنيين من كل المذاهب والطوائف والأديان، لكن الزرقاوي ومن جاء بعده من تنظيم «الدولة» طبّق استراتيجية أخرى تقوم على استئصال الآخر المخالف: «وجاءت الأيام وتتابعت السنون، فإذا بالغلو يتوسع شيئًا فشيئًا حتى وصل إلى مرحلة غاية في الخطورة» حسب قوله.

          صدرت ردود فعل من «داعش» على كتاب المنصور، من بينها كتيب صغير بعنوان (توبيخ الغالطين على إمام الحرمين) لشخص يدعى أبي الحسن الأزدي، وقد فرغ من كتابته في 24 ربيع الأول سنة 1435هـ الموافق26 كانون الثاني (يناير) 2014؛ وفيه رد على ما «نسبوه اليه من دعوى تقويض الإمامة بنقصان التمكين» في إشارة الى أبي المعالي الجويني حول انحلال عقد الامامة في حال نقص التمكين. ونسب الى المنصور وغيره عدم فهم عبارة الجويني، وأسهب الأزدي في شرح عبارة الأخير بالعودة الى نصوص أخرى من كتاب الجويني (غياث الأمم) بما ينفي فهم المنصور وغيره لسقوط الطاعة بانتقاص المكنة.

          وكتب آخر يطلق على نفسه (أحمد الله تعالى) رداً في 22 جمادى الأولى 1435هـ الموافق 23 آذار (مارس) 2014 بعنوان (كشف المستور عن أخبار ابي عبد الله المنصور – أمير جيش المجاهدين في العراق) ردّ فيه على ما وصفه تجاوزاً كبيراً على مشايخ «الدولة» مثل الزرقاوي وأبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر وأبو بكر البغدادي. ووصف الكاتب بـ «المغرور ببعض العلم الشرعي الذي يحفظه».

          الكاتب الذي أشار الى المؤلف باسم عائلته (العيساوي) وقال بأنه يعرف «الكاتب معرفة شخصية وهو يعرفني جيداً، وأشهد الله على هذا، لأني عملت معه لفترة طويلة، ولكن بفضل الله وحده كشف لي حقيقة هذا الرجل..» وأضاف أن العيساوي «ليس شرعي فحسب في جيش المجاهدين بل هو امير جيش المجاهدين» منذ تأسيسه.

          وكشف عن حقيقة الخلاف بين الزرقاوي وأبو عبد الله (العيساوي)، وأنها تتعلق برفض الأخير لإمارة الزرقاوي وكان أبو عبد الله يصرّ «على ان لا يكون أمير الجماعة رجلاً غير عراقي»، وعلل ذلك بأنه «يعرف طبيعة الشعب العراقي» وأنهم لن يقبلوا أميراً عليهم غير عراقي. فقرر أبو عبد الله العيساوي تشكيل جماعة من المقاتلين ومن توجهات مختلفة وكان من بينهم أبو بكر البغدادي نفسه الذي لم يكن تعرّف على الزرقاوي حينذاك. يقسم الكاتب بأن القيادات العسكرية في جيش المجاهدين الذي يقوده العيساوي هم من حزب البعث العراقي، ولديهم اتصالات مع عزت ابراهيم الدوري، وهو من تعهد بتمويلهم.

          نقاط الخلاف بين «جيش المجاهدين» و«الدولة» كما يرصدها كاتب الرد تتخلص في:

          ـ عدم تكفير الشرطة العراقية، بينما منهج الزرقاوي يرى أن الشُرط مرتدون .
          ـ عدم تكفير عوام الشيعة، وأن علماء الشيعة هم الكفار فقط، بينما منهج الزرقاوي واضح في تكفير الشيعة. وينقل الكاتب عن العيساوي قوله لمن استفتاه في تفجير جامع براثا فكان جوابه: «اضربوها ولا تستفتوني». ويعلق الكاتب: «فسبحان الله مرة لا يجوز بخلافه مع ابي مصعب ومرة يجوز، وشاهدوا التذبذب في الفتوى».

          في التعليق على نقد ابو عبد الله لشخصية أبو بكر البغدادي وأنه سيء الخلق ومن أهل الأهواء ومحدود الذكاء ولايصلح للقيادة ومتكبر.. يقسم الكاتب بأن أبو عبد الله كان من الذين يثنون أشدّ الثناء على أخلاق أبي بكر، وأقرّ بأنه حضر بعض الدروس الشرعية لأبي عبد الله، ويرجح أن تكون في مقر هيئة علماء المسلمين جامع أم القرى في بداية 2004، وكان حارث الضاري رئيساً للهيئة حينذاك، وهو من سمح للشيخ أبي عبد الله بأن يعطي دروساً داخل الهيئة، وأن علاقته بالضاري وثيقة جداً، بل وأضاف «أكاد أجزم بأن المنهج واحد».

          تعليق


          • #6



            ابو محارب الجبوري، وزير اعلام الدولة، قرأ بيان إعلان الخلافة في العراق في 2007

            يلفت الكاتب الى أن أبي بكر البغدادي ترك الدرس وتنظيم جيش المجاهدين بعد عدة أشهر، وأرجع الكاتب السبب الى «الأمور العظام والانحرافات الكبيرة في جيش المجاهدين» التي رآها البغدادي، حسب قوله. ولفت الكاتب الى السن المتقارب بين أبو عبد الله وأبو بكر البغدادي، وأنهما في الاربعينيات وأن أبو عبد الله يكبر البغدادي بسنة واحدة.

            في الخلاصة، فإن إعلان «دولة الخلافة» أثار خلافاً داخل تنظيمات السلفية الجهادية العراقية، قبل أن تنتقل الى قضية خلافية داخل المجالين الوهابي على وجه الخصوص، والسنّي عموماً.لا يشترط قادة «داعش» أو «الدولة» بحسب اصطلاحهم، وجود كيان جيوسياسي مستقر وثابت الحدود، اضافة الى وجود شعب ونظام من أجل «تطبيق الشريعة»، بل يشترطون مجرد الوجود في مكان ما، بصرف النظر عن مساحته وطبيعته، مع إمكانية تحكيم الشريعة فيه. ولذلك من الخطأ وضع تورخة قريبة لإعلان دولة الخلافة، أي في أول شهر رمضان لسنة 1435 هجرية الموافق 29 يونيو 2014، فالإعلان يعود الى الرابع والعشرين من شهر شوال لسنة 1427هجرية الموافق 16 نوفمبر 2006، وأن أول أمير المؤمنين ليس أبو بكر البغدادي بل سلفه أبو عمر البغدادي.

            وكان وزير الاعلام في دولة العراق الاسلامية الشيخ أبو عبد الله محارب الجبوري (قتل في مايو 2007) قد أعلن في كلمة مصوّرة (الإِعْلانُ عَنْ قِيَامِ دَوْلَةِ العِرَاقِ الإِسْلامِيَّةِ)، وقال ما نصّه: (يزف إليكم إخوانكم في حلف المطيبين بشرى إنشاء وإقامة دولة العراق الإسلامية في بغداد والأنبار وديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى وأجزاء من محافظة بابل وواسط).

            وقد واجه التنظيم إشكالية كبرى كون «الدولة» لم تكن تملك أرضاً، وإن امتلكت جزءً من الأرض فلأمد قصير تبعاً لمعادلة الكر والفر في الميدان، فكيف تعلن عن دولة افتراضية أو غير ثابتة وجوداً وعدماً. وبعد مرور سنتين على الاعلان عن قيام الدولة الاسلامية في العراق، أجاب عبد المنعم عز الدين البدوي، وزير الحرب في «الدولة»، وهو مصري الجنسية وكنيته أبو حمزة المهاجر (قتل في صلاح الدين بالعراق سنة 2010)، عن سبب الإعلان بالرغم من أن التنظيم لا يملك الأرض، فأحال الى تجربة المسلمين الأوائل، وقال بأن «المدينة المنورة رغم ظروفها الصعبة، الا أن الرسول (ص) أقام فيها دولة.

            وسأل المهاجر: كم هي مساحة الدولة النبوية في المدينة؟ وما مقدار بسط النفوذ على الأرض في ظل حكم إسلامي؟ وما مقدار المنعة والسيادة بعدما فاوض النبي (ص) على دفع ثلث ثمار المدينة للمشركين..»(الدولة النبويّة، تأليف وزير الحرب في الدولة الاسلامية في العراق أبو حمزة المهاجر، تقديم وتعليق ابو الغيداء الأردني، كتيبة الكواشف الاعلامية الجهادية 2008، ص 35).

            ثم عرّج على السؤال المركزي: هل الدولة الإسلامية في العراق استوفت شروط الدولة من حيث المساحة والقوة وبسط النفوذ، وبالمقارنة بما كانت عليه الدولة النبوية، آخذين في الاعتبار ما مرّت عليه الدولتان من محن، والفرق الهائل بينهما...؟». وعرض لبعض المناطق التي ينتشر فيها التنظيم، وأحصى عدد العناصر المقاتلة في التنظيم.

            ولكن بدا كما لو أن أبو حمزة المهاجر يتجاوز أوضاع تلك المرحلة واختلافها التام عن الأوضاع الحالية من حيث تطوّر الكيانات الاتحادية، وصولاً الى عصر الدول والمكوّنات الثابتة فيها. المهاجر تجاوز عنصر الأرض/ الإقليم، وراح يتحدّث عن السكّان. فهو يقول: «لن أتكلم عن الأنبار وعزّها.. ولن أتكلم عن عرين الإسلام في ديالى ومعاركهم.. ولن أتحدث عن الموصل ورجالها.. ولن أتحدث عن بغداد ونواحيها.. ولن أتحدث عن كركوك وصلاح الدين..» إذاً عمّاذا يتحدث المهاجر؟ «إنما أتحدث اليوم عن بقعة منسيّة واحدة من بقاع تلك الدولة الفتية المترامية الأطراف وخاصة قبل أن يتآمر عليها الخائنون المجرمون الكافرون من بني جلدتنا حسداً من عند أنفسهم وكرهاً أن يكون منهج السلف هو الحاكم في أرض الله.. سأتحدث عن عرب جبور وما حولها..». والسبب في ذلك أن من انضوى تحت لواء الدولة الإسلامية في العراق كانوا كثر «فبلغ عدد جنودنا في هذه المنطقة وحدها ثلاثة آلاف مجاهد فأقاموا الحدود وردوا المظالم ونشروا الأمن وأعالوا الفقراء..»(المصدر السابق، ص 36 ـ37).

            ومع ذلك يعترف ابو حمزة المهاجر بأنه خسر كثيراً من الأرض التي كان يسيطر عليها: (ونعترف وبمرارة أننا خسرنا كثيراً من الأماكن بعد عمالة وردِّة الجماعات المشكِّلة للمجلس السياسي للمقاومة وتحالفه مع المحتل الصليبي، فقد كانوا نعم العيون والعون للمحتل وخاصة أنهم كانوا مختلطين بنا، وكنا نراهم إخوة في الدين حتى طعنونا في ظهورنا)(المصدر السابق ص 37).

            وفي سؤال حول إمكانية إقامة الحكم الشرعي، يجيب أبو حمزة المهاجر: «إذا كنا قادرين على إقامة حكم الله في أرضه ساعة من نهار بلا مفسدة راجحة بل بمصالح راجحة، ألا يكون ذلك واجباً علينا؟ فكيف إذا أمكن ذلك لأيام وشهور وسنين كما هي الحال في الدولة الإسلامية في العراق؟»(أبي حمزة المهاجر، وزير الحرب بدولة العراق الإسلامية، اللقاء الصوتي الأول، مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي، بتاريخ 24/10/2008).

            يحيل ابو حمزة المهاجر كثيراً الى رسائل ومصّنفات ابن تيمية في ماليات الدولة وتنظيم شؤونها. وينفي ما قد يتوارد للأذهان من انطباع حول مفهوم الدولة الاسلامية بأنها مشابهة للكيانات الجيوسياسية التي نشأت بعد إتفاقية سايكس بيكو (الدولة الحديثة/ الدولة القطرية/ nation-state). وهو ما نفاه أيضاً المتحدّث باسم «داعش» أبو محمد العدناني الشامي، حيث اعتبر الحدود المرسومة على أساس الاتفاقية تلك هي غير ملزمة للدولة وأن «الإسلام أتى للدعوة والانتشار..»، وقال بأن «تقسيم الولاية على أساس حدود سايكس بيكو يعتبر تكريساً لتلك الحدود. فتقسيم الجماعة إلى جماعتين إحداها عراقية وأخرى سورية حسب الحدود، وأمر كل منهما بإلتزام الحدود الملعونة وعدم تخطيها.. مخالفة لمنهجنا وما نؤمن به».

            ويضرب مثالاً على ذلك من التاريخ الاسلامي: ولقد كان أبو بكر وعمر يحركون الجيش والقادة بين العراق والشام ولا فرق بين الجيشين، وهذا ما نفعله الآن من تحريك قطاعاتنا وقاداتنا وعدم التفريق بيننا”(كلمة أبي محمد العدناني الشامي المتحدث الرسمي للدولة الإسلامية في العراق والشام بعنوان «فذرهم وما يفترون»، مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، 20 حزيران 2013، موقع منتديات المنبر الاعلامي الجهادي
            ).

            ويعطي أبو محمد العداني توصيفاً خاصاً للدولة بما نصّه: «الدولة الإسلامية ما وُجِدت قديمًا وحديثًا إلا لتحقيق هذه الغاية التي هي حمل الناس كافةً على التوحيد والاحتكام بشرع الله ليكونوا أمةً واحدة..».

            ويزيد في تصعيد نبرة خطاب الدولة: «وإنّ الدولة الإسلامية منذ نشأتها الأولى ظلّت في صراعٍ مع الباطل تقاتل أئمة الكفر وتقطف رؤوس الشر، ولا زال المسلمون يواجهون أعداءً يتربصون بهم..». ويخلص للقول: «فليعلم القاصي والداني والشرق والغرب أننا أقسمنا وعزمنا أنَّه بغير دولة الإسلام لا أمان ولا سلام لا في العراق ولا في الشام ولا مصر ولا الجزيرة ولا خراسان ولا في الشرق ولا في الغرب، لن نساوم ولن نسالم، لن نفاوض ولن نقايض، فشرع الله لا يُحكّم إلا بالسيف ولا يقوم إلا على الشوكة والقوة”(الشيخ أبي محمد العدناني، العراق العراق يا أهل السنة، نخبة الاعلام الجهادي، قسم التفريغ والنشر، مؤسسة الفرقان للانتاج الاعلامي، فبراير 2012
            ).

            إنها، بكلمات أخرى: دولة حرب، دولة تستمد وجودها ومشروعيتها من أيديولوجية الفتح، أي النزاعات مع الدول الأخرى، بل وعلى القطيعة والخصومة معها، فهي تريد أن تحكم بالسيف لتطبيق الشرع! وكرر العدناني مواقفه في كلمات أخرى مثل (السلميّة دين من؟)، و(لن يضروّكم إلاّ أذىً).

            تشير الفقرات السابقة من خطاب العدناني حول الدولة، الى تجربة اخوان عبد العزيز قبل عام 1930، حيث كانوا يخوضون المعارك باسم الجهاد لنفس الغرض «تحكيم شرع الله».

            لا شك ان من يقرأ هذه المعطيات يخلص الى ضحالة تفكير قادة التنظيم، وتشوّه مفهوم الدولة وتقديم مبدأ تطبيق الحدود والأحكام على عوامل نشأة الدول ومصادر استقرارها وسبل استتباب الأمن فيها وشروط بقائها ووظائفها. بكلمات أخرى، أن الدولة من منظور «داعش» هو المكان الذي يمكن تطبيق فيه عقيدة التوحيد وإقامة الحدود وتحكيم الشريعة فحسب. ومن الواضح، أن من يصوغ مثل هذه الآراء لا يدرك معنى الدولة ولم يقرأ عنها ولا علاقة له بكل تفاصيلها من حيث درء الأخطار وحفظ المصالح والأرواح، والارتقاء بقيم المجتمع وإدارة شؤونه بما يحقق أهدافه وتطلعاته.. وهنا مكمن الخطورة على الدولة السعودية التي تمثّل الوهابية الأيديولوجية المشرعنة لها، حيث يعتنق «داعش» مشروعاً أممياً ناضلت الوهابية خلال مراحل ثلاث ـ وحتى نهاية ثلاثينيات القرن الماضي ـ من أجل تحقيقه؛ ولكن تمّ القضاء عليه نتيجة إذعان ابن سعود لقوانين النظام الدولي حينذاك.

            قيام «الدولة الاسلامية» وفق رؤية عقدية وهابية، يشكّل خطراً حقيقياً وجديّاً على السعودية التي تسعى لتقويض أي مشروع أممي قد يصل الى داخل حدودها.. ولذلك، نلحظ كيف تدرّج مشروع «الدولة» من كونه خاص للعراق، ولأهل السنة فيه على وجه الخصوص حين أعلن عن «الدولة الاسلامية في العراق» (تشرين الأول/أكتوبر 2006)، ثم تحوّل الى مشروع يضم العراق والشام (داعش)، أي «الدولة الاسلامية في العراق والشام» (9 نيسان/ إبريل 2013)، وثم أصبح مشروع خلافة إسلامية وأصبح إسمها «الدولة الاسلامية» (29 حزيران/ يونيو 2014)،وهذه مفتوحة على الأرض..



            (وزير الحرب) أبو حمزة المهاجر: كم هي مساحة دولة الرسول في المدينة؟

            أما أنصار مشروع الدولة الدينية الوطنية التي يقول العدناني عنها بأنها مدعومة بـ «أموال وفتاوى علماء آل سلول ـ أي آل سعود ـ وحكومات الخليج، وتهندسُ مشروعَها المخابراتُ، ولا ضير أن تكون حكومتها طويلة اللحى قصيرة الثوب، حكومة تسالم اليهود وتحمي الحدود، فتباركها هيئة الأمم، وتحظى بمقعد في مجلس الأمن..»، فيخاطبهم العدناني قائلاً: «اتقوا الله، واقطعوا علاقاتكم مع مخابرات وحكومات الغرب والشرق.. ولئن تظنوا أنكم أدهى من شياطين أمريكا وأذكى من مخابرات الشرق والغرب: فاعتبروا بأشياعكم في العراق، وقد كانوا أدهى منكم وأشد بأساً.. لقد جربوا مشروعكم الفاشل، وسلكوا طريقكم المسدود، ولقد دعمهم آل سلول وغيرهم من حكومات الخليج أكثر مما يدعمونكم، وبكل ما أوتوا من مال وإعلام وفتاوى، فأين آل مصيرهم؟ وكيف أضحت جماعاتهم وفصائلهم؟ لقد تشتتت وتبددت..».

            والحل، كما يتصوّره العدناني، يتلخّص في الالتحاق بمشروع الدولة الاسلامية، وحسب قوله: «فإن المشروع مشروعكم، وإن مجيئكم أتقى لربكم وأقوى لجهادكم وأغيظ لعدوكم. هلموا فإنا لا نشك أبداً أنه مَن كان منكم فيه خير: فسيأتي الله به ولو بعد حين، وتفكّروا بمن يلتحق بصفوف الدولة كل يوم جماعات وفرادى: أليسوا هم من خيار الفصائل وخِيار إخوانكم؟»(ابو محمد العدناني: لن يضروكم إلا أذىً، مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، 31 تموز 2013، منتديات المنبر الاعلامي الجهادي).

            وفي كلام العدناني هذا بيان صريح عن العقل الذي يدير التنظيم ومشروعه، حيث تستحوذ عليه نزعة نرجسية فارطة تجعل من التنظيم «الطائفة المنصورة» و»الفرقة الناجية»، فيرى بأنه المالك الوحيد والمطلق للحقيقة الدينية، ونفي الآخر تماماً، بل وتدنيسه حد جواز استئصاله، كما توحي عبارات الوعيد. فالعدناني يضع الناس أمام خيارين إما القبول بتحكيم الشريعة أو الموت، فيما يتحوّل قادة «الدولة» الى جماعة انتحارية أو يقيمون دولة الشريعة.

            حين يسرد الأمير السابق للدولة الاسلامية في العراق ابو عمر البغدادي مكاسب «مجاهدي» الدولة بعد أربع سنوات من ولادتها، يقول: «ففي فترة زمنية قياسية درب جيل كبير من الشباب على عقيدة الولاء والبراء المنسية..»، ولا تتحقق هذه العقيدة إلا بوجود جماعة، وتعليل ذلك: «أن الجماعة هي تجسيد عملي لحقيقة الولاء والبراء في الإسلام، فارتباط المؤمنين في جماعة واحدة بعد ارتباطهم بالتوحيد هو الذي يجسد هذا الإيمان في واقع الحياة». فهي إذاً دولة دعوية على المنهج الوهابي، ولا صلة لها بالدول المتعارف عليها. وليتخيّل المرء كيف يمكن لدولة كهنوتية تحكم باسم السماء أن تخضع للمحاسبة أو تدير شؤون الناس ومصالحهم، فهي معنيّة بالدرجة الأساسية بتربية الرعيّة على عقيدة الولاء للدولة باعتبارها النطاق الذي يجري فيه الاحتكام للشريعة، والبراءة من خصومها كونهم يحكمون بغير ما أنزل الله، بحسب عقيدة «الدولة الاسلامية».

            في خطابه للأمة، يقول «أمير المؤمنين» السابق أبو عمر البغدادي: «إننا حينما أعلنا دولة الإسلام وأنها دولة هجرة وجهاد لم نكن نكذب على الله ثم على الناس، ولم نكن نتحدّث عن أضغاث أحلام؛ لكنّا بفضل الله تعالى الأقدر على فهم سنة الله في هذا الجهاد – هذا الفهم منشؤه دماء المجاهدين من مهاجرين وأنصار بعد معاينة أخلاقهم ومنهجهم»(أمير المؤمنين أبو عمر البغدادي، حصاد السنين بدولة الموحدين، مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي، دولة العراق الاسلامية، وزارة الاعلام، 16 نيسان 2007، مركز الفجر للإعلام).

            أما الخليفة الحالي لـ «الدولة» أبو بكر البغدادي فقال في خطبته الشهيرة في المسجد الكبير في الموصل في 4 يوليو 2014 بعد اعلان دولة الخلافة ما نصّه: «إني لا اعدكم كما يعد الملوك والحكام أتباعهم ورعيتهم من رفاهية وأمن ورخاء..» وإنما يعد رعيته بمكافأة مؤجلة في الآخرة، شريطة أن يتحوّلوا الى مقاتلين في خدمة مشروع الدولة: «وإن أردتم موعود الله، فجاهدوا في سبيل الله وحرضوا المؤمنين واصبروا على تلك المشقة..».

            في ضوء الأدلجة الفارطة للدولة، نجد أنفسنا أمام الرؤية الوهابية النقيّة التي صاغها الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين أقام إمارة دينية تكون منصّة لإطلاق مشروع الخلافة/ الإمامة الاسلامية القائمة على: التوحيد، والولاء والبراء، والهجرة والجهاد. لم يقدّر للمشروع النجاح بعد أن انحرفت الدولة السعودية الأولى عن تعاليم المؤسس في آخر أيامها، وتحوّلت الى ملك سياسي دون صبغة دينية، وإن المحاولات اللاحقة واجهت تحديّات ذاتية أي من الشريك الآخر، ابن سعود، الذي وجد نفسه أمام معادلات جيوسياسية إقليمية ودولية يصعب تجاوزها، لأن الدولة التي أرادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب تؤسس لحروب مفتوحة ودائمة مع القريب والبعيد، لكونها تقوم على رؤية عقدية للعالم: التكفير، الهجرة، الجهاد، أي انها تؤسس لدولة توسّعية، وهذا ما تبشّر به أدبيات داعش.

            دعوة أبي بكر البغدادي، خليفة «الدولة الاسلامية» المسلمين عموماً بالانضواء في الدولة والهجرة اليها، واعتبار أن الوقوف ضد الدولة هو ضد شرع الله وإرادته التي اختارت البغدادي خليفة وإماماً لدولتهم! ليست سوى الصدى لصوت انطلق في منتصف القرن الثامن عشر، حين كانت النزعة الرسولية لدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب تستحثه لمراسلة رؤوساء البلدان وعلمائها للدخول في الاسلام الذي جاء به، بعد أن عاد المسلمون الى عبادة الأصنام في الجاهلية الثانية.

            يتقمّص ابو بكر البغدادي شخصية الخليفة الراشد، مستيقناً بأن له سلطاناً على الامة فصار «ظل الله في الأرض»، وأطلق مشروع دولة ـ الأمة، في خطبته بالمسجد الكبير بالموصل الى «مجاهدي الدولة» قائلاً: (إن أمة الإسلام؛ ترقب جهادكم ونزالكم بأعين الأمل، وإن لكم في شتى بقاع الأرض إخوانا يُسامون سوء العذاب؛ أعراضا تُنتَهَك، ودماء تُراق، وأسارى تئن وتستصرخ، ويتامى وأراملَ تشكو، وثكالى تنوح، ومساجد تُدنَّس، وحرمات تُستَباح، وحقوقا مسلوبة مغتصَبَة؛ في الصين والهند وفلسطين والصومال، في جزيرة العرب والقوقاز والشام ومصر والعراق، في إندونيسيا وأفغانستان والفلبين، في الأحواز وإيران، في باكستان وتونس وليبيا والجزائر والمغرب، في الشرق والغرب؛ فالهمة الهمة يا جنود الدولة الإسلامية! فإن إخوانكم في كل بقاع الأرض ينتظرون نجدتكم، ويرقبون طلائعكم.. فَوَالله لَنثأرنّ! والله لَنثأرنّ ولو بعد حين لَنثأرنّ! ولَنردّنّ الصاع صاعات، والمكيال مكاييل).

            وخاطب ابو بكر البغدادي المسلمين في كل مكان وبشّرهم بأن لهم «دولة وخلافة، تعيد كرامتكم وعزّتكم، وتسترجع حقوقكم وسيادتكم..». خلافة تضم من كل الجنسيات «القوقازي والهندي والصيني، والشامي والعراقي واليمني والمصري والمغربي، والأمريكي والفرنسي والألماني والأسترالي..»، وهم مقاتلو داعش الذين تحوّلوا الى مواطنين في دولة الخلافة التي يتولاها.

            وطالب البغدادي المسلمين الالتحاق بها: «فهلموا إلى دولتكم أيها المسلمون، نعم دولتكم؛ هلموا؛ فليست سوريا للسوريين، وليس العراق للعراقيين». ووجّه نداء واضحاً ودعوة مفتوحة للمسلمين عامة: «فيا أيها المسلمون في كل مكان؛ مَن استطاع الهجرة إلى الدولة الإسلامية فليهاجر؛ فإن الهجرة إلى دار الإسلام واجبة.. ففرّوا أيها المسلمون بدينكم إلى الله مهاجرين..».

            إن عبارة «الهجرة الى دار الإسلام واجبة..» كفيلة بالكشف عن حقيقة عقدية لدى البغدادي وأهل دعوته، فمجرد الدعوة الى الهجرة يعني أن ثمة دار شرك يراد الهجرة منها الى مكان آخر، كالهجرة من مكّة الى المدينة، وأن تكون الهجرة واجبة تعني أن المشروعية الدينية باتت محصورة في النطاق الجغرافي للدولة الاسلامية التي يتولى أمرها ابو بكر البغدادي. هنا نستحضر تجربة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتقاله من العيينة الى الدرعيّة وسط نجد، حين دعا أنصاره بالهجرة الى الدرعية باعتبارها دار إسلام وأن الهجرة اليها واجبة، وماعداها يصبح تلقائياً دار كفر.

            أحدثت تجربة «الدولة» ردود فعل واسعة، ولكن ثمة ميزة خاصة لردود رفاق الدرب لقادة ومقاتلي «الدولة» في العراق على وجه الخصوص، لامتلاك هؤلاء الكثير من المعطيات الخاصة والأسرار حول شخصيات «الدولة» والتجارب القتالية التي خاضوها سويّاً، والانشقاقات التي وقعت لاحقاً وأسبابها. وكان من أهم الردود التي صدرت على اعلان «الدولة الاسلامية»، من الشيخ ابو عبد الله محمد المنصور وكنيته (العيساوي)، الشرعي وأمير «جيش المجاهدين» السلفي بالعراق، وهو أستاذ ابو بكر البغدادي قبل أن يدخل السجن في العام 2005، حيث ألف كتاباً بعنوان (الدولة الاسلامية بين الحقيقة والوهم)، صدر في يناير 2014 ردّ فيه على كتاب (إعلام الأنام بميلاد دولة الاسلام) لـ (عثمان بن عبدالرحمن التميمي)! الذي أصدره تنظيم دولة العراق الاسلامية، وتعرض المنصور في نهاية الكتاب للرد على كتاب آخر لتنظيم داعش بعنوان (مدّ الأيادي لبيعة البغدادي).

            عقدياً، لم يختلف «جيش المجاهدين» مع «داعش» ولا «القاعدة» من ناحية الانتماء السلفي الوهابي، وهو يؤكد على «وجوب تحكيم شرع الله”، ولكنه يرى بأن الخلاف مع «داعش» يتركز في أصول خمسة: (التكفير بغير حق، والقتل بغير حق، والكذب، والجهل، وعدم مراعاة السياسة الشرعية في العمل الجهادي). المنصور يلفت الى حقيقة جديدة تنطبق عليه وعلى كل تنظيمات الجهادية السلفية، بأن الكلام اليوم ليس عن تكفيري وغير تكفيري، بل عن تكفيري، وآخر أقل أو أكثر غلواً وإيغالاً في التكفير. لنتوقف عند هذه الفقرة المثيرة للشيخ المنصور العيساوي:

            (وينبغي أن يُعلم أنَّ من ينتسب إلى هذا التنظيم ليسوا على درجة واحدة في الغلو، فكثير من قيادة جماعة «التوحيد والجهاد» التي كان يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله أقل غلوًا بكثير جدًّا ممن أتى بعده، وغالبُ خلافاتنا معهم آنذاك في السياسة الشرعية).

            وليتخيّل المرء كيف يكون الغلو في التكفير بعد الزرقاوي الذي يترحم عليه المنصور، بالرغم مما عرف عن الزرقاوي من استباحة قتل المدنيين بحجة (التتّرس) بالعدو، واسقاطه المحرمات والموانع بين مقاتل مدني وآخر عسكري. وقد كشفت مراسلات الزرقاوي وأستاذه وملهمه أبو محمد المقدسي (عصام البرقاوي)، وأيضاً مراسلاته مع زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن عن خلاف عميق حول هذه النقطة، حيث انصرف الزرقاوي في السنوات الأخيرة من حياته الى قتل المدنيين الشيعة في العراق بسادية.

            يصف المنصور أبو حمزة المصري، خليفة الزرقاوي بأنه «ذو عقلية غريبة، وفي عهده توسع الغلو إلى حد كبير..». ويروي المنصور حادثة نقلها له نائب مسؤول «جيش المجاهدين»، التقى هو وأحد رفاق دربه بأبي حمزة المصري بعد إعلان الدولة بأيام قليلة، وقد قال أبو حمزة في هذا اللقاء: لقد صنعنا للمهدي منبراً؛ لأنه سيظهر بعد مدة وجيزة، «وأقسَمَ أنه إن لم يكن جنود الدولة الإسلامية هم جيش المهدي فلا جيش للمهدي! والغريب أنه أراهم صورة المنبر!». وذكر أموراً غريبة أخرى. السؤال: هل ثمة ما يلفت الى مشترك عقدي لدى المصري، وجماعة جهيمان العتيبي، بل والوهابية عموماً في المسألة المهدوية؟!


            الزرقاوي تكفيري مخفّف اذا ما قيس بالبغدادي!

            اما القادة الحاليون فقال عنهم المنصور بأنهم «وقعوا في كثير مما وقع به الخوارج من الغلو في التكفير والقتل بغير حق..». ولكن المنصور لم يخف هو الآخر نزعته التكفيرية، حيث اعتبر الحكومة العراقية بأنها «حكومة مرتدة» وأن غلاة «الدولة» «مسلمون». مع ذلك، يعارض المنصور تكفير «داعش» للمشاركين في الانتخابات ويقول «فهل يقول مسلم إنَّ فلانًا من الناس الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وملتزم بأركان الإسلام، وقد دخل الانتخابات باجتهاد خاطئ، وغايته الذب عن أهل السنة، وتخذيل أهل الباطل وتعطيل مشاريعهم في ظنه، هل يقول عالم معتبر إنه كافر بعينه؟»!

            ويعقد المنصور مقارنة بين تكفيرية الزرقاوي وتكفيرية البغدادي، وينقل كلاماً قاله له الزرقاوي وهو «أخفهم غلوًا وأحسنهم حالاً، ولا توجد بينه وبين أمير الزور البغدادي مقارنة من كل النواحي» حسب المنصور. قال الزرقاوي: «إنَّ مناط تكفير الشرطي هو الثوب الأزرق - هكذا قال بالحرف -، فقلت له: لنفرض جدلاً - وفي الفقه يجوز افتراض مسائل وإن لم تقع - أنَّ هناك شرطياً يحرس مدرسة للبنات في منطقة سنيّة لكثرة الخطف في ذلك الوقت، وليس له عمل إلا هذا، وقد أخذ هذا العامي فتوى ممن يشاع عند العوام أنه أهل للفتوى، فما تقول في هذا؟ فقال لي رحمه الله: هو مرتد؛ لأنَّ مناط التكفير الثوب الأزرق، ولأنه لو كُلِّف هذا الشرطي بقتال المجاهدين إعانة للصليبيين لفعل، فقلت له: لا يجوز التكفير بالظنون، ولو أنَّ هذا الشخص كلِّف بعمل كفري وفعل لوقع في الكفر، ولا كرامة... لكنه قد يُكلَّف فيرفض. وكان كلامي عن تكفير الأعيان وليس عن الطائفة أو القتال».

            ينقل المنصور صوراً من تكفير «داعش» مثل تكفيرهم لجماعات جهادية بأكملها، «وهم يعلمون سلفية هذه الجماعات ودعوتها لتحكيم شرع الله، وبعدها الشديد عن الإرجاء»، وقتل طلبة العلم والدعاة والمجاهدين وكثيراً من عامة المسلمين بالشبهات والظنون، وقتل مسلمين لأنهم انتقدوا الغلو في العراق، وينقل المنصور عن أحد قادة «داعش» حين كانا معاً في السجون الاميركية أنهم يستبيحون «دم من ينشر كتاب: وقفات مع ثمرات الجهاد، لأبي محمد المقدسي لأنه انتقدهم في بعض المسائل».

            ويقول العيساوي ان جماعة داعش كفّروا الشيخ الالباني والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، ويضيف «وقد كان من يُحسب على العلم منهم يبدعني عندما كنا في سجن بوكا؛ لأنني لا أكفر هؤلاء المشايخ الأجلاء الأفاضل! مع أني لا أقول بكل ما يقولون، وأخالفهم في مسائل، ولا أعتقد اتفاقهم إجماعاً كما يرى بعض مرجئة العصر». ويأخذ المنصور على «الدولة» مجازفاتها الفقهية ومنها لا اعتبار لصحة الزكاة والحج والصلاة الا بوجود جماعة وإمام وكذلك الصوم، وهو من الآراء التي خالف فيها التميمي مرجعه الأول الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

            وتناول المنصور الخليفة البغدادي ونفى عنه شرط الاجتهاد، كأحد شروط الإمامة الكبرى والخلافة، وخاطب عناصر «الدولة» بأن «إمامكم» أبعد ما يكون عن الاجتهاد؛ بل هو بعيد عن مبادىء العلم الشرعي؟ وهذا كاف لإسقاط الدولة.

            وفي التفاصيل، يخبر المنصور طرفاً من سيرة البغدادي وقال «إنه وحسب معرفتنا به رجل من عوام المسلمين..» ويسهب: «واللهِ إنَّ رضاه ـ أي البغدادي ـ بكذبة الإمامة العظمى هذه، وهو ساكت - مع علمه بعلم الله به بأنه ليس بمجتهد ولا عالم ولا طالب علم متمكن، ولم يؤسس في العلوم الشرعية تأسيساً، وليس بعالم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بفقيه ولا مفسر ولم يتقن أيَّ علم من علوم الشريعة، بل لا يحسب على طلبة العلم أبداً - إنَّ ذلك لمن أعظم الأدلة على قول الزور وشهادة الزور والقبول بالزور..».

            ويقدّم المنصورة شهادته الجازمة في البغدادي بما نصه: «أشهد الله الذي لا إله إلا هو بما أعرف عن قربٍ هذا الدعيِّ الذي سمى نفسه أبا بكر البغدادي، وقد درس عندي مع مجموعة من الفضلاء شيئًا قليلاً من كتاب زاد المستقنع في سنة 2005م، ثم انقطع الدرس بسبب اعتقالي، وقد عرفته معرفة دقيقة، وقد كان محدود الذكاء، بطيء الاستيعاب، باهت البديهة، فليس هو من طلبة العلم المتوسطين، ودراسته دراسة أكاديمية في الجامعات الحكومية ومستواها هزيل جداً..».

            نشير الى أن أبو بكر البغدادي (ابراهيم بن عواد البدري) خريج (جامعة صدام للعلوم الإسلامية)، التي تأسست عام 1989 ضمن الحملة الايمانية التي أعقبت الحرب العراقية الايرانية، وقدم فيها البدري بحثين: تحقيق (روح المريد) و (اللآلي الفريدة) وكلاهما في القراءات وأحكام التجويد.

            ويذهب المنصور الى أن «أبا بكر هذا ليس راسخًا في العلم بل ولا طالب علم متمكن فحسب، إنما لا يتقن كتاباً واحداً معتمداً في العقيدة أو الفقه أبداً، وإخواننا من طلبة العلم العراقيين من جميع الجماعات والتوجهات يعرفون هذا جيداً، ويعلمون أنه ليس بينه وبين العلم نسب..». وفي رد على الاطراء المبالغ فيه في سيرة ابو بكر البغدادي ونسبه ودوره في مقاومة الاحتلال الاميركي ومناقبه التي وردت في أدبيات «داعش»، يقول المنصور «هذا كلام فيه من الكذب الكثير، ومن ذلك أن يقول إنه [كوَّن جماعة سلفية] أي جماعة هذه وهو قد كان جندياً عادياً معنا حتى نهاية 2005م..». وأما القول في أنه أبلى بلاء حسناً في الجهاد فقال: «فهو في الحقيقة موغل في دماء المسلمين وتلطخت يده حتى العضد ورجله حتى الركب، وإنَّ رضاه بكذبة الإمامة الكبرى دليل كالشمس على جهله وهواه». وفي الرد على التزكيات التي ذكروها عنه، قال: «ووالله ما علمنا ذلك عنه رغم معرفتنا الدقيقة به، وهؤلاء القوم يبرز فيهم أشد الناس ولوغاً في الدماء وأشدهم جرأة في التكفير».

            وفي ردّه على عبارة «أنه يفتي في العويصات والنوازل..» وقال كيف يفتي «وهو لا يتقن أي مذهب من المذاهب المعتمدة؟!

            أما علمه في أصول الفقه فهو لم يتجاوز «الورقات» التي يقرؤها صغار الطلبة، أما جمع الجوامع وشروحاته أو منهاج الأصول وشروحاته أو روضة الناظر وشروحاته أو ما يعادلها فلا يعرف شيئاً عنها. وهذا حاله في سائر علوم الشريعة».

            ويضيف «لقد خبرناه لا علم ولا خلق، وهؤلاء القوم يبرز فيهم أكثر الناس غلوّاً في التكفير وأشدهم استهانة بدماء المسلمين
            ». ونقل المنصور عن مقرّبين من البغدادي حين كان ينتمي الى «جيش المجاهدين» أنه «كان يتعامل بكِبْر مع أقرانه، وأظنُّ أنَّ هذا المسكين أوتي من هذا الباب القاتل..».

            يشير المنصور الى نقطة خطيرة عن علاقة «داعش» بالأميركيين بما نصّه: «ولا أشك أنهم لو لم يكونوا هم أصحاب هذا المشروع لأوجدت أمريكا من يقوم به”. وهذا ما قد يلفت في حديثه عن سيرته القتالية، بما نصّه: «كان إلى نهاية 2005 معنا من ضمن جنود جيشنا، ولم يكن من المبرّزين في الميدان بل ولا من أهل الصولة والجولة، ولا المهمات الكبار، ولا نذكر له واقعة مشهودة لا في الإمداد ولا في المواجهة حتى ابتليت بدخول المعتقل، عندها تغير الرجل على الإخوة وتنمّر وبدأ يثير المشاكل في الجماعة وانقلب رأسًا على عقب..».

            يعتب المنصور على أيمن الظواهري تأخره في مواجهة مشروع داعش، وأن توجيهاته المتأخرة لم يعد لها قيمة. ويتبنى المنصور موقف الظواهري الرافض لقتل المدنيين من كل المذاهب والطوائف والأديان، لكن الزرقاوي ومن جاء بعده من تنظيم «الدولة» طبّق استراتيجية أخرى تقوم على استئصال الآخر المخالف: «وجاءت الأيام وتتابعت السنون، فإذا بالغلو يتوسع شيئًا فشيئًا حتى وصل إلى مرحلة غاية في الخطورة» حسب قوله.

            صدرت ردود فعل من «داعش» على كتاب المنصور، من بينها كتيب صغير بعنوان (توبيخ الغالطين على إمام الحرمين) لشخص يدعى أبي الحسن الأزدي، وقد فرغ من كتابته في 24 ربيع الأول سنة 1435هـ الموافق26 كانون الثاني (يناير) 2014؛ وفيه رد على ما «نسبوه اليه من دعوى تقويض الإمامة بنقصان التمكين» في إشارة الى أبي المعالي الجويني حول انحلال عقد الامامة في حال نقص التمكين. ونسب الى المنصور وغيره عدم فهم عبارة الجويني، وأسهب الأزدي في شرح عبارة الأخير بالعودة الى نصوص أخرى من كتاب الجويني (غياث الأمم) بما ينفي فهم المنصور وغيره لسقوط الطاعة بانتقاص المكنة.

            وكتب آخر يطلق على نفسه (أحمد الله تعالى) رداً في 22 جمادى الأولى 1435هـ الموافق 23 آذار (مارس) 2014 بعنوان (كشف المستور عن أخبار ابي عبد الله المنصور – أمير جيش المجاهدين في العراق) ردّ فيه على ما وصفه تجاوزاً كبيراً على مشايخ «الدولة» مثل الزرقاوي وأبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر وأبو بكر البغدادي. ووصف الكاتب بـ «المغرور ببعض العلم الشرعي الذي يحفظه».

            الكاتب الذي أشار الى المؤلف باسم عائلته (العيساوي) وقال بأنه يعرف «الكاتب معرفة شخصية وهو يعرفني جيداً، وأشهد الله على هذا، لأني عملت معه لفترة طويلة، ولكن بفضل الله وحده كشف لي حقيقة هذا الرجل..» وأضاف أن العيساوي «ليس شرعي فحسب في جيش المجاهدين بل هو امير جيش المجاهدين» منذ تأسيسه. وكشف عن حقيقة الخلاف بين الزرقاوي وأبو عبد الله (العيساوي)، وأنها تتعلق برفض الأخير لإمارة الزرقاوي وكان أبو عبد الله يصرّ «على ان لا يكون أمير الجماعة رجلاً غير عراقي»، وعلل ذلك بأنه «يعرف طبيعة الشعب العراقي» وأنهم لن يقبلوا أميراً عليهم غير عراقي.

            فقرر أبو عبد الله العيساوي تشكيل جماعة من المقاتلين ومن توجهات مختلفة وكان من بينهم أبو بكر البغدادي نفسه الذي لم يكن تعرّف على الزرقاوي حينذاك. يقسم الكاتب بأن القيادات العسكرية في جيش المجاهدين الذي يقوده العيساوي هم من حزب البعث العراقي، ولديهم اتصالات مع عزت ابراهيم الدوري، وهو من تعهد بتمويلهم
            .

            نقاط الخلاف بين «جيش المجاهدين» و«الدولة» كما يرصدها كاتب الرد تتخلص في:

            ـ عدم تكفير الشرطة العراقية، بينما منهج الزرقاوي يرى أن الشُرط مرتدون .
            ـ عدم تكفير عوام الشيعة، وأن علماء الشيعة هم الكفار فقط، بينما منهج الزرقاوي واضح في تكفير الشيعة. وينقل الكاتب عن العيساوي قوله لمن استفتاه في تفجير جامع براثا فكان جوابه: «اضربوها ولا تستفتوني». ويعلق الكاتب: «فسبحان الله مرة لا يجوز بخلافه مع ابي مصعب ومرة يجوز، وشاهدوا التذبذب في الفتوى».

            في التعليق على نقد ابو عبد الله لشخصية أبو بكر البغدادي وأنه سيء الخلق ومن أهل الأهواء ومحدود الذكاء ولايصلح للقيادة ومتكبر.. يقسم الكاتب بأن أبو عبد الله كان من الذين يثنون أشدّ الثناء على أخلاق أبي بكر، وأقرّ بأنه حضر بعض الدروس الشرعية لأبي عبد الله، ويرجح أن تكون في مقر هيئة علماء المسلمين جامع أم القرى في بداية 2004، وكان حارث الضاري رئيساً للهيئة حينذاك، وهو من سمح للشيخ أبي عبد الله بأن يعطي دروساً داخل الهيئة، وأن علاقته بالضاري وثيقة جداً، بل وأضاف «أكاد أجزم بأن المنهج واحد».

            يلفت الكاتب الى أن أبي بكر البغدادي ترك الدرس وتنظيم جيش المجاهدين بعد عدة أشهر، وأرجع الكاتب السبب الى «الأمور العظام والانحرافات الكبيرة في جيش المجاهدين» التي رآها البغدادي، حسب قوله. ولفت الكاتب الى السن المتقارب بين أبو عبد الله وأبو بكر البغدادي، وأنهما في الاربعينيات وأن أبو عبد الله يكبر البغدادي بسنة واحدة.

            في الخلاصة، فإن إعلان «دولة الخلافة» أثار خلافاً داخل تنظيمات السلفية الجهادية العراقية، قبل أن تنتقل الى قضية خلافية داخل المجالين الوهابي على وجه الخصوص، والسنّي عموماً.

            تعليق

            عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
            يعمل...
            X