إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أهلُ البيت وعلومُ القرآن

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أهلُ البيت وعلومُ القرآن

    كان أهلُ البيت عليهم السّلام السبّاقين إلى التحدث في علوم القرآن الكريم من: تفسيره وتبيان مقاصده، وتعليم مفاهيمه للناس وبيان ما يرتبط به من شؤون، مثل أسباب النزول ومواقع النزول وما شابه ذلك.
    وإليك ما كتبه ابن النديم في الفهرست حول الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في مجال الاهتمام بالقرآن جمعاً وتدويناً، وإليك نص ما دبَّجه بالنص:
    ترتيب سور القرآن في مُصحَف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
    • قال ابن المنادي: حدَّثني الحسنُ بن العباس قال: اُخبرتُ عن عبدالرحمان بن أبي حماد عن الحكم بن ظهير السَّدوسي، عن عبد خير عن عليّ عليه السّلام أنَّه رأى من النّاس طِيرَة عند وفاة النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، فأقسم أنه لا يضعُ على ظَهره رداءه حتّى يجمع القرآن، فهو أوَّل مصحَف جمع فيه القرآن مِن قلبه.
    وهكذا كان أوّل اهتمامات الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، عقب وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله والتحاقه بالرفيق الأعلى هو جمع القرآن المنزَّل من أوله إلى آخره.
    • وقال السيوطي في «الإتقان»: وأمّا عليٌ فرَوى عنه الكثير، وقد روى معمَّر عن وهب بن عبدالله عن أبي الطفيل قال: شهدتُ عليّاً يخطب وهو يقول:
    سلوني، فوالله لا تسألونني عن شيء إلاّ أخبرتكم. وسلوني عن كتاب الله، فواللهِ ما من آية إلاّ وأنا أعلمُ أبليلٍ نزلَت أم بنهار، في سَهلٍ أم في جَبل.
    • وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال: إن القرآن اُنزِلَ على سبعة أحرف، ما منها حرف إلاّ ولَه ظَهر وبطن، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن.
    وإليك أيضاً نصّ ما كتبه ابن النديم عن الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام في فهرسته:
    • «تسمية الكتب المصنّفة في تفسير القرآن ـ ثمّ قال: كتابُ الباقر محمّد بن عليّ بن الحسين عليهم السّلام».
    • وقال الشيخ المفيد أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان: لم يظهر عن أحد من ولُد الحسن والحسين عليهم السّلام من علم الدين والسُّنَن وعِلم القرآن والفنون والأدب ما ظهر من أبي جعفر الباقر عليه السّلام. (46)
    • وكتب كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي عن نشاط الإمام جعفر الصادق عليه السّلام القرآني يقول:
    «جعفر بن محمّد من علماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمّة... وتلاوةٍ كثيرةٍ، يَتَتَبَّعُ معاني القرآن ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه». (47)
    • وأنشد مالك الجهنيّ في شأن الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السّلام يقول:
    إذا طلَبَ الناسُ علم القُران كانت قريشٌ عليه عيالا
    وإن فاه فيه ابنُ بنتِ النبي تلقّت يداهُ فُروعاً طِوالا
    نجومٌ تهلَّلُ لِلمُدلجين فَتَهدي بأنوائهن الرجالا (48)
    وجاء في «إرشاد» الشيخ المفيد رحمه الله، أنّ المأمون العباسي لمّا أراد أن يزوّج ابنته اُمَّ الفضل أبا جعفر الإمام محمد بن عليّ ( الجواد ) عليهما السّلام بلغ ذلك العباسيين فشقّ عليهم، واعترضوا على المأمون، وجرى بينهم وبينه جدال ونقاش. ومما قالوه هو: يا أمير المؤمنين، أتُزوّج ابنتك وقرة عينك صبيّاً لم يتفقّه في دين الله، ولا يعرف حلاله من حرامه، ولا فرضه من سنته ؟!... فأمهِلْه ليتأدب ويقرأ القرآن ويتفقه في الدين ويعرف الحلال من الحرام، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك.
    فقال لهم المأمون: ويْحكُم! إني أعرَفُ بهذا الفتى منكم، وإنه لأفقهُ منكم وأعلم بالله ورسولهِ وسنّته وأحكامه، وأقرأُ لكتاب الله منكم وأعلم بمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وظاهره وباطنه، وخاصّه وعامّه، وتنزيله وتأويله منكم.. إلى آخر كلامه.


    • وروى الحميري عن محمد بن سعيد مولى لوُلد جعفر بن محمد قال: قدم عمر بن الفرج المرخجي المدينةَ حاجّاً بعد مُضيّ أبي جعفر ( أي وفاة الإمام الجواد عليه السّلام ) فاحضر جماعة من أهل المدينة والمخالفين المعاندين لأهل بيت رسول الله فقال لهم: إبغُوا لي رجلاً من أهل الأدَب والقرآن والعلم لا يوالي أهلَ هذا البيت، لأضمَّهُ إلى هذا الغلام، واُوكله بتعليمه، وأتقدم إليه بأن يمنع منه الرافضةَ الذين يقصدونه، يمسُّونه. فأسمَوا له رجلاً من أهل الأدب يُكنّى أبا عبدالله ويعرف بالجنيدي، متقدماً عند أهل المدينة في الأدب والفهم، ظاهر الغضب والعداوة..
    فأحضره عمر بن الفرج وأسنى له الجاري من مال السلطان وتقدَّم إليه بما أراد، وعرّفه أن السلطان أمَرَهُ باختيار مثله، وتوكيله بهذا الغلام.
    قال: فكان الجنيدي يلزم أبا الحسن في القصر بـ «صريا» فإذا كان الليل أغلق الباب وأقفله، وأخذ المفاتيح إليه. فمكث على هذا مدةً وانقطعت الشيعةُ عنه وعن الاستماع إليه منه والقراءة عليه.
    ثمّ اني لقيته في يوم جمعة فسلّمت عليه، وقلت له: ما قال هذا الغلام الهاشميّ الذي تؤدّبُهُ ؟ فقال منكراً علَّي: تقولُ هذا الغلام، ولا تقول الشيخَ الهاشمي ؟! اُنشدكُ اللهَ هل تعلمُ في المدينة أعلم منّي ؟! قلت: لا. قال: فاني والله أذكر له الحزبَ من الأدَب أظنُّ أني قد بالغتُ فيه فيملي عليَّ بما فيه أستفيده منه، ويظنّ الناس أنّي اُعلّمُهُ، وأنا واللهِ أتعلَّم منه.
    قال: فتجاوزتُ عن كلامه هذا، كأنّي ما سمعتهُ منه، ثمّ لقيتُه بعد ذلك فسلّمتُ عليه وسألتُه عن خبره وحاله، ثمّ قلت: ما حال الفتى الهاشميّ ؟ فقال لي: دَع هذا القولَ عنك، هذا واللهِ خير أهل الأرض وأفضلُ مَن خُلق، إنّه لربما هَمّ بالدخول ( أي الدخول إلى حجرته للاستراحة ) فأقول له: تَنَظَّرْ حتّى تقرأ عُشْركَ، فيقول لي: أي السُّور تحبُ أن أقرأها ؟ فأذكر له من السور الطوال لم يبلغ إليه، فَيَهُزُّها بقراءة لم أسمع أصحَّ منها من أحدٍ قط، وحزمٍ أطيب من مزامير داود النبيّ الذي بقراءته يضرب المثل.
    قال: ثم قال: هذا ماتَ أبوهُ بالعراق وهو صغير بالمدينة، ونشأ بين هذه الجواري السود فمن اين عَلِمَ هذا ؟!
    قال: ثمّ ما مرّت به الأيّامُ والليالي حتّى لقيتُه فوجدتُه قد قال بإمامته وعرف الحق. (51)
    * * *


    4 ـ أهلُ البيت بالمرصاد لمن يسيء إلى القرآن
    على أن عِناية أهل البيت عليهم السّلام لم تقتصر على ما مرَّ، بل كانوا بالمرصاد لكل من يكيد للقرآن الكريم ويريد الاساءة إليه، أو حصلت له شبهة فراح يجري وراء شبهته، فكانوا يردُّون عن القرآن كيدَ الكائدين، وعادية المعادين، أو يدفعون عنه ما تُلقى حوله من شبهات. وهذه بعض النماذج من هذا الموقف العظيم:
    • قال هشام بن الحكم ( وهو من تلامذة الإمام الصادق عليه السّلام وأصحابه ): اجتمع ابنُ أبي العوجاء وأبو شاكر الديصاني الزنديق، وعبدُ الملك البصري، وابنُ المقفّع عند بيت الله الحرام يستهزئون بالحاجّ ويطعنون بالقرآن.
    فقال ابن أبي العوجاء: تعالَوا ننقض كل واحدٍ منّا رُبْعَ القرآن، وميعادُنا مِن قابِل في هذا الموضع نجتمع فيه، وقد نَقَضنا القرآن كلَّه، فانَّ في نقض القرآن إبطال نبوّة محمّد، وفي إبطال نبوّته إبطال الإسلام، وإثبات ما نحن فيه.
    فاتفقوا على ذلك وافترقوا، فلمّا كان مِن قابِل اجتمعوا عند بيت الله الحرام، فقال ابن أبي العوجاء:
    أمّا أنا فمفكِّرٌ منذ افترقنا في هذه الآية: فَلَمّا استَيأسُوا منه خَلصُوا نَجيّاً ، فما أقدرُ أن أضمَّ إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئاً، فشغلتني هذه الآية عن التفكّر فيما سواها. فقال عبدالملك: وأنا منذُ فارقتُكم مفكِّرٌ في هذه الآية: يا أيّها الناسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعُوا لهُ إنَّ الذين تَدعُون مِن دون الله لن يَخلُقوا ذُباباً ولو اجتمعوا له وإن يَسلُبْهمُ الذُّباب شيئاً لا يَستنقذوه منه ضَعُفَ الطّالبُ والمطلوب ، ولم أقدر على الإتيان بمثلها.
    فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية: لو كان فيهما آلهةٌ إلاّ الله لَفَسدتا لم أقْدر على الإتيان بمثْلها.
    فقال ابن المقفع: يا قوم، إنَّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذُ فارقتكم مفكّرٌ في هذه الآية: وقيل يا أرضُ اْبلَعي ماءَكِ ويا سماءُ أقلِعِي وغِيضَ الماء، وقُضِيَ الأمرُ، واستوَتْ على الجُوديِّ وقيلَ بُعداً للقَومِ الظّالمِين ، لم أبلغْ غاية المعرفة بها، ولم أقِدرْ على الإتيان بمثلها.
    قال هشام: فبينما هم في ذلك إذ مرَّ بهم جعفرُ بن محمد الصادق عليه السّلام فقال: قلْ لَئنِ اْجتَمَعَتِ الإنسُ والجنُّ على أن يأتُوا بمِثلِ هذا القُرآنِ لا يأتون بِمِثلهِ ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظَهيراً .
    فنظر القومُ بعضهم إلى بعضٍ وقالوا: لئن كان للإسلام حقيقةٌ لَما انتهى أمرُ وصيّة محمد إلاّ إلى جعفر بن محمّد، واللهِ ما رأيناه قطّ إلاّ هِبْناه، واقشعَرَّتْ جلودُنا لهَيبته. ثمّ تَفَرَّقوا مُقرِّين بالعَجز. (52)
    • وقد تصدى الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام لدحض شبهات الزنادقة حول القرآن الكريم، في أحاديث متعددة ومفصَّلة ورائعة. نلفت إخواننا الأعزاء إليها بذكر العنوان. (بحار الأنوار الجزء 93 من الصفحة 98 إلى الصفحة 142، باب ردّ التناقض في القرآن).
    • ونكتفي هنا بذكر رواية عن موقف حفيده الإمام العسكري عليه السّلام في قضيةٍ مماثلة، وإليك نص الرواية:
    كتب أبو القاسم الكوفي في كتاب (التبديل) أنّ إسحاق الكِندي كان فيلسوف العراق في زمانه، أخذ في تأليف (تناقض القرآن)، وشَغَلَ نفسَه بذلك، وتفرّدَ به في منزله.
    وإنّ بعض تلامذته دخل يوماً على الإمام الحسن العسكري عليه السّلام فقال له أبو محمّد العسكري عليه السّلام: أما فيكم رجلٌ رشيد يرَدَعُ اُستاذكم (الكنديّ) عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟
    فقال التلميذ: نحنُ من تلامذته، كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره؟!
    فقال أبو محمّد عليه السّلام: أتؤدّي إليه ما اُلقيه إليك ؟ قال: نعم.
    قال: فصِرْ إليه، وتلطَّفْ في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعتِ الاُنسَةُ في ذلك فقل: قد حَضَرتْني مسألة أسألكَ عنها. فانّه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاكَ هذا المتكلم بهذا القرآن، هل يجوز أن يكون مرادُه بما تكلَّم به منه غير المعاني التي قد ظننتَها أنك ذهبتَ إليها ؟ فإنه سيقول: إنَّهُ من الجائز؛ لأنه رجلٌ يفهمُ إذا سمعَ، فإذا أوجب ذلكَ فقلْ له: فما يُدريك لعلَّهُ قد أرادَ غير الذي ذهبتَ أنتَ إليه، فتكون واضعاً لغير معانيه!
    فصار الرجلُ إلى (الكِندي) وتلطَّفَ إلى أن ألقى عليه هذه المسألة.
    فقال له: أعِدْ عليَّ! فأعاد عليه، فتفكَّر في نفسه، ورأى ذلك محتمَلاً في اللغة، وسائغاً في النظر.
    وجاء في (المناقب) لابن شهر آشوب: أنّ الكِنديّ لما سمع من تلميذه ما علّمه الإمام العسكري قال: أقسمتُ عليكَ إلاّ أخبرتَني مِن أين لكَ هذا ؟
    فقال: إنّه شيء عَرَضَ بقلبي فأوردتُه عليك، فقال: كلاّ، ما مِثلك مَن اْهتدى إلى هذا ولا مَن بلغَ هذه المنزلة، فعرِّفْني مِن أينَ لَكَ هذا ؟
    فقال: أمَرَني به أبو محمد (وهو يعني الإمام الحسن العسكري عليه السّلام).
    فقال: الآن جئتَ به (أي الآن جئتَ بالحق)، وما كانَ ليَخرُجَ مثلُ هذا إلاّ مِن ذلكَ البيت (يعني بيت الرّسالة والنّبوّة وأهله، أهل البيت عليهم السّلام).
    ثمّ إنه (أي الكندي) دعا بالنّار، وأحرقَ جميع ما كان أَلّفَه (53).
    • وفي قضية ما يسمّى بمِحنة (خلق القرآن) التي استغلّتها السلطات العباسّية لإشغال المسلمين، وصَرفِهم عن الجانب العمليّ للقرآن بطرح القضايا الجانبية التي لا ترتبط بما هو المهمّ من هدف القرآن الكريم.. وقف أهل البيت عليهم السّلام من هذه القضية الاستهلاكية موقفاً رائعاً ومعقولاً، فقد كتب الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام الرسالة التالية:
    «بسم الله الرحمن الرحيم عَصَمنا اللهُ وإياك من الفتنةِ، فانْ يفعلْ أَعظِمْ بها من نعمة، وإن لا يفعلْ فهي الهَلَكة. نحن نرى أن الجِدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائلُ والمجيبُ، فيتعاطى السائلُ ما ليس له، ويتكلّف المجيبُ ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ الله، وما سواه مخلوق، والقرآنُ كلامُ الله، لا تجعلْ له اسماً من عندك فتكونَ من الضالّين. جعلنا اللهُ وإياكَ مِنَ الذين يخشَون ربَّهم بالغيب وهم من الساعة مُشفقُون» (54).
    * * *


    5 ـ مواقف متميزة من القرآن الكريم
    امتاز أهل البيت عليهم السّلام في هذا المجال، بعد كل هذا وذاك، بمواقف متميّزة من القرآن أشدّ تميّزاً مما سبق، نشير إلى أبرز هذه المواقف:
    أ . الحثّ على تقديم القرآن على الهَوى، لا العكس
    حثّ أهل البيت صلوات الله عليهم المسلمين في أكثر من موضع، على تقديم القرآن على الهوى، في عهودٍ ساد فيها الميل بالحق إلى الهوى، وحمل الكتاب على الرأي الشخصيّ، وجعل القرآن مَقُوداً وتابعاً، بعد أن كان قائداً ومتبوعاً!
    • في الخطبة رقم (87) من نهج البلاغة يقول الإمام عليّ عليه السّلام واصفاً المؤمن، كما يصف بعد ذلك الفسّاق، ويعدّد صفاتهم:
    «قد أَمكَنَ الكتابَ (أي القرآن) مِن زمامهِ، فهو قائده وإمامُه، يَحلُّ حيثُ حلّ ثَقَلُه، وينزل حيث كان منزلُه.
    وآخرُ قد تسمى عالِماً وليسَ به.. قد حَمَلَ الكتابَ (القرآن) على آرائِه، وعطف الحق على أهوائه».
    • وقال عليه السّلام في الخطبة رقم (138) وهو يصف سياسة الإمام المهدي عليه السّلام الذي تحدثت أحاديث الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله عن ظهوره وإصلاحه لما فسد من أحوال العالم البشري (55):
    «يعطفُ الهَوى عَلى الهُدى إذا عَطَفوا الهدى على الهوى، ويعطفُ الرأيَ على القرآنِ إذا عَطَفوا القرآن على الرأي».
    • يقول الشيخ محمّد عبده شارح نهج البلاغة في شرح هذا الكلام العَلَوّي: (يعطف) خبر عن قائم ينادي بالقرآن ويطالب الناس باتّباعه، وردِّ كلِّ رأي إليه. ومعنى (يعطف الهوى) يقهره ويميل به عن جانب الإيثار، فيجعل الهُدى ظاهراً على الهوى. وكذلك قوله (ويعطف الرأي على القرآن) أي يقهرُ حكم الرأي والقياس، ويجعل الغلبة للقرآن عليه، ويحمل الناس على العمل به دونه. (56)
    ب. التأكيد على دَور العترة في القرآن
    رسمَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله الخطَّ الذي ينبغي أن يسير عليه المسلمون من بعده عندما قال: «إنّي تاركٌ فيكمُ الثَّقلَين: كتابَ اللهِ، وعترتي أهلَ بيتي. ما إن تمسَّكتُم بهما لن تَضلُّوا أبداً، وإنَّهما لن يفترقا حتّى يَرِدا عليَّ الحوضَ». (57)
    وبذلك يتَوجَّب على المسلمين إذا أرادوا ان يبقَوا على هَدي رسول الله صلّى الله عليه وآله ان يرجعوا إلى هذين المصدرين: القرآن الكريم وأهل البيت، والاستغناء عن أيّ واحدٍ منهما يعني مخالفة ما أتى به النبيّ صلّى الله عليه وآله وما أوصى به.
    من هذا المنطلَق بقي أهلُ البيت عليهم السّلام يحثُّون المسلمين على فهم القرآن في ضوء تفسير أهلِ البيت وتوضيحاتهم، وعدم الاستقلال بالفهم الشخصي. فعِدْل القرآن (أي العترة) هو المرجع الشرعي النهائي الوحيد ـ بموجب حديث الثَّقلين ـ الذي يؤخذ منه تفسير الكتاب وبيان مقاصده ومراميه.
    ونشير هنا إلى نموذج من الموضوع:
    دخل قَتادة (الفقيه المشهور) على الإمام محمَّد بن عليّ الباقر عليه السّلام فقال له الإمام:
    ـ انت فقيه أهل البصرة ؟
    فقال: نعم، هكذا يزعمون.
    قال الإمام عليه السّلام: بلغني أنك تفسّر القرآن ؟
    قال: نعم.
    فانكر عليه الإمامُ ذلك قائلاً:
    «يا قتادة، إن كنت قد فسّرتَ القرآنَ مِن تلقاء نفسك فقد هَلكتَ وأهلكتَ، وإن كنتَ قد فَسَّرتَه من الرّجال فقد هلكتَ وأهلكت. يا قتادة، ويحك! إنّما يعرف القرآنَ من خُوطِبَ به». (58)
    والمراد هو معرفة القرآن حقَّ المعرفة لا معرفة معاني كلماته ومعانيه المتعارفة، ذلك أن أهل البيت عليهم صلوات الله هم الذين يعرفون المُحكم من المتشابه، والناسخ من المنسوخ، وليس عند غيرهم ما عندهم من هذا العلم، وقد اُثِرَ عن الأئمّة عليهم السّلام القول:
    «إنّه ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، الآية يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متّصل ينصرف إلى وجوه». (59)
    وقد أعطى أهل البيت عليهم السّلام نماذج من التفسير الصحيح للقرآن الذي خفي عن الآخرين، وكانوا بذلك خير معلِّمٍ للمسلمين لكيفية فهم القرآن.
    ونكتفي هنا بذكر نموذجين من هذا الأمر:
    عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن أُدخلَه على أبي
    الحسن الإمام الرضا عليه السّلام، فاستأذنتُه في ذلك فأذنَ لي، فدخل عليه، فسأله عن الحلال والحرام حتّى بلغ سؤالُه إلى التوحيد، فقال أبو قرّة: إنا رَوَينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام؛ الكلام لموسى، ولمحمّد الرؤية. فقال أبو الحسن عليه السّلام: فمَن المبلّغُ عن الله إلى الثقلين من الجنّ والإنس: لا تُدركه الأبصار، ولا يُحيطون به علماً، وليس كمِثله شيء ؟! أليس محمّد صلّى الله عليه وآله ؟! قال أبو قرة: بلى.
    فقال الإمام عليه السّلام: كيف يجيء رجلٌ إلى الخَلق جيمعاً فيخبرهم أنه جاء من عند الله، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله، فيقول: لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كثمله شيء، ثمّ يقول: أنا رأيتُه بعيني، وأحَطتُ به علماً وهو على صورة البشر؟!
    قال أبو قرّة: فانه يقول: ولقد رآه نَزلةً أُخرى .
    فقال الإمامُ أبو الحسن: إنَّ بَعدَ هذه الآية ما يدلُّ على ما رأى، حيث قال: ما كَذَبُ الفؤادُ ما رأى يقول: ما كَذَبَ فؤادُ محمّد ما رأت عيناه، ثمّ أخبر بما رأى فقال: لقد رأى مِن آياتِ ربِّه الكبرى فآياتُ الله غيرُ الله، وقد قال الله: ولا يُحيطونَ به علماً فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلمُ ووقعت المعرفة.
    فقال أبو قرّة: فتكذّبُ بالروايات ؟
    فقال أبو الحسن عليه السّلام: إذا كانت الرواياتُ مخالِفةً للقرآن كذَّبتُها، وما أجمع المسلمون عليه [هو] أنّه لا يُحاط به علماً ولا تُدركُه الأبصار وليسَ كمثله شيء. (60)
    وأمّا ما أعطاه الأئمّة في مجال التشريع والفقه فنأتي بنموذج أو نموذجين فيه:
    عن عبد الأعلى آل سام قال: قلت لأبي عبدالله الصادق عليه السّلام: عَثَرتُ فانقطع ظُفري فجعلتُ على إصبعي مرارةً، فكيف أصنَع بالوضوء ؟
    قال عليه السّلام:
    يُعرف هذا وأشباهُه من كتاب الله عزّوجلّ، قال الله تعالى: ما جَعَل عليكم في الدِّينِ مِن حَرَج إمسَحْ عليه. (61)
    وعن زُرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: ألا تُخبرني من أين علمتَ وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرِّجلين ؟
    فضحك ثمّ قال: يا زُرارة، قاله رسول الله صلّى الله عليه وآله، ونزلَ به الكتاب من الله عزّوجلّ، لأنّ اللهَ عزّوجلّ يقول: فاغسِلوا وجوهَكم فعَرَفنا أنّ الوجهَ كلَّه ينبغي أن يُغسَلَ، ثمّ قال: وأيديَكم إلى المَرافِق فَوَصَل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يُغسَلا إلى المرفقين، ثمّ فَصَل بين الكلام فقال: وامسحوا برؤوسِكم فعرفنا حين قال: برؤوسكم أنّ المسح ببعض الرأس لمكان «الباء»، ثمّ وصل الرِّجلين بالرأس كما وَصَلَ اليدين بالوجه، فقال: وأرجلَكم إلى الكعبين فعرفنا حين وَصَلَهما (وصلها) بالرأس أن المسح على بعضهما (بعضها)، ثمّ فَسَّر ذلك رسولُ الله صلّى الله عليه وآله فضيّعوهُ. (62)
    ج. الردع عن المتاجرة بكتاب الله بكلّ أشكاله
    وكان مما وقف منه أهلُ البيت عليهم السّلام موقفاً حازماً ومتميّزاً هو عملية المتاجرة بالقرآن الكريم بجميع أشكالها، والدعوة إلى تعلّم قراءة القرآن، وقراءته، وحفظه، والتدبُّر فيه لأنّه كتاب الله المنزَّل لهداية البشرية، وصوناً للقرآن من أن يصير إلى ما صارت إليه الكتبُ السماويةُ السالفة، فيقع المسلمون فيما وقع فيه أهل الكتاب من ممالأة الجبابرة والطواغيت على حساب كتبهم. وكذا المتاجرة بتلك الكتب، من خلال تحريفها وتبديلها لقاء امتيازات ماديّة أو ما شابه ذلك.
    ونسوق هنا نموذجاً واحداً من عشرات النماذج في هذا المجال، قال الإمام جعفر الصادق عليه السّلام:
    «مَنْ دخَلَ عَلى إمامٍ جائِرٍ فَقَرَأَ عليه القرآنَ يريدُ بذلك عَرَضاً مِن عَرَض الدُّنيا لُعِنَ القارئ بِكلِّ حَرفٍ عَشرَ لَعَناتٍ، ولُعنَ المُستَمِعُ بكلّ حَرفٍ لعنةً». (63)
    هذه صور من مكانة القرآن الكريم عند أهل البيت عليهم السّلام، وهذا هو موقفهم من هذا الكتاب الإلهي وتعاملهم معه، وما أدرجناه هنا من أحاديث وأخبار لا يعدو أن يكون نماذج وأمثلة لا غير.
    طباعة
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X