إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حوارٌ مبين في زيارة الأمين (٤)

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حوارٌ مبين في زيارة الأمين (٤)










    "مُحبّةً لصفوة أوليائكَ"
    ورد عن مولانا الباقر (عليه السلام) أنه قال: إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيرًا، فانظر الى قلبك، فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته، ففيك خير والله يحبك، وإن كان يبغض اهل طاعة الله ويحب اهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من أحب.
    وفي حديث عن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال (وهل الدين الا الحب).
    توضيح:
    إنّهُ ليــس بمقدور كلّ أحدٍ أن يُحبَّ العبادة ويُحبَّ المعبود مالم يجتز بعض المراحل حتى تتعلق روحه في نور الملكوت، فالله سبحانه أمــلُ المشتاقين، والشـوق هو الذي يجذب الإنسان نــحو الله سبحانه وليس إلى الجنة، فهو أمل المشتاقين، والأمل غير الرجاء.
    الأمل هو الذي يجعل من الإنسان -الذي لا يتحمل- إنسانًا صبورًا، هادئاً، يأمل الإنسان شيئاً، وآخر يتمناه وهو دائمًا يسعى لأن يحقق ما يتمناه.
    فالذي لا يشتاق إلى الله لا يصلح أو لا يصح أن نصفه بالشوق؛ فالشوق الصادق وهو الذي لا يرى فيه الإنسان غـير الله سبحانه.
    في البداية يكون الشوق، ثم يكون العشق.
    والمشتاق هو الذي لا يملك الشوق بل يطلبه، أمّـا العاشق فهو الذي يملك العشق.
    هذا هو الفارق بين الشوق والعشق، إذ يقال للعطشان الذي يسعى للوصول إلى عين الماء: أنّه مشتاق للماء، وعندما يصل إلى الماء ويأخذ منه ويحتفظ به يقال له: عاشق الماء، فالشوق قبل الوصول والعشق بعد الوصول.
    وهذا مثيل حبّ العابد لمعبوده.
    ويكأنّ الإمام السجاد (عليه السلام) يريد أن يربط الفقرة السابقة من الزيارة (مولـعةً بذكرك) بهذه الفقرة (محبةً لصفوة أوليائك)؛ إذ إنّه (عليه السلام) راعى التدرّج في المحبة، فأوّل درجةٍ كانت لله تعالى ولذكره، وقد عرفنا ذلك في الحلقة السابقة، وثاني درجة هي لصفوة أولياء الله تعالى.
    إشارة:
    ما لمراد بصفوة الأولياء في هذه الزيارة المباركة حيث سأل الإمام السجاد الله تعالى ليكون محبًّا لهم؟
    ج/ صفوة أولياء الله تعالى هم محمد وآل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم).
    والدليل على ذلك هو أنّ الاصطفاء: "...أخذ صفوة الشيء وتخليصه مما يكدره فهو قريب من معنى الاختيار، وينطبق من مقامات الولاية على مقام الإسلام، وهو جري العبد في مجرى التسليم المحض لأمر ربه فيما يرتضيه له" (1).
    مع ملاحظة يبقى مقام الأفضلية للنبي محمدٍ (صلى الله عليه وآله) على سائر المصطفين الذين أشار إليهم القرآن الكريم في هذه الآية {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وغيرها؛ بلحاظ اختلاف درجات الاصطفاء.
    وقد أشار العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) إلى اختلاف درجات الاصطفاء بقوله:
    "من الدليل على ما ذكرناه من اختلاف الاصطفاء قوله تعالى: ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ (آل عمران: 42)، حيث فرق بين الاصطفاءين فالاصطفاء غير الاصطفاء.
    وقد ذكر سبحانه في هؤلاء المصطفين آدم ونوحًا، فأما آدم فقد اصطُفى على العالمين بأنه أول خليفة من هذا النوع الإنساني جعله الله في الأرض، قال تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة: 30)، وأول من فتح به باب التوبة...
    فأمّا آل إبراهيم فظاهر لفظه أنهم الطيبون من ذريته كإسحاق وإسرائيل والأنبياء من بني إسرائيل وإسماعيل والطاهرون من ذريته، وسيدهم محمد (صلى الله عليه وآله)" (2).
    وبدليلٍ آخر: وهو كلام أهل البيت (عليهم السلام)؛ فكما أنّ القرآن الكريم -الثقل لأكبر- يفسّر بعضه بعضًا، كذا كلامهم (عليهم السلام) -الثقل الأصغر-؛ حيث قالت السيّدة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الفدكية: "وأشـهد أنّ أبي محمدًا عبده ورسوله... اصطفاه قبل أن ابتعثه"، فكان دليلاً على ثبوت الصفوة للنبي محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يقول في خطبته حين ظهوره: "أنا مصطفى من ابراهيم وصفوة من محمد [عليهم السلام]"، وهذا دليل على تسرية وصف الصفوة من أنبياء الله تعالى ابراهيم ومحمد (عليهما السلام وعلى آلهما) إلى الإمام الخاتم المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وبالملازمة يكون الأئمة ما بين النبي محمد والإمام المهدي (عليهما السلام) هم صفوة الله تعالى.
    ولكن هل تكفي محبة الصفوة (عليهم السلام) لدخول الجنة؟
    ج/ قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم} (3).
    وفي حديث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "وهل الدِّين إلاّ الحب".
    فكما أن الحب الإلهي غير كافٍ لنيل رضا الله تعالى، كذا حب أوليائه، فلابد من الإيمان.
    والإيمان هو اقرارٌ باللسان وعملٌ بالأركان، وبالتالي فإنّ من يحبّ الله تعالى قد أقرن معه إيمانًا، وهذا هو الفلاح بعينه؛ بدلالة قوله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون} (4) وسياق الآيات فيما بعدها أعطى سمات المؤمنين، فمن شاء فليراجع.
    إذًا فالمحبة والإيمان ركنان لا ينفصلان أبدًا، وعليهما الحث مستجمعًا.
    وعلى هذا كثيرًا ما كان يؤكد الإمام الصادق (عليه السلام)؛ فروي أنّه غالبًا ما يستشهد بقول الشاعر:
    تعصي الإله وأنت تظهر حبّه.. هذا محالٌ في الفعال بديعُ
    لو كان حبّك صادقــاً لأطعته.. إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيعُ.
    أي انّ الطاعة شعبة من شعب الإيمان، ويتفرع عن المحبة الإيمان بكافة شعبه.
    ولهذا ضلت الكثير من المذاهب بل والفرق التي لم تنتهج منهج صادق أهل البيت (عليه وعليهم السلام)؛ وخير مثالٍ على انحراف من قال بكفاية الحب الإلهي هم الصوفية، تلك الضالة المضلة التي تسوّف لأتباعها منذ ابتداعها وحتى يومها هذا.
    نعم، إنّ الأحاديث الواردة في فضل حب الصفوة (عليهم السلام) كثيرة وعظيمة؛ منها: ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "ألا ومن أحب آل محمد أمن من الحساب والميزان والصراط" (5). الرواية مطلقة لم تقرن شيئًا مع المحبة.
    بل وهناك روايات جعلت حب الصفوة استكمالًا للدّين، أي إنّ الدّين بلا محبتهم دينٌ ناقص؛ حيث روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "حبّ أهل بيتي وذريتي استكمال الدين" (6).
    كيف لا وحبّهم وحب سيّدهم (صلوات الله وسلامه عليهم) هو طريق لحبّ الله تعالى؛ قال تعالى: كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم} (7)، فاتباع النبي وآله (صلوات الله وسلامه عليهم) طريقٌ لمحبة الله تعالى، ونتيجةٌ لحبّه تعالى لهم.
    ولو تأملنا في سياق هذه الآية لوجدنا أنّها دليلٌ خاص قيّد الروايات المطلقة في حبّ الصفوة، فالآية جاءت مقيّدة بالإتباع، وهو عينه الإيمان الذي هو اقرار باللسان وعملٌ بالأركان.
    فكل قيد يذكره الله تعالى في كتابه فهو قاصدٌ من ورائه افهام مخاطبيه، وهو مريدٌ له؛ لتنزهه عن اللغو، فكل ما يقوله يريده، إذًا هو سبحانه يريد منّا ثنائية الولاء بالمحبة والإيمان.
    لكن هناك الكثير من المغالطات التي وقع فيها البعض، ومنها التسويف بالمعاصي، وتراكم الذنوب دون توبة، اتكاءً على مبرر أنّ حبّ محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم جميعًا) كافٍ لهم، وأنّهم ستنالهم الشفاعة يوم القيامة!
    غاب عنهم أنّ الشفاعة بإذن الله تعالى، وإن لم يشأ لعبدٍ من عباده دخول الجنة لشاء مهما كان مقام الشفيع؛ فإرادته هي الحاكمة؛ بدليل قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِه} (8).
    ومن المغالطات أنّ هناك من يدّعون أنّهم مرحومون مهما فعلوا؛ لأنهم فقط يحبون الصفوة (صلوات الله وسلامه عليهم)! وقد غاب عنهم أنّ هذا المنطق مذموم، كما أخبرنا القرآن الكريم حكايةً عن اليهود والنصارى؛ بقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء} (9)، فلا إرادة مع إرادته تعالى.
    بل والتاريخ يشهد بانحراف الغلاة الذين من اتكائهم على حبهم لأهل البيت (عليهم السلام) نسبوا الألوهية لهم، وقد برئ منهم أمير المؤمنين (عليه السلام) في زمنه آنذاك.
    ومن تلك المغالطات أيضًا الاكتفاء بمحبة الصفوة (صلوات الله وسلامه عليهم) اعتمادًا منهم على وصية رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) بالمودة بقربته؛ قال تعالى حكايةً: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (10).
    غاب عنهم أنّ المودة لابد أن تقرن بالطاعة، فمودة آل محمد (عليهم السلام) لا تكفي من دون طاعة أوامرهم، وطاعتهم هي طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) هي طاعة الله تعالى؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (11).
    بل وقد صرّح الصفوة (صلوات الله وسلامه عليهم) بالبراءة ممن أحبهم دون طاعة الله تعالى؛ حيث روي عن جابر بن يزيد الجعفي قال: "خدمت سيدنا الإمام أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام ثمانية عشر سنة فلما أردت الخروج ودعته وقلت له: أفدني. فقال: بعد ثمانية عشر سنة يا جابر!
    قلت: نعم إنكم بحر لا ينزف ولا يبلغ قعره.
    قال: يا جابر بلّغ شيعتي عني السلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله (عز وجل) ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له، يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا ومن عصى الله لم ينفعه حبنا..." (12).
    والخلاصة: أنّ منهج صادق العترة (عليه السلام) هو قولٌ كان دائمًا يردده، ناصحًا به أتباعه: "يا معشر الشيعة إنكم قد نُسبتم إلينا، كونوا لنا زينًا، ولا تكونوا علينا شينًا"، فالكمال هو اقران المحبة مع الإيمان، عندئذٍ يسمى المرء شيعيًّا، ولهذا ابتدأ خطابه بالنداء لمعشر الشيعة، ولم يقل: يا معشر المحبين؛ فالشيعة يعني الإتباع، والإتباع لازمه العمل، وهو الإيمان بشرطه وشروطه.
    وهنا سؤال:
    كيف تتجلى مظاهر الذوبان في حب الله وحب اولياء الله عند الفرد المؤمن وكيف ينعكس ذلك على سلوكه الديني والاجتماعي الاخلاقي؟
    ج/ تتجلى بالاتباع، وذلك يحصل: بخلوص الإيمان.
    معرفة الله تعالى واوليائه.
    دوام الذكر.
    التوبة.
    طاعة أهل الطاعة.
    مكارم الأخلاق.
    محاسن الأعمال.
    اخلاص المحبة.
    ______________
    (1) الميزان في تفسير القرآن: للسيد الطباطبائي.
    (2) المصدر نفسه.
    (3) آل عمران: ٣١.
    (4) المؤمنون: ١.
    (5) فضائل الشيعة: للشيخ الصدوق، ١/٤٧.
    (6) أمالي الصدوق: للشيخ الصدوق، ١/١٦١.
    (7) آل عمران: ٣١.
    (8) البقرة: ٢٥٥.
    (9) المائدة: ١٨.
    (10) الشورى: ٢٣.
    (11) النساء: ٥٩.
    (١٢) الأمالي: للشيخ الطوسي، ص ٢٩٦.

    والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X