إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حزن النبيّ يعقوب(ع): الحزن الإنسانيّ المنفتح على الله

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حزن النبيّ يعقوب(ع): الحزن الإنسانيّ المنفتح على الله

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم

    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته

    الحزن في القرآن الكريم، نلتقي في هذا اللّقاء بحزن النبيّ يعقوب(ع)، الّذي عاش مأساة إنسانيّة أبويّة، حيث كان له من الأولاد اثنا عشر ولداً، ومنهم ولده يوسف الّذي كان أثيراً عنده وعزيزاً عليه، لأنه كان في قمة الجمال، وبالمستوى الكبير من الخلق والدين، وكان إلى جانب ذلك مع صغر سنّه، الإنسان الذي يعيش الرسالة والثقافة، وقد علَّمه الله تأويل الأحاديث، فألهمه كيف يفسّر الأحلام كما لو كان يرى الغيب أمامه.


    يوسف(ع): شخصيَّة مميَّزة

    وهذا ما نلاحظه في حديثه مع رفيقيه في السجن، وتأويله الحلم الّذي رآه عزيز مصر. هذا الشّابّ خضع لمؤامرة من إخوته، حيث إنهم حسدوه لمكانته عند أبيه، وقرَّروا أن يبعدوه عنه بطريقة يمكنهم من خلالها أن ينفذوا إلى قلب أبيهم وليخلوا وجهه. وهذا ما حدّثنا عنه القرآن الكريم بقوله تعالى:
    {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}[1]، يعني أنهم اتّهموه بأنّه انحرف عن الخطّ العاطفي للأبوّة، لأنه أحب أحد أولاده أكثر من أولاده الآخرين. ويطرح أمامنا سؤالاً أمام هذه المسألة، وهو كيف يفضِّل يعقوب(ع) أحد أولاده على الآخرين، ونحن نعرف أنّ يعقوب(ع) كان نبياً مسلماً حسب الآية القرآنية: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[2]، فالإسلام بالمعنى العام يشمل كلّ الأنبياء {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ}[3]. لذلك، فإنّ الخلق الرّساليّ أساساً يقتضي أن يساوي الإنسان بين أبنائه، حتّى لا يعقِّد أحدهم ضدّ الآخر ولا يتعقّدوا ضدّه. وينقل في هذا المجال أنّ شخصاً جاء بولديه إلى الرسول(ص)، فقبّل أحدهما ولم يقبّل الآخر، فقال له النبيّ(ص): "قَبِّلْ ولدك الآخر".
    فلماذا فضَّل يوسف؟ إنّه فضّله لا على أساس الجانب الشخصي، ولكن على أساس أنه يملك من العلم والتقوى والخُلق والطّهارة ما لا يملكه بقيّة أخوته، ولكن ذلك لم يخفّف من حركة العاطفة الأبويّة تجاه أولاده الآخرين، بل ربما كانت المسألة عنده هو جلوسه عنده للحديث معه في بعض الأمور الّتي لا يملكون معرفتها، أو لا يحسنون إدارتها، أو إعجابه بإخلاصه لله وروحانيّته في الالتزام بأوامره ونواهيه. ولعلّنا عندما نقرأ سورة (يوسف) بدقّة، والتّجربة الصّعبة التي عاشها والصلابة في ذات الله، في العفّة ورحابة الأفق وحسن الإدارة وثقافة الرّسالة مما لم يُنقل عن أحد من أخوته الّذين إذا أردنا أن ندرس تجربتهم عندما جاءوا إليه وما فعلوه معه(ع)، لما شهدنا منهم أيّ عنصر من العناصر المميّزة التي توحي بما يملكون من موقع متقدِّم، بينما نجد يوسف(ع) في كل مواقعه، سواء مع امرأة العزيز، أو مع النّسوة اللائي أردن استغلاله جنسيّاً، أنه كان دائماً في موقع متميّز، حيث نراه يقاوم الإغراءات {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ}، وعندما كان في السّجن قال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار}، فقد كان يدعو إلى الله وهو في السّجن، وعندما قصَّ عليه صاحباه في السّجن رؤياهما أعطاهما الفكرة، وكذلك عندما فسَّر منام الملك. وقبل أن يلتقيه الملك ويستقدمه، لم يكن النبيّ يوسف(ع) مستعدّاً للخروج من السّجن إلا بعد إثبات براءته، قائلاً: {مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، لأنّ هؤلاء النّسوة حاولن تشويه صورته الأخلاقيّة. وعندما استدعى عزيز مصر النّسوة ومعهنّ امرأة العزيز، عند ذلك أعلنّ براءته، وخرج من السجن عزيزاً ورفيع الشّأن، حيث أسند إليه الملك ـ بناءً لطلبه ـ الخزائن، وذلك في قوله تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، لأن النبي يوسف(ع) كان عنده من العقل الإداري ما يستطيع به أن ينظّم الثروة الموجودة في مصر من الناحية التنظيمية، فضلاً عن جانب الأمانة والنزاهة المالية، حتى اللباقة والخطة التي استخدمها في استجلاب أخيه وفي إعطاء الحقيقة في نهاية المطاف لأخوته واستقباله لأبويه وأخوته بعد ذلك.

    وذلك يدلِّل على أن يوسف(ع)، مع أنّه فارق أباه وهو في بداية الشباب، فقد كان له حظّ من العلم والحكمة. فمن أين جاءه هذا العلم؟! ثم في نهاية المطاف كان خاشعاً لله، وعند ذلك قال:
    {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}، وقال: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}. ونجد في سورة (يوسف) أنّه كان منذ طفولته، وفي كلّ هذه الرحلة الطويلة، على مستوى كبير من العلم والوعي، وهذا يعود بالدّرجة الأولى إلى الأسباب الربّانية، ولأنه كان يعيش ثقافة أبيه يعقوب(ع) وما إلى ذلك.

    التّخطيط للمكيدة

    ونلاحظ أنّ يعقوب(ع) قد عبّر عن حزنه بموقفين؛ الموقف الأوّل: عندما جاءه أولاده وخطّطوا للتآمر عليه، وطلبوا منه أن يأخذوا يوسف معهم، ويمكن أن يكونوا خارجين للصيد أو السباق، وكان يوسف طفلاً يستأنس به يعقوب في البيت، وذلك كما يقصّ القرآن:
    {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، كما أنّ هذه الآية تعطينا فكرة أنّهم بالرغم من كونهم أولاد نبي، فإنهم يصفون أباهم بأنّه في ضلال مبين {اقْتُلُوا يُوسُفَ}، وذلك بسبب الحسد، حيث كانوا يفكّرون في قتل أخيهم. ومن هنا نعرف أنَّ خطورة الحسد تتجسّد في تحرّكه في وجدان الإنسان بالمستوى الّذي يدفعه إلى قتل المحسود. لذلك فإن بعض العلماء يقول في تفسير قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}[4]، يعني من شرِّ عدوانه وبغيه على المحسود، لأنّ الحسد ليس قضية عين الحاسد وحسب، فلو كانت القضيّة هي عين الحسود، لجهّزنا جيشاً من الحسّاد ليصيبوا الطغاة والمستكبرين بالعين لنستريح منهم، ولكنّ ذلك شيء غامض وليس واقعيّاً من الناحية التطبيقيّة، لذلك {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}، تعني من شرّ ما يخطّط له الحاسد ضد المحسود، والدّليل على ذلك، ما ورد في الحديث المرويّ عن النبيّ(ص): "إذا حسدت فلا تبغ"، يعني لا تعتدِ على من حسدته.
    وعوداً إلى الآية الكريمة: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}، يعني أنهم يعملون الخطيئة ثم يتوبون من بعد ذلك، كما يقول عمر بن سعد: "أتوب إلى الله من سنتين"، فكأنما الإنسان ضامنٌ عمره. {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ}، وكان أحد أخوته رقيق القلب، فلم يقبل بقتل يوسف(ع)، بل أشار إليهم بأن يبعدوه عن أبيه {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ}، والظّاهر أنّ الآبار لم تكن عميقة جداً في ذلك الوقت، {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ}، أي عندما يستسقي النّاس المارّون على البئر، فينزلون الدلّو، فيرون يوسف {إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ}. فاتّفقوا على هذه الخطة، {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، لأنهم أخوته.

    وهنا يبدأ الحزن مع يعقوب(ع) {ق
    َالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُون َ* قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ}، إن هذا غير ممكن، {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ* قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}، كما في المثل: (كاد المريب أن يقول خذوني){وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}. هذه المرحلة الأولى في هذا الجوّ الّذي كان يتحدّث فيه يعقوب عن الحزن من خلال الخوف على يوسف، فهو يخشى أن يتسبّبوا بأمر يجلب له الحزن من خلال الخطر الّذي يمكن أن يصيب يوسف في ذهابه معهم، في حال غفلتهم عنه وانشغالهم بلهوهم ولعبهم، وهو حزن طبيعيّ في مثل هذه الحال الّتي تورث القلق على مصير ولده.


    تأثير الحزن في يعقوب(ع)

    ثم عبَّر يعقوب(ع) عن حزنه في موقف آخر، حيث مرَّت أيّام طويلة على غياب يوسف(ع)، والّتي كما جاء في بعض الرّوايات، أنها ثمان عشرة سنة، وذهب إليه أخوته ولم يكونوا يعرفونه، وطلب منهم أخاه (بنيامين) (شقيقه من أبويه)، وبعد ذلك صنع خطّةً يطلب فيها من أخوته أن يعودوا إلى والدهم ويخبروه أنّ أخاهم قد سَرَق، وطلبوا منه أن يعوِّضوه بأحدهم فلم يقبل، فجاؤوا إلى أبيهم يخبرونه بما حصل معهم {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ}، فكان ردّ فعل يعقوب(ع) أمام هذه المسألة {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا}، فذكر يوسف وغيبته، لكنّه بقي يعقوب الصّابر الّذي عاش الحزن، لأنّ الجزع لا يناسب الصّبر: "من لم ينجه الصّبر، أهلكه الجزع"، فلم يكن يعقوب(ع)، وهو النبيّ، ليعيش حالة الجزع، بل كان يعيش الحزن الإنساني، والحزن الإنسانيّ أمر محبوب لله، لأنّه سبحانه وتعالى أراد للإنسان أن يعيش مشاعره وأحاسيسه، وأن يجعل إنسانيّته في خطَّ الإحساس الإنسانيّ، من دون التفوّه بأيّة كلمة وبأيّ تصرّف ضدّ مبادئه، كالنبيّ(ص) عندما فقد ولده إبراهيم، فقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يغضب الله". فالحزن ليس شيئاً مرفوضاً في الإسلام، بل على العكس تماماً.
    ثم يقول: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}، وقوله: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ}، كناية عن العمى، حيث كان يعقوب يبكي بين الحين والآخر، ولكنّه كان يخفي حزنه ويكبته، ما جعل له تأثيراً في النّفس أكثر من إظهاره. (كَظِيمٌ) يعني يحبسه في نفسه. {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ}، لا يعني بالضّرورة البكاء، بل يعني تأثير الحزن في النّفس، {فهُوَ كَظِيمٌ}، يعني أنّه يكظم غيظه. {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ}، لا تنفكّ تذكر يوسف بين وقت وآخر، ما يجعلك مشرفاً على الهلاك، أو قريباً من حافته، لأنّك ستموت من الحزن، فقال لهم: إنّي لا أشكو إليكم ولا أشكو إلى النّاس، ولكنّي أعلم أنّ النّاس ترتبط بالله في سرورها وفي حزنها، والشّكوى لله عبادة. فالإنسان عندما يشكو مأساته أو حزنه إلى الله، ويطلب منه أن يخفّف عنه هذا الحزن، أو يدفع عنه أسباب الحزن، فإنّ ذلك يمثِّل عبادةً لله سبحانه وتعالى. نعم، الشّكوى للمخلوقين ربما تختزن في بعض مواقعها شكوى على الله، إلا إذا كانت الشّكوى لمؤمن من خلال إيمانه، فإنّها لا تعطي هذه الدّلالة، لأنّ المؤمن عندما يشتكي للمؤمن، فكأنّما ينفتح على الإيمان بالله. {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}. فهناك سرّ عند يعقوب(ع)، ولم يمت الأمل في نفسه، لأنّ من يؤمن بالله لا ييأس، لأنّ اليأس من رحمة الله يوحي باليأس من قدرته على حلّ هذه المشكلة أو تلك، وهو في معناه العميق كفر. ويعقوب(ع) كان يدعو النّاس إلى الإيمان {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}، وذلك يدلّ على أنّ حزن يعقوب(ع) لم يفتَّ أمله بالله وتفاؤله بالمستقبل. وقد أراد يعقوب(ع) من هذه الكلمة، وهو في قمّة حزنه على فراق ولده الأوّل ثم الثاني، أن لا يعقِّده هذا الحزن عن أن يعيش الفرح في الله وهو في عمق الحزن.

    وهكذا، فإنّ الإنسان المؤمن يبقى أمام كلّ المشاكل والمصائب والآلام، فرحاً قلبه لله، إذ يبقى في موقع التّفاؤل لا التّشاؤم، ولكنّ بعض المشكلات قد تحتاج إلى سنين لحلّها، وبعض المسائل تحتاج إلى أجيال لتذهب، والمشكلة أن يزحف التّشاؤم إلينا لأنّنا مستعجلون، فالإنسان له عمر، والمشكلة لها عمر، والمرض له عمر، لذلك على الإنسان أن يفهم عمر المشاكل، سواء كانت سياسيّة أو أمنيّة أو اقتصاديّة أو ما إلى ذلك.

    {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}.
    فما هي العلاقة بين اليأس والكفر؟ فإنّ ما هو مستحيل على الإنسان ليس مستحيلاً على الله سبحانه وتعالى، فاليأس يعني أنّ الله لا يقدر على أن يحلَّ لك المشكلة، وقد كان النبيّ(ص) يحب الفأل ويكره الطّيرة، وهي حالة التّشاؤم بما حوله ومن حوله، وذلك تفاؤلاً بنعم الله.

    إلى هنا نفهم أنّ هذا الحزن اليعقوبي يمثّل حزناً إنسانيّاً منفتحاً على الله، وواثقاً بالله، وشاكياً إلى الله {
    إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ}. ولا بدَّ للمؤمن من أن يفهم ذلك في وجدانه الشّعوريّ في المعنى الإنساني المنفتح على المعنى الإيماني للحزن، فيواجه صدمات العاطفة بالحزن الّذي يرفعه إلى الله، في عمليّة ابتهال إليه أن يفرِّج عنه كربه ويزيل ألمه.



    منهج مواجهة المصائب

    وهذا ما لا بدَّ لنا من أن نتعلَّمه في المنهج الإسلاميّ التّربويّ، عندما تلمُّ بنا المصائب، وتخترقنا الآلام، وتضغط علينا المشاكل، فنجلس بين يدي الله، ونبكي إليه ونشكو ونبتهل، ونطلب منه بقلب مفتوح خاشع خاضع، وعين دامعة، أن يخلّصنا مما نحن فيه، وأن يجعل من أمرنا فرجاً ومخرجاً، عند ذلك نزداد قوّة، عندما نجلس بين يدي الله الّذي له القوّة جميعاً، والّذي له العزّة جميعاً، مالك السّموات والأرض، ونطلب منه حلّ المشكلة الّتي هي عنده وبيده وتحت سلطانه، ولو كانت كبيرة عندنا. وينقل عن أحد علمائنا السَّابقين، وهو المرحوم الشّيخ جعفر الكبير، صاحب كتاب
    (كشف الغطاء)، وهو جدّ آل كاشف الغطاء، الأسرة المعروفة في النجف، أنّه كان ذاهباً من النجف إلى كربلاء، فجاءه جماعة من النّاس يطلبون منه الدّعاء لهم بنـزول المطر، قائلين: شيخنا، انقطع عنا المطر، وماتت مزارعنا، فادعُ لنا الله أن ينزل المطر. فقال الراوي إنّ الشيخ قال لهم: اذهبوا، فسيأتيكم الماء. فقال له جماعته: كيف تعدهم بذلك؟ فأجابهم: إني أطلب من الله جنّةً عرضها السموات والأرض، أفلا يعطيني ماءً. فلم يفتح كتاباً، ولم يصلّ ركعتين، وإنما رفع يديه إلى السّماء قائلاً: "ربي دعوتك أن تنـزل الماء على هؤلاء"، فنزل عليهم المطر، فإنّ الله سبحانه وتعالى لا يريد منّا رسميات بقدر ما يريد منّا الدّعاء والإخلاص فيه، وأن يكون الدّعاء من القلب ليخترق الحجب السّبع. وهكذا استجاب الله دعاءه رحمةً بعباده المؤمنين.
    وقفة مع حديث البكّائين

    وفي مناسبة الحديث عن حزن النبي يعقوب(ع)، فإنّ هناك روايات واردة تتحدّث عن البكّائين: عن بكاء آدم(ع)، وعن بكاء السيّدة الزّهراء(ع)، وبكاء يوسف(ع)، وبكاء زين العابدين(ع)، وهذا الحديث فيه جانبان، وخصوصاً فيما يروى عن بكاء الزّهراء وزين العابدين(سلام الله عليهما) كأعمق ما يكون الحزن، إذ كانت العلاقة بين الزّهراء وأبيها(ص) في عمق العمق، محبّة فريدة، ولا بدّ من أنكم سمعتم هذه الرّواية بما معناها، أنّ النبيّ(ص) عند احتضاره، جاءته الزّهراء، فضمها إلى صدره فبكت، ثم ضمها ثانية إلى صدره فضحكت، فسألوا الزّهراء(ع) عن ذلك: ما أسرع الضّحك إلى البكاء؟ فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله في حياته،كما تذكر الرّواية. وبعد وفاة النبيّ(ص)، قالت الزهراء(ع): "في المرّة الأولى، حدّثني النبيّ(ص) عن وفاته فبكيت، وفي المرّة الثّانية، حدّثني أنّني أوّل أهل بيته لحوقاً به فضحكت". فالزّهراء(ع) في ربيع شبابها، فعلى رواية الشّيعة، كان عمرها 18 سنة، وعلى رواية السنّة، كان عمرها 28 سنة، وهذا كلّه يعني أنها كانت في قمّة الشّباب، وكانت في علاقتها مع أمير المؤمنين عليّ(ع) في أروع أنواع العلاقات الزّوجيّة، لأنها ممزوجة بالإخلاص والعلم والعصمة، فهي معصومة تزوَّجت معصوماً، وكلاهما تخرّجا من مدرسة الرّسول(ص) وتعلّما منه ذلك. وقد قال النبيّ(ص):
    "لولا عليّ لم يكن لفاطمة كفؤ"، لأنّ عقل فاطمة(ع) مساوٍ لعقل الإمام عليّ(ع)، وهذا ما تكلّمنا عنه سابقاً. وهي أمّ الحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم، فالمرأة عندما يقول لها أبوها وهو مشرف على الموت: سنلتقي بعد شهرين أو ثلاث، فهل تستأنس؟! اعملوا استفتاءً على كلّ النّساء الّتي يقول لها أبوها إنها ستموت بعد شهر أو شهرين، فهل تضحك أم تحمل هماً؟! ولم تكن الزّهراء(ع) لتفرح بذلك، لو لم تكن محبّة الرّسول(ص) لها بهذا المستوى من العمق، وكذلك محبّتها لأبيها.
    وقد وردت الرّواية أنّ الزّهراء(ع) كانت تبكي في اللّيل والنّهار حتّى ضجّ أهل المدينة من بكائها، فطلبوا إمّا أن تبكي ليلاً أو نهاراً، فكيف يطلبون ذلك؟! إلا إذا كانت الزّهراء تصيح وتصرخ ليل نهار، مما لا يتناسب مع مكانتها وسموّ فضائلها ورفعة مقامها؟! والحقيقة أنّ الزهراء(ع) كانت مشغولةً بعملها في بيتها برعاية زوجها وأبنائها، ومشغولة بالدّفاع عن الإسلام، وخصوصاً عن حقّ الإمام عليّ(ع) في الخلافة، حتّى ورد أنّ الإمام عليّ(ع) كان يطوف بالزّهراء(ع) على جموع المهاجرين والأنصار حتّى تدافع عن حقّه. فالقضيّة كانت مستقبل الإمامة والإسلام، ولذلك عندما تأتيها النّساء، كانت تحدّثهم عن الإمام عليّ(ع) بقولها: "وما الّذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا والله نكير سيفه، وشدّة وطأته". فكانت تذهب بالحسن والحسين(ع) إلى قبر الرّسول(ص)، وتبكي بكاءً إنسانياً إسلامياً، وتقول لهما: كان رسول الله(ص) يخطب هنا وتتذكّره، وهي الملتزمة بوصيّة الرّسول(ص) أن تحزن عليه حزناً هادئاً، فلا تخالف الوصيّة

    وكذلك ما ورد في الرّواية عن حزن الإمام السجّاد(ع): "ما وُضِع أمامه طعام ولا شراب إلا ومزجه بدموع عينيه"، ويقيناً أنّ الإمام زين العابدين(ع) كان يثير مصيبة أبيه الحسين(ع) في كلّ مكان. وقد وقف مرّة - كما في الرواية - في السوق على قصّاب يذبح كبشاً، إذ قال القصّاب لغلامه: هل سقيته الماء؟ فكان(ع) يخلق أجواء التعزية في السّوق كلّه، ليتدخّل متسائلاً من القصّاب عن سرّ ذلك، فيقول له القصّاب: نحن معاشر القصّابين لا نذبح الكبش إلا ونسقيه الماء. فالتفت الإمام زين العابدين(ع) إلى كربلاء يتحدّث عن عطش الحسين(ع).


    كان حزنه حزناً رساليّاً وإنسانيّاً، وليس بالشّكل الّذي يكون فيه الحزن هو الشّاغل له، حتّى يأتيه أحد غلمانه أو خدّامه ليعظه. وقد لاحظنا أنّ الرّوايات الواردة أغلبها ضعيفة، وبعضها مرفوع، كما في المرفوعة عن الإمام الصّادق(ع)، إذ يقول فيها: "البكّاؤون خمسة، هم: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد وعليّ بن الحسين؛ فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صار في خدَّيه أمثال الأودية"، بينما القرآن حدثنا عن آدم(ع) أنّه عندما نزل من الجنّة، كان له منهج في الحياة يستهدي به، وقال له الله إنّه سيرجع إلى الجنّة، "وأمّا يعقوب، فبكى على يوسف حتى ذهب بصره، وأمّا يوسف، فبكى على أبيه يعقوب حتّى تأذَّى أهل السّجن، فقالوا له: إمّا أن تبكي بالنّهار أو تبكي باللّيل، فصالحهم على واحد منهما"، بينما يحدّثنا القرآن الكريم أنّ يوسف كان في السّجن مشغولاً بالتوعية والهداية والإرشاد وليس بالبكاء، ولم يعهد ذلك عنه، "وأما فاطمة بنت محمد(ص)، فقد بكت على النبيّ(ص)، فقال لها أهل المدينة: قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر، فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تعود. وأمّا علي بن الحسين(ع)، فبكى الحسين(ع) عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى، حتى قال له مولى له: جعلت فداك، إنّي أخشى عليك أن تكون من الهالكين"، فالرواية غير صحيحة سنداً لأنها مرفوعة.

    وهكذا نرى مثل هذه الرّوايات، مثل قول مولى عليّ بن الحسين(ع) له:
    "أما لحزنك أن ينقضي؟"، فرفع الإمام رأسه قائلاً له: "...يا أسفي على يوسف، لأنّه فقد ابناً واحداً، وأنا رأيت أهلي يذبحون حولي"، وهذه رواية ضعيفة السّند أيضاً، إذ ليس من المعقول أن يبالغ الإمام(ع) بالبكاء إلى حدّ يكون فيه موضعاً لوعظ الواعظين. وكذلك السيّدة الزهراء(ع)، فقد كان بكاؤها إسلاميّاً إنسانيّاً، يتناسب مع الأصول الشرعيّة والعقائديّة، وهي المعصومة في ذلك... وكذلك شأن الإمام السجّاد(ع)، فقد كان مجلسه مسرحاً للتّعليم والتّثقيف والعبادة، وتراثه من أوسع تراث الأئمّة(ع) من الدّعاء الّذي تركه، وتراث الفقه الّذي تركه في الأحاديث والمواعظ والحكم. فالأئمّة(ع) هم الذين علّمونا كيف يحزنون حزناً هادئاً إسلاميّاً، وكيف يصبرون صبراً جميلاً.

    ------------------------------
    [1] ـ الآيات التّي تتعلّق بالنبي يوسف والنبي يعقوب(ع)، موجودة في سورة يوسف
    [2] ـ [البقرة/133].

    [3] ـ [الحج/78].

    [4] ـ [الفلق/5].



عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X