إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عميت عينا لاتراك عليك رقيبا

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عميت عينا لاتراك عليك رقيبا

    لقد وازن الإمام الحسين (عليه السلام) بين الرؤية البصرية والقلبية بدعائه هذا، ويكأن دعاءه كان فيه عبرة لشيعته؛ إذ إنّ الإنسان المنغمر في عالم المادة يألف الماديات، ويروم الإحاطة بها بحواسه، لذا حين استشعار الرقابة الإلهية على العبد أن يلقّن نفسه قائلاً بلسان حاله: إنّ تلك العين الجارحة التي تحيط بالمحسوسات عميت إن لم تستشعر رقابة خالقها ومحسوساتها.

    والمراد من الرقابة الإلهية: علم الله سبحانه بأقوال وأفعال العباد، وإلى ذلك أشار سبحانه في كتابه الكريم بقوله: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}(1) فلحظات العيون محاطة برقابة خالقها، ومن هنا يتعيّن على العباد بالإضافة إلى الامتثال للأوامر والانزجار عن النواهي تهذيب النفس وصولاً للكمال، ذلك الجزاء الأعلى رتبة من الجنان وهو الرضوان من الرحيم الرحمن {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(2).

    ولو تساءلنا: ما هو مقصود الإمام الحسين (عليه السلام) بالعمى؟
    وماهي العين التي وصفها الإمام (عليه السلام) بالعمى حين عدم استشعارها الرقابة الإلهية؟
    هل هي العين البصرية؟
    أم العين القلبية؟
    بل هل للقلب عيون حتى نقول عميت عيناه؟
    هذا ما سنتناوله في المطالب الثلاثة الآتية.

    المطلب الأول: المراد من العمى:
    يمكن توجيه العمى بنحوين:
    النحو الأول: مَن لا يستشعر الرقابة الإلهية ويتغطرس في الحياة الدنيا وشيئاً فشيئاً ينسى ذكر ربّه ولا يتدبر في صنائعه.
    فهو أعمى دنيوياً عن إبصار حقيقة الإيمان، وعن العيش الرغيد.
    وأخروياً عن أبصار لطائف المنّان من حور وجنان، وإلى ذلك أشار سبحانه في كتابه الكريم حيث قال: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}(3).

    النحو الثاني: عمى عن العقيدة الصحيحة التي تنزِّه المولى سبحانه عن الرؤية؛ لأنّ المرئي محدود، وكلّ محدود فهو مخلوق، والله تعالى خالق لا مخلوق.
    فمَن ينكر التسليم بوجود رقيب خارج عن الحدود فهو أعمى العقيدة.


    المطلب الثاني: عمى العيـن:

    إنّ العين البصرية يستحيل أن تحيط بالله جلّ جلاله عقلاً ونقلاً، لهذا نستطيع توجيه قول الإمام (عليه السلام) بأنّ الذي يقول بإمكان رؤية الله تعالى بالعين البصرية هو أعمى.
    ووجه الاستحالة عقلاً:
    (لو كان الواجب مرئياً لكان في جهة) والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان.
    بيان المقدم: (لو كان الواجب مرئياً)
    "المرئي إمّا أن يكون مقابلاً للرائي كما لو نظرت مباشرة إلى الشيء، وإمّا أن يكون بحكم المقابل للرائي كما لو نظرت بواسطة –كالمرآة مثلاً- إلى الشيء. والله سبحانه يستحيل أن يكون مقابلاً للرائي أو بحكم المقابل"(4).
    بيان التالي: (لكان في جهة)
    "إنّ الجهة هي مقصد المتحرك ومتعلق الإشارة الحسية"(5) فالجهة تعني تحيّز الشيء، وكل متحيّز فهو جسم.
    والجسمية منفية عنه تعالى؛ لأنها من سمات الممكن دون الواجب، بدليل:
    ص/الجسم مفتقر إلى المكان
    ك/ كل مفتقر إلى المكان فهو ممكن
    ن/ الجسم ممكن.

    ووجه الاستحالة نقلاً:
    قد نهى سبحانه في كتابه الكريم عن أن يكون مبصَراً بقوله:
    {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(6).
    وروائياً جاء "عن أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لابي جعفر (عَلَيْهِ السَّلام) لا تُدْرِكُهُ الابْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الابْصارَ فَقَالَ يَا أَبَا هَاشِمٍ أَوْهَامُ الْقُلُوبِ أَدَقُّ مِنْ أَبْصَارِ الْعُيُونِ أَنْتَ قَدْ تُدْرِكُ بِوَهْمِكَ السِّنْدَ وَالْهِنْدَ وَالْبُلْدَانَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْهَا وَلا تُدْرِكُهَا بِبَصَرِكَ وَأَوْهَامُ الْقُلُوبِ لا تُدْرِكُهُ فَكَيْفَ أَبْصَارُ الْعُيُونِ"(7).
    إذاً مَن يعتقد بالرؤية البصرية فهو أعمى.
    المطلب الثالث: عـمى القلب:
    إنّ الله سبحانه يتنزه عن الرؤية البصرية كما أسلفنا ولكن يمكن أن تتم رؤيته بالرؤية القلبية، وتلك حقيقة أفاضها علينا أهل بيت النبوة (عليهم السلام) في موروثهم الروائي عن مبد الأنوار الازلي ومنتهى العروج الكمالي محمد النبي (عليه وعلى آله السلام الأبدي)، حيث جاء "عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلام) أَسْأَلُهُ كَيْفَ يَعْبُدُ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ لا يَرَاهُ؟
    فَوَقَّعَ (عَلَيْهِ السَّلام): يَا أَبَا يُوسُفَ جَلَّ سَيِّدِي وَمَوْلايَ وَالْمُنْعِمُ عَلَيَّ وَعَلَى آبَائِي أَنْ يُرَى.
    قَالَ: وَسَأَلْتُهُ هَلْ رَأَى رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) رَبَّهُ؟
    فَوَقَّعَ (عَلَيْهِ السَّلام): إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرَى رَسُولَهُ بِقَلْبِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ مَا أَحَبَّ"(8).
    بـل وبعض الروايات تبيّن وجود ملازمة بين الرؤية القلبية والعبادة إذ بتلك الرؤية تتحقق العبادة بعد المحبة والمعرفة –كما سيأتي في المقال القادم- حيث جاء "عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ:
    جَاءَ حِبْرٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ حِينَ عَبَدْتَهُ؟
    قَالَ فَقَالَ وَيْلَكَ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ.
    قَالَ: وَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟
    قَالَ: وَيْلَكَ لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ فِي مُشَاهَدَةِ الابْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الايمَانِ"(9).

    إذاً الرؤية القلبية تتقوم بحقائق الإيمان وهي الاعتقاد بتنزيه الله سبحانه عن الجسمية ولوازمها.
    وعيون القلب التي لا ترى الله سبحانه هي عيون عمياء.
    وقد استعملت لفظة (العمى) للقلوب في القرآن الكريم كما في قول الله سبحانه: { وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(10).
    ولهذا نجد أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) أردف عبارة دعائه "عميت عينٌ لاترك عليها رقيبا" بعبارة "وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبّك نصيبا"_

    __________________________
    (1) سورة غافر: 19.
    (2) سورة التوبة: 72.
    (3) سورة طه: 124-125.
    (4) ظ: الباب الحادي عشر، 61.
    (5) المصدر نفسه، 52.
    (6) سورة الأنعام: 103.
    (7) الكافي: ج1، باب ابطال الرؤية ،ح11.
    (8) المصدر نفسه، ح1.
    (9) المصدر نفسه، ح 6.

  • #2

    الأخت الفاضلة ارض البقيع . أحسنتِ وأجدتِ وسلمت أناملكِ على نقل ونشر شرح هذا المقطع من دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) . جعل الله عملكِ هذا في ميزان حسناتكِ . ودمتِ في رعاية الله تعالى وحفظه .

    تعليق

    عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
    يعمل...
    X