إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

دروس في علوم القران حلقة 5

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • دروس في علوم القران حلقة 5

    معنى الوحي:
    أ- المعنى اللغوي:
    هو إعلام سريع خفيّ، سواء أكان بإيماءة أم بهمسة أم بكتابة في سرّ، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك في سرعة خاطفة حتى فَهِمه فهو وحيٌ. وأصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمّن السرعة قيل: أمرٌ وحِيٌّ(أي سريع)، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرّد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكتابة1.

    والوحي: يدلّ على إلقاء علم في إخفاء أو غيره، والوحي: الإشارة، والوحي: الكتاب والرسالة، وكلّ ما ألقيتَه إلى غيرك حتّى عَلِمَه فهو وحي2.

    ب- المعنى الاصطلاحي:
    عرّف الشيخ الطوسي قدس سره الوحي بأنّه: "البيان الذي ليس بإيضاح, نحو الإشارة والدلالة, لأنّ كلام المَلَك كان له (أي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الوجه"3. وفي موضع آخر أفاد بأنّ: "الإيحاء إلقاء المعنى في النفس على وجه يخفى, وهو ما يجيء به من دون أن يرى ذلك غيره من الخلق"4. ويتّضح من خلال


    55

    التحديدين السابقين أنّهما ناظران إلى أكثر أنحاء الوحي وروداً في القرآن الكريم, وهو طريق وحي القرآن الكريم نفسه, عبر إرسال مَلَك, وهو جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ5.

    ولعلّ التحديد الأدقّ للوحي هو ما ذكره العلامة الطباطبائي قدس سره بأنّه: "إلقاء المعنى بنحو يخفى على غير من قُصِدَ إفهامه"6، حيث يشمل هذا التحديد كلّ أنحاء الوحي، فيدخل فيه الوحي المباشر(بلا واسطة) والوحي غير المباشر(كالوحي بواسطة مَلَك). وقد قرّر الأدب الديني في الإسلام أن لا يطلق الوحي على غير ما عند الأنبياء والرسل عليهم السلام من التكليم الإلهي7.

    2- الوحي في القرآن:

    استخدم القرآن الكريم مفردة "الوحي" في موارد عدّة أُريد بها معانٍ مختلفة، وقد ورد حديث مروي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, قسّم فيه الوحي إلى: وحي النبوة والرسالة، ووحي الإلهام، ووحي الإشارة، ووحي التقدير، ووحي الأمر، ووحي الكذب(وسوسة الشياطين) ووحي الخبر8. ومن هنا، يمكن إجمال موارد الاستخدام القرآني لمفردة "الوحي", تبعاً لمقسم المعنى الاصطلاحي للوحي، وانسجاماً مع ما ورد في الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام, وفق التالي:

    أ- الوحي إلى غير الأنبياء عليهم السلام:

    - الإيماءة الخفية (وحي الإشارة): وهو المعنى اللغوي نفسه. ومنه قوله تعالى:
    ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا9.

    56

    - تركيز غريزيّ فطريّ في الإنسان والحيوان(وحي الإلهام): وهو تكوين طبيعيّ مجعول في الإنسان والحيوان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ...10، ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا...11.

    - تركيز طبيعي في الجماد (وحي التقدير): وهو تكوين طبيعيّ مجعول في الجمادات، ومنه وقوله تعالى:
    ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا12.

    - أمر رحماني (وحي الأمر): وهو شعور نفساني داخلي مصدره الله تعالى، ومنه قوله تعالى:
    ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي...13، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ...14.

    - وسوسة شيطانية (وحي الكذب): وهو شعور نفساني داخلي مصدره الشيطان، ومنه قوله تعالى:
    ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا15، ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ16.

    ب- الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام (وحي النبوّة والرسالة):
    وهو اتّصال غيبيّ بين الله وأنبيائه عليهم السلام, ويختلف عن سائر الإيحاءات المعروفة لجهة مصدره الغيبي اتّصالاً بما وراء المادَّة. وهذا هو المعنى الاصطلاحي للوحي، وقد استعمله القرآن الكريم في أكثر من سبعين موضعاً17، منها: قوله تعالى:
    ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ18، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ

    57

    فِعْلَ الْخَيْرَاتِ...19، والوحي الوارد في هذه الآية هو من وحي الخبر(بحسب تعبير الرواية المتقدّمة), وهو هداية ربّانيّة مجعولة في نفوس الأنبياء عليهم السلام بوحي باطني وتأييد سماوي20.

    وظاهرة الوحي من مختصّات مقام النبوّة، ولم يكن النبيّ محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم بِدعاً من الأنبياء عليهم السلام في هذا الاختصاص النبويّ، ولا أوَّل مَن خاطب الناس باسم الوحي السماوي:
    ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ...21. ودفعاً لهذا الاستنكار الغريب، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ22.
    3- أنحاء الوحي النبوي:
    يتحقّق الوحي النبوي على أنحاء ثلاثة، كما جاءت في الآية الكريمة:
    ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ23، وفي حديث مروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في صدد تفسير هذه الآية24:
    أ- النحو الأول: الإلقاء في قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة ومن دون واسطة، ومنه: ما رواه زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام, حيث سأله عن الغشية التي تصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه الوحي؟ حيث قال عليه السلام: "ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد. ذلك إذا تجلّى الله له"25.


    58

    ب- النحو الثاني: تكليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وراء حجاب، ومنه قوله تعالى: ﴿...وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى26، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ27.

    ج- النحو الثالث: إرسال مَلَك ليكون واسطة في إيصال الوحي للنبي عليه السلام, ومنه قوله تعالى:
    ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا...28، وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ29.

    4- أقسام الوحي النبوي:

    يمكن تقسيم الوحي النبوي إلى قسمين رئيسين:
    أ- الوحي المباشر: وهو أصعب أنواع الوحي، وفيه يتّصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلّ وجوده بالله تعالى من دون توسّط أيّ واسطة. ويحصل ذلك عندما تتهيّأ نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم, ويصبح لديه القابلية لهذا الاتّصال المباشر. وقد ورد في الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام توصيف لثقل هذا الوحي، ومن هذه الأحاديث:

    - ما روي أنّ الحرث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كيف كان ينزل عليك الوحي؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس, وهو أشدّ علي، فيفصم عنّي, وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثّل المَلَكُ رجلاً، فيكلّمني, فأعي ما يقول"30.

    - ما رواه عبد الله بن عمر: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل تحسّ بالوحي؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أسمع صلاصل، ثمّ أسكت عند ذلك. فما من مرّة يُوحى إليّ إلا ظننت أنّ نفسي تفيض"31.


    59

    - ما رواه زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام, من أنّه سأله عليه السلام عن الغشية التي تصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه الوحي؟ فقال عليه السلام: "ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد. ذلك إذا تجلى الله له"32.

    - ما روي أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا نزل عليه الوحي يُسمَع عند وجهه دويّ, كدويّ النحل، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد, فيفصم عنه، وأنّ جبينه لينفصد عرقاً، وأنّه كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك، ويربد وجهه، ونكس رأسه، ونكس أصحابه رؤسهم منه. ومنه يقال: برحاء الوحي, أي شدّة ثقل الوحي33.

    وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه العوارض الجسدية التي كانت تظهر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين نزول الوحي عليه من دون واسطة، إنّما هي بمثابة العلامات الحاكية عن ثقل هذا الوحي المباشر, بفعل اتّصال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلّ كيانه ووجوده بمبدأ الوجود، وانفتاح نفسه صلى الله عليه وآله وسلم وهو في نشأة عالم المادّة المحدود على عالم الملكوت الأعلى. فمن الطبيعي أن تظهر عليه صلى الله عليه وآله وسلم هذه العوارض المادّية، حتى كأنّ روحه تفيض منه بفعل هذا الاتّصال المباشر. وفي تحقّق هذا الاتّصال مع وجود قيود عالم المادّة دلالة جليّة على عِظَم نفس الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وطهارتها وكمالها.

    ب- الوحي غير المباشر:
    وفيه يتلقّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوحي عبر واسطة تكون صلة وصل بينه وبين الله تعالى, كما في الوحي النازل بواسطة المنام والرؤيا، ومنه: قوله تعالى - حكاية عن لسان نبيّه إبراهيم عليه السلام -:
    ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ...34، وكما في تكليم الله تعالى لنبيّه موسى عليه السلام: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا35، وكما في الوحي النازل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة

    60

    جبرائيل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ...36.

    ويستفاد من بعض الروايات أنّ أمر هذا الوحي لم يكن ثقيلاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم, بخلاف الوحي المباشر، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ جبرائيل كان إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل حتّى يستأذنه، وإذا دخل عليه قعدَ بين يديه قعدة العبد"37.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلقّى الوحي بكلّ بوجوده، ولم يكن للحواس الظاهرية أي دور في هذا الأمر, وإلاّ لأمكن لغيره من الناس سماع ما يسمع، ورؤية ما يرى.

    5- الوحي المحمّدي:
    كان الوحي الإلهي ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنحاء ثلاثة:
    أ- الوحي عبر الرؤيا الصادقة والمنام: إنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة، كان يرى في منامه كأنّ آتياً يأتيه فيقول: يا رسول الله! ومضت عليه بُرهة من الزمن وهو على ذلك يكتمُه38. وعن الإمام علي عليه السلام: "رؤيا الأنبياء وحي"39. وعن الإمام الباقر عليه السلام: "وأمّا النبيّ فهو الذي يرى في منامه، نحو رؤيا إبراهيم عليه السلام, ونحو ما كان رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أسباب النبوّة قبل الوحي، حتّى أتاه جبرائيل عليه السلام من عند الله بالرسالة..."40.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X