إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ثقافة المُساكَنة بين الزوجين في رؤيّة القرآن الكريم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ثقافة المُساكَنة بين الزوجين في رؤيّة القرآن الكريم

    ثقافة المُساكَنة بين الزوجين في رؤيّة القرآن الكريم
    ___________________________

    لقد جعلَ القرآنُ الكريمُ الأحكامَ والتشريعات والُنظُمَ للإنسان بملاك المصلحة والمفسدة , بمعنى ما مِن حكمٍ أو تشريعٍ أو مُنتّظمٍ إلاَّ وفيه جلب مصلحة ودفع مفسدة قطعاً .
    ومن ذلك مُنتّظمُ الزواج والذي يقوم على محور وقطب المُساكنة كما في قوله تعالى

    ((وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )) (21) الروم


    وفي هذه الآية الشريفة محل البحث أمرٌ دقيق جداً وهو بيان ثقافة المُساكنة بين الزوجين والتي هي علّة لتشريع الاقتران والزواج .

    فتعليل المُشرِّع (الله تعالى ) الحكمةَ من الزواج ب ( لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)
    يجعلُ الباحثَ يقف إجلالاً وتقديراً لعظمة المُشرّع وسعة علمه واقتداره على اختزان المفاهيم القيّمة والكبيرة بألفاظ وجيزة وعميقة ومصطفاة بمغزىٍ دون غيرها لِما لها من المُكنة من اشباع المعنى والدلالة قصدا وجدا وسلوكا .

    فلفظة السكن هي أولى الألفاظ التي رافقت الإنسان الأول عند التكون والصيرورة في عالم الطبيعة والشهوات والتجاذبات والتي جاءت إرشاداً من المُشرِّع الحكيم لمخلوقه الجديد على الأرض (آدم )
    كما في قوله تعالى
    ((وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ )) البقرة

    ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ))(189)الأعراف

    إنَّ اصطفاء المُشرِّع للفظة السكن دون غيرها لأّنها تؤدي بمادتها وكنهها أغراضاً بلاغيّة وبيانية وتأسيسيّة لا تؤديها أي لفظة أخرى غيرها .

    ذلك كون الإنسان (الرجل والمرأة ) بعد هيجان الحَراك الغريزي عنده يبحثُ عن السكون والاستقرار والاشباع لرغبة نفسه وطبعه وقلبه .
    وهذا السكون والقرار يشي إلى الكون معاً في سكنٍ آمن ومُطمئن شرعاً وهو الزواج

    وإنَّ صياغة التعليل للحكم بإسلوبية (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) فيه سمة المبادرة الطبيعية والنفسية والقلبية للزوج وجهةَ زوجته وما تمثله من منتهى المُساكنة الآمنة والهادئة .

    وبحكم دلالة اسلوبية الآية في نفس الوقت توجد ثمةَ سمةٍ ينبغي توافرها عند الزوجة وهي أن تكون مَحل المُساكنة مصداقا وتعبيرا وسلوكا , بمعنى عليها
    أن تزيل موانع المبادرة من الزوج إليها كأنْ تدرك منتهى رغبته نفساً وطبعا ليتحول هذا الإدراك إلى فعلٍ مُفهم للمساكنة ومُفعم بالمودة والرحمة .

    وغالباً ما تكون المُساكنة بين الزوجين ليلاً بحسب الرصد القرآني كما في قوله تعالى

    ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ )) (67)يونس

    ((وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )) (13)الأنعام

    والسكون في الليل هو أعم من النوم فيشمل الراحة والقرار والكون مع الزوجة ومساكنتها .

    بدليل إفراد النوم كآية إلهيّة في آية خاصة

    قال تعالى ((وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)) (23) الروم

    ويظهرُ أنَّ المُساكنة هي حقٌ مُشتركٌ للزوجين
    ( ففي جانب الزوجة يتمثّل بتمكين نفسها لزوجها للمقاربة وغيرها من الاستمتاعات الثابتة له بمقتضى العقد في أيِ وقتٍ شاء ولا تمنعه عنها إلاّ لعذر شرعي وأيضاً أن لا تخرج من بيتها من دون اذنه إذا كان ذلك منافياً لحقه في الاستمتاع بها بل مطلقا على الأظهر )
    :منهاج الصالحين :السيد علي السيستاني :ج3:ص103:بتصرف مني :

    وهذا الحق يُصنّف على الواجبات الشرعية في منتظم العلاقة الزوجية بحسب فتوى الفقهاء .

    وفي جانب الزوج يتمثّل هذا الحق بتوفير الغذاء و اللباس والمسكن وسائر ما تحتاجه الزوجة من شؤونها الخاصة وأن لا يؤذيها أو يظلمها دون وجه شرعي وأن لا يهجرها رأساً وأن لا يترك مقاربتها أزيد من أربعة أشهر إلاّ لعذر كالحرج والضرر أو مع رضاها .

    وتعتبرُ المُساكنة بين الزوجين موضوعاً لأحكام شرعيّة مهمة جدا في محور الحياة فبتحقيق المُساكنة من الزوجة لزوجها فإنها تلزمه بوجوب النفقة عليها كونها قد أدّت حقاً له واجباً عليها .

    وإذا ما لم تُساكنه بالوجه الصحيح والمشروع فستسقط نفقتها عليه شرعاً ذلك لأنّها (الزوجة) لم تمكِّنه مما يستحقه من الاستمتاع بها من عدم إزالة المنفرات المُضادة للتمتع والالتذاذ منها وترك التنظيف والتزيين (لنفسها) مع اقتضاء الزوج لها أو خروجها من بيته دون اذنه .

    وما ينبغي بالزوجين تصوره وفعله أنَّ المُساكنة بينهما هي ثقافة مؤسِّسة لحياة آمنة وصالحة تصبُ في إكمال المسيرة على أحسن وجه .

    وأكثر ما يقع من الانفصال بين الزوجين هو بسبب غياب الوعي بهذه الثقافة السلوكية والطبيعية والتي تبتني على عناصر المبادرة والفعل والجذب والاعداد من الطرفين .
    فما يريده الزوج من زوجته هو نفس ما تريده منه بحسب الطبع ولكن قد يحصل النشوز أو الجهل بذلك مما يُسهم في عمليّة فك العقد وهدم الأسرة .

    أو لا أقل من دفع الزوج للبحث عن طرق أخرى شرعية أو غير شرعيّة للمعاشرة واشباع الرغبة بفعل توفر عناصر الجذب الملائمة له عند غير زوجته .
    ليترك زوجته مهجورةً ومُعلّقة .

    ويُخيَّلُ للباحث الاجتماعي أنَّ القسط الأكبر من القدرة على مسك الزوجة لزوجها يقع على اتقانها لأفانين إدارة المساكنة والمعاشرة سلوكا وتعبيرا .

    كونها هي المنتهى في الرغبة والفعل بخلاف الزوج والذي تقع عليه المبادرة مع ارتفاع الموانع وتوفر المُعدّات .



    ______________________________

    مرتضى علي الحلي / النجف الأشرف


    التعديل الأخير تم بواسطة مرتضى علي الحلي 12; الساعة 25-04-2015, 03:01 PM.
يعمل...
X