إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الشكر في القرآن .. جنبة عقائدية

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الشكر في القرآن .. جنبة عقائدية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الميامين واللعن على أعدائهم أجمعين .
    يعتبر التدبر في القرآن من الأمور المرغوبة في الشريعة ، وقد ورد الترغيب في ذلك بروايات عديدة ، ومن النادر أن يخرج قاريء القرآن من حياضه بلا فائدة ، كيف والكنوز الربانية تلمع وسط كلماته المباركة .
    وهذه الأسطر ، محاولة للتدبر في المعنى العقدي لكلمة الشكر في القرآن . حيث تكرر في القرآن الكريم كلمة ( يشكر ، يشكرون ، اشكروا .. ) مرات عديدة ، والمتدبر في هذه الآيات يلاحظ أمرين :

    أ- أن للشكر في القرآن قسمين أحدهما أخلاقي والآخر عقائدي .
    ب- أن العقائدي منه مرتبط بولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام.

    وفي هذه الوريقات سنتدبر بعض الآيات المباركة حول ذلك ، مدعومة بروايات معصومية ، كل ذلك ليعرف الموالي أن أمر أهل البيت في القرآن ثابت لا تشوبه شائبة ، تصريحا تارة وتلميحا تارة أخرى .


    تساءلت وأنا أردد قوله تعالى : " كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " :
    ما المقصود بهذا التهديد المشدد بتوكيد اللام والنون : " لتسألن " عن النعيم في يوم القيامة ؟
    أليس الله تعالى هو الجواد ؟ أليس هو الكريم ؟
    أليس الإنسان هو المخلوق الفقير إلى الله ؟
    فلماذا إذن يتوعد الخالق الكريم بمحاسبة المخلوق الفقير على النعم التي وهبها له فهل جاء الإنسان إلى هذه الدنيا بمحض إرادته ؟!

    قبل الجواب ، نشير إلى نقطتين :
    النقطة الأولى :
    أن الشكر العقائدي مقدم رتـــبة على الشـــكر العمـــلي من حـيث الأهميــة ، لأن الضـــلال – وهو الانحراف النظري عن الحق – أبغض إلى الله من الفسق – وهو الانحراف السلوكي - وهذا واضح في ثنايا القرآن الكريم .

    فمغفرة السلوك أمر مرتبط بصحة العقيدة ، " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر دون ذلك لمن يشاء " ، وشكر الله يتحقق من خلال التدين بالعقائد الحقة ثم تأتي نوبة شكره بالعبادات العملية، لاحظ بدقة كلام الإمام الرضا عليه السلام :

    " اعلموا أنكم لا تشكرون الله بعد إيمانكم بالله ورسوله وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمد عليه السلام أحب إليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين "[1]، حيث قدم هنا الإمام (ع) الشكر المرتبط بالقلب على الشكر المرتبط بالعمل ، ومن هنا نقسم الشكر إلى قسمين : الشكر العقائدي والشكر العملي .

    النقطة الثانية :
    وهي أن فهم القرآن بالقرآن سبيل مهم لتدبر هذا الكتاب الكريم ، كما ذكر السيد الخوئي (قده) في مقدمة تفسيره .


    الشكر في القرآن :
    لا خلاف بأن العقائد محلها القلب ، والعبادات محلها الجوارح ، وقد تناولت آيات قرآنية وروايات معصومية متـعددة موضوع الشكر، يظهر منها أن للشكر جنبتان :

    جنبة أخلاقية :
    وتتعلق بالسلوك الواجب على العبد في مقابل النعم الإلهية عليه ، كما في قول الله تعالى :" بل الله فاعبد وكن من الشاكرين" ، وقوله تعالى : " اعملوا آل داود شكرا "، فيلفت القرآن النظر هنا إلى الجانب العملي من الشكر .

    وجنبة عقائدية :
    وهي تتعلق بالجوانح ، كما في قوله – سبحانه وتعالى - على لسان سليمان(ع) : " ليبلوني أأشكر أم أكفر" ، وقوله :" فمن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني كريم " ، لاحظ أن الله سبحانه وتعالى قد قابل الشكر بالكفر في هذه الآيات ، فالراجح إذاً أن كلمة الشكر هنا تختص بالجانب العقائدي ، وهذه ستكون محط حديثنا في هذه الرسالة.

    متى يكون الشكر راجحا ومتى يكون واجبا ؟
    يرتبط الشكر بأهمية النعمة وعظمتها والعلاقة بينهما علاقة طردية ، بمعنى :

    أـــ أن الشكر قد يكون راجحا في حالات ، كدعوة غني إلى طعام، فإن هذا الغني لا يحتاج الطعام ، ولكن ينبغي عليه شكر الداعي، فإن لم يفعل فقد خالف الأدب وقد يلام .

    ب ــ ولكن رجحان الشكر قد يرتفع درجات . فحينما يواجه شخص ما مشكلة عويصة ، فينجيه منها محسن ، كمن يحل عليه ديـْن حتى كاد أن يسجن ، فينجيه المحسن من ذلك ويدفع عنه دينه ، فشكر هذا المنعم يكون أرجح ويصل حد الوجوب عنـد العقلاء ، ويلام تارك الشكر في هذه الحالة قطعا .

    ج ــ ويرتفع وجوب الشكر حتى يصل أقصى درجات الوجوب ليكون العقاب على ترك الشكر جائزا حينئذ . فهب أن رجلا يعالج سكرات الموت على فراشه والألم يعتصره وعجز عنه أغلب الأطباء والجراحين المهرة ، فيعالجه طبيب بعد يأس ، دون ألم ، لتعود إلى المحتضر صحته وعافيته فلا ريب بجواز عقاب هذا المريض إن أعرض عن شكر المنعم هنا وهو الطبيب .

    في المـثال الأول : إذا لم يشكر الغنيّ من دعاه ، قد يعذر وقد يلام .
    في المثال الثاني : إذا ترك شكر المحسن فعيبٌ لا يعذره أحد ، ويلام
    على تركه قطعا .
    في المثال الثالث : فإن تارك شكر الطبيب يستحق اللوم إضافة إلى
    العقوبة، وهو بها جدير .

    كيف يكون شكر المنعم ؟
    هناك ثلاثة شرائط لتحقق الشكر كما يبين علماء الأخلاق :
    الشــرط الأول : أن يكون شكر المنعم بحسبه ، فشكر الملك
    يختلف عن شكر خادمه .
    الشرط الثاني : أن يكون شكر المنعم كما يريد هو .
    الشرط الثالث : أن يكون الشكر بلحاظ عظمة النعمة وأهميتها .

    لذلك ، ولأنه لا يعرف عظمة الله تعالى إلا هو ، فإنه لا يصح لأحد أن يحدد طريقة شكره ولا أن يغيرها عما هي عليه إلا هو سبحانه ، وغير ذلك محال .
    وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما عرفناك حق معرفتك ، وما عبدناك حق عبادتك " .

    وهذا يدل على استحالة أن يبلغ الشكر حد التساوي مع نعـم الله حتى من قِبـَل أنفس طابت وطهرت كنفس رسول الله صلى الله عليه وآله ، وبهذا وردت روايات عن أهل بيت العصمة ، ولذلك فإن طريقة شكر المنعم يحددها هو نفسه ، لأنه الأعرف بمقام نفسه جل جلاله ، وكيفية شكره .

    إنما أعبد من حيث أريد :
    وقد ورد في الرواية أن إبليس – الملعون – قد امتنع عن السجود لرب العباد واعداً بعبادته عبادة لم يعبده أحد قبله ولا بعده ، شرط إعفائه عن السجدة ، ولكن هل يقبل الله تعالى منه ذلك ؟ قال تعالى لإبليس : " إنما أعبد من حيث أريد " . وقد قال تعالى بالحديث القدسي المشهور : " ما تقرب إلي عبد بمثل ما افترضته عليـــــــه " .
    وقد ورد في تراث المسلمين سنة وشيعة ، معنى مهم يمكن ملاحظته طي بعض الروايـــــات ، حيث ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قوله :
    " أخلص دينك ، يكفك القليل من العمل " .
    وقوله : " من أحدث في أمرنا هذا فهو رد عليه " ، وعن أمير المؤمنين (ع) أنه كان كثيرا ما يقول :
    " يا أيها الناس دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره والسيئة فيه تغفر والحسنة في غيره لا تقبل" ، وعن الصادق (ع) : " قليل من العمل من العاقل ( العالم ) مقبول مضاعف ، وكثير من العمل من أهل الهوى والجهل مـــــــــردود ".
    وهذا كله يدور مدار قوله تعالى : " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " .

    فالمحصلة هنا نقطتان :
    الأولى : أن الشكر لا يصح إلا كما يريد الله ، لا كما نريد نحن
    ونفترض .
    الثانية : أن القليل من شكره سبحانه بالطريقة التي افترضها على عبده
    مقبول مأجور عنده ، بينما الكثير من العمل مما افترضه
    الإنسان على نفسه لا قيمة له .
    وهنا ، فإن أصل البحث الذي نريد أن نثبته أو نؤكد عليه هو أن مجرد الإيمان بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من أهم صور الشكر العقائدي لنعمة الإسلام ، ويترتب عليها معرفة الشكر العملي المقبول .



    ما هو أخطر شيء واجه المجتمع الإسلامي ؟
    لا يخفى على قاريء التاريخ أن أخطر ما واجه الإسلام هو وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، فأغلب أو كل الحركات الإصلاحية في العالم إن غاب عنها منشؤها تبدأ بالانحدار والتهاوي وقد تضمحل ، وعلاقة هذه الحركة المحمدية العظمى برسولها على ذلك النحو تماما ، لهذا حذر – سبحانه وتعالى – المسلمين بقوله : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم عـلى أعقابكم ومن ينقـلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيـجزي الله الشـاكرين " .

    بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد حذر صحبه أن كثيرا منهم سيرتدون على أعقابهم كما في حديث الحوض المشهور والذي يرويه البخاري وغيره ، محذرا أنه " لا يخلص منهم إلا مثل همل النعم " .

    وقد أنذرهم صلى الله عليه وآله وسلم أيضا بقوله :
    " لا تعودوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ، ولكنهم فعلوا عين ما حذرهم منه ، مما يثبت نقطتنا البديهية ، وهي أن أخطر ما واجه الإسلام كان فقدُ النبي الأكرم وما أعقبه من ردة على مستوى المفاهيم .

    الانقلاب على الأعقاب في مقابل الشكر
    قال جل جلاله : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " .
    وصريح الآية بأن شكر الشاكرين في هو في الجانب العقائدي لكلمة الشكر، بقرينة أنه تعالى جعل الانقلاب على الأعقاب في مقابل الشكر ، لذا كان مجرد الثبات على العقيدة شكراً ، والانقلاب كفرا .

    ولاحظ أيضا ، أن المسلمين لم يتركوا العمل والعبادة بعد وفاة نبيهم صلى الله عليه وآله ولكنهم اختلفوا في أمور كان أبرزها هو الاعتراف بالإمامة الإلهية أو إنكارها . فهي أول الخلاف وأعظمه ، مما يعني أن الانقلاب على الأعقاب يتمحور حول هذه النقطة ، إذ لا تجدهم قد اختلفوا في عقيدة أو عمل كما اختلفوا في الإمامة .
    لذلك ، فإن المنقلبين على الأعقاب هم :
    أ - من آمن بالإمامة بالنص .
    ب – أو من أنكر الإمامة بالنص .

    وقد أشار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى ذلك في مواقف مختلفة ، منها على ورد في روضة الكافي في خطبة الوسيلة ، يقول فيها عليه السلام:
    "حتى إذا دعا الله عز وجل نبيه ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الأعقاب ، وانتكصوا على الأدبار ، وطلبوا بالأوتار ، وأظهروا الكتائب ، وردموا الباب ، وفلوا الدار ، وغيروا آثار رسول الله صلى الله عليه وآله ، ورغبوا عن أحكامه ، وبعدوا من أنواره ، واستخلفوا بمستخلفه بديلا ، اتخذوه فكانـوا ظالمـين "[2] .

    فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام يبين بأن من ينقلب على الأعقاب هو من بدل مستخلف النبي صلى الله عليه وآله ، فالنبي يقول خلّفتُ عليا، وهم يقولون بخلافة غير علي (ع) .
    فمن ثبت على أمر النبي صلى الله عليه وآله كان شاكرا ، ومن استخلف غيره انقلب على الأعقاب .

    وإذا لاحظت أن أكثر الناس ليسوا بموالين لأهل البيت (ع) عرفت معنى قول الشيطان " ولاتجد أكثرهم شاكرين " .

    وقد أورد الكليني رضوان الله عليه عن زرارة قال :
    " قلت لأبي جعفر (ع) قوله : " لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين " . فقال أبو جعفر : يازرارة ، إنما صمد لك ولأصحابك فأما الآخرين فقد فرغ منهم" [3] .

    ما هي أكبر نعمة ؟
    إذا عرفت أن أكبر مصيبة يمكن أن تصيب الإنسان هي دخول نار جهنم ، فإن أكبر نعمة هي دخول الجنة . ومقدمة دخول الجنة هو الإسلام ، قـال تعالى : " ومن يبتغ غير الإسـلام دينا فلن يقبل منه " ، والدين على ثلاثة درجات :
    أ ــ دين كامل ، وهو لله رضى .
    ب ــ ودين ناقص .
    ج ــ ودين مرفوض ، وهو غير الإسلام .

    والقطع واليقين ، أن الولاية المنصوصة - التي هي طريق النجاة من النار والفوز بالجنة - هي أكبر نعمة .


    ما الدليل على أن الولاية هي أكبر نعمة ؟
    أولا : قال تعالى " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " ، والسؤال الذي يطرح نفــسه :
    هل المقصود بالنعيم هنا هذه النعم التي أعطانا إياها الله تعالى كالصحة والعافية والطعام والشراب ؟
    أم أنها أمر غير ذلك ؟
    فإن قلت بأن الله سيسأل الإنسان عن هذه النعم ، فأنت تعزو إلى الله تعالى ما لا يليق به وهو مصدر الكرم والجود .
    فتصور معي رجلا غنيا كريما قام بالتصدق على فقير بصدقة ، فهل يرضى عقلك وتقبل نفسك أن يحاسب هذا الكريمُ الفقيرَ على تلك النعمة التي تصدق بها عليه ؟
    أليس هذا بقبيح ؟
    ألا يزداد الأمر قبحا إذا كان الغني فاحش الغنى والفقير معدِما ؟
    أيفعل بشر سويّ ذلك ؟
    فكيف يعزوه البعض إلى الله تعالى وهو مصدر الكرم والجود ؟

    نعم ، إن الوعيد في الآية مرتبط أولا بالنعم العقائدية ، وليس النعم التي يستنكف حتى الإنسان أن يحاسب الفقير عليها .. فتأمل .

    ثانيا : قال تعالى " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " ، وقد أثبت العلماء في محله أن النعمة قد تمت ورضي الله تعالى عن الإسلام دينا بعد اكتماله بإعلان ولاية علي عليه السلام .
    وبعد اكتمال الدين لا يعذر من يأتي بدين ناقص ولا يقبل منه بعد تمام الحجة عليه .
    إذاً ، فلا شكر لله تعالى يعادل العقيدة الحقة ، ويأتي من بعدها العمل الصالح المنبثق من تلك العقيدة ، وهي الولاية .


    الاختلاف حقيقة ، والصراط حقيقة :
    أـ قال تعالى : " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات " ، فالبينات هذا شأنها ، حمالة وجوه ، يضيع محكمها في متشابهها ، فهذه مسألة رؤية الخالق وهي من أمهات العقائد ، وقد اختلفوا بها ، وجسمية الخالق كذلك ، وعصمة النبي الأكرم ، وخلق القرآن وغيرها من مسائل ، جاء البيان ليهدي الناس ، فإذا بهم يختلفون فيه ومن ثم يضلون ؟! لماذا ؟!

    لابد من وليّ قيّم في كل زمان تنتهي إليه الخلافات ، يكون حكمه الفصل والمنتهى ، ولولا ذلك لأضحى القرآن مادة بيد هذا وذاك ، كلّ يدعي فهمه وعلمه زاعما الاجتهاد ، وبهذا يتعدد الصراط ويضيع السبيل ، وبهذا تكون الحجة على الله - حاشاه – وهو محال ، وخلاف قوله " فلله الحجة البالغة " .
    ب ـ قال تعالى : " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " ، أي : شاكرا متبعا السبيل ، أو كافرا تاركا له .


    فما هو السبيل ؟
    السبيل : هو مودة أهل البيت إضافة لاتباعهم .
    أما مودتهم فلقوله : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" .
    أما وجوب اتباعهم ، فلقوله : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ".

    فالمستثنيان في الآيتين ( سبيلا المودة في القربى ) متطابقان من حيث المعنى وان اختلفا لفظا وذلك لضرورة عدم التناقض في القرآن .
    وقد قال تعالى : " قل هذه سبيلي " ، وقال : " وأن هذا صراطي مستقيما " فما دام السبيل واحدا ، ومادام الصراط واحدا ، فإنه يثبت أن أهل البيـــــــــــت ( ع ) هم السبيل الحصـري لله تعالى لأن مودتهم هي اتباع السبيل . فاتخاذ سبيلهم شكر وتركه كفر ، كما في قوله تعالى :
    " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " [4] .
    ومن اللطيف أن هذه الآية قد وردت في سورة الإنسان التي جاءت تكريما لأهل البيت عليهم السلام ، فالتناسب واضح .


    علي (ع) هو العلامة والمنارة :
    هل يمكن للإنسان أن يصل إلى غايته من دون علامة على الطريق ؟ خصوصا مع وعورة الطرق وتعددها ؟
    هل يمكن أن تستدل السفن في الظلماء على مرساها من دون منارة تدلها على الميناء ؟
    فتخيل إعلانا وضع على طريق وعرة ليدلك على مبتغاك ولكن من دون أسهم ولا إشارات ، فإن وجودها حينئذ لا يضر ولا ينفع .
    إن دين الله كذلك ، فوجود صراط مستقيم وسط بقية السبل المضلّلة يقتضي علامة دالة تميز ذلك السبيل عن غيره وهذا واجب على الله تعالى شأنه لوجوب اللطف عليه ، إذ لا معنى للخلق من دون علامة تدلهم إلى الغاية ، وهذا العبث ممنوع على الخالق محال .
    وإذا كان رسول الله (ص) هو تلك العلامة ، وهو المنارة الهادية ، وهو الفرقان الذي يفصل بين المتشابهات والمحكمات ، فإن علي (ع) في محله بعد وفاته .
    أليس حبه إيمان وبغضه نفاق ؟
    أليس هو قسيم الجنة والنار كما فهم أحمد بن حنبل[5] ؟ فما لهم تركوه ؟


    سؤال : إذا كانت الولاية بعد النبوة هي النعمة العظمى فكيف يكون شكر هذه النعمة العظيمة ؟
    الجواب : قال تعالى : " فاتقوا الله لعلكم تشكرون " .

    سؤال : إذا كانت التقوى شكرا ، فمن هم المتقون ؟
    الجواب : " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " . وظاهر ذلك أن " من جاء بالصدق " هو رسول الله صلى الله عليه وآله بلا شبهة ، وأما من " صدق به " فهم المؤمنون بكل ما جاء به (ص) .

    والتقوى هنا نظير الشكر العقائدي لا الشكر العملي بدليل أن التصديق المذكور بالآية أمر قلبي ، والتقوى القلبية تختلف عن التقوى العملية ، تلك التي يمكن حتى للمنافق المرائي أن يتصف بها ظاهرا .

    وأما من كذب بما جاء به النبي أو حرف واحد منه فلا يقبل منه تقوى بل هو في أقصى درجات الظلم " فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جـاءه " ، مما يعني أن الظلم هنا ظلم عقائدي ، لأنه أشد وطأة من الظلم العملي .


    سؤال : عرفنا من كذب بالصدق ، فمن هم الصديقون ؟
    الجواب في قوله : " والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون " .
    ولكن ، كل المسلمين يزعمون أنهم مؤمنين بالله ورسله فهل كلهم صديقون ؟[6]

    قبل الجواب لاحظ وزن الصدّيقين ، قال تعالى :
    " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك فضل من الله وكفى بالله عليما " .
    لاحظ أن الله تعالى جمع من " أنعم الله عليهم " ( تذكر قوله : وأتممت عليكم نعمتي في آية اكمال الدين ) ، وهم :
    أ ـ الأنبياء .
    ب ـ الصديقون .
    ج ـ الشهداء .
    د ـ الصالحون .

    فهل يمكن بعد هذا أن تعتقد بأن الصديقين هم كل المسلمين ، لأنهم - بزعمهم - آمنوا بالله ورسله ؟
    الحقيقة ، أن الإيمان بالله – تعالى - ( كما وصفه أولياؤه ) ، والإيــــمان برسله ( كل رسله ) أمر لا يتحقق إلا للقلة ، لذلك استحقوا أن يوصفوا بالصديقين وأن يجمعهم الله تعالى مع الأنبياء والصالحين والشهداء .

    إن مفتاح فهم قوله : " ومن يؤمن بالله ورسله فأولئك هم الصديقون " يكمن في إدراك أن معنى كلمة " رسله " لا تعني أصحاب الشرائع ، فالأنبياء والأوصياء خارجون عن دائرة أصحاب الشرائع ، فليس كل نبي رسول ، لكن كل رسول نبي .
    فهل يمكن – بهذا النقص المعرفي والإيماني – أن يكون المؤمن من الصديقين ؟!


    حقيقة الأمر :
    أن " الرسل " المقصودون هنا هم كل من يصدق عليه أنه رسول بالمعنى القرآني العام للكلمة وليس بالمعنى الخاص .
    فـكلمة " الرسول" بالمعـنى الخاص تطلق على صاحب الشريعة ، أمــا كلــمـة " الرسول " بالمعنى العام فقد تطلق على فئات ، كملائكة الموت كما في قوله : " حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا " ، وكقوله : " فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قال إنما أنا رسول ربك " وهو الروح القدس ، وقال : " إنه لقول رسول كريم " ، ويقصد به جبريل (ع) .. بل حتى الطير الأبابيل كانت مرسلة منه سبحانه إذ يقول: " فأرسلنا عليهم طيرا أبابيل " .
    إذا ، فكلمة رسول غير محصورة بأصحاب الشرائع في القرآن ، وكذلك في اللغة ، ومن أهم مصاديق " رسله " – بهذا المعنى ، آل محمد (ص) الذين اصطفاهم الله تعالى وأرسلهم من بعد النبي وحباهم رتبة الإمامة .


    فالمقصود بقوله " آمنوا بالله ورسله هم الصديقون " هو الرسول بالمعنى العام الذي يشمل الأوصياء ، وهو أصعب على القلوب التي خلت من الإيمان بهم ففشلت في الابتلاء ، لذلك غدى مقام الصديقين مقاما عاليا لصعوبته .
    وأيضا ، قوله تعالى في نفس الآية :
    " مع الذين أنعم الله عليهم " ، يؤكد أن الصديقين هم المؤمنون بالأوصياء (ع) ضمن الرسل بالمعنى العام ، وذلك عندما نتذكر أن تعبير القرآن عن يوم تنصيب علي (ع) وليا بأنه يوم إتمام النعمة : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " .


    وبالعودة إلى قوله تعالى :
    " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " ، فقد بدا واضحا أن قوله "انقلبتم على أعقابكم " جاء في مقابـل " الشاكرين " ، وأن الشكر المذكور عقائدي ، ويتحقق بمجرد الثبات على الإمامة ، فهي الأمر الوحيد الذي تفرقت الأمة بسببه حتى تضاربت .

    العدد ، مصداق آخر لحقيقة ما ذكرناه :
    قال تعالى : " وقليل من عبادي الشكور" ، وهم في جميع العصور كذلك، وفي عصر دولة الإسلام لا ينطبق إلا على المؤمنين بولاية أمير المؤمنين وأبنائه الأحد عشر ، فالإثنا عشرية هم الأقل في مقابل هاتك الجماهير الموالية لغير آل محمد صلى الله عليه وآله ، والإثنا عشرية هم الشاكرون القلة الذين بقوا مع علي عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ينهلون منه الإسلام الحقيقي .


    ماذا عن غير الشاكرين وهم الغالبية ؟
    قال تعالى على لسان ابليس : " ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ثم لا تجد أكثرهم شـاكرين " ، لاحظ قوله: " أكثرهم " ، وقوله : " شاكرين " ، وسيتضح لك أن المنقلب على عقبيه لعبة بيد الشيطان يمنعه عن الشكـر الذي هو الولاية ، وهؤلاء هم الأغلب كما بين الله تعالى بقوله "أكثرهم ".

    فإذا تبين لك ذلك ، فعلى ضوئه يمكننا أن نفهم قوله تعالى :
    " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ، ثم ننجي الذين اتقوا ( أي قبلوا الإمامة) ونذر الظالمين ( الذين كذبوا بالصدق إذ جاءهم ) فيها جثيا " .
    فالذين اتقوا هم الشيعة الإمامية ، " من جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " ، وهم علي عليه السلام ومن تبعه ، وقد أورد ذلك القندوزي في الدر المنثور عن أبي هريرة ، وابن المغازلي في مناقبه عن مجاهد وغيرهما وقد أطبقت على ذلك الشيعة .
    ومن هنا نفهم معنى قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله : " علي خير البشر فمن امترى فقد كفر ومن رضي فقد شكر " كما أورده ابن عساكر، ولاحظ كيف كان الشكر مرة أخرى في وصف الموالين والكفر في وصف المعاندين .


    تأييد ذلك من الروايات :
    وفي ذلك قال الإمام الرضا عليه السلام كما في البحار عن ابراهيم بن العباس الصولي قال : كنا يوما بين يدي علي بن موسى الرضا عليهما السلام فقال : ليس في الدنيا نعيم حقيقي .
    فقال بعض الفقهاء ممن يحضره : فيقول الله عز وجل " ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم " أما هذا النعيم في الدنيا الماء البارد ؟
    فقال له ( الإمام ) الرضا عليه السلام وعلا صوته : كذا فسرتموه أنتم وجعلتموه على ضروب ، فقال طائفة هو الماء البارد وقال غيرهم هو الطعام الطيب وقال آخرون هو النوم الطيب ، ولقد حدثني أبي عن أبيه أبي عبدالله عليه السلام أن أقوالكم هذه ذكرت عنده في قول الله عز وجل:
    " لتسئلن يومئذ عن النعيم " فغضب ، وقال : إن الله ( عز وجل ) لا يسأل عباده عما تفضل عليهم به ، ولا يمن بذلك عليهم ، والامتنان بالإنعام مستقبح من المخلوقين فكيف يضاف إلى الخالق ( عز وجل ) ما لا يرضى المخلوقين به ، ولكن النعيم حبنا أهل البيت وموالاتنا" [7].

    وقد أورد البحراني في البرهان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم .. الآية ) " يعني بالشاكرين علي بن أبي طالب عليه السلام والمرتدين على أعقابهم الذين ارتدوا عنه " [8].


    فما هو أجر الشكر ؟
    قال تعالى : " ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه " .
    وقال: " إلا آل لوط نجيناهم بسحر، نعمة من عندنا ، كذلك نجزي من شكر" فجزاء الشكر يعود للإنسان نفسه وهـو النجاة من العذاب : " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " .

    ولعل من تطبيقات مفهوم الشكر بالمعنى الذي ذكرناه في القرآن بارز في قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام :
    " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون".
    أما قوله : " ذريتي " ، فهم آل محمد (ص) .
    أما قوله : " أفئدة من الناس تهوي إليهم " أي المودة [9] ومحلها الفؤاد.
    أما قوله : " يشكرون" ، فالشكر نتيجة لاتخاذهم (ع) سبيلا .
    ورد في تفسير العياشي عن أبي جعفر (ع): " نحن هم ، ونحن بقية تلك الذرية ".

    وفي روضة الكافي مما قال أبو جعفر لقتادة : " .. فنحن والله دعوة إبراهيم صلى الله عليه وآله التي من هوانا قلبه قبلت حجته .. فإذا كان كذلك كان آمنا من عذاب جهنم " [10].


    ما يفعل الله بعذابكم ؟
    وعلى ضوء ذلك ، ليس من المستبعد أن يكون قوله تعالى : " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم " أي إذا توليتم عليا وآمنتم به ، ليتحقق الشكر الأعظم وهو الشكر العقائدي .
    وهذا الأمان المذكور في الآية قد تكرر لمن تولى عليا روايات كثيرة ، منها:
    قوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام كما في تاريخ الخطيب عن ابن عباس قال : قلت للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : " يا رسول الله للنار جواز ؟
    قال : نعم . قال : وما هو ؟ قال : حب علي بن أبي طالب " .

    في مجمع الزوائد للهيثمي قال : ( قال علي عليه السـلام ) : إن خليلي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : يا علي ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليك عدوك غضابا مقمحين ... ورواه الطبراني في الأوسط .

    وفي الصواعق المحرقة لابن حجر : قال : وأخرج الديلمي يعني عن النبي (ص) : يا علي ، إن الله غفر لك ولذريتك وولدك وأهلك ولشيعتك ولمحبي شيــــعتك .

    وهذا المعنى متواتر في الروايات إن دار الحديث عن السند ، فتدعم هذه المعاني بعضها بعضا لتثبت أن الجنة إنما هي للشاكرين أتباع علي عليه السلام .


    خلاصة :
    لو استطاع هذا البحث أن يلفت نظرك أيها القاريء الكريم وأنت تقرأ القرآن عند بلوغك كلمة الشكر أحيانا لتفهمها بالبعد العقائدي ، سيكون البحث قد حقق هدفه ، لأن المحصلة التي ستظهر لك : أن لا شكر إلا بالولاية ، أو إن شئت فقل : أن الشكر هو الولاية .


    [1] - البحار ج 78ص355 .

    [2] - تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب للقمي ص236 .

    [3] - الكافي ج8 ص145 .

    [4] - بلحاظ كلمات فقهاء الطائفة أعلى الله كلمتهم يتبين أن الكفر هنا هو كفر بالولاية ولا يعني الخروج من الاسلام إلا بشروط مذكورة في محلها .

    [5] - رواه القاضي أبي يعلى الحنفي في طبقات الحنابلة ، ج1 ص 320 .

    [6] - لا يصح هذا الافتراض ، فالمسلمون أقل درجة من المؤمنين " لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا " ، فبالاسلام يمنح المسلم حقوقه الدينية في دار الدنيا ، ولكن لن ينفعه في الآخرة إلا الإيمان .

    [7] - سفينة البحار ج8 ص285 باب النون بعده العين .

    [8] - البرهان للبحراني نقلا عن المناقب ج2ص 120 .

    [9] - وهي التي وردت في قوله تعالى : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " .

    [10] - ومثله مما ورد في الاحتجاج ومجمع البيان وبصائر الدرجات وقد جمع مجموعة منها الحويزي ( قدس سره ) في تفسيره نور الثقلين ، فاقصده .


  • #2
    اللهم صلِ على محمد واله الطيبين الطاهرين
    الشكر الجزيل للاخ الفاضل الانصاري على هذا البحث القيم والمبارك
    نسال الله تعالى ان نشكركه حق شكره ان هدنا واجتبانا وخصنا بولاية اهل البيت عليهم السلام .
    السَّلامُ عَلَى مَحَالِّ مَعْرِفَةِ اللهِ ، وَمَسَاكِنِ بَرَكَةِ اللهِ ، وَمَعَادِنِ حِكْمَةِ اللهِ ، وَحَفَظَةِ سِرِّ اللهِ ، وَحَمَلَةِ كِتَابِ اللهِ ، وَأَوْصِيَاءِ نَبِيِّ اللهِ ، وَذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللهِ .

    تعليق


    • #3
      المشاركة الأصلية بواسطة شجون الزهراء مشاهدة المشاركة
      اللهم صلِ على محمد واله الطيبين الطاهرين
      الشكر الجزيل للاخ الفاضل الانصاري على هذا البحث القيم والمبارك
      نسال الله تعالى ان نشكركه حق شكره ان هدنا واجتبانا وخصنا بولاية اهل البيت عليهم السلام .
      الله يحفظكم
      شاكر مروركم الكريم

      نسألكم الدعاء

      تعليق

      عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
      يعمل...
      X