إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

"الـــــــــــــــــــــــصـــــــــــــــــــــــ ـــبـــــــــــــــــــــــــــــر"

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • "الـــــــــــــــــــــــصـــــــــــــــــــــــ ـــبـــــــــــــــــــــــــــــر"

    وردت مفاهيم عديدة في القرآن الكريم كالصدق والعدل والاستقامة وغيرها ذات الاثر والتأثير الكبير في البناء النفسي والاخلاقي والتربوي للانسان من جانب وفي البناء الحضاري والانساني للمجتمع من جانب آخر.
    ومن هذه المفاهيم مفهوم (الصبر). وردت كلمة (الصبر) ومشتقاتها في القرآن الكريم مائة وثلاث مرات (103)، واحيانا تتكرر في الاية مرتين كقوله تعالى "والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات".. وجاء بصيغة الفعل الماضي "ولمن صبر وغفر ان ذلك من عزم الامور". وكذلك في قوله تعالى "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار".
    وجاء بصيغة الحاضر "وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا". "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون".
    وتأتي مع لام التوكيد الداخل على الفعل الحاضر "ولنصبرن على ما اذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون".
    وتأتي ايضا بصيغة الامر "واتبع ما يوحى اليك واصبر حتى يحكم الله". "واصبر وما صبرك الا بالله ولا تحزن عليهم" "واصبر على ما اصابك ان ذلك من عزم الامور" "فاصبر ان وعد الله حق" "اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله".
    وتأتي بصيغة التعجب "فما أصبرهم على النار".
    وتأتي اسم مصدر (الصبر) "يا ايها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة" "قال بل سولت لكم انفسكم امرا فصبر جميل" "ربنا افرغ علينا صبرا وثبت اقدامنا". "قال ألم اقل لك انك لن تستطيع معي صبرا".
    وتأتي أسم فاعل (صابر) "قال ستجدني ان شاء الله صابرا ولا اعصي لك امرا". "انا وجدناه صابرا نعم العبد انه اواب".
    وتأتي اسم فاعل مسندا لواو جمع المذكر السالم او الف وتاء تأنيث جمع المؤنث السالم" "ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" "والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات".
    وتأتي بصيغة المبالغة لاسم الفاعل (صابر – صبار) "وذكرهم بأيام الله ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور". "ومزقناهم كل ممزق ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور".
    وتأتي صفة بصيغة التأنيث (صابرة) "فان يك منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين".
    ويأتي فعل الامر منها (افعل – اصبر) على صيغة (افتعل – اصطبر) على لهجة ولغة من لغات العرب. "وامر اهلك بالصلاة واصطبر عليها" "فاعبده واصطبر لعبادته" "انا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر".
    جاءت هذه الصيغة في هذه الايات الثلاث فقط وعلى هذه اللهجة جاءت كلمة يصرخون – يصطرخون في قوله تعالى "وهم يصطرخون فيها".
    هذا من حيث اللغة، اما من حيث المفهوم والمعنى فان ما وردت في كلمة (الصبر) من معان عديدة في القران الكريم تنتهي بنا الى نتيجة وخلاصته ذات دلالة كبيرة وهي ان الصبر يمثل قيمة اخلاقية وتربوية ونفسية لبناء الانسان والمجتمع كما يمثل من جانب اخر قيمة انسانية وسياسية واجتماعية اي قيمة حضارية لبناء الامة ومسيرتها الرسالية في الحياة. حتى ليمكن عد (الصبر) واعتباره سنة من سنن الله في الحياة الدنيا لبناء الانسان والمجتمع والحضارة.
    ولذلك وجدنا الامام علي عليه السلام يقدم لنا صورة تقريبية جلية لموقع الصبر في ايمان الانسان عندما قال (الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ومن لا صبر له لا ايمان له).
    فالرأس – كما نعلم – هو محتوى العقل والفكر والتوجه وبالتالي فالصبر تشبيه الامام هو من يقود ايمان الانسان ويوجهه ويرشده ويتسامى به.
    فكما ان طبيعة الحياة البشرية تقتضي الصبر في كافة المجالات كتنشئة الانسان ونموه وتكيفه مع محيطه وتعلمه وتحقيق اماله المعيشية والانسانية المختلفة كلها تحتاج لتحققها الى الصبر... اي قصته في حياة الانسان تحتاج الى صبر ومصابرة حتى يحققها – تلك هي طبيعة الحياة الدنيا.
    فكذلك قضية الايمان والتي هي اسمى من حياتنا المادية لا يمكن التقدم فيها الا بالمجاهدة والصبر لماذا ولماذا هذا التأكيد القرآني وفي السنة الشريفة على الصبر؟
    اولا: لان الصبر يدخل جزءا اساسيا في بناء الانسان النفسي والتربوي والاخلاقي اذ الصبر وسيلة اساسية للفهم والوعي والتجلي والحلم والتعقل والانضباط ولذلك وجدنا تأكيد القران الكريم على اهمية الصبر في الممارسة العبادية لان العبادة بشقيها الصبر على الطاعة والانتهاء عن المعصية بحاجة الى جرعات كبيرة من الصبر "فاعبده واصطبر لعبادته" "وامر اهلك بالصلاة واصطبر عليها" "واستعينوا بالصبر والصلاة".
    فجهاد النفس الداخلي لتربيتها واستقامتها تحتاج الى ممارسة الصلاة والاصطبار عليها لانها عندما تقام بشروطها تحقق الهدف منها: تمنع من معصية الله وتحقق التقوى.
    ثانيا: ولاننا بحاجة للصبر فيما يفرضه علينا الدين من احكام وتشريعات بالكتاب والسنة ولا يجوز ان نخالفها او نجتهد فيها فنضيع كما ضاعت امتنا بعد وفاة الرسول (ص) عندما خالفتها واجتهدت فيها. "فاصبر لحكم ربك فانك باعيننا" "فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما او كفورا".
    ثالثا: ولاننا بحاجة للصبر في الجهاد الخارجي مع الاعداء والظروف الخارجية القاهرة. فثمة دائما اعداء يعرقلون مسيرة الانسان الايمانية بالحرب او النفاق او اي اذى اخر، الامر الذي يتطلب الصبر "ربنا افرغ علينا صبرا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" "قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا".
    رابعا: ولاننا بحاجة للصبر على قضاء الله في تسلط الطواغيت في الارض وحسبما تفرضه الشروط الموضوعية والتاريخة لتسلطهم "فاصبر كما صبر اولي العزم من الرسل ولا تستعجل لهم" "فاصبر صبرا جميلا انهم يرونه بعديا و نراه قريبا". فللامم والحضارات دورات والايام دول بين الناس.
    خامسا: ولاننا بحاجة للصبر في موضوعة العلاقات الاجتماعية الانسانية والعلاقات الدولية والسياسية المختلفة، على مستوى العلاقات الانسانية "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون" "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا".
    وعلى مستوى العلاقات مع الاخرين والاعداء "وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا" "وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور".
    سادسا: ولاننا بحاجة للصبر على مصائب الحياة ونوائبها وكوارثها الاجتماعية كالحروب والطبيعة كالفيضانات والزلازل وغيرها "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس وبشر الصابرين" "والصابرين على ما اصابهم".
    ولكي ندرك اهمية (الصبر) ليس كمفهوم اخلاقي وتربوي على مستوى السلوك الانساني الخاص وانما كأحد السنن التاريخية وكأحد عوامل تأسيس المجتمع البشري والحضارة الانسانية، لا بد ان نستعرض سورة (العصر) التي عدت (الصبر) كأحد الشروط او المرتكزات الاربعة للتأسيس الحضاري "والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". وهي الايمان بالله وفق النظرية والحضارة الاسلامية. ثم العمل الصالح وفق ايمان ومباديء هذه النظرية. ثم التواصي بالحق أي الترسيخ المعرفي والثقافي والاعلامي لقضية الايمان والعمل الصالح وفقه. واخيرا التواصي بالصبر كركيزة اخلاقية ووسيلة اساسية لتحقيق اهداف هذا الايمان والعمل به والتواصل المعرفي والثقافي لترسيخه وتثبيته وصولا لغايات هذا الايمان في تحقيق التقوى ورضا الله سبحانه، غاية الاسلام الرسالات السماوية.
    وهذه المرتكزات الاربعة – اعني كمباديء – معتمدة ايضا في نشوء النظريات والحضارات الاخرى، فلديها قضية اساسية محورية تعتمدها كالحرية في الحضارة المادية الغربية ولديها نظريتها في السلوك والعمل الانساني وفق هذه القضية كالحرية الشخصية والاقتصادية (الركيزة الثانية). وتعمل لفلسفة وترسيخ حضارتها وفق قضيتها اعلاميا ومعرفيا (الركيزة الثالثة). وتعمل وفق خطط قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى لتحقيق اهدافها، غاية ما في الامر انها لا تؤطرها بالصبر كقيمة اخلاقية لانها تعمل وفق شروط مختلفة ولا اخلاقية في غالبها كالغلبة والتآمر والاستعمار لتحقيق اهدافها.
    ولكي نقترب من هذا المستوى التنظيري للشروط الموضوعية التي اعلنتها سورة العصر لتأسيس المجتمع الاسلامي في اعتماد الركيزة الرابعة (الصبر)، الى المستوى التطبيقي والعملي، نجد ان الاسلام فيما اعلنه وأسسه رسول الله (ص) نظرية الامامة وفي اعلانه للحديث المتواتر "اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترة اهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض"، يؤكد ويؤسس لشرط الامتداد الرسالي الزمني للاسلام. نعم كملت الرسالة على يدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وتمت النعمة بعد ابلاغه امامة وولاية امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام. واعلانه اهل بيته هم الثقل واعلانه اهل بيته هم الثقل الثاني للرسالة لتباينها وتثبيت عقائدها واهدافها وحفظها من التشويه والانحراف وهي مسؤولية الثقل الثاني وهم ائمة اهل البيت عليهم السلام التي ستمتد فترة قرنين ونصف القرن عمر الامامة الظاهرة للائمة الاثني عشر وامتداد الامامة الغائبة حتى اليوم لاكثر من الف ومئتي عام.
    والنتيجة التي نخلص اليها ان امتداد الرسالة النبوية بالثقل الثاني ائمة اهل البيت عليهم السلام على امتداد قرنين ونصف القرن التثبيت معالم الدين ونظرية وعقيدة الانتظار للامام المهدي عليه السلام وان حكومة العدل الالهي لم يحن امرها ووقتها الى حيث يشاء الله سبحانه... لا بد امام هذا المشروع الحضاري الممتد زمنيا ان نعتمد الركيزة الرابعة (الصبر) كسنة تاريخية لتأسيس المشروع الحضاري للاسلام.
    وهذه هي نقطة الافتراق بين مدرسة الخلفاء والمدرسة الاموية وبين مدرسة اهل البيت عليهم السلام.
    ان الاسلام عند اهل البيت عليهم السلام مشروع قيمي انساني حضاري اولا قبل ان يكون مشروع حكم. اما المدرسة الواقعية التي حكمت في تاريخ المسلمين فهي مدرسة، الاسلام لديها مشروع سياسي، مشروع حكم فحسب يتحقق بالغلبة. ان مردسة الخلفاء هذه ومدرسة بني امية التي تحققت بالغلبة السياسية اي بالقهر والتآمر والسيف هذه لا تضع في حساباتها موضوعة الزمن والصبر بتحقيق اهداف رسالية او مبدأية، انها مشروع حكم فحسب، لذلك هي تتسابق مع الزمن للغلبة والسيطرة والحكم، نتاجها الصارخ الاول في مدرسة بني امية والخلافة العباسية والمماليك والخلافة العثمانية حتى يومنا هذا الذي ورثت هذا الخط فيه من مدارس التشديد والتكفير والقتل والذبح باسم الاسلام وما حصل ويحصل في افغانستان ومصر والجزائر وليبيا وسوريا والعراق واليمن وغيرها من البلدان على يد التفكيريين والسلفيين والوهابيين وداعش اخيرا هي امتداد طبيعي لتلك المدرسة الاولى للحكم وتحمل نفس الجذور والتوجهات والاهداف. ان تحكم وتسيطر وتستبيح حرمات الناس حياتهم واموالهم واعراضهم فلا وقت لديها ولا صبر عندها...
    امام مدرسة اهل البيت عليهم السلام فهي مشروع حضاري لتثبيت دعائم ومعاني وقيم الاسلام تستهدف بناء الانسان والمجتمع اخلاقيا وعلميا وحضاريا.
    اما الحكم لديها وتطبيق العدل الالهي في الارض فانه مرتبط بعوامل الزمن وسنن التاريخ وحتى بأذن الله بذلك ولذلك هي تحسب للزمن والحالة الاجتماعية والدينية والنفسية وكذلك للحالة الثقافية الفكرية كلها تأخذها في نظر الاعتبار في حركتها السياسية فتصبح حركتها السياسية غير مرهونة للسيطرة والحكم وانما للمستوى الذي يسمح للامام ان يتقدم ويقود الناس للحكم وبالتالي فان هذه المدرسة تعتمد نظرية السنن التاريخية للتغيير اي تلحظ وتأخذ بنظر الاعتبار الشروط الموضوعية للتغيير. فمثل هذا المشروع يمتلك رؤية بعيدة المدى واهدافا وسطية وقريبة يسعى لتحقيقها ولديه خطط بديلة دائما. فهو يضع دائما الزمن سنة تاريخية والصبر قيمة اخلاقية للتغيير الحضاري. وقد اثبتت مدرسة اهل البيت عليهم السلام ما تتمتع به من هذه الخصال والطاقة الكبيرة من الصبر للتحمل والشجاعة في المواجهة في ابلاغ معالم الرسالة الاسلامية وتثبيت ونشر مبادئها وقيمها.
    نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

  • #2
    احسنتم اخي الكريم على هذا الطرح القيم جعله الله تعالى في ميزان حسناتكم

    تعليق


    • #3
      شكرا لكم أخي الكريم على هذا النشر القيّم
      وموفقٌ إن شاء اللهُ تعالى

      الموضوع مهم جدا وهادفٌ

      تعليق


      • #4
        موضوع قيم وأسطر رائعة وكلمات وشرح إيماني يدخل القلب منذ الوهلة الأولى
        يعطيك العافية وجزاك
        الله خيرا
        لـــطرحك الرائع والقيم
        دمت بحفظ
        الله ورعايته .

        تعليق

        عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
        يعمل...
        X