إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التفرغ في العبادة يوجب الغنى في القلب

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التفرغ في العبادة يوجب الغنى في القلب

    في بيان أن التفرغ في العبادة يوجب الغنى في القلب
    لا بد من معرفة أن الغنى من الأوصاف الكمالية للنفس، بل يكون من الصفات الكمالية للموجود بما أنه موجود، ولهذا، يكون الغنى من الصفات الذاتية للذات الحق المقدس جلّ وعلا، وإن الثروة والأموال لا توجب الغنى في النفس، بل نستطيع أن نقول إن من لا يملك غنىً في النفس، يكون حرصه تجاه المال والثراء والمنال أكثر، وحاجته أشد. ولمّا لم يكن أحد غنياً حقيقياً أمام ساحة الحق جلّ جلاله المقدسة الغنى بالذات، وكانت الموجودات كلها من أدنيها وهو التراب
    [ 476 ]
    إلى ذُروة الأفلاك، ومن والهيولى الأولى إلى الجبروت الأعلى، فقيرة ومحتاجة، لهذا كلما كان تعلق القلب إلى غير الحق، وتوجّه الباطن نحو تعمير المُلك والدنيا أشدّ، كان الفقر والحاجة أكثر، أما الحاجة القلبية، والفقر الروحي، فواضح جداً، لأن نفس التعلق والتوجه فقر. وأما الحاجة الخارجية التي تؤكد بدورها الفقر القلبي، فهي أيضا أكثر، لأن أحداً لا يستطيع النهوض بأعماله بنفسه، فيحتاج في ذلك إلى غيره. والأثرياء وإن ظهروا في مظهر الغنى ولكنهم بالتمعن يتبين أن حاجتهم تتضاعف على قدر تزايد ثرواتهم. فالأثرياء فقراء في مظهر الأغنيـاء، ومحتاجون في زيّ من لا يحتاج.
    وكلّما اتجه القلب نحو تدبير الأمور وتعمير الدنيا أكثر، وكان تعلقه أشد، كان غبار الذل والمسكنة عليه أوفر، وظلام الهوان والحاجة أوسع، وعلى العكس كلّما رَكَلَ بقدمه التعلق بالدنيا، حوّل بوجه قلبه إلى الغنى المطلق، وآمن بالفقر الذاتي للموجودات، وعرف بأن أحداً من الكائنات لا يملك لنفسه شيئاً، وأن جميع الأقوياء والأعزّاء والسلاطين قد سمعوا بقلوبهم أمام ساحة الحق المقدسة من الهاتف الملكوتي، واللسان الغيبي، الآية الكريمة (يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(1). كلما استغنى الإنسان عن العالمين أكثر، وبلغ مستوى استغنائه درجة لا يرى لمُلك سليمان قيمة، ولا يأبه بخزائن الأرض عندما توضع بين يديه مفاتيحها. كما ورد في الحديث أن جبرائيل قد هبط من قبل الله تعالى بمفاتيح خزائن الأرض لخاتم النبيين صلّى الله عليه وآله وسلم، فتواضع صلوات الله وسلامه عليه ورفض قبولها وافتخر بفقره.
    ويقول علي بن ابي طالب عليه السّلام لابن عباس وَإنّ دُنْيَاكٌمْ عِنْدِي لأهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرادَةٍ تَقْضمُهَا (2) ويقول الأمام علي بن الحسين عليه السّلام "أَسْتَنْكفُ أنْ أَطْلُبَ الدُنيا مِن خَالِقَهَا فَكَيفَ بِطَلَبِهَا مِن مَخْلُوقٍ مثلي".
    وورد في كتاب (سلسلة الرعية الكبرى) لنجم الدين، بعد الأيمان المغلظة: "لو خيروني بين ثروة الدنيا وجاهها مع الجنة وحورها وقصورها، وأرادوا مني
    ـــــــــــــــ
    (1) سورة فاطر، آية: 15.
    (2) الخطبة 224 من نهج البلاغة.
    [ 477 ]
    مجالسة الأغنياء من جهة، وبين البؤس في الدنيا والشقاء في الآخرة وأرادوا مني مجالسة الفقراء من جهة أخرى، لاخترت الفقراء وابتعدت عن عار مجالسة الأغنياء والنار خير من العار. نعم إن أهل الحق يعرفون أن التوجه نحو خزائن الدنيا والمال والجاه والمجالسة مع أهلها يسبّب أي نوع من الكدورة والظلام في القلب؟ وكيف يبعث على الوهن والفتور في العزيمة، ويوجب الفقر والحاجة لدى القلب وفقره، ويصرفه عن الانتباه إلى النقطة المركزية الكاملة بصورة مطلقة؟ ولكن عندما أعطيت ـ أيها العزيز ـ القلب إلى أهله والبيت إلى صاحبه وأعرضت عن غيره ولم تدفع البيت إلى الغاصب، تجلّى فيه صاحبه. ومن المعلوم تجلي الغَنيّ المطلق، يدفع إلى الغني المطلق، ويغرق القلب في بحر العزة والغِنى، فيمتلأ من الغنى وعدم الاحتياج (وَلِلّهِ العِزَّةُ وَلِرَسولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(1) وينهض صاحب البيت بإدارة أموره، ولم يترك الإنسان إلى نفسـه، وإنما يتدخل ويتصرف في جميع شؤون عبده، بل يصبح هو سمعه وبصره ويده ورجله، وتتحقق ثمرة التقرب بالنوافل، كما ورد في الحديث الشريف عن الكافي بإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث: " وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّافِلَةِ حَتّى أحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَع بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا _ الحديث (2). فتوصد باب فقر العبد وفاقته نهائياً ويستغني عن العالمين.
    ومن المؤكد أنه يرتفع من وراء هذا التجلي الخوف من جميع الكائنات، ويحلَّ الخوف من الحق المتعالي محله، وتملأ القلب عظمة الحق وهيبته، ولا يرى لغير الحق عظمة واحتشاماً وتصرّفاً، ويدرك حقيقة(لا مُـؤثر فِي الوُجودِ إِلاَّ الله) بكل قلبه. وقد أشير في هذا الحديث الشريف إلى بعض هذه المطالب التي ذكرناها(تَفَرَّغْ لِعِبَادَتي املأ قَلْبَكَ غنىً ـ الخ) وهذا التفرغ القلبي لأجل العبادة يسمو بالإنسان رويداً رويداً إلى أعلى مراتب حضور القلب للعبادة.
    هذه نبذة من الآثار التي تترتب على العبادة كما ذكرناها.
    فلو أن القلب غفل عن الاشتغال بالحق وأهمل التفرغ في التوجه نحوه لغدت
    ـــــــــــــــ
    (1) سورة المنافقون، آية: 9.
    (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب من أذى المسلمين، ح8.
    [ 478 ]
    هذه الغفلة أساس كل الشقاء، وينبوع جميع النقائص ومبعث كافة الأمراض النفسية، وبسبب هذه الغفلة يحول بين القلب والحق المتعالي ظلامٌ داكن وكدورة شديدة وحجب غليظة تمنع من تغلغل نور الهداية فيه، وتحرمه من التوفيقات الإلهية، وينعطف القلب مرة واحدة إلى الدنيا وملذاتها من تعمير البطن والفرج. ويغشاه حجاب الأنانية والإنية، وتطغى النفس، ويكون تحرك صاحب هذه النفسية من خلال الترفع و الأنانية، ويبدو ذله الذاتي وفقره الحقيقي ويبتعد في كل حركاته وسكناته عن ساحة الحق المتعالي، ويكون نصيبه الخذلان. كما تولى الحديث الشريف بيانهوَأَنْ لاَ تَفْرَغْ لِعبَادَتِي أَمْلأُ قَلْبَكَ شُغْلاً بِالدُّنْيَا ثُمَّ لاَ أَسُدُّ فَاقَتَكَ وَأَكِلُكَ إِلَى طَلَبِكَ).
    تـنبـيه:
    لابد من معرفة أن المقصود من إيكال الأمر إلى العبد ـ أَكِلُكَ إلى طَلَبِكَ ـ ، ليس بمعنى تفويض الأمر إليه، لأن هذا المسلك لدى العرفاء والفلاسفة ومذهب الحق باطل وممتنع. إذ لا يوجد كائن خارج عن نطاق تصرف الحق سبحانه، وحيطة قدرة ذاته المقدس، ولا يوكل إليه شيءٌ من تدبير أموره. لكن العبد لمّا ينصرف عن الحق ويتوجه إلى الدنيا وتتحكم فيه الطبيعة وتتغلب عليه الأنانية ويبرز فيه العجب والذاتية والمحورية، يُعبر عن ذلك بإيكال الأمر إلى العبد. وأما الإنسان الذي يولي وجهه نحو الحق والملكوت الأعلى، ويغمر جوانب قلبه نور الحق، فلا محالة تكون تصرفاته حقاً، بل يتحول في بعض المراحل وجوده إلى وجود الحق. كما أشير إلى بعض هذه المقامات في الحديث الشريف المذكور في الكافي عند عرضه لبعض آثار التقرب إلى الله بالنوافل. والله العالم.
    [ 479 ]

  • #2
    الملفات المرفقة
    sigpic

    تعليق


    • #3
      المشاركة الأصلية بواسطة المستغيثه بالحجه مشاهدة المشاركة
      .....وفقكم الله تعالى عزيزتي ورزقكم كل خير وشكراااا لمروركم العطر مع خالص تحياتي ودعائي لكم

      تعليق

      المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
      حفظ-تلقائي
      Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
      x
      إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
      x
      يعمل...
      X