إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

هل الجنة والنار مخلوقتان؟

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • هل الجنة والنار مخلوقتان؟

    بسم الله الرحمن الرحيم
    إنّ الله سبحانه وعد المتقين بالجنة ، وأوْعد العاصين بالنار ، فهل هما مخلوقتان
    الآن ، أم لا؟


    الجواب : ذهبت المعتزلة ـ غير أبي على الجبّائي ـ والخوارج وطائفة من
    الزيدية ، إلى الثاني ، وذهبت الإمامية والأشاعرة إلى أنّهما مخلوقتان.
    قال الشيخ المفيد : « إنّ الجنة والنّار في هذا الوقت مخلوقتان، وبذلك جاءت
    الأخبار ، وعليه إجماع أهل الشرع والآثار » (۱).
    وقال التفتازاني : « جمهور المسلمين على أنّ الجنة والنار مخلوقتان الآن خلافاً
    لأبي هاشم والقاضي عبد الجبار ، ومَن يجري مجراهما من المعتزلة حيث زعموا أنّهما
    إنّما يُخْلَقان يوم الجزاء » (۲).
    والظاهر من السيّد الرضي ، أنّهما غير مخلوقتين الآن ، قال : « والصحيح أنّهما
    تخلقان بعد » (۳).


    أدلة القائلين بخلقهما
    استدل على كون الجنة والنار مخلوقتان ، بوجوه :


    الوجه الأول: قصة آدم وحواء ، وإسكانهما الجنة ، وأكلهما من الشجرة ،
    وخصفهما عليهما من ورق الجنة ، ثمّ إخراجهما منها ، على ما نطق به الكتاب
    والسنة ، وانعقد عليه الإجماع قبل ظهور المخالفين ، وحملهما على بستان من بساتين
    الدنيا ، ليس عليه دليل (4).
    يلاحظ عليه : إنّ حمله على غير جنة الخلد الّتي هي قرار المآب وجنة
    الثواب ، ليس أمراً بعيداً ، والجنة في أصل اللغة يعبر بها عن الرياض ،
    والمنابت ، والأشجار ، والحدائق ، والكروم المعروشة ، والنخيل.
    وعلى هذا قوله سبحانه : { وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ } (5).
    وقوله سبحانه: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا
    مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} (6).
    ويمكن أنْ يؤيّد ذلك بأنّه لو كانت جنّة الخلد ، لما خرج منها ، قال
    سبحانه : { أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا
    خَالِدُونَ} (7).
    وهذا ، وإنْ كان يُمكن حَمْلُه على مَنْ دَخَلَها بَعْدَ دارِ الدنيا ، وهو غَيْرُ متحقق
    في آدم ، ولكنه احتمال في مقابل احتمال . وكما لا يمكن الاحتجاج على كونهما
    مخلوقين بما ورد في جنة آدم ، كذلك لا يمكن الاحتجاج عليه بما ورد من كون
    الشهداء أحياءً عند ربهم يرزقون (8) ، أو بما وَرَدَ من أنّ آل فرعون يُعْرَضون على

    النار غُدُوّاً وعشياً (9) ، لأنّهما راجعان إلى الحياة البرزخية ، أو التنعيم والتعذيب
    فيهما ، غيرهُما في الآخرة.


    الوجه الثاني: الآيات الصريحة في كونهما مخلوقين ، كقوله سبحانه:
    { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (10) ، وكقوله في
    حقّ الجنة : { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (11) ، و: { أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
    وَرُسُلِهِ } (12) ، و: { وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} (13) ، وفي حق النار: { أُعِدَّتْ
    لِلْكَافِرِينَ} (14) ، و : { وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} 15 ، وحملها على التعبير عن
    المستقبل بلفظ الماضي مبالغةً في تحققه ، مثل : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} 16 ،
    و: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ } (17) ، يحتاج إلى دليل(18).
    وهذا الاستدلال أمتن من سابقه ، ومع ذلك فالاعتقاد بكونهما مخلوقتين الآن
    يتوقف على كون دلالتهما على المقصود قطعية ، وهو غير حاصل ، لما عرفتَ من
    الاحتمال الآخر (19).
    نعم ، بعض هذه الآيات لا يحتمل إلا المعنى الأوّل ، مثل قوله : {عِنْدَهَا
    جَنَّةُ الْمَأْوَى} ؛ إذ لم ير التعبير عن الشيء الّذي سيتحقّق غداً ، بالجملة
    الاسمية.

    الوجه الثالث : إنّ الله تعالى رَغّب المُكَلّفين بالجنة ، ورهّبَهم بالنار ،
    فكيف يصح الترغيب بجنة لم يخلقها ، والترهيب بنار لم يخلقها (20).
    وهذا الوجه ضعيف جداً ؛ لأنّ الجنّة الموصوفة ، لمّا كانت مقدورة له
    تعالى ، ومثلها النار ، صحّ الترغيب والترهيب ، كما رغب المكلفين في ثواب لم
    يوجد بعد ؛ لأنّ وعده صادق وأمره واقع (12).
    نعم ، هناك روايات لا يمكن العدول عنها ، لتضافرها روى الصدوق في
    الأمالي والتوحيد عن الهَرِوي ، قال : قلت : للرضا ـ عليه السَّلام ـ : يابن
    رسول الله ، أخبرني عن الجنّة والنار أهما اليوم مخلوقتان؟ فقال : نعم ، وإنّ
    رسول الله قد دخل الجنة ورأى النار ، لما عرج به إلى السماء. قال : فقلت له :
    فإنّ قوماً يقولون إنّهما اليوم مقدّرتان غير مخلوقتين . فقال ـ عليه السَّلام ـ : ما أُولئك
    منّا ولا نحن منهم ، من أنْكر خلق الجنة والنار ، فقد كذّب النبي ـ صلى الله عليه
    وآله وسلم ـ وكذّبنا (22).


    أدلة النافين لخلقهما
    استدل النافون لخلقهما بوجوه :


    ۱ ـ إنّ خلق الجنة والنار قبل يوم الجزاء ، عبث ، لا يليق بالحكيم تعالى .


    ۲ ـ إنّهما لو خلقتا لهلكتا ، لقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } (23).
    واللازم باطل ، للإجماع على دوامهما ، وللنصوص الشاهدة بدوام أُكُل الجنة
    وظلّها.


    ۳ ـ إنّهما لو وجدتا الآن فإمّا في هذا العالم ، أو في عالم آخر ، وكلاهما
    باطل ، وأمّا الأوّل : ؛ فلأنه لا يتصور في أفلاكه ، لامتناع الخرق والالتئام عليها ،
    ولامتناع حصول العنصريات فيها ، ولأنّها لا تسع جنّة عرضها كعرض السماء
    والأرض.


    وأمّا الثاني : بأن يكونا فوق محدد الجهات (24) ؛ فلأنّه يلزم أن يكون في
    اللامكان مكان ، وفي اللاجهة جهةٌ (25).


    يلاحظ على الأوّل: أنّ الحكم بالعبثية يتوقف على العلم القطعي بعدم ترتب
    غرض عليه ، ومن أين لنا بهذا العلم؟


    ويلاحظ على الثاني: أنّه ليس المراد من : { هَالِكٌ } هو تحقق انعدامه وبطلان
    وجوده ، بل المراد أنّ كل شيء هالك في نفسه ، باطل في ذاته ، لا حقيقة له إلا ما
    كان عنده ممّا أفاضه الله عليه ، والحقيقة الثابتة في الواقع الّتي ليست هالكة باطلة من
    الأشياء هي صفاته الكريمة ، وآياته الدالة عليها فيهما جميعها ثابتة بثبوت الذات
    المقدسة ، هذا بناء على كون المراد بالهالك في الآية الهالك بالفعل.
    وأمّا إذا أُريد من الهالك ما يستقبله الهلاك والفناء ، بناء على ما قيل من أنّ
    اسم الفاعل ظاهر في الاستقبال ، فهلاك الأشياء ليس بمعنى البطلان المطلق بعد
    الوجود ، بأن لا يبقى منها أثر ؛ فإنّ صريح كتاب الله ينفيه ، فإن آياته تدل على
    أنّ كل شيء مرجعه إلى الله ، وأنّه المنتهى وإليه الرجعى ، وهو الّذي يُبدىءُ الخلق ثمّ
    يعيده.
    وإنّما المراد بالهلاك على هذا الوجه ، تَبَدُّل نشأة الوجود ، والرجوع إلى الله ،
    المعبر عنه بالانتقال من الدنيا إلى الآخرة ، والتلبس بالعود بعد البدء ، وهذا إنّما
    يشمل ما كان موجوداً بوجود بدني دنيوي ، وأمّا نفس الدار الآخرة ، وما هو
    موجود بوجود أُخروي كالجنة والنار ، فلا يتصف بالهلاك بهذا المعنى. قال
    سبحانه: { مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ } (26).


    وقال سبحانه: { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ} (27) ، وقال سبحانه : { وَإِنْ
    مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ } (28) ، وكذا اللوح المحفوظ ، كما قال سبحانه :
    { وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ } (29) ، فهذه الآيات تعرب عن عدم شمول الآية إلا لما له
    وجود دنيوي ، فيتبدل إلى وجود أُخروي ، لا ما كان موجوداً بوجود أُخروي من
    بدء الأمر.


    ويلاحظ على الثالث : أنّه مبني على التصوير البَطْلَمْيوسي للعالم ، وقد أبطل
    العلم أصله ، فيبطل ما فرع عليه ؛ فإن الكون وسيع إلى حد لا تحيط به الأرقام
    والأعداد النجومية.
    وعلى ذلك يمكن أنْ تكون الجنة والنار في ذلك الفضاء الواسع الّذي لا يحيط
    بسعته إلا الله سبحانه ، وليس علينا تعيين مكانهما بالدقة ، كيف والله سبحانه
    يقول : {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (30) ، فلمّا كان المراد من جنة
    المأوى ، الجنة الموعودة ، فهي عند سدرة المنتهى ، وقد سئل ابن عباس عن سدرة
    المنتهى ، فقال : « إليها ينتهي علم كل عالم ، وما وراءها لا يعلمه إلاّ الله » (31).
    فإذا كانت سدرة المنتهى هي منتهى علم البشر ، فلن يصل علمهم إلى الجنة
    الموعودة الّتي هي عندها ، ولا يمكن لأحد تعيين مكانها ، بل غاية ما يمكن قوله هو
    أنّهما مخلوقتان موجودتان في هذا الكون غير المتناهي طولاً وعرضاً.
    وأمّا قوله سبحانه: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ
    السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } (32) ، فليس المراد من
    العَرْض فيه ما يضاد الطول ، بل هو بمعنى السعة ، والآية بصدد بيان سعة الجنة
    كما لا يخفى .

    نعم ، يستفاد من ظاهرها أنّها ليست في السماء الّتي يراد منها السيارات
    والكواكب والمجرّات الظاهرة ، وممّا يؤيد ذلك أنّ النظام السمائي السائد على
    الكون المشاهد ، يتلاشى عند قيام القيامة لقوله سبحانه : { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ
    كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (33).
    فلو كانت الجنة والنار فيها ، للزم تلاشيهما واندثارهما عند قيام القيامة.
    ويمكن أن يقال إنّ الجنة والنار كسائر الموجودات الإمكانية ، تتكاملان
    وتتسعان ، ويؤيّده ما رُوِيَ عن النبي أنّه قال : « ليلةَ أُسرِيَ بي ، مَرّ بي إبراهيم ،
    فقال : مُرْ أُمَّتَكَ أنْ يُكْثِروا من غرس الجنة ، فإنّ أرضها واسعة وتربتها طيبة ،
    قلت : وما غرس الجنة قال : لا حول ولا قوة إلا بالله » (34).
    هذا كله على القول بأنّ الجنة والنار حسب ظواهر الكتاب ، موجودتان في
    الخارج ، مع قطع النظر عن أعمال المكلف ، وأنّهما معدّتان للمطيع والعاصي ،
    وأمّا على القول بأنّه ليس لهما وراء عمل الإنسان حقيقة ، وأنّ الجنة والنار عبارة
    عن تجسم عمل الإنسان بصورة حسنة وبَهيّة ، أو قبيحة ومرعبة ، فالجنة والنار
    موجودتان واقعاً بوجودهما المناسب في الدار الآخرة ، وإن كان الإنسان ، لأجل
    كونه محاطاً بهذه الظروف الدنيوية ، غير قادر على رؤيتهما ، وإلا فالعمل ، سواء
    كان صالحاً أو طالحاً ، قد تحقق ، وله وجودان وتمثّلان ، وكلٌّ موجود في ظرفه.





    ---------------------------


    (۱) - أوائل المقالات : ص ۱۰۲.
    (۲) - شرح المقاصد : ج ۲، ص ۲۱۸، ولاحظ شرح التجريد : للقوشجي ، ص ٥۰۷، والعبارتان
    متحدتان.
    (۳) - حقائق التأويل : ص ۲٤٥.
    (4) - شرح المقاصد : ج ۲، ص ۲۱۸.
    (5) - سورة الكهف : الآية ۳۹.
    (6) - سورة سبأ : الآية ۱٥.
    7 - سورة المؤمنون : الآيتان ۱۰ ـ ۱۱.
    8 - سورة آل عمران : الآية ۱٦۹.
    9 - سورة غافر : الآية ٤٦.
    10 - سورة النجم : الآيات ۱۳ ـ ۱٥.
    11 - سورة آل عمران : الآية ۱۳۳.
    12 - سورة الحديد : الآية ۲۱.
    13 - سورة الشعراء : الآية ۹۰.
    14 - سورة آل عمران : الآية ۱۳۱.
    15 - سورة الشعراء : الآية ۹۱.
    16 - سورة الكهف : الآية ۹۹.
    17 - سورة الأعراف : الآية ٤٤.
    18 - شرح المقاصد : ج ۲، ص ۲۱۸ ـ ۲۱۹.
    19 - وقد اعتمد على هذا الاحتمال السيّد الرضي في حقائق التأويل : ص ۲٤۷، وقال : إنّ التعبير بالفعل
    الماضي ، لصحته وتحقق وقوعه ، وكأنه قد كان ، فعبر عنه بعبارة الكائن الواقع.
    20 - حقائق التأويل : ص ۲٤۸.
    21 - المصدر السابق نفسه.
    22 - حق اليقين : للسيّد شبر ، ج ۲، ص ۲۰٤.
    23 - سورة القصص : الآية ۸۸.
    24 - محدّد الجهات عبارة عن الفَلَك التاسع ، وهو الفلك الأطلس الّذي كان يعتقد به بطلميوس ، ويقول :
    ليس فوقه خلاء ولا ملاء.
    25 - لاحظ هذه الوجوه الثلاثة في شرح المقاصد : ج ۲، ص ۲۱۹.
    26 - سورة النحل : الآية ۹٦.
    27 - سورة آل عمران : الآية ۱۹۸.
    28 - سورة الحِجْر : الآية ۲۱.
    29 - سورة ق : الآية ٤.
    30 - سورة النجم : الآيتان ۱٤ ـ ۱٥.
    31 - الدر المنثور : ج ٦، ص ۱۲٥.
    32 - سورة الحديد : الآية ۲۱.
    33 - سورة الأنبياء : الآية ۱۰٤.
    34 - سفينة البحار : مادة غرس ، ج ۲، ص ۳۱۲.


    ------------------------------
    المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج٤ ، ص ٤۱۹ ـ ٤۲٥

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
يعمل...
X