إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عاشوراء ، وعيٌ وإصلاح

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عاشوراء ، وعيٌ وإصلاح



    ( قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) يوسف ١٠٨

    لمن يدقق في أوراق كربلاء ويطّلع على أسسها ومنطلقاتها وأهدافها .. سيجد أنها واقعة بين حقيقتين ، حقيقة انطلقت منها وغذّت أفكارها وشحذت همّتها وعزيمتها وأعطت شرعيتها ، هي سماء وسموّ القضية الحسينية ، وهذه متمثلة ب ( الوعي ) ، وعي المهمّة ووعي المسؤولية ووعي الزمان والظروف المحيطة .. وحقيقة أخرى اتجهت كربلاء نحوها وسارت إليها وخططت من أجل الوصول لها وبذلت دماً في سبيلها ، تتمثل ب ( الإصلاح ) ، الإصلاح الحقيقي والشامل لكل الجوانب التي تتشكل منها شخصية الأمّة الإسلامية ، وهذه الحقيقة هي أرض القضية وواقعها الخارجي ..

    ولا ينفصل ( وعي ) كربلاء عن ( إصلاحها ) وعلى طول خط مسيرتها ، بل يتحدان الى الدرجة التي يمكننا التعبير : بأن إصلاح كربلاء عبارة عن عملية صناعة وعي عالٍ في الأمّة .. الأمّة التي أصيبت في أدق مدركات وعيها ومُدخلات فهمها ومقوّمات نهضتها المعرفية ابتداءً من صدمة وإنقلاب السقيفة وصولاً الى أن تُبتلى براعٍ مثل يزيد ..!! وما مُلأت بينهما من تشويه حقائق وإخلال موازين وإعماء بصائر وإغماء عقول ، يقول الإمام الحسين ع مخاطباً القوم : " ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ؟ فليرغب المؤمن في لقاء ربه مُحقا " ( المناقب لابن شهراشوب 68 ) .

    احتاجت كربلاء في قيامها الى ثلاثة مرتكزات ينبغي ان تتوفر عند الملتحق بها ، بحيث تعتبر هذه المرتكزات علامة الوعي اللازم لها والمُنتج لإصلاحها المطلوب وهي : ( عقل واع ، وقلب سليم راسخ في الإيمان ، وإرادة قوية ) وأن أي نقص بأحدهما سيكون سبباً لحرمان صاحبه من هوية كربلاء وعنوان الطف الخالد ، هذا المثلث كان مدار النجاح والفشل ، وعليه رهان إدراك الفتح الخاص بقيام ابي عبد الله عليه السلام ، هذا المثلث الذي تجسّد في أبي الفضل العباس ع صاحب لواء كربلاء ، يصفه الإمام الصادق ع : « كان عمي العباس نافذ البصيرة صلب الإيمان » ، وأما إرادته فشاهدها شهادته ..!!

    ولهذا نجد ان المعسكر المقابل يتكون من مثلثات ناقصة لضلع أو أكثر من اضلاعها الثلاث أعلاه ، فمنهم مَن لا يعي الكلام ولا يفقه الخطاب ، الى الحدّ الذي عبّروا به عن أنفسهم بعد خطاب الإمام الحسين ع لهم : ( لا نفقه ما تقول ، انزل على حكم ابن عمك ) ، ومنهم مَن يعي المسألة ولكن قلبه مال الى الدنيا وتعلّق بهواه ، ولعل عمر بن سعد على رأس هؤلاء وهو خير من عبّر عن هذا الفشل وهذا النقص الذي بداخله :

    فوالله ما أدري وإنّي لحائر أُفكِّر في أمري على خطرين

    أأترك ملك الرّي والرّي مُنيتي أم أرجع مأثوماً بقتل حسين

    حسين ابن عمّي والحوادث جمّة لعمري ولي في الرّي قرّة عين

    ومنهم من أعمى الله بصيرته وأمات قلبه ، فأصبح كالحجارة أو اشدّ قسوة .. كالشمر بن ذي الجوشن الذي وصفه حبيب بن مظاهر رضوان الله عليه مخاطباً اياه ( وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول - اي الحسين ع - ، قد طبع الله على قلبك ) ، ومنهم من يعي المسألة بعقله ، ويميل الى الحق بقلبه ، ولكن إرادته ضعيفة وعزيمته منهارة الى الدرجة التي شهر بها سيفه على ابي عبد الله ع ، وهذا السواد الأكبر الذي ابتلى به الحسين ع للأسف الشديد ، وخير من وصف اهل الكوفة في ذلك الفرزدق حينما لاقى الإمام في الطريق وسأله عليه السلام عن حال الكوفة وأجابه ( قلوبهم معك وسيوفهم عليك ) ..

    ولا بد من الإنتباه الى أننا في كربلاء أمام حركة وعي وإصلاح أمّة ، وليس مجرد وعي وإصلاح على المستوى الفردي والشخصي .. مما يعني ان الأمر أكبر وأدق وأخطر ، ولا نقصد بوعي وإصلاح الأمة ما يرتبط بتكاثر الأفراد وتعدد الجماعات ، بل نقصد ما يكون حجمه وعمقه وإنتاجه على مستوى أمّة وإن كان صاحب الوعي والاصلاح فردا ( ان ابراهيم كان أمة ) النحل ١٢٠ ، فليس الأمر بالكمّ ، وإنما بالكيف والنوع ..

    كان الإمام الحسين ع حريصاً في الحفاظ على وعي الثورة وهدفها الإصلاحي ، ونراه ما انفتل عن تغذية هذين الركنين الرئيسين وتأصيلهما عند أهل بيته وصحبه ومن لاقاه وتحاور معه وحتى من واجههُ في طف كربلاء من خلال ايجاد وإكمال هذه المرتكزات الثلاثة ، فقد رفع من وعي كربلاء الى درجات سامية ، وهذا ما نجده منعكساً بجلاء وصفاء عند أصحابه وأهل بيته ، فكانوا على دراية كاملة من قضيتهم وعلى استعداد تام لإكمال المهمة وعلى أحسن وجه ، فتارةً يرفع من معرفتهم ، وتارة أخرى من إيمانهم بقضيتهم ثم من عزيمتهم ، وتارة يختبرهم ويستنبأ ما طوت عليه نفوسهم ليزيد بذلك أجرهم ويرفع من مستوى تضحيتهم ..

    يسأل الإمام ابن أخيه القاسم ع سؤالاً لا يسأله في العادة والد لولده ، ولا حتى القائد لجنوده ، فيقول له : كيف ترى الموت ..! فيأتيه الجواب : فيك أحلى من العسل ..!! ، بأي لغة يتكلم هذا الفتى ابن ثلاث عشر سنة ، وعن أي إيمان وفقاهة ومسؤولية ينطق ..!!

    والأهم ما في هذا الموضوع الآن هو علينا أن لا نفصل كربلاء عن عنصري ( الوعي ) و (الإصلاح ) ونحن نقوم بإحياء أمرها وإذكاء جذوتها وتعظيم شعائرها ، ومن يفعل ذلك فهو يقوم بجرم تجريدها عن هويتها من حيث يدري او لا يدري ، فلا نركز على مظاهر العزاء - مثلاً - على حساب المضمون ، أو نركز على العاطفة ويكون على حساب البعد الفكري والعمق المعرفي للقضية الحسينية ، ليكن اهتمامنا في تأريخ كربلاء من أجل الإهتمام بالحاضر والعمل له ، اهتمام تجسيد لا مجرد تمجيد .. يقول الاستاذ انطوان بارا وهو مسيحي وصاحب كتاب ( الحسين في الفكر المسيحي ) : أنتم الشيعة والمسلمون لم تعرفوا قدر الحسين ، فالمفترض ان تكون لديكم أمانة تامة بتوصيل صيحته يوم عاشوراء الى العالم ، وهذه الأمانة تستدعي التعمق بأركان وروحية حركته الثورية وعدم الاكتفاء بالسردية والمظهر الخارجي للواقعة - نقلاً عن كتاب سلوا حسيناً ص٣٨ -

    إحياء كربلاء يكون في إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع ، وفي رفض الظلم ونشر الوعي ، والمشاركة في نشر الفضيلة ونبذ الرذيلة .. ان تكون كربلاء حاضرة في جميع تفاصيل حياتنا .. ولا ينحصر إحياء عاشوراء في محرّم وصفر ، وإنما هما مجرد محطة تزويد بالطاقة الحسينية ليستعان بها في سائر أيّام السنّة ، احياء القضية الحسينية في خارج ايام عاشوراء أهمّ من احياءها في تلك الأيام ، ونستطيع ان نقول ان صدق احياء عاشوراء ومقدار نجاحه يظهر فيما بعد عاشوراء .. فتأمل .

    مقياس حب الحسين ع والتفاعل مع قضيته ينبغي ان يكون وفق هذه المعايير والمحدّدات ، الحب الحقيقي هو الذي يؤدي الى اتّباع المُحب لمن أحب ، قال تعالى { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ال عمران ٣١

    فنحن اذن أمام مسؤولية جديدة إتجاه القضية الحسينية ، وواجبات غير معتادة من قبل عشّاق ابي عبد الله ومحيي شعائره ، وهي مسؤولية رفع وعي الأمة والعمل على إصلاحها ، وحجم الإصلاح هذا متعلّق بحجم الوعي تعلّق العلّة بالمعلول ، لا تكفي النيّة الصادقة وحدها ، ولا الحبّ والعاطفة .. على ضرورتهما ، بدون وعي يتناسب وحجم المهمّة وإصلاح حقيقي على أرض الواقع ..

    #آجركم_الله
    #كربلاء_وعي_وإصلاح

  • #2

    الأخ الفاضل يحيى غالي ياسين . أحسنتم وأجدتم وسلمت أناملكم على كتابة ونشر هذه المقالة القيمة عن مبادئ وأهداف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) التوعوية والإصلاحية . جعل الله عملكم هذا في ميزان حسناتكم . ودمتم في رعاية الله تعالى وحفظه .

    تعليق

    المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
    حفظ-تلقائي
    Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
    x
    إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
    x
    يعمل...
    X