إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

فاتحة الكتاب: استوعبت كليات العقيدة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • فاتحة الكتاب: استوعبت كليات العقيدة




    سورة استوعبت كليات العقيدة، في صيغ طريفة، تعطي تصوراً واضحاً:
    عن الله، وعن أهم صفاته المتصلة بالإنسان، وعن الحياة الآخرة ـ في أهم مراحلها وهو القيامة ـ، وعن موقف الإنسان من الله، وعن توجه الإنسان على الحياة، وعن الخط الذي يلزم أن يكون عليه الإنسان عبر الدنيا، وعن الخطوط المنحرفة التي تعترض مسيرته.
    كل ذلك: بأسلوب دعائي إيحائي، يرسب المفاهيم التي يحملها إلى القلوب، قبل أن ترفعها الشفاه إلى الله.
    فكانت (فاتحة الكتاب)، والمقدمة التي تلخص التصور الذي يعطيه القرآن كله، وتضع له الإطار الذي يحصر مفاهيمه. وسميت (أم الكتاب)، التي تركز الأسس التي يبني عليها القرآن معطياته. وأصبحت (سبع المثاني)، لأنها آيات سبع تتكرر في كل صلاة.
    فيردد المسلمون هذه السورة القصيرة، ذات الآيات السبع، كل يوم عشر مرات ـ على الأقل ـ في فرائض الصلاة، ترديداً إلزامياً، ولا تتم لهم سنن الصّلاة إلا بترديدها أكثر من مرة.
    نزلت هذه الآيات السبع ـ مرة ـ في مكة، فرفع المشركون معلقاتهم السبع عن الكعبة، وانتهى التوجه إلى الكعبة بالشعر. ونزلت ـ مرة ـ في المدينة، عندما اتخذت الصّلاة كيانها: مسجداً، ورسولاً يقيم فيه الصّلاة مهما أراد.
    هذه وكثير غيرها من السور والآيات ـ تعليمية، نزلت من قبل الله، لا للتحدث إلى الناس، وإنما لتعليمهم لغة التحدث عن الله، أو إليه. لأنهم لا يستطيعون أن يستوعبوا الله:
    {... ولا يحيطون به علماً}(1)، وإنما يتصورونه تصورات منتزعة من مسبقاتهم، والأشياء العظيمة لديهم. وبما أن الناس مركبون ـ في أجسامهم ـ تركيبات مادية، والأشياء التي يعيشونها في السماوات والأرض، مادية تدرك بالحواس الخمس؛ لا يقدرون إلا على تصورات مادية، محدودة بحدودهم، تلك التصورات التي من الشرك اعتبارها خالق الكون، ويجب تنزيه الله عنها.
    والإنسان لا يطيق التعبير إلا عن مدركاته، فلذلك نزه الله نفسه عن وصف الواصفين:
    {سبحان الله عما يصفون}(2)، وعلمهم الحديث عنه والحديث إليه، وخاصة: عندما يقفون في مقام العبودية للصلاة. وكان مما علمهم، هذه السورة المباركة: (فاتحة الكتاب).
    وأخيراً: روى ابن طلحة الحلبي الشافعي ـ في الدر النظيم ـ عن أمير المؤمنين : «لو شئت لأوقرت من تفسير الفاتحة سبعين بعيراً»(3).
    الاستعاذة:

    إنها فكرة مستحبة، أن يعلن الإنسان لجوءه إلى الله، السميع العليم، مصدر الوعي والإدراك؛ تهيؤاً للدخول في مدرسة آياته، تلك الساحة الرهيبة لاحتكاك العقل والضمير من جهة، والعاطفة والعادة من جهة أخرى؛ من الشيطان، الذي لا يظهر بزيه الصحيح ـ عدواً شرساً ـ حتى يتقيه، ولا يبدو من خارج الإنسان حتى يتجنبه، وإنما يظهر بزي مزيف ـ صديقاً مخلصاً ـ يصعب اكتشافه، ويطرح وساوسه من داخل الإنسان حتى كأنها آراؤه، فلا يمكن التدرع منه إلا بالله ـ مصدر الوعي والإدراك ـ الذي يحصي أساليب الشيطان، وموارده إلى الأدمغة والقلوب.
    والشيطان: كل بعيد عن الخط الصحيح، الذي يسول الشر بالخير، فيضمر الباطل بالحق، سواءٌ أكان منظوراً أو غير منظور، من الإنس أو من الجن، وإن كان قمتهم (ابليس): الرجيم بالشهب عن معرفة قرارات السماء، والرجيم باللعنات من البشر.
    ويأتي أدب القرآن:

    {فإذا قرأت القرآن}(4)، فلست في رحلة للتسلية، ولا أمام ترف فكري للتوسع؛ وإنما أنت في دولاب يتجول بينك من جهة وبين الله والكون والحياة من جهة، وهو يحولك ـ فجأة ـ إلى حلبة مباراة عنيفة، تفقدك توازنك قبل أن تحاول اتخاذ أي قرار؛ {فاستعذ بالله}(5) ليزودك بطاقات إضافية،، تركزك، وتوسع مداك. والجأ إليه، ليعصمك {من}(6) مداخلات {الشيطان الرجيم}(7)، الذي يأتيك من حيث لا تشعر.
    البسملة: تعريف

    {الله} يعني: (الإله). أي: ذلك الإله المعهود عهداً خارجياً، وهو خالق الكون والحياة. فـ(ال) تعريف، و(إله) نكرة اسم جنس، نكرة عرفت بـ(ال). فليس اسماً خاصاً، ولكنه أصبح علماً لخالق الكون والحياة، بوضعه ـ هو ـ هذا الاسم علماً له.
    وقد تعودنا أن نطلق هذا الاسم بلا تفهم لمسماه، فنتبرك بالابتداء به، وفيه البركة كلها. ولكنا لو حاولنا تفهم مسماه ـ بقدر ما نستطيع ـ لوجدنا أنه تعبير عن: العلم المطلق المحيط بكل شيء، والارادة المطلقة التي لا تعيقها العقبات، والقدرة المطلقة التي لا تقف عند شيء، والحياة المطلقة التي لم يسبقها ولا يعقبها ولا يتخللها موت، والعدالة المطلقة التي لا ينغصها ظلم، والإدراك المطلق الذي لا ينطلي عليه شيء... وجميع الصفات الجليلة، مطلقة من كل الحدود والنهايات.
    فالابتداء باسمه، اتجاه إلى مصدر كل الطاقات العليا، في صيغها الإلهية المطلقة. والاتجاه إلى الله، يؤهب لإطلاق أقصى القدرات الخاملة في الإنسان. وهذا.. شيء ٌظاهر، نمارسه في مختلف مجالاتنا الحياتية: فالعسكريون، يرددون أسماء أبطالهم الأسطوريين، لاستنفار الرجولة في أنفسهم. والعلماء، يفجرون مواهبهم، بتذكر أسلافهم التاريخيين. وكل صنف من الناس، يحركون قدراتهم المختلفة، بتذكر عظمائهم المثاليين.
    وإذا كان تذكر المتفوقين يثير في الإنسان ركائزه، فإن تذكر الله ـ وهو يعي ماذا يعني (الله) ـ لا بد أن يؤهبه للانطلاق بأقصى قدراته.
    فالابتداء باسم الله، تنشيط حيوي للإنسان، بالإضافة إلى ما فيه من بركة روحية ومعنوية.
    البسملة: تفسير

    {بسم الله} أتصرف: أعمل أو أقول، فالله هو منطلقي وهدفي، لا المنطلقات الشخصية.
    فلكل تصرف من تصرفات الإنسان على الأرض، منطلق وهدف. وقد يتخذ المنطلق والهدف: فحلم الهدف، هو الذي يدفع الإنسان إلى التصرف الذي يحققه، فيكون منطلقاً. وتصرفه سعي نحو تحقيقه، فيكون هدفاً. فمنطلقات وأهداف إنسان الأرض، تتلخص في رؤوس ثلاثة، هي: النفس والمال والولد. وهذه المطلقات ـ الأهداف ـ هي التي تثير تصرفات الناس العاديين، الذين يتحركون في مداراتهم الشخصية، ويجهدون ـ فكرياً أو عضلياً ـ لتأمين حياتهم الخاصة، القائمة على (مثلث أنا)، الذي يؤلف أضلاعه الثلاثة: النفس والمال والولد.
    فلو فحصنا أكثر التصرفات الفكرية والعضلية للناس على الأرض، لوجدناها منطلقة من هذه المنطلقات، ودائرة حول أحد هذه المحاور، وساعية في اتجاه أحد أضلاع مثلث أنا. فثالوث الأرض، أو ثالوث البشر، الذي مجمله: (أنا)؛ هو مدى إنسان الأرض، فحدود الإنسان بجناحيه: المال والولد، هي أقصى أهدافه.
    ومعنى ذلك: يعيش دوامة الذات، فلا يتحرك فكريا أو عضلياً إلا لتأمين ذاته، أي: الغوص في الذات، فلا يزداد تحركاً إلا ليزداد توغلاً في الذات. وما دام كل تحرك يعني استهلاكاً بقدره للمتحرك، فاستمرار التحرك نحو الذات يعني استهلاك الذات للذات، حتى ينتهي عن لا شيء. وهذا الاستهلاك الذاتي، يجعل من الإنسان شيئاً متآكلاً سريع الفناء، بفناء جسمه، رغم تزوده بقدرات تؤهله للنمو الذاتي، وبقائه بعد تفتت جسمه، وحتى بعد انتهاء الحياة الكونية العامة.
    فجاءت الأديان لتجنب الإنسان مغبة الارتطام بالذات، ولتقول له: (لست أنت كل شيء، حتى تستقطب كل اهتماماتك، وليست ذاتك، بجناحيها: المال والولد، إلا وسيلة لا بد من استخدامها في تحليقك إلى آفاقك. فحاول أن لا ترتطم بها، في حركتك الصاعدة).
    فإنسان الأرض ـ الذي يتصرف للذات، أو لأي من منابعها أو روافدها ـ إنما يعمل باسم ذلك المنطلق ـ الهدف، أي يعبر بعمله عن ذلك المنطلق ـ الهدف: فالذي يتصرف لأجل الشهرة، إنما يعمل باسم الشهرة. والذي يتصرف لأجل الكرسي، إنما يعمل باسم الكرسي. والذي يتصرف لأجل المال، إنما يعمل باسم المال. والذي يتصرف لأجل الولد، إنما يعمل باسم الولد. والذي يتصرف لأجل الملك، إنما يعمل باسم الملك. والذي يتصرف لأجل الشعب، إنما يعمل باسم الشعب. والذي يتصرف لأجل القانون، إنما يعمل باسم القانون...
    و«أما إنسان السماء، الذي يرتفع عن الذات ومنابعها وفروعها، ويجعل منطلق الكون وهدفه، وهو الله تعالى، منطلقه وهدفه؛ فإنما يعمل باسم الله.
    والذي يعمل باسم الله، لا يرتفع إلى السماء، ولا يرتفع عن الوجود، وإنما يعمل ـ في مستواه ـ كجزء من الكون. فهو ـ عرف أم لم يعرف ـ منطلق من الله، وسائر إلى الله. والكون ـ كله ـ يعمل باسم الله، وكل ذرة في الوجود تعمل باسم الله، لأن كل شيء ـ في كل العوالم ـ لا يعمل لأي شيء مما قد يعمل لأجله الإنسان، وإنما يعمل لله. فالإنسان الذي يعمل باسم الله، إنما يتساوى مع بقية الموجودات، التي يستهين بها، ويعتبر نفسه قمتها:
    {... فقال لها وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً، قالتا: أتينا طائعين}(8). وعندما يعمل باسم غير الله، فيتصرف لرغبات الأرض؛ إنما ينحدر عن مستواه الطبيعي إلى ما لا ينحدر إليه غيره من الموجودات.
    وبدأ القرآن بـ{بسم الله}، ليعود المسلمين على الابتداء به، حتى يتم به الإيحاء النفسي القائم في كل شيء عملاً دائباً، لا لمجرد أن تبتدىء به الأعمال، وإنما لتقوم عليه، فيكون الله منطلقها وهدفها. ذلك: هو العمل الثابت، الذي لايفنى بكماله. لأن كل شيء يرتبط بالله، يبقى ببقاء الله، ويخلد بخلوده، وإنما يتطور من شكل مادي إلى شكل غير مادي، وينقلب من حركة إلى شيء، ولكن يبقى، ويتكامل من ميت إلى حي، الله قائم كل شيء، يحفظ ما يرتبط به في كتاب الكون المحفوظ. وأما ما لا يقوم على اسم الله منطلقاً وهدفاً، فإنه ينتهي بالانتهاء منه: فالكلمة التي ليست لله، تتلاشى بمغادرتها الشفاه. والعمل الذي ليس لله، يفنى فور إنجازه. إذ لا قيم على الأشياء، غير الله، حتى ينفخ فيها الحياة، ويمدها بالبقاء والاستمرار. وحركة الزمان، تنخر كل شيء حتى يأتي عليه، ولا قيم عليه حتى يحفظه من الزمان:
    {وَقَدِمْنَآ إِلَىَ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مّنثُوراً}(9)، {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(10).
    وإلى هذه الحقيقة الكونية، يشير النبي ، بتعبيره البسيط العميق:
    «كل أمر ذي بال، لم يبدأ فيه باسم الله، فهو أبتر»(11)، ليس له استمرار. وقد أوضح الإمام علي بن موسى الرضا هذا المعنى في قوله تعالى: {بسم الله}، قال: «يعني: أسم نفسي بسمة من سمات الله، وهي العبادة». قيل له: (ما السمة؟) قال: «العلامة»(12).
    فمن يحمل طابع العبادة، ويتصرف بوحيها؛ إنما يسير على ضوء الله، ويجعله منطلقه وهدفه، فكيفما تقلب فهو في محراب، ومهما عمل ـ لنفسه أو لعائلته أو لأمته ـ فهو في صلاة.
    فليس متعلق الباء في: {بسم الله} ابتدىء، وإنما أعمل أو أقول. وليس للتبرك الوهمي، وإنما لتغيير طبيعة العمل، من شيء وقتي ميت إلى شيء ثابت حي.
    و(الله) اسم، و(اسم) الله لا يقصد منه اسم الاسم، وإنما يقصد منه اسم المسمى، ذلك: أن لكل شخص خمس وجودات، هي:
    1ـ الوجود اللفظي، مثل (م ـ ح ـ م ـ د) الدال على شخص خاتم الأنبياء.
    2ـ الوجود الصوري، الذي ينعكس على المرآة أو الورق، أو يمثل من الصخر أو الحديد.
    3ـ الوجود الاعتباري، الذي يتعرض للأحكام: فيرث، أو يورث، أو يملك، أو يهب، أو يجب عليه، أو يحرم... وهذا الوجود، يعني كونه مكلفاً. ووالد زيد، وابن عمرو، وزوج سلمى، وكامل العقل والقدرة... وهذا الوجود، قابل للتوسع والتضيق، بتعدد أو فقدان مشتقاته، بما أنه قابل للنقل إلى الوكيل والوصي والنائب وغيرهم.
    4ـ الوجود الذهني، الذي يحمله إنسان عمن يتعرف عليه، ويستحضره لدى سماع اسمه.
    5ـ الوجود الخارجي، وهو الوجود الذاتي، الذي تنبعث عنه تلك الوجودات الأربعة.
    وقد يلاحظ أي واحد من الوجودات الأربعة الأولى، باعتباره منبعثاً من الوجود الذاتي، فيكون مستقلاً، رغم قيامه بغيره. وربما يلاحظ الوجود الذاتي من خلاله، حتى لا تنصب عليه الملاحظة، وإنما تمر إلى الوجود الذاتي، فتكون النظارة التي لا تنظر حين النظر إلى غيرها.
    ولفظة (الله) قد تلاحظ باعتبارها كلمة الجلالة، بما لها من مواصفات خاصة؛ فتكون اسماً. وربما تتخذ إشارة لفظية إلى خالق الكون، فتمحو في الاعتبار حتى لا يلتفت إلا إلى خالق الكون؛ فتكون مساوية لاسم الله فيتساوى (اسم الله) مع (الله).
    وكلمة (الله) علم لخالق الكون، مشتق من (الإله)، بعد حذف الهمزة وتفخيم اللام. ولا توجد في العربية الفصحى لام مفخمة، إلا في لفظ الجلالة. أما سائر الأسماء الحسنى، فلأنها مشتقة من أوصاف يصح إطلاقها على الله، باعتبارها أسماء، ويصح وصفه بها: فيصح أن يقال:
    {الرحمن على العرش استوى}(13)، ويصح أن يقال: {... الله الرحمن...}(14). وأما لفظ الجلالة، فيطلق اسماً ولا يطلق وصفاً: فيوصف بجميع الأسماء الحسنى، ولا يصح وصف شيء مشابه منها به، فلا يصح أن يقال: (الرحمن الله) ـ مثلاً ـ.
    و(رحمن)، على وزن حران، صيغة مبالغة، تدل على الكثرة. و(رحيم)، على وزن عظيم، صفة مشبهة بالفعل، تدل على الثبات والاستمرار. فـ«الرحمان»: كثير الرحمة، الذي ينشرها مع استحقاق وبلا استحقاق، على البر والفاجر. فتمتد أينما امتد الناس، لا تعيقها صنفية، ولا تحصرها شروط.
    وهذه الصفة تعبر عن رحمة الله في الدنيا، التي وسعت كل الناس، رغم مواقفهم المختلفة من الله، ووردت ـ في كثير من الآيات ـ حتى بالنسبة إلى غير المؤمنين:
    {قل، من كان في الضلالة، فليمدد له الرحمن مدا}(15)، وهي رحمة الله في الدنيا، التي وسعت كل شيء. وأما «الرحيم»: فهو ذو الرحمة الثابتة، التي لا تقف على حدود الدنيا، ولا تصدها سدود الآخرة، فتختص بالمنسجمين مع طبيعة الرحمة، فينالونها وفق قواعد الرحمة، وهم المؤمنون الذين لا يستحقونها ـ بالمعنى الدقيق للاستحقاق ـ ولكنهم موضعها أو الأولى بها. فلم يطلق (الرحيم) في القرآن إلا بالنسبة إلى المؤمنين:
    {...إنه بهم رؤوف رحيم}(16)، {... وكان بالمؤمنين رحيماً}(17)...
    ومن الفوارق بين هاتين الصفتين: أن (رحمان) لا يطلق على غير الله، لما فيه من الإيحاء والاستعلاء، الذي لا يتلاءم مع العباد.
    و(رحيم) يطلق على سواه، لما فيه من الإيحاء بالحميمة القريبة. ولعل الإمام الصادق يرمز إلى ذلك بقوله: «الرحمن: اسم خاص بصفة عامة، والرحيم: اسم عام بصفة خاصة»(18). فهاتان الصفتان ـ مجتمعتين ـ توحيان باستغراق جميع معاني الرحمة وحالاتها، التي تقرر بدء العلاقة بين الله وعباده.
    وكان لا بد من اختيار هاتين الصفتين، من بين جميع الأسماء الحسنى، التي تبلغ الألف اسم على ما هو المعروف، لـ:
    1ـ إن الوثنية تشعر بنوع من الصلة القريبة بين الفرد وإلهه، فالذي يعبد إلهاً ـ خاصاً به أو بأسرته أو بقبيلته ـ يشعر بقربه منه، فهو في متناول يده، وعلى مرأى ومسمع منه. بينما التوحيد يشعر ـ في التصور البدائي ـ بالبعد بين الفرد وربه، فكل فرد يرى نفسه واقفاً ـ في جملة المليارات من البشر، في كل جيل ـ أمام ذلك الإله المتفرد، الكبير المتعالي. فتأتي هاتان الصفتان، فتؤكدان: أن ذلك الإله الواحد، متصل بكل فرد من عباده، بصلة الرحمة الشاملة القريبة، فلا بعد ولا توجس.
    2ـ إن لكل كلمة يقولها إنسان: موجة إيحاء تنحدر إلى أعماقه، وموجة تأثير يصدرها إلى غيره. ومن يردد في كل تقلباته: (الرحمن الرحيم)، لا بد أن يستوحي منهما ولو بعض معاني الرحمة.
    3ـ إن الضعيف يحاول تتبع صفات القوي واتباعه، لاكتساب شيء من القوة بارتداء صفات القوي، فكيف إذا عرف العبد أن أبرز صفات ربه العظيم هما: (الرحمن الرحيم)؟!
    4ـ إن من يتخذ (بسم الله الرحمن الرحيم) منطلقاً لتصرفه، ولا يكتفي بمجرد معرفته بأن الله منطلقه، وإنما يقول بلسانه أنه لإيقاظ الخاطرة في ضميره؛ إنما يفعل ذلك عن إيمان بأن الله هو دليله، الذي لا انحراف عنه في أية خطوة أو كلمة. وإذا كان الله الدليل الموجه، هو: (الرحمان الرحيم)، فمن الطبيعي أن يجعل نازعة الرحمة أساس كل خطوة وكلمة.
    وهذه الآية: {بسم الله الرحمن الرحيم} أصبحت شعاراً يرفعه المسلمون مع أنفسهم ومع غيرهم، مع كل كلام ومع كل تحرك، مع الاستسلام للنوم واليقظة منه، وفي المخاطر والعظائم، وفي العبادة وفي الجنس، وعلى الولائد وعلى الأموات وعلى الذبائح، وفي جميع الحالات، وعلى كل شيء... هذه الآية، أول شعار وأقوى شعار، لـ:
    1ـ اشتمالها على اثنين من كليات العقيدة الإسلامية: فـ (بسم الله) ينطوي على (التوحيد)، مع تعيين الإله الواحد، وهو (الله)، والتوحيد هو الكلية الأولى في العقيدة الإسلامية. ومجمل (الرحمن الرحيم)، باستيعابه معاني الرحمة، يقرر مبدأ علاقة الله بالعباد، وهي الكلية الثانية في العقيدة الإسلامية.
    2ـ الإيحاء بأن الله ليس فقط هو الإله الذي ترفع إليه الحوائج، وإنما هو المنطلق ـ الهدف ـ لكل تصرف، بما يعني ذلك من اتباع تعاليمه.
    3ـ الإيحاء بأن نازعة الرحمة، هي أساس كل تصرف في اتجاه الآخرين.
    وهاتان الصفتان: (الرحمن الرحيم)، مشتقتان من مادة الرحمة، التي هي صفة انفعالية عاطفية، تلم بالقلب لدى الاطلاع على مؤشرات معينة، هي ـ في الغالب ـ حالات ألم أو فقدان أو حاجة، فيندفع الشخص المنفعل للملافاة والاستدراك، ويعطي عطاء سخياً، لا يجود به في غير حالة الانفعال، فصح استخدامها لله، لمجرد الدلالة على أقصى العطاء، وإلا فليس بين الكلمات ما يتطابق مع الله تعالى.
    الرحمن الرحيم

    هذه الآية، اختارت لقبين من ألقاب الله، يوحيان بصفة الرحمة، رغم أنها آية تتكرر مع كل سورة. والدقة في التعبير، تقضي باختلاف محتوى اللقبين.
    والسبب: أن القرآن ـ ككتاب دين ـ يحاول تقريب الإنسان إلى الله، فما أجدره أن يوحي، وأن يركز على أن الله قريب من الإنسان، وأنه يرحمه، ويسعه برحمته؛ بكل ما أمكن من التأكيد وأفضله: التأكيد بـ «الرحمن الرحيم».
    الحمد لله

    {الحمد}: أفخم الثناء الإيماني، الذي يعبر عن الشعور العبودي، الذي يفيض به القلب المؤمن تجاه الله الخالق والموجه والموفق... وهذا الشعور الأفخم، لا يستجيشه إلا ذكر الله، ولا يعبر عنه سوى الحمد، ولا يصح إلا لله. فالحمد ـ كله ـ مختص بالله، كما أن لفظة (الله) مختصة به. ويدل على هذا الاختصاص، لام الجنس أو الاستغراق، الذي يحلي (حمده). فلا يوجد مصدر فيض، تتوالى آلاؤه، وتتواكب نعمه، حتى تغمر خلائقه؛ سواه، ليشاطره الحمد.
    واختصاص الحمد بالله، من قواعد التصور الإسلامي، التي ركزها القرآن بقوله:
    {.. له الحمد في الأولى والآخرة...}(19)، {... له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير}(20).. وإذا كانت كلمات مشتقة من الحمد، مثل: محمد، وأحمد، ومحمود... فهي ليست إشاعة للحمد، فقد اشتقت كلمة علي من العلي، ولا يعني صحة استعمال العلي لغير الله.
    وإذا حمد غير الله، فإنه لا يحمد إلا تكريماً لعمل حسن صدر منه. وبما أن الله هو العلة لوجوده، والعلة لوجود الوسائل التي استخدمها في عمله، والموجه له إلى هذا العمل، والموفق له؛ فإن الحمد ينتقل عبره إلى الله. لأن المعلول المختار، وإن كان يحتفظ بدوره الذي يقدر له في حسن تصرفه، إلا أن العلة المختارة، إذا كانت علة بجميع معنى الكلمة، أي: موجدة، وموجهة، وموفقة...؛ يكون دورها أقوى، فتستأثر بأكبر قسط من التكريم، الذي يستقطبه ذلك العمل.
    وإذا كان (الحمد) هو التعبير الصحيح عن الشعور العبودي تجاه الله، فكل ثناء عليه حمد، تسبيحاً أو شكراً:
    {... والملائكة يسبحون بحمد ربهم...}(21)، {ويسبح الرعد بحمده}(22)، {... وإن من شيء إلا يسبح بحمده...}(23).
    وفي بعض الدعاء: «الحمد لله شكراً»(24)... ويحتمل أن يكون المراد، اعتبار الحمد تسبيحاً أو شكراً، لأنه أكمل مصاديقهما.
    والحمد يرادف بالمدح والشكر، غير أن الحمد مختص بالله. والمدح ـ ويقابله الذم ـ وهو حسن الثناء، ويكون على الجميل، اختيارياً كان أم غير اختياري، ويوصف به الله وغيره، فيصح أن يقال: (مدحت الله لجلاله، ومدحت أيوب لصبره، ومدحت الربيع لروعته...)، وإن كان المدح يستخدم ـ عادة ـ للجمال البشري، ولم يرد في القرآن. وأما الشكر ـ ويقابله الكفر ـ وهو بالجهر بالنعمة، والكفر كتمانها أو إنكارها، ويقال: (شكر الرجل وللرجل): أثنى عليه لما أولاه من المعروف، ويقال: (شكر الله سعيك) أي: أثابك عليه، و(شكرت لفلان نعمته) و(شكرت الله ولله وبالله ونعمة الله وبنعمة الله). ويستعمل لازماً، مثل:
    {... لئن شكرتم لأزيدنكم...}(25) ويستخدم لله ولغيره، ففي الحديث: «من لم يشكر الناس، لم يشكر الله»(26).
    فاتحة الكتاب: عرض سريع

    افتتحت هذه السورة، وكل سورة، بل افتتح القرآن ـ من خلال هذه السورة ـ باسم الله: {بسم الله}، لا بالله مباشرة:
    1ـ لأن حصة الإنسان، بل حصة الكون من الله، هو: اسم الله، لا الله. فالله ـ تعالى ـ مطلق، مجرد من المادة والمعنى والاعتبار. وكل المادة والمعنى والاعتبار، تكون بأسماء الله، لا بذات الله. فلا مناسبة بين ذات الله وبين الكون، بل بينهما التباين المطلق، وإنما انبثق الكون من بعض أسماء الله تعالى.
    2ـ لأن الله فوق مستوى الأذهان والعقول، فالأذهان والعقول ماديات لا يمكن أن ترقى إلى الله، وكل ما تستطيع الأذهان والعقول استيعابه هو اسم الله، بل بعض أسماء الله. ويبقى بعض أسماء الله، فوق الأذهان والعقول، حتى ولو كانت أذهان وعقول الملائكة. فبعض أسماء الله، لا يخرج من الله إلا إليه.
    3ـ لتعليم العباد، افتتاح أعمالهم باسم الله تعالى.
    وكان الاختيار على اسم: «الله» بين بقية الأسماء، لأنه أفخم الأسماء المعلن عنها للبشرية. ألا ترى كيف فخمت فيه الله؟! وهي اللام الوحيدة ـ في اللغة العربية ـ التي نالت هذا التفخيم.
    وانتخبت صفتان من صفات الله في هذه الآية: {الرحمن الرحيم} لتحبيب الله إلى الناس. وتحبيب الله إلى الناس، من العوامل الإيمانية، ذلك: أن الإيمان لا يتكون بمجرد الفكر والقناعة العقلية، لأن الإيمان ليس هو فقط اطمئنان العقل إلى الله، وإنما الإيمان هو امتلاء النفس بالتوجه إلى الله أو بنور الله. وهذا الامتلاء لا يكون إلا بثلاثة عوامل:
    1ـ قناعة العقل، وهذه.. نتيجة للتفكير الصادق المستقيم ـ وهو فعل العقل ـ.
    2ـ قناعة القلب، وهذه.. نتيجة للتحبب الصارخ العميق.
    ـ وهو فعل القلب ـ.
    3ـ قناعة الجسد، وهذه نتيجة للتعويد العملي المتكرر ـ وهو فعل الجسد ـ.
    ولذلك، ورد: «الإيمان هو: القول باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان». والقول باللسان، هو انعكاس لقناعة العقل.
    فتحبيب الله إلى العباد ـ بذكر صفاته المحببة ـ لتحريك القلب في اتجاه الله؛ يشبه توجيه العباد إلى الله، بذكر الأدلة القاطعة على وجوده وألوهيته، لتحريك العقل في اتجاه الله.
    ثم بدأت السورة بـ: {الحمد لله}(27). فتوجيه القلب يكون بالإيحاء إكثر مما يكون بالدليل، وبهذا الحصر المطلق: «الحمد» كل الحمد «لله»، فهو مصدر كل ما يؤهل للحمد، وإن كانت هنالك مصادر ثانوية قريبة يظنها الناس أنها مصادر مستقلة تستحق الحمد، إلا أنها ـ في الحقيقة ـ ليست أكثر من أدوات ووسائط. فالله ـ وحده ـ المؤهل للحمد، لأنه المصدر الأول لكل شيء. وإذا وجه بعض الحمد إلى غيره لخطأ في الحساب، فإن الحمد سيؤول إلى الله بنفس ذلك الوسيط، لأنه ـ بدوره ـ يوجه حمده وحمد سواه إلى الله. فالحمد كله لله، وإن وجه إلى غيره. لأن الله {رب العالمين}(28)، فإلى أين ما وجه الحمد، فالله ربه، فكل شيء يشير إلى الله، وإن أشار بعض الأشياء إلى بعضها، فإن الإشارات تتجه ـ بالتالي ـ إلى الله. لأنه ـ هو مصدرها الأول ـ فهو ـ إذن ـ مرجعها الأخير.
    والإنسان يحتاج إلى التأكيد والتكرار، لتقوية الإيحاء: {... الرحمن الرحيم}(29). فالله هو الرحمن الرحيم، وهو الرحمن الرحيم.
    وإن كان من فاصل؛ فهو الدليل المآلي على ذلك: {الحمد لله رب العالمين}(30).
    والإنسان ـ بتركيبته الخاصة ـ لا يكفيه التحبب الاستعطافي، فهو يحب مصدر القوة كما يحب مصدر النعمة، وربما يتجه بدافع الخوف أكثر مما يتجه بدافع الحب، فلا بد من تطويقه بمصدر الحب والخوف، ليخلص اتجاهه، ويتركز في وجهة واحدة. فالله ليس هو الرحمن الرحيم فقط، وإنما هو ـ إلى ذلك ـ {مالك يوم الدين}(31). فهو المصير كما هو المصدر، والعقاب بيده كما الثواب بيده. فلا استغناء من رحمته ولا استعلاء على سلطته: فهو كان المصدر قبل أن يكون الإنسان، فأوجد الإنسان برحمانيته. وهو المهيمن في الطريق، فالإنسان يعيش تحت رحمته: (الرحيم). وهو المصير، فهو سيد مصب الانسان: (يوم الدين).
    وحينما يحس الإنسان بأنه مطوق بالله من مبدئه إلى منتهاه، مطوق بمصدر الرحمة والنقمة، ومنبثق ـ في ذاته ـ منه؛ يتفجر ـ بعفويته ـ {إياك نعبد}(32)، فلا اتجاه إلا إليك، ولا استسلام إلا لك. {و}(33) طالما أنت.. أنت.. كل شيء، وطالما اتجهنا إليك، فأعنا، فإننا نشكو الكثير من نقاط الضعف: {إياك نستعين}(34).
    وليست استعانتنا بك على ضعفنا المادي الدنيوي فقط، وإنما على ضعفنا الروحي الديني أيضاً. فبصائرنا غاشية عشواء، لا تدلنا على الطريق السليم، وإنما نحن نتوجس كل الاحتمالات، مهما تأكدنا وتيقنا، لأنا لسنا واثقين من رؤيتنا ثقتنا بك، فأنت المصدر والمصب، وأنت المطلق المحيط، وأنت الرحمن الرحيم، فـ {اهدنا الصراط المستقيم}(35)، حتى لا نتيه ولا نزل.
    وهذا الطريق الذي نطلب منك هدايتنا إليه. هو الطريق الذي ينتهي إلى نعمتك، ذلك الطريق المجرب، الذي سار عليه من قبلنا، فانتهوا به إلى نعمتك، لا الطريق الذي سار عليه قوم، فانزلقوا فيه إلى ويلات غضبك، ولا الطريق الذي سار عليه قوم آخرون، فظلوا سادرين في الظلام: {صراط الذين أنعمت عليهم}(36). {غير المغضوب عليهم، ولا الضالين}(37).
    الجنة والنار والصراط
    اهدنا الصراط المستقيم
    أين هي الجنة؟
    وأين هي النار؟
    وما هو الصراط؟
    قد يستطيع غير المعصوم أن يحكم بتفاصيل الماورائيات، ولكن السؤال: كيف نستطيع أن نتصور ما يفهم من مجموع ما وصلنا من أحاديث؟: ـ
    1ـ الجنة، خارج هذه المجموعة الكونية، التي نحن في جانب محدود منها. وأعني بـ(هذه المجموعة الكونية): الفضاء وما فيه، وما حوله من سماوات ولعلها مجموعة كونية أخرى موجودة إلى جانب هذه المجموعة الكونية، غير أنها أوسع وأجمل وأفضل... ولكنها ـ على العموم ـ مؤلفة من فضاء، يتموج بألوف المليارات من الكواكب الحية، المشدودة بنسبية عامة متناسبة معها. وحول ذلك الفضاء، سلاسل من الأجرام المحيطة به من جميع الجوانب، هي سماواته. وتلك السماوات، تشكل الدرجات العلى(38)، وتختلف ـ نوعية ـ عن الكواكب. وكل هذه المجموعات، من الأجرام الفضائية والسماوية تكون مترابطة بشبكة مواصلات قوية وسريعة، تجعل إمكانية التنقل بينها بعدد الثواني، أو بوسائل تخترق جدار الزمان.
    والجنة، تجمع إيجابيات الأكوان كلها: أجراماً، ومياهاً، ونباتاً، وبشراً...
    وفي عمق سحيق جداً، مجموعة كرات نارية متقاربة، مشدودة ببعضها وفق نسبية عامة خاصة بها. وهذه الكرات النارية تجمع سلبيات الأكوان: أجراماً، ومياهاً، ونباتاً، وبشراً... وهي: جهنم.
    أما كيفية انتقال البشر إلى النار، فتتم بواسطة مجموعة من الملائكة، ينقلون المجرمين من هذه المجموعة الكونية إلى سلسلة كرات النار. ولأن جهنم سلسلة كرات نارية، تكون لها جاذبية قوية، تتحكم في الفضاء الخارجي إلى مسافات فلكية. ولذلك: تكتفي خزنة جهنم، بإخراج المجرمين من فضاء الأرض وإيصالهم إلى مشارف مدى جاذبية جهنم، حيث يسقطون فيها بقوة هائلة. ولعل هذه السقطة، أعنف عذاب يتعرضون له. ويشير إلى ذلك، ما ورد من سماع النبي ـ ليلة المعراج ـ طامة، قال جبرئيل بأنها صخرة سقطت في تاريخ... وبلغت الآن جهنم(39)، مما يشير إلى أن الصخرة الخارجة من جاذبية، وقعت في مدى جاذبية جهنم، وهي تندفع نحوها سنوات عديدة.
    ويتم انتقال المؤمنين من هذه المجموعة الكونية إلى مجموعة الجنة، بواسطة خط جوي ومراكب فضائية.
    ولعل هذا الخط الجوي هو (الصراط)، بدليل مواصفات الصراط: «أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأظلم من الليل»(40).
    فالخط الجوي، يمكن اعتباره أدق من الشعر وصالحاً للاستعمال. أما لو كان شارعاً أدق من الشعر، فلا يصلح للاستعمال، بمقاييسنا الأرضية المعاصرة.
    وأحد من السيف، لأن الخط الجوي حديّ، يؤدي أدنى انحراف عنه إلى ابتعاد كلي عن الهدف، خاصة: وإن هذا الخط يمرّ ـ في مسافة منه ـ بمشارف جاذبية جهنم، حيث يكون أدنى ضعف في القيادة مساوياً للسقوط في جهنم.
    وأظلم من الليل، لأن الجوّ مظلم، والخطوط الجوية في الأجواء الخارجية مظلمة، حيث تمر فيها الأشعة ولكنها لا تجد ما تعكس عليه. والخط الجوي الذي يقطع مسافة سنين ضوئية، بين مجموعة كونية دنيا ومجموعة كونية أخرى، ويبتعد عن مدارات الجاذبيات، حتماً سيكون مظلماً شديد الظلمة، لأنه يسير أبعد ما يمكن من الأجرام.
    نعم الله

    {صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
    الـ «الصراط»: هو الخط الذي يقوم به الإنسان مسيرته، سواء أكان الشارع الذي يربط بيته بمكتبه، أو المسلكية التي يوظب بها حركته الفكرية.
    {الذين أنعمت عليهم}: النعمة، مطلق ما ينعم به الإنسان.
    فكل ما يحتاج إليه الإنسان، ويتناسب معه، فيصبح به ناعماً في جسمه أو في روحه؛ فهو نعمة: ابتداءً من الأجهزة الصغار، التي تتحرك في الجسم، لتأمين سلامته واستمراره. ومروراً بالنباتات والحيوانات، التي يتغذى بها الإنسان، أو يتقلب فيها. وانتهاءً بالعناصر والأجرام الكونية، التي تؤمن حياته. وكل ما لا يحتاج إليه الانسان، ويفرض عليه، أو لا يتناسب معه، فيصبح به قاسياً في جسمه أو في روحه؛ فهو نقمة: ابتداءً بالانحرافات البسيطة، التي قد تطرأ على خلايا الجسم. ومروراً بشظف العيش، وانتهاءً بتقلبات العناصر والأجرام الكونية، التي تهدد حياته.
    وإذا حاولنا تصنيف النعم إلى صنفين: صغار وكبار؛ فالنعم الصغار، ليست تلك الصغار بالحجم، كخلية (أميبا)، والنعم الكبار، ليست تلك الكبار بالحجم، كالأرض والشمس. وإنما النعم الصغار، هي التي تؤمن الجانب الصغير في الانسان، وهو جانبه الأرضي، والنعم الكبار، هي التي تؤمن الجانب الكبير في الإنسان، وهو جانبه السماوي، أو يؤمن كلا جانبيه معاً.
    وبهذا المقياس، نجد أن كبرى نعم الله على الإنسان، ليست: الأشعة الكونية التي تتوافد من النجوم إلى الأرض، ولا الأمطار التي تلقح الأرض بالخضرة الغناء، ولا المعادن التي تكشف الوجه الحضاري للحياة... وإنما هي الرسالة التي هبطت من السماء، لتأمين الجانب الروحي للإنسان أولاً، وتقنين جانبه المادي وتفاعلاته مع الحياة والأحياء ثانياً.
    ـ فالذي تتوفر عليه هذه النعمة، في جانبيه الروحي والمادي، فقد اكتملت عليه نعمة الله، لأنه ينطلق من منطلقاته الروحية والمادية، ويستفيد من كل ما حوله من روحيات وماديات، دون أن يصطدم بشيء منها.
    ـ والذي لم تتوفر عليه هذه النعمة، لا في جانبه الروحي ولا في جانبه المادي، فتمسك بالمادة ـ بجشع كيفي ـ على حساب الروح، فأثار الفوضى في الماديات، وناقض الروحيات؛ فهو عنصر مدمر، يفجر ما حوله، ويتدمر به.
    ـ والذي توفرت عليه هذه النعمة في جانبه الروحي، فتمسك به على حساب جانبه المادي؛ فليس عنصراً هداماً يعاكس مسيرة الكون من حوله، ولكنه تائه، يعطل قسماً من طاقاته التي اؤتمن عليها، لاستثمارها في مصلحته ومصلحة الحياة والأحياء.
    ويدخل في نطاق القسم الأول، كل من استوعب رسالة السماء، والتزم بمضمونها.
    ويدخل في نطاق القسم الثاني، الماديين، الذي انكبوا على الأرض، وأزهقوا ـ في داخلهم ـ السماء.
    ويدخل في نطاق القسم الثالث، كل الروحيين، الذين سحقوا ـ في داخلهم ـ الأرض، متجهين إلى السماء.
    وإذا كان في بعض الحديث، أن المقصود من القسم الأول هم المسلمون، وأن المقصود من القسم الثاني هم اليهود، وأن المقصود من القسم الثالث هم النصارى؛ فلا يعني انحصار الأقسام الثلاثة في الأمم الثلاث، وإنما يعني أن هذه الأمم الثلاث أمثلة بارزة لهذه الأقسام الثلاثة:
    فالقسم الأول، يشمل كل من التزموا برسالة السماء، وساروا على خطوات الأنبياء ـ قبل نسخ شرائعهم ـ، ومنهم الصادقون.
    والقسم الثاني، يشمل كل الماديين ـ الملحدين منه والمؤمنين ـ، ومنهم اليهود بعد ظهور المسيح .
    والقسم الثالث، يشمل كل الروحيين من المرتاضين والمتصوفين ـ الملحدين منهم والمؤمنين ـ، ومنهم النصارى بعد ظهور النبي الأكرم .
    ...........................................
    (1) سورة طه: آية 110.
    (2) سورة الصافات: آية 159.
    (3) بحار الأنوار ج89 كتاب القرآن باب 8 ص103.
    (4) سورة النحل: آية 98.
    (5) سورة النحل: آية 98.
    (6) سورة النحل: آية 98.
    (7) سورة النحل: آية 98.
    (8) سورة فصلت: آية 11.
    (9) سورة الفرقان: آية 23.
    (10) سورة هود: 16.
    (11) الجامع لاحكام القرآن للقرطبي ج13 ص128.
    (12) مسند الإمام الرضا ج1 ص515 ح19.
    (13) سورة طه: آية 5.
    (14) سورة فاتحة الكتاب: آية 1.
    (15) سورة مريم: آية 75.
    (16) سورة التوبة: 117.
    (17) سورة الأحزاب: آية 43.
    (18) مجمع البيان، للعلامة الطبرسي ـ ج1/ 31.
    (19) سورة القصص: آية 70.
    (20) سورة التغابن: آية 1.
    (21) سورة الشورى: آية 5.
    (22) سورة الرعد: آية 13.
    (23) سورة الإسراء: آية 44.
    (24) مستدرك الوسائل ج1 كتاب الصلاة باب 5 من أبواب سجدة الشكر.
    (25) سورة ابراهيم: آية 7.
    (26) مرشد المختار إلى ما في مسند أحمد بن حنبل ج3 ص159.
    (27) سورة الفاتحة: آية 2.
    (28) سورة الفاتحة: آية 2.
    (29) سورة الفاتحة: آية 3.
    (30) سورة الفاتحة: آية 2.
    (31) سورة الفاتحة: آية 4.
    (32) سورة الفاتحة: آية 5.
    (33) سورة الفاتحة: آية 5.
    (34) سورة الفاتحة: آية 5.
    (35) سورة الفاتحة: آية 6.
    (36) سورة الفاتحة: آية 7.
    (37)
    (38) ورد في وصف درجات الجنة: «إن ما بين درجة ودرجة، مثل ما بين الأرض والنجوم 20.
    (39) بحار الأنوار ج18 ص320.
    (40) بحار الأنوار ج8 الباب 22 من كتاب (العدل والمعاد).


    كتبه :آية الله السيد حسن الشيرازي

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X