بيان مفاهيم آيةٍ قُرآنيّة – القسم الثاني
____________________
قال اللهُ تعالى (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) (1) الإخلاص- التوحيد
إنَّ هذه الآية الشريفة على قصرها إلاَّ أنّها أجابتْ عن كلِّ سؤالٍ وقعَ أو مُقدّر في الوقوع فيما يتعلّق بوجود الله تعالى وماهيته وحقيقته .
إذ أنَّ أغلب تساؤلات الإنسان الواقعة والمُفترضة في هذا الباب إنما برزتْ بسبب الشعور الذاتي والبُنيوي في الداخل الإنساني بضرورة التعرّف على الأصل والمصدر في الأشياء وجوداً وتكوناً ومصيرا .
وقد جَرَّ هذا الشعور البُنيوي إلى أن يطلب الإنسان رؤية الله تعالى جَهرةً كما حصلَ مع قوم موسى (عليه السلام) .
((فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ))(153) النساء
(( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ )) (55)البقرة
ويظهرُ أنَّ سؤال الإنسان عن ماهيّة ووجود وحقيقة الله تعالى هو سؤال فطري قديم جديد وقد يرتبط بالإيمان أو بالحاجة لمعرفة المجهول أو حتى الممنوع ؟
وأوّلُ ما يتبادرُ إلى ذهن الإنسان هو السؤال عن ماهيّة الله تعالى وتكونه أو حقيقته والذي يسوقُ الإنسانَ إلى هذا المَساق هو محدوديته في عالم الطبيعة والإمكان وعالم الحدوث والعلل والأسباب .
وأغلب أسئلة الإنسان هي واقعة تحت تأثير العالم المحدود الذي يعيشُ فيه .
وكثيراً ما يسأل الإنسانُ عن أسئلة عن الله تعالى هي أقربُ بالسؤال عن الإنسان المخلوق منه عن الخالق القادر العزيز سبحانه .
لذا جاء الجواب المَكين في سورة التوحيد (الإخلاص ) بالضد مفهوما ومصداقاً مما يتصوره الإنسان من صورة لله تعالى ماهيةً ووجوداً
كأن كان الإنسانُ يتصور أنّ الله تعالى حادثٌ ومخلوق قديم أو ربما يتصور أنّه واحدٌ من جنس آلهةٍ متعددة .
بل ربما كان الإنسانُ يطلبُ الإيمان بوجود الله تعالى بسؤاله البنيوي في نفسه
هل اللهُ تعالى موجود أم غير موجود ؟
ومن اليقين الجازم أنَّ سورة الإخلاص أو التوحيد على ما سُميّتْ قد أجابتْ أولاً عن حقيقة وجود الله تعالى وحقيقة ماهيته وإنِّيِّته
(( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))
ثم أجابتْ عن توحيده في ذاته وصفاته وأفعاله وحتى عبادته
(( اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) )).
والمُعجز اللفظي والبياني بلاغةً وفصاحةً هنا أنَّ الإجابة عن حقيقة وجود الله تعالى جاءتْ موجزةً جداً
بلفظة الضمير (هو) (أعرف الستة من المعارف في العربيّة ) من آية (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))
بخلاف الجواب عن توحيد الله تعالى فقد جاء بأكثر من لفظةٍ وآيةٍ .
وواضحٌ أنّ الضمير ( هو ) هو ضمير الغائب وهنا قد وقع للشأن الوجودي لله تعالى ذاتاً وماهيّةً وقدرا .
وهذه الصياغة صياغة ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) هي الصياغة الفريدة في القرآن الكريم التي جمعتْ بين معرفتين ورتّبتْ بينهما تقدماً وظهوراً في الوجود والمعرفة
وهما لفظا- الضمير (هو ) واسم العَلم الشخصي (الله ) جلّ شأنه .
في وقتٍ عرضَتْ باقي الصياغات القرآنية إلى ذكر توحيد الله تعالى ذاتاً وصفةً وأفعالا وعبادةً بصورة (( قُل الله )) أو (( قُل هو )) ولم تجمع بين معرفتين .
إلاَّ في مورد واحد وقد جاء في تعريف التوحيد الأفعالي .
كما في قوله تعالى
(( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24))) الملك
والمُعجز اللفظي والبياني بلاغةً وفصاحة هنا لم يقتصر على إجازة اللفظ واشباع المعنى في الجواب عن سؤال الإنسان بالضمير ( هو )
بل كسرَ ما اعتادتْ عليه العرب في انشاء تراكيبها في الربط بين المبتدأ والخبر بالضمير ( هو ) والذي هو أحد أدوات الربط وأصلها الأصيل .
إذ كسرتْ الآية الشريفة ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) القاعدةَ واعجزتْ الفصحاء في تقديم الضمير (هو ) الرابط بين المبتدأ والخبر عادةً لتجعله هو المبتدأ وما بعده خبراً له
لأنّ الخبر(اللهُ أحدٌ ) كان نفسه في المعنى فلا حاجة للربط بالضمير توسطاً بين المبتدأ وخبره .
ف(هو) في الآية الشريفة عند النحاة إعراباً هو مبتدأ ولفظ الجلالة (الله ) مبتدأ ثانٍ ولفظ (أحدٌ ) خبر للمبتدأ الثاني وجملة (الله أحدٌ) خبر للمبتدأ الأول (هو) .
والمُذهل واقعاً أنَّ هذا التركيب القرآني لم يكسر طوق القواعد العربية فحسب
بل كسر طوق قواعد التفكير الإنساني المحدودة في صياغة السؤال ؟
ليفتح الآفاق سعةً وآيةً أمام ذهن السائل عن كينونة الله وكائنيته
فالضمير (هو ) وإن كان ضمير غائبٍ إلاَّ أنه أصل المعارف وجوداً وتحققاً ووجوبا ذاتيا .
ف( هو ) يختزن الهوية والوجود الخاص لله تعالى واقعاً وحقيقةً
حتى كان الضمير الغائب ( هو ) جواباً حاضراً عن ما به الله تعالى هو هو و واقعيته فعلاً .
لذا اشتدَّ الربط معنىً وحكمةً بين ضمير الغائب (هو) وخبره العَلم الشخصي (الله) والذي يدلُّ على شيءٍ موجودٍ بعينه .
وما بين برهان اللغة وبرهان الفلسفة في هذه الآية الشريفة يثبتْ وجود الله تعالى أزلاً وقِدماً (قِدم ذاتي ) وسرمداً ويثبتْ له التوحيد الخالص واقعاً .
كما في بقيّة آيات السورة الشريفة (سورة الإخلاص)
إنَّ لفظ الجلالة ( الله ) هو الآخر من المعارف الوجودية والتي تكشف عن مسمى الذات الواقعية والواجبة الوجود له سبحانه وتعالى .
وهو اسمٌ يجمع بين صفات الكمال والجلال له عزّ ذكره ولا يمكن الوقوف على معرفة كنهه تعقلا وادراكا .
لذا كان هذا الاسمُ المُقدّس هو العلَمَ الشخصي الدال عليه سبحانه لا غير
وأما لفظ ( أحدٌ ) فهو الاسم والوجود الفرد ( لله تعالى ) الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر بحيث لا يقبل الكثرة والتعدد لا خارجا ولا ذهناً .
بمعنى أنَّ اللهَ تعالى هو فردٌ في وجوده وذاته غير داخل في باب العدد والتكثّر وجودا .
_______________________________________________
مرتضى علي الحلي – النجف الأشرف
____________________
قال اللهُ تعالى (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) (1) الإخلاص- التوحيد
إنَّ هذه الآية الشريفة على قصرها إلاَّ أنّها أجابتْ عن كلِّ سؤالٍ وقعَ أو مُقدّر في الوقوع فيما يتعلّق بوجود الله تعالى وماهيته وحقيقته .
إذ أنَّ أغلب تساؤلات الإنسان الواقعة والمُفترضة في هذا الباب إنما برزتْ بسبب الشعور الذاتي والبُنيوي في الداخل الإنساني بضرورة التعرّف على الأصل والمصدر في الأشياء وجوداً وتكوناً ومصيرا .
وقد جَرَّ هذا الشعور البُنيوي إلى أن يطلب الإنسان رؤية الله تعالى جَهرةً كما حصلَ مع قوم موسى (عليه السلام) .
((فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ))(153) النساء
(( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ )) (55)البقرة
ويظهرُ أنَّ سؤال الإنسان عن ماهيّة ووجود وحقيقة الله تعالى هو سؤال فطري قديم جديد وقد يرتبط بالإيمان أو بالحاجة لمعرفة المجهول أو حتى الممنوع ؟
وأوّلُ ما يتبادرُ إلى ذهن الإنسان هو السؤال عن ماهيّة الله تعالى وتكونه أو حقيقته والذي يسوقُ الإنسانَ إلى هذا المَساق هو محدوديته في عالم الطبيعة والإمكان وعالم الحدوث والعلل والأسباب .
وأغلب أسئلة الإنسان هي واقعة تحت تأثير العالم المحدود الذي يعيشُ فيه .
وكثيراً ما يسأل الإنسانُ عن أسئلة عن الله تعالى هي أقربُ بالسؤال عن الإنسان المخلوق منه عن الخالق القادر العزيز سبحانه .
لذا جاء الجواب المَكين في سورة التوحيد (الإخلاص ) بالضد مفهوما ومصداقاً مما يتصوره الإنسان من صورة لله تعالى ماهيةً ووجوداً
كأن كان الإنسانُ يتصور أنّ الله تعالى حادثٌ ومخلوق قديم أو ربما يتصور أنّه واحدٌ من جنس آلهةٍ متعددة .
بل ربما كان الإنسانُ يطلبُ الإيمان بوجود الله تعالى بسؤاله البنيوي في نفسه
هل اللهُ تعالى موجود أم غير موجود ؟
ومن اليقين الجازم أنَّ سورة الإخلاص أو التوحيد على ما سُميّتْ قد أجابتْ أولاً عن حقيقة وجود الله تعالى وحقيقة ماهيته وإنِّيِّته
(( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))
ثم أجابتْ عن توحيده في ذاته وصفاته وأفعاله وحتى عبادته
(( اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) )).
والمُعجز اللفظي والبياني بلاغةً وفصاحةً هنا أنَّ الإجابة عن حقيقة وجود الله تعالى جاءتْ موجزةً جداً
بلفظة الضمير (هو) (أعرف الستة من المعارف في العربيّة ) من آية (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))
بخلاف الجواب عن توحيد الله تعالى فقد جاء بأكثر من لفظةٍ وآيةٍ .
وواضحٌ أنّ الضمير ( هو ) هو ضمير الغائب وهنا قد وقع للشأن الوجودي لله تعالى ذاتاً وماهيّةً وقدرا .
وهذه الصياغة صياغة ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) هي الصياغة الفريدة في القرآن الكريم التي جمعتْ بين معرفتين ورتّبتْ بينهما تقدماً وظهوراً في الوجود والمعرفة
وهما لفظا- الضمير (هو ) واسم العَلم الشخصي (الله ) جلّ شأنه .
في وقتٍ عرضَتْ باقي الصياغات القرآنية إلى ذكر توحيد الله تعالى ذاتاً وصفةً وأفعالا وعبادةً بصورة (( قُل الله )) أو (( قُل هو )) ولم تجمع بين معرفتين .
إلاَّ في مورد واحد وقد جاء في تعريف التوحيد الأفعالي .
كما في قوله تعالى
(( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24))) الملك
والمُعجز اللفظي والبياني بلاغةً وفصاحة هنا لم يقتصر على إجازة اللفظ واشباع المعنى في الجواب عن سؤال الإنسان بالضمير ( هو )
بل كسرَ ما اعتادتْ عليه العرب في انشاء تراكيبها في الربط بين المبتدأ والخبر بالضمير ( هو ) والذي هو أحد أدوات الربط وأصلها الأصيل .
إذ كسرتْ الآية الشريفة ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) القاعدةَ واعجزتْ الفصحاء في تقديم الضمير (هو ) الرابط بين المبتدأ والخبر عادةً لتجعله هو المبتدأ وما بعده خبراً له
لأنّ الخبر(اللهُ أحدٌ ) كان نفسه في المعنى فلا حاجة للربط بالضمير توسطاً بين المبتدأ وخبره .
ف(هو) في الآية الشريفة عند النحاة إعراباً هو مبتدأ ولفظ الجلالة (الله ) مبتدأ ثانٍ ولفظ (أحدٌ ) خبر للمبتدأ الثاني وجملة (الله أحدٌ) خبر للمبتدأ الأول (هو) .
والمُذهل واقعاً أنَّ هذا التركيب القرآني لم يكسر طوق القواعد العربية فحسب
بل كسر طوق قواعد التفكير الإنساني المحدودة في صياغة السؤال ؟
ليفتح الآفاق سعةً وآيةً أمام ذهن السائل عن كينونة الله وكائنيته
فالضمير (هو ) وإن كان ضمير غائبٍ إلاَّ أنه أصل المعارف وجوداً وتحققاً ووجوبا ذاتيا .
ف( هو ) يختزن الهوية والوجود الخاص لله تعالى واقعاً وحقيقةً
حتى كان الضمير الغائب ( هو ) جواباً حاضراً عن ما به الله تعالى هو هو و واقعيته فعلاً .
لذا اشتدَّ الربط معنىً وحكمةً بين ضمير الغائب (هو) وخبره العَلم الشخصي (الله) والذي يدلُّ على شيءٍ موجودٍ بعينه .
وما بين برهان اللغة وبرهان الفلسفة في هذه الآية الشريفة يثبتْ وجود الله تعالى أزلاً وقِدماً (قِدم ذاتي ) وسرمداً ويثبتْ له التوحيد الخالص واقعاً .
كما في بقيّة آيات السورة الشريفة (سورة الإخلاص)
إنَّ لفظ الجلالة ( الله ) هو الآخر من المعارف الوجودية والتي تكشف عن مسمى الذات الواقعية والواجبة الوجود له سبحانه وتعالى .
وهو اسمٌ يجمع بين صفات الكمال والجلال له عزّ ذكره ولا يمكن الوقوف على معرفة كنهه تعقلا وادراكا .
لذا كان هذا الاسمُ المُقدّس هو العلَمَ الشخصي الدال عليه سبحانه لا غير
وأما لفظ ( أحدٌ ) فهو الاسم والوجود الفرد ( لله تعالى ) الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر بحيث لا يقبل الكثرة والتعدد لا خارجا ولا ذهناً .
بمعنى أنَّ اللهَ تعالى هو فردٌ في وجوده وذاته غير داخل في باب العدد والتكثّر وجودا .
_______________________________________________
مرتضى علي الحلي – النجف الأشرف
تعليق