إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

البُعد التربوي في صوم شهر رمضان

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • البُعد التربوي في صوم شهر رمضان

    إ ن أحد أهم أسباب التقدّم والرقي لكل أمّة في جميع مراحل التاريخ، هو تطوّر التربية وتفاعلها في الحياة على الصعيدين: الفردي والاجتماعي، فأيّ أمّة تتوفّر لها العناصر الصحيحة للتربية، لا بد أن تبلغ أهدافها على كافة المستويات.
    فمن هنا تصبح التربية ضرورةً من ضرورات الحياة السعيدة التي لا مجال لعدم الاهتمام بها أو لإهمالها بشكل عام من قِبل أيّ أمّة إذا ما كانت تطمح لمواكبة التقدّم الحضاري، والمساهمة فيه، والاستمرار في الحياة مع الحفاظ على كيانها وإنجازاتها وتاريخها.
    وإذا كان للتربية أنواع متعددة، وأساليب مختلفة، فإن من أسمى تلك الأنواع وأكثرها فائدة وتأثيرًا هي التربية الدينية التي تهدف إلى التهذيب النفسي، والكمال الروحي بالإضافة إلى سلامة الجسم، وصحة البدن.
    وهذان الأمران - أي الاهتمام بالروح والبدن - هما من أبرز الأمور التي هدف الصيام إلى تحقّقها، فقد شُرِّع الصيام من قِبل الله تبارك وتعالى لكي يبلغ الإنسان الصائم درجة التقوى([1])التي تؤدي إلى مراتب الكمال الإنساني فيسعد هو ويساهم في إسعاد الآخرين.
    وبناء على ما تقدم يمكن أن نتلمّس جملة أمور وردت في كلمات النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) تهدف إلى هذا البعد التربوي في الصيام:

    1 - بناء الإرادة والصبر:
    غير خافٍ على أحدٍ ما للإرادة من أهمية في حياة الإنسان، لأن الذي يملك الإرادة هو الذي يستطيع أن يضع حدًّا لشهواته وغرائزه وميوله وأهوائه، ويقول لها "لا" متى ما كانت المصلحة تقتضي ذلك، ويقول "نعم" كذلك، فهو من خلال الإرادة القوية يكبح جماح شهوته، ولا يستجيب لغرائزه، ويتحرّر من أهوائه، فلا يصغي إليها حتى في طعام أو شراب أو استمتاع أو غير ذلك من ضروريات الحياة، لأن من يصبر ويقول لنفسه "لا" فيما هو ضروري، فهو أكثر قوّة على قولها في غير الضروري، وحينئذٍ يصح وصف ذلك الإنسان المالك لتلك الإرادة بأنه حرّ في حياته ومتحرّر من كل أنواع العبودية سوى عبوديته لخالقه تبارك وتعالى، وتتجلّى هذه الإرادة في أبهى صورها بممارسة الصبر لأنه هو الذي يصنع في الإنسان الإرادة الواعية، وأبرز مصاديق الصبر هو الصوم، بل جُعل هو هو، فقد ورد في تفسير قوله تعالى : {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}([2])، عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: (.. الصبر الصيام، وقال: إذا نزلت بالرجل النازلة والشديدة، فليصم، فإن الله عز وجل يقول{وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ} يعني الصيام)([3]).
    وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (قال الله عز وجل: كل أعمال ابن آدم بعشرة أضعافها إلى سبعمئة ضعف إلا الصبر، فإنه لي وأنا أجزي به)، فثواب الصبر مخزون في علم الله عز وجل، والصبر الصوم([4]).
    وقد أطلق النبي (صلى الله عليه وآله) على شهر رمضان في بعض خطبه (شهر الصبر)([5]).
    فالمؤمن الصائم هو الصابر على الجوع سيما من كان في ميدان العمل وبذل الجهد، والصابر على العطش خصوصًا في أيام الحرّ، والصابر على الرغبة الجنسية سيما من كان في مقتبل العمر، ومَنْ غلب هواه في هذه الأمور هو الذي يسمى فائزًا حقيقة، فيسعد في الدنيا وينال جائزته يوم يلقى ربه تعالى، وهي السعادة الأبدية.

    2 - المواساة للفقراء والمساكين:
    لا شكّ أن الإنسان يتفاعل مع ما حوله من المحسوسات أكثر من تفاعله مع المعقولات، ويتأثّر بما يوصف له، ولكن ليس كتأثّره بما يعيشه ويلمسه في الواقع، ومهما قيل لمن يعيش في كنف النعم، ولم يعرف طعم الجوع ومرارته، إن الجوع مؤلم ومنهك، فإنه لا يدرك المعنى الحقيقي لذلك، فالكلام هنا لا يجدي في إيصال تلك الوقائع إلى الآخرين وجعلهم يشعرون بها كأنهم يعيشونها، فمن هنا جاء الإسلام بطريقة مميزة ليذكّر جميع أفراد المجتمع: غنيّهم وفقيرهم، رئيسهم ومرؤوسهم، ذكرهم وأنثاهم، وكل مَنْ جرى عليه القلم، جاء ليذكّرهم لا بالبيان البليغ واللسان الفصيح فقط، وإنما بالفعل العملي والتجسيد الواقعي، فيشعر بصوت النداء في أعماق معدته الخاوية، وأمعائه الخالية، فيتفاعل معه أيما تفاعل، ويدركه بجميع جوارحه، فيدرك حينئذٍ أهمية الصوم ودلالاته، وعظم دوره وفلسفته في الحياة، فيتعاطف مع الجائعين من الفقراء والمساكين، ويشعر بالمواساة الحقيقية مع الآخرين، ويعيش معهم همومهم وآلامهم، فيبادر إلى تخفيفها عنهم ورفعها عن كاهلهم.
    فلذا استحق شهر رمضان أن يطلق عليه نبيُّ الرحمة (صلى الله عليه وآله) بأنه: (شهر المواساة)([6]).
    وجاء هذا المعنى بشكل واضح في جواب الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سأله هشام بن الحكم عن علّة الصيام، فقال (عليه السلام): (إنما فرض الله عز وجل الصيام ليستوي به الغنيّ والفقير، وذلك أن الغني لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأن الغنيّ كلما أراد شيئًا قدر عليه، فأراد الله عز وجل أن يسوّي بين خلقه، وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم ليرقٌَّ على الضعيف فيرحم الجائع)([7]).

    3 - توطيد الروابط بين المؤمنين:
    من خلال كون الإسلام دينَ عمل وحياة وممارسة واجتهاد ولا ينظر إلى الأقوال فحسب، بل يولي أهمية كبرى للأعمال، من هنا كان التأكيد على العلاقات الاجتماعية: الفردية والجماعية، لكي يندمج الإنسان بمحيطه ويتفاعل مع إخوانه بعيدًا عن الانعزال والانطواء.لذا استحق شهر رمضان أن يكون شهر العلاقات الاجتماعية بامتياز، فكثر الحثّ فيه من قِبل النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) على التلاقي والتزاور زيادة على غيره من الشهور.
    ومن جملة ما ورد في هذا المجال عدّة أمور في خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) المشهورة في استقبال شهر رمضان، عندما خطب (صلى الله عليه وآله) في آخر جمعة من شهر شعبان، فقال: (... تصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقّروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم ... وتحنّنوا على أيتام الناس يُتحنّن على أيتامكم.. أيها الناس: من فطّر منكم صائمًا مؤمنًا في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه.
    فقيل: يا رسول الله : وليس كلنا يقدر على ذلك؟
    فقال (صلى الله عليه وآله): اتقوا النار ولو بشقّ تمرة .. اتقوا النار ولو بشربة من ماء..)([8]).
    وعن أبي عبد الله الصادق عن أبيه (عليهما السلام)، قال : (دخل سدير على أبي (عليه السلام) في شهر رمضان، فقال: يا سدير هل تدري أيّ الليالي هذه؟ فقال: نعم - فداك أبي - هذه ليالي شهر رمضان، فما ذاك؟
    فقال له: أتقدر على أن تعتق في كل ليلة من هذه الليالي عشر رقبات من ولد إسماعيل؟
    فقال له سدير: بأبي أنت وأمي لا يبلغ مالي ذاك..
    فما زال ينقص حتى بلغ به رقبة واحدة، في كل ذلك يقول: لا أقدر عليه، فقال: فما تقدر أن تفطّر في كل ليلة رجلاً مسلمًا؟ فقال له: بلى، وعشرة . فقال له أبي (عليه السلام): فذاك الذي أردت يا سدير، إن إفطارك أخاك المسلم يعدل رقبة من ولد إسماعيل)([9]).

    ومن جملة ما ورد في هذا المعنى، بعض فقرات الأدعية الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، ومن أعمّها واشملها ، دعاء صغير في حروفه وكلماته، كبير في معناه ومحتواه، يُدعى به بعد كل فريضة في أيام شهر رمضان، وهو قوله (صلى الله عليه وآله): (اللهمَّ أدخل على أهل القبور السرور، اللهم أغنِ كلَّ فقير، اللهم أشبع كلَّ جائع، اللهم أُكْسُ كلَّ عريان، اللهم اقضِ دينَ كلِّ مدين، اللهم فرِّج عن كل مكروب، اللهم رُدَّ كل غريب، اللهم فكَّ كل أسير، اللهم أصلح كل فاسد من أمور المسلمين، اللهم اشفِ كل مريض، اللهم سدَّ فقرنا بغناك، اللهم غيِّر سوء حالنا بحسن حالك، اللهم اقضِ عنا الدين وأغننا من الفقر إنك على كل شيء قدير)([10]).
    ما أروع هذه الكلمات، وأتمّها.. إذ تُعلّم المؤمن الدّاعي بها كيف يفكّر بالآخرين - مهما كان الآخرون - قبل أن يفكّر بنفسه، ويدعو لهم قبل أن يدعو لشخصه، ولاحظ - عزيزي القارئ - التعميم في جميع الفقرات بلفظ "كل" ، وهو أمر طالما ندب إليه النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) وحثّوا أتباعهم على اتبّاعه([11])، فكم له من أثر على شخصية المؤمن بحيث يعيش همَّ وغمَّ الآخرين حتى يصبح كأحدهم.


    * مبلّغ ديني ومدرّس في الحوزة العلمية.
    [1]- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة183 .
    [2] - البقرة من الآية 45 .
    [3] - الكافي 4/64 كتاب الصيام باب 1 ح7 ؛ ومن لا يحضره الفقيه: 2/76، ح1776 و1777.
    [4] - معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص409 ذيل الحديث 91.
    [5] - الكافي 4/66 كتاب الصيام ب2 ح4؛ ومن لا يحضره الفقيه 2/95 ح1831 .
    [6] - المصدران السابقان.
    [7] - من لا يحضره الفقيه 2/73 رقم 1766.
    [8] - عيون أخبار الرضا (ع) باب28 ح 53.
    [9] - الكافي 4/68 كتاب الصيام ب3 ح4.
    [10] - رواه الشيخ الكفعمي في المصباح والبلد الأمين ؛ لاحظ أيضًا مفاتيح الجنان للقمي ص326.
    [11] - لاحظ بحار الأنوار: 93/313 ح17، وما بعده.

    المصدر : مجلة رسالة النجف السنة الأولى / العدد: الثالث

    الشيخ أمين ترمس
    الملفات المرفقة

  • #2

    اللهم صل على محمد وال محمد

    أحسن الله اليكم وزادكم من فضله .. نعمة وفضلا واحسانا فهو ولي كل نعمة وفضل

    وأبتهل الى الله الخالق ان يمنّ علينا وعليكم بحسن العاقبة وبدوام توفيقه لنا ولكم

    تعليق

    عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
    يعمل...
    X