إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حفظ الحسين لشريعة جده-قراءة جديدة لحديث حسين مني

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حفظ الحسين لشريعة جده-قراءة جديدة لحديث حسين مني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    كل رسالات السماء لابد لها ان تمر بمرحلتين:
    المرحلة الأولى: مرحلةُ تأسيس الرِّسالة وصنع الأمَّة الرِّسالية، وإيجاد المجتمع المؤمن، وهذه هي المرحلة التي تقع مسؤوليتها على عاتق الأنبياء، فإن مسؤوليَّة الأنبياء والرُّسل، وهدف خلقتهم، إنما هو تأسيس أصل الرسالة وتنزيلها من السماء، وإيصالها إلى النَّاس.
    المرحلة الثانية: وهي المرحلة الأخطر، والأكثر صعوبةً، ولنصطلح على تسميتها باسم «مرحلة صيانة الرِّسالة»، فتلك كانت مرحلة التأسيس، وهذه مرحلة الصيانة من التَّحريف والتأويل، فإنَّ الرسالة قد تُبْتَلى بعقبات وهزَّات من قبل الشياطين، شياطين الجن والإنس، فتتعرض لأخطار فلا تبقى، وهذا معنى ما رواه ابن ابي شيبة والهيثمي عن النبي صلى الله عليه واله: إن منكم رجلا يقاتل الناس على تأويل القرآن كما قوتلتم على تنزيله ، فقال ابو بكر : أنا هو ، وقال عمر : انا هو ، قال : لا ، ولكنه خاصف النعل في الحجرة ، فخرج علي ومعه نعل رسول الله يخصفها
    [1]. وهو حديث صحيح.
    فتبرز الحاجة إلى مرحلة الصيانة، وهي المسؤولية الملقاة على عاتق الأوصياء، وهذا لا يعني ان النبي صلى الله عليه واله اكتفى بالمرحلة الأولى وهي مرحلة التأسيس ولم يهتم بصيانة الرسالة، ولكن المرحلة الثانية تتطلب الاستمرار على طول مدة الرسالة لحفظها من التحريف، وهذا ما قام به الأئمة عليهم السلام.
    من هنا نعرف أن الخطَّ العام لدور الأئمة (عليهم السلام)هو هذه المسؤولية التي تكمل مرحلة التأسيس، ومن هنا، أيضاً، كان التعبير القرآني عن مبدأ وصاية الأئمة: {اليوم أكملت لكم دينكم} ، فالمرحلة الأولى لو بقيت من دون الثانية لكان الدين معرضاً للخطر ولا يكتمل بناؤه، وإنما يكتمل هذا الصرح عندما تكتمل المرحلتان وتتمَّان، وتحدّد المسؤوليتان، وتشخص مهمَّات الذين لا بدَّ لهم من القيام بهما.
    وللصِّيانة جانبان: صيانة للشَّريعة وصيانة للأمَّة، بوصفها واقعاً بشرياً مجسَّداً في الخارج.
    أمَّا صيانة الرسالة والشريعة فتعني حفظ الشريعة من التحريف في المفاهيم والقيم، ومن طمس المعالم، وبالتالي حفظها كتعاليم وأحكام وعقائد ومفاهيم وأخلاق وقيم...
    وأمَّا صيانة الأمَّة فتعني أنَّ الرِّسالة لا تُطْلَب لذاتها فقط، بوصفها مفاهيم متكاملة ناضجة ومبرهنة وسليمة، بل الرسالة الكاملة السليمة المنسجمة مع الفطرة البشرية لا بد لها من أن تتجسد في الخارج، في واقع الحياة والاجتماع، وألَّا تبقى بين الدفتين فقط، أي أن تكون رسالة حيّة يؤمن بها مجتمعٌ ما وأمّةٌ ما، ويجسدان تعاليمها.
    وعليه، فحفظ الرِّسالة مجرَّدةً لا يكفي وحده، بل لا بدَّ من أن يكون للصِّيانة جانبها الآخر، وهو حفظ الأمة نفسها، وهذا ما قام به سيد الشهداء عليه السلام في حركته التصحيحية لمسار الأمة.
    فالخطر الذي كان يعايشه الإمام الحسين (عليه السلام) كان خطراً يهدِّد الرسالة المجسّدة في الأمة الحيّة، فقد بدأ الطغاة بتفتيت الأمة الرسالية وإذلالها، وأخذ الحيويّة الرسالية منها، ومسخها، لتتحول إلى أمة ذليلة طائعة، لا تفكر إلا في لقمة العيش، تخاف من كل سطوة، وتبايع الحاكم أيًّا يكن، فاسقاً أم فاجراً، أما الرسالة بوصفها مفاهيم فأمرها على حاله، إذ الصحابة لا يزالون أحياء والأحاديث لا تزال موجودة.
    وإذاً كان هذا هو دور الأئمة بوصفهم أوصياء؛ وهو دور مهمٌّ وحسّاس، فلا بدّ لمن يختارهم سبحانه لهذا الدور، من منزلة وموقع متميّزين، ليتمكَّنوا من القيام بهذا الدور بين الأمَّة، ومن أهم الأسس في تحقيق هذا الهدف، أن يكون هناك تعلُّق قلبي وحب ومودة خاصة من قبل الناس لهم لا يشوبها أي شك، لأنه مبدأ ثابت في أصل الشريعة، بوصفه أصلًا من أصول الرسالة، ولذلك وجدنا النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) اهتم اهتماماً بالغاً بتكريس فكرة محبة أهل البيت ومودتهم في نفوس الأمة وترسيخها، لعلمه (صلي الله عليه و آله و سلم) أنه بهذا سوف يتمكَّن هؤلاء من القيام بالدور الموكل إليهم، فتأكيد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على محبَّة أهل البيت، هو ـ في الواقع ـ بداية عملية من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، للإعداد لدور الوصاية لهؤلاء، فمسألة محبة أهل البيت ومودتهم بالإضافة إلى أنها في نفسها حبّ لله، وحب الله في نفسه أمرٌ كمالي، إعداد للأئمة للقيام بأدوارهم، ولهذا كثرت الآيات والرِّوايات التي تشير إلى أهل البيت (عليهم السلام)وإلى محبَّتهم، هذا المبدأ المودّة الذي أكد عليه القرآن والنبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولم يدع فرصة ومناسبة إلّا استغلها في سبيل ترسيخه، فقد كان النبي ـ على عظمته ـ يتبرك بالحسين (عليه السلام) ، وهو طفل صغير، ويصدر في حقه الكلمات العظيمة، بحيث يثير هذا الأمر استغراب الإنسان الذي لا يعرف خلفية الأمور.
    هذه المواقف كانت لها أبعادها ومدلولاتها ونتائجها في حياة المسلمين، إنَّ أحداً لا يمكن أن يشك في وجوب الموالاة، حتى لو لم يمارس هذا الأمر عملياً، وهذا ما نجده عملياً في سلوك بعض الصحابة فقد روى ابن عساكر عن ابي المهزم قال: كنا مع جنازة امرأة ومعنا ابو هريرة فجيء بجنازة رجل فجعله بينه وبين المرأة فصلى عليهما فلما اقبلنا أعيى الحسين عليه السلام فقعد في الطريق. فجعل ابو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال الحسين عليه السلام: يا ابا هريرة وانت تفعل هذا! فقال ابو هريرة: دعني فوالله لو علم الناس منك ما اعلم لحملوك على رقابهم
    [2].
    فأن يكون الإمام مكلَّفاً بمهمة الوصاية والصيانة بنوعيها، لا يكفي فيه كماله وعصمته، بل لا بد من أن يكون موقعه ثابتاً بين الناس أيضاً، وإلّا لم يؤثر فيهم، والمودّة والمحبة أهم رصيد يثري موقعه ومكانته، وعليه فمبدأ الحب لأهل البيت (عليهم السلام)هو في نفسه هدف ووسيلة.

    روى محب الدين الطبري بإسناده عن جابر بن عبدالله، قال: من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا، سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم»
    [3]
    روى الخوارزمي باسناده عن عبدالله، قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: بي أنذرتم، ثم بعلي بن أبي طالب اهتديتم، وقرأ: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد)، وبالحسن أعطيتم الاحسان، وبالحسين تسعدون وبه تشقون. ألا وان الحسين باب من أبواب الجنة، من عانده حرم الله عليه رائحة الجنة»
    [4]
    روى الكنجي باسناده عن أبي ربيعة السعدي: «لما اختلف الناس في التفضيل رحّلت راحلتي وأخذت زادي وخرجت حتى دخلت المدينة، فدخلت على حذيفة بن اليمان فقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من أهل العراق فقال لي: من أي العراق؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، قال: مرحباً بكم يا أهل الكوفة قال: قلت:اختلف الناس علينا في التفضيل فجئت لأسألك عن ذلك. فقال لي: على الخبير سقطت، أما اني لا أحدثك إلا ما سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي، خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كأني أنظر إليه كما أنظر اليك الساعة، حاملا الحسين بن علي عليه السّلام على عاتقه، كأنّي أنظر إلى كفه الطيبة وأضعها على قدمه يلصقها إلى صدره فقال: أيها الناس لأعرفن ما اختلفتم فيه من الخيار بعدي، هذا الحسين بن علي خير الناس جدّاً وجدّة، جدّه محمّد رسول الله سيد النبيين، وجدّته خديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إلى الايمان بالله ورسوله. هذا الحسين بن عليّ خير الناس أباً، وخير الناس أماً، أبوه علي بن أبي طالب أخو رسول الله ووزيره وابن عمه، وسابق رجال العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله، وأمه فاطمة بنت محمّد سيدة نساء العالمين، هذا الحسين بن علي خير الناس عماً وخير الناس عمةً، عمه جعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء وعمته أم هاني بنت أبي طالب، هذا الحسين بن علي خير الناس خالا وخير الناس خالةً، خاله القاسم بن محمّد رسول الله، وخالته زينب بنت محمّد، ثم وضعه عن عاتقه فدرج بين يديه وجثا ثم قال: أيها الناس هذا الحسين بن علي جده وجدّته في الجنة، وأبوه وأمه في الجنة، وعمه وعمته في الجنة، وخاله وخالته في الجنة، وهو وأخوه في الجنة، ظانه لم يؤت أحد من ذرية النبيين ما أوتي الحسين بن علي ما خلا يوسف بن يعقوب»
    [5]
    روى الخوارزمي باسناده عن سلمان المحمّدي، قال: «دخلت على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإذا الحسين على فخذه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه ويقول: انك سيد ابن سيد أبو سادة. انك إمام، ابن إمام، أبو أئمة. انك حجة ابن حجة أبو حجج تسعة، من صلبك تاسعهم قائمهم»
    [6]


    [1] مصنف ابن ابي شيبة (ج6 / ص367) : 32082، الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد- الصفحة:5/189. وهو حديث صحيح.

    [2] كفاية الطالب ص278.

    [3] ذخائر العقبى ص129.

    [4] مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص145.

    [5] كفاية الطالب ص420، ورواه ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسين من تاريخ مدينة دمشق ص135 رقم 173، والحضرمي في وسيلة المآل ص362.

    [6] مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص146.



المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x
يعمل...
X